عبدالله الفكي البشير
كاتب وباحث سوداني
(Abdalla Elfakki Elbashir)
الحوار المتمدن-العدد: 8648 - 2026 / 3 / 16 - 01:49
المحور:
السياسة والعلاقات الدولية
البيئة الإنسانية الجديدة تحتم ابتداع مسار جديد للعلاقات المصرية- السودانية
محمود محمد طه: الوضع الطبيعي بين مصر والسودان هو التكامل لحد الوحدة
محمود محمد طه: مصر بالنسبة للسودان كالعقل في الجسد والسودان بالنسبة لمصر كالقلب في الجسد
محمود محمد طه: لتحسين العلاقات يجب تصفية المسائل المعلقة فوراً لأنها هي سبب سوء التفاهم المستمر ومن ثم العمل على بناء اتحاد الأنداء
محمود محمد طه: إن العداء بين مصر والسودان أمر غير طبيعي ولا مستساغ
يجب السير بالعلاقات المصرية- السودانية بما يخدم مستقبل الشعبين
نحو تحرير العلاقات المصرية- السودانية من الثأرات السياسية والتاريخية
فلنجعل من التاريخ مصدراً للفهم وأداةً لإحداث التغيير وبناء المستقبل
قدم المفكر محمود محمد طه رؤية تجاه العلاقات السودانية المصرية، في تقديري وحسب علمي، بلا مثيل، لا عند المصريين، ولا عند السودانيين. ولم يقل بها، بناءً على اطلاعي، أي من السياسيين السودانيين، أو السياسيين المصريين، ولم يقل بها كذلك، أي مفكر مصري أو مفكر سوداني. وسنعطي إضاءة موجزة جداً عن هذا حتى نبين أن المفكر محمود محمد طه ينظر للعلاقات المصرية- السودانية بأنها علاقات استراتيجية مصيرية، ولا يمكن لهذه العلاقات أن تستمر على ما هي عليه اليوم. ولابد أن يكون هناك وعي بخصوصية هذه العلاقات حتى تخدم مستقبل الشعبين. وتأتي نظرته للعلاقات السودانية- المصرية، انطلاقاً من معطيات راهن مسار الإنسانية. فهو يرى، وكان من أوائل الذين لفتوا الانتباه لذلك منذ عام 1958، أن الإنسانية جمعاء في طريقها إلى الوحدة، فالبيئة الإنسانية الجديدة، الحياة الرقمية، تؤكد بأن الإنسانية تسير في طريق الوحدة الكوكبية، وأن سبل الاتصالات والمواصلات تكاد تلغي الزمان والمكان، وأن الدول غدت تتجاور كجوار البيوت. هذا التجاور، وتلك الحياة الرقمية، تنعكس على العلاقات بين البلدان، وعلى العلاقات المكانية، بوضعها في مستوى جديد. إن المسؤولية الأخلاقية في ظل هذه البيئة الإنسانية الجديدة ذات الحياة الرقمية المخاطبة للأجيال الجديدة، تحتم السير بالعلاقات السودانية - المصرية، بما يتجاوز معوقات الراهن، وكل أشكال العداء. وينبغي أن تنتقل هذه العلاقات إلى مصاف الوحدة وفقاً لأسس جديدة، كما يدعو لذلك المفكر محمود محمد طه. ليكون من الواجب الأخلاقي والواجب الثقافي على المثقفين والمفكرين والسياسيين في البلدين، أن يبدأوا في العمل على إيجاد سيناريوهات جديدة، ولغة جديدة، ومفاهيم جديدة، للتعاطي مع هذه العلاقات التاريخية والمصيرية، والتي تمتد لجوف التاريخ، فضلا عن هذه الجغرافية، وهذه التركيبة نادرة المثيل. علينا استثمار هذا الوضع الجيو سياسي لمصلحة الشعبين، وعلينا، في واقع الأمر، أن نعي بأن معطيات وإمكانيات العلاقات المصرية- السودانية ربما لا مثيل لها في العالم أو قل نظيرها.. فهناك نيل مشترك، أرض متداخلة، وخيرات طبيعية في البلدين مكملة لبعضها البعض، ومزاج مشترك. هذا الواقع يتطلب التعاطي على أسس العلم والفكر، لا على أساس الانفعال السياسي، وعلى أساس تحقيق مصلحة الشعبين على المدى البعيد لا على أساس الثأرات التاريخية. يجب علينا العمل من أجل تحرير العلاقات المصرية- السودانية من الثأرات السياسية والتاريخية. وعلينا أن نُدرك بأننا لا نستطيع تكييف التاريخ أو تغييره، ولكن يمكننا توظيف التاريخ ليكون أداة للتفاهم ولإحداث التغيير وبناء المستقبل. هذا المشترك الطويل وبكل ما ينطوي عليه من خيرات ومشاكل، يمكننا الوعي به، ويمكننا عبره أن نبني مستقبل مشرق للشعبين، وهذا ما يدعو إليه المفكر محمود محمد طه.
أسئلة الراهن: نحو فهم جديد للروابط السودانية- المصرية
لقد وضعت بعض أسئلة لكي أجيب عنها من خلال رؤية المفكر محمود محمد طه، التي جاءت في كتاباته وفي أحاديثه، والأسئلة، هي:
ما هو الوضع الطبيعي للعلاقات بين مصر والسودان عند المفكر محمود محمد طه؟
لمَّا كان يجمع السودان ومصر جوار جغرافي وتاريخ مشترك طويل وبالطبع يشتمل الإرث السياسي على مشاكل، وفي ظل هذه المعطيات، ما هي رؤية المفكر محمود محمد طه لتحرير هذه العلاقات من ذلك الإرث السياسي ومن الجهل بها، حتى يتم الانتقال بالعلاقات المصرية السودانية لمصاف العلاقات المصيرية، وبما يضمن تحقيق المصلحة المستقبلية للشعبين.
كذلك وفي ظل البيئة الإنسانية الجديدة حيث الوحدة الكوكبية وتجاور الدول كجوار البيوت ووحدة المصير المشترك للإنسانية جمعاء، ما الذي ينبغي أن تكون عليه العلاقات السودانية المصرية في رؤية المفكر محمود محمد طه؟
ستكون الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال كتابات المفكر محمود محمد طه وأحاديثه، وسأعرض في نحو دقيقة ونصف حديث بصوته يلخص لنا رؤيته تجاه العلاقات المصرية- السودانية، وهي رؤية تختلف عن رؤية أي مفكر أو سياسي سوداني أو مصري. يقول المفكر محمود محمد طه:
إن مصر بالنسبة للسودان كالعقل في الجسد، والسودان بالنسبة لمصر كالقلب في الجسد. هذا مقولة كبيرة وجامعة، وتحتاج منا للتأمل والتفكر والتدبر، حتى نعي بها وهي تعبر عن مدى عمق وخصوصية العلاقات السودانية- المصرية.
وكتب في العام 1955، قائلاً: "إن العداء بين مصر والسودان أمر غير طبيعي ولا مستساغ ويكاد يجزم بأنه غير ممكن ولأن يكون كل منهما مستقلاً حراً قوياً أجدى على علاقاتهما في المضمار العالمي من أن يتحدا اتحاد الضعاف فان اتحاد الضعاف ضعف على ضعف".
وتحدث في العام 1958، قائلاً: لتحسين العلاقة مع مصر يجب تصفية المسائل المعلقة معها فوراً، .... وذلك بوسائل المفاوضات أو وسائل التحكيم. ويجب الا نترك هذه المسائل معلقة هكذا لأي فترة من الزمن بعد اليوم لأنها هي سبب سوء التفاهم المستمر فإذا ما تمت هذه التسوية فإن علاقتنا بمصر ستقوم على العدل وحسن الجوار والاحترام المتبادل.
ما هو الوضع الطبيعي بين مصر والسودان؟
نحو اتحاد الأنداء
أنتقل إلى خلاصة رؤية المفكر محمود محمد طه، وهو يتحدث بصوته، عن الوضع الطبيعي بين مصر والسودان، في 29 يناير 1979، فقد تحدث، قائلاً:
"نحن برضو نعتقد بأن الوضع الطبيعي بين مصر والسودان هو التكامل الذي يصل لغاية الوحدة.. نحن نعتقد بأن العالم كله ماشي لاتحاد ما ماشي لفركشة.. ونحن بنحلم بحكومة عالمية تهيمن على العالم كله، وتضعف الحدود السياسية والحدود الجمركية بين البلاد، ويكون الاختلاط وانتقال الناس وانتقال الأدوات يكون أسهل بكثير جداً، لكن كل بلد يكون عنده قوته وشخصيته وتاريخه وتقاليده وأوضاعه ناضجة عنده، يعني البلد يحقق قومية منسبكة وقوية، مصر تعمل كدا، السودان يعمل كدا، يتحدوا اتحاد الأنداء.. يتعاونوا في تذليل ما بينهم من مشاكل، لعيش الشعبين كل في بلده كريم وحر.. هذا العمل نحن بنفتكر عايز مجهود داخل مصر، وعايز مجهود داخل السودان، قبل ما يكون في مسألة تكامل، إلا إذا وقف التكامل عند التعاون، لكن أن يكون خطوة للوحدة ونحن على هذا الضعف نحن بنفتكر أنه خطأ".
الوحدة اتساق مع معطيات البيئة الإنسانية الجديدة
يدعو المفكر محمود محمد طه إلى التكامل بين مصر والسودان لحد الوحدة، ويدعونا للعمل من أجل تصحيح مسار العلاقات السودانية- المصرية، بما يضمن تحقيق المصلحة المستقبلية للشعبين. ويرى أن تحقيق هذه الرؤية يتطلب مجهود وعمل كبير في داخل مصر، ومجهود وعمل كبير في السودان. وبهذا المجهود في البلدين، وهو مجهود ينبغي أن يقوم على العلم والفكر، يتحقق الاتساق مع البيئة الإنسانية الجديدة، حيث الوحدة التي هي مستقبل الإنسانية. ولمَّا كانت الإنسانية تسير نحو الوحدة الكوكبية، ووحدة المصير المشترك، فمن باب أولى أن تتوحد دول الجوار. فالوحدة لم تعد تمنيات أو عمل سياسي فطير، وإنما أمر مصيري، على الرغم من الأخطاء التاريخية التي ينطوي عليها تاريخ العلاقات الثنائية. والمفكر محمود محمد طه يعرف تاريخ العلاقات السودانية- المصرية، معرفة عميقة، كما أنه من أكثر الذين تأذوا من الأخطاء في مسارها، بل يكاد يكون أكثر قائد ومفكر لحقه الأذى، غير أنه لا يتوقف عند الثأرات والعداء. فهو القائل: "أنا ما عندي أعداء أنا ملازم الحق". كما أنه رجل عارف ومعلم كبير للإنسانية، كون الإنسان الآخر عنده، بغض النظر عن دينه ولسانه ولونه ونوعه ... إلخ، هو موضع محبة عنده، وهو داعية لمحبة الإنسان من حيث هو إنسان. والمحبة عنده عمود التوحيد، كوننا نحب الله في خلائقه، وليس في ذاته، ولمَّا كان الإنسان هو أكرم خلائق الله، فإن محبته مرتكز أساس في التوحيد. كما أن الإنسان هو غاية، وكل الأديان والكتب السماوية والفلسفات، هي وسيلة للغاية التي هي الإنسان. فعلى الرغم مما انطوى عليه تاريخ العلاقات السودانية- المصرية من أخطاء في حق المفكر محمود محمد طه، وهو مفكر كبير ومعلم عظيم للإنسانية، فإن الشعب المصري هو موضع محبة عنده، وكذلك الإنسانية جمعاء، بل كل الأحياء والأشياء، هي موضع محبة عند المفكر محمود محمد طه.
نحو تحرير العلاقات السودانية- المصرية من نظر السقوف المعرفية الخفيضة
لم تعد العلاقات بين البلدان، خاصة في عالم اليوم، لا سيما العلاقات السودانية- المصرية، لم تعد تُبنى على الانفعالات والانطباعات والأمزجة الفردية، ولم تعد تُبنى على الثأرات السياسية والثقافية، وإنما تُبنى على العلم، وعلى النظر المواكب للمسار الكوكبي ولتحولات النظام العالمي، والمتغيرات الإقليمية. وبالطبع هناك ضرورة الأخذ في الاعتبار المهددات المستقبلية التي تواجه الإنسانية جمعاء، وهي كثيرة، منها على سبيل المثال، لا الحصر: الأمن الغذائي، ونقص المياه والتوقعات بحروب المياه، والتغير المناخي، والأوبئة والأمراض العالمية، ونقص الموارد الطبيعية، والإرهاب والتطرف، والأمن السيبراني والهجمات الإلكترونية، الهجرات الجماعية وعدم الاستقرار. ولكل هذا فإنني ادعو للاطلاع والحوار حول رؤية المفكر محمود محمد طه تجاه العلاقات السودانية- المصرية. وأذكر بدعوته للمفكرين والمثقفين والسياسيين في مصر والسودان، على العمل من أجل وضع العلاقات السودانية- المصرية في أفق جديد، يتسق مع التاريخ والجغرافية، والمواكبة للبيئة الإنسانية الجديدة، والاستعداد للمهددات المستقبلية. كما يجب الانتقال بهذه العلاقات من أفق التنظير الفطير، وإدمان المهاترات، والنظر العاطفي القائم على اليومي، إلى أفق المشاريع التنموية المشتركة الضخمة لخدمة الشعبين. وهذا واقع يؤكده الراهن الكوكبي والإقليمي والمحلي، حيث حتمية وحدة المصير مشترك، إذ لا فكاك للخرطوم من القاهرة، ولا فكاك للقاهرة من الخرطوم. ولهذا يجب علينا العمل على فكرنة مسار العلاقات السودانية المصرية، وعقلنة التشخيص للقضايا والمشاكل، وإدخال العلم في تصميم الحلول.
المصدر الصوتي للنص أعلاه: يمكن الاستماع لحديث الدكتور عبد الله الفكي البشير عن رؤية المفكر محمود محمد طه بشأن العلاقات السودانية- المصرية، من خلال هذا الرابط:
https://www.youtube.com/watch?v=jpopXdb25ac
جاء هذا الحديث في صدر ندوة قدمها الدكتور عبد الله الفكي البشير، في الفضاء المصري، وكانت بعنوان: "التنمية الإنسانية في ضوء العلمين المادي والروحي"، في منبر الفكر والفلسفة، وأدارها الأستاذ الدكتور بهاء درويش، أستاذ الفلسفة المتفرغ بكلية الآداب – جامعة المنيا، مصر. وذلك في 6 مارس 2026.
ويمكن الاستماع للندوة كاملة من خلال هذا الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=jpopXdb25ac
#عبدالله_الفكي_البشير (هاشتاغ)
Abdalla_Elfakki_Elbashir#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟