عبدالله الفكي البشير
كاتب وباحث سوداني
(Abdalla Elfakki Elbashir)
الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 18:45
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
البحث العلمي وأمن المعرفة والفكر
إطلاق الأحكام التقريرية بلا ورعٍ علمي ولا احترازٍ فكري
"والآن نأتي للنقد بالاعتدال والمسؤولية.. وهذا يتطلب العلم والصدق".
محمود محمد طه، نوفمبر 1971
نواصل المواجهة العلمية لما أورده الدكتور أمين حامد زين العابدين في كتابه الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة، في نقده لفكر محمود محمد طه. كتب أمين، قائلاً: "وطغت النزعة التوفيقية والتلفيقية على مشروعه الفكري الذي استوعب مفاهيم وقيم الحداثة الثقافية الغربية، مثل نظام الحكم الدستوري الديمقراطي وفلسفة كانط الأخلاقية وجوهرها بأن الإنسان غاية في حد ذاته وليس وسيلة لغاية أخرى، وتحقيق العدالة والمساواة والحرية الفردية والاشتراكية" (ص 189- 190).
هنا يجب التوضيح بأن مواجهتنا العلمية لما أورده الدكتور أمين، لا ترمي إلى مصادرة حقه في الاختلاف مع فكر محمود محمد طه، ولا تروم إلى إحاطة هذا الفكر بحصانة تمنع نقده، وإنما من موقع الدفاع عن قاعدة أسبق من الاتفاق والاختلاف، هي نزاهة البحث العلمي وأمانة التعامل مع النصوص. ونواصل ذلك كذلك من موقع القيام بالواجب الثقافي والأخلاقي تجاه حماية المعرفة والفكر من آفةٍ تهدد سلامة البحث والكتابة، ولا سيما في المجال السوداني؛ حيث تقتضي المسؤولية العلمية أن تُقرأ الأفكار في مصادرها الأصلية، وأن تُنسب الأقوال إلى أصحابها بأمانة، وأن تُفحص الاستنتاجات في ضوء النصوص التي بُنيت عليها، بعيدًا عن الانتقاء والاجتزاء، وعن تحميل النصوص ما لا تحتمل، كما بيَّنا في الحلقات السابقة. ويكتسب هذا الواجب أهميته بصورة خاصة فيما وقفنا عليه ودرسناه من كتابات تناولت فكر محمود محمد طه وموقفه من قضايا الإسلام والحداثة؛ إذ أن القضية هنا، لا تتصل بفرض رأي، وإنما تتصل بالدفاع عن حق المعرفة والفكر في أن يُقدَّما كما هما، وعن حق القارئ في أن يواجه النص الأصلي لا صورةً مصنوعةً عنه، وعن حق الفكر السوداني والإنساني في أن يُناقش وفق مقتضيات البحث العلمي الرصين.
ومن هذا المنطلق، فإن ما أتينا به في كتاباتنا، وما سيأتي هنا، ليس محاولة لإغلاق باب النقد، وإنما محاولة لفتح باب النقد على أصوله الصحيحة؛ بحيث يكون الاختلاف مع محمود محمد طه اختلافًا مع ما قاله وكتب، لا مع ما يُنسب إليه، وبحيث يكون الحكم على فكره ثمرةً لقراءة أمينة لنصوصه، لا نتيجةً لمقدمات لم يقل بها. كما أننا نسعى إلى لفت الانتباه إلى أن إطلاق الأحكام التقريرية دون دراسة كافية للمحتوى، واستخلاص النتائج استنادًا إلى افتراضات لا يسندها النص، أو إلى قراءات مبتسرة لا تستحضر السياق، لا يفضي إلى مجرد اختلاف في الرأي، وإنما يحوّل البحث العلمي نفسه إلى مصدر خطر على أمن المعرفة والفكر؛ إذ تصبح الكتابة، في هذه الحالة، وسيلة لإنتاج صور غير دقيقة عن الأفكار وأصحابها، بما يترتب عليه من آثار تتجاوز الباحث والكاتب إلى القراء والأجيال القادمة، وإلى الذاكرة الثقافية والتراث الفكري والإنساني.
عندما يصبح الدفاع عن نزاهة البحث العلمي دفاعًا عن أمن المعرفة والفكر
حتى لا يكون البحث العلمي موبوءاً بمنهج الفقهاء المعاصرين وأساليبهم في النقد
من هنا تكتسب عبارة المفكر محمود محمد طه، التي صدّرنا بها هذه المواجهة، دلالتها المنهجية: "والآن نأتي للنقد بالاعتدال والمسؤولية.. وهذا يتطلب العلم والصدق". فهذه العبارة ليست دعوة إلى تجنب النقد، ولا محاولة لتحصين الفكر من المساءلة، وإنما هي دعوة إلى الارتقاء بالنقد نفسه إلى مستوى المسؤولية العلمية، بحيث يقوم على العلم والصدق والإنصاف. ولذلك، فليس المطلوب تحصين فكر محمود محمد طه من النقد، وإنما تحصين النقد نفسه من التسرع والانتقائية ومفارقة النصوص وسياقاتها، ومن إطلاق الأحكام التقريرية التي لا يسندها الدليل الكافي. وقد كان محمود محمد طه واضحًا في موقفه من النقد؛ فلم يرفضه، بل اعتبره مطلوبًا ومحمودًا، شريطة أن يُمارس، كما قال: بصدق وعلم ومسؤولية وتوازن. وهذا الموقف يضع الناقد أمام مسؤولية مضاعفة: أن يكون وفيًّا للنص الذي ينقده قبل أن يكون وفيًّا للنتيجة التي يريد الوصول إليها. من هنا، فإن السؤال الذي نطرحه في هذه المواجهة ليس: هل يجوز نقد فكر محمود محمد طه؟ فهذا حق لا خلاف عليه. وإنما السؤال هو: هل استوفى النقد الموجَّه إليه شروط النقد العلمي، من حيث صحة النقل، ودراسة المحتوى، واكتمال السياق، ودقة الاستدلال، والتمييز بين ما يقوله النص وما يستنتجه الناقد منه؟
هذا هو جوهر المسألة؛ إذ لا قيمة لنقدٍ يقوم على نقل غير دقيق، أو قراءة مبتسرة، أو اقتطاع للنصوص من سياقاتها، أو استنتاجات تتجاوز ما تسمح به الأدلة. وبه وحده يمكن أن تتحول المواجهة الفكرية من مجرد سجال حول المواقف إلى بحث علمي يحترم المعرفة، ويصون أمن الفكر من الأحكام المتعجلة، ويحمي حق القارئ في الوصول إلى الأفكار في مصادرها وسياقاتها الحقيقية. كما أن هذا هو السبيل إلى ألا يتحول البحث العلمي نفسه إلى أداة لإعادة إنتاج المناهج التي ننتقدها؛ بحيث يتسلل إلى النقد المعاصر منهج الفقهاء وأساليبهم في التعامل مع فكر محمود محمد طه: من إطلاق الأحكام قبل استيفاء النظر، والانتقائية في التعامل مع النصوص، وبتر النصوص، وتقديم الحكم على الدليل، ثم البحث عن الشواهد التي تؤيده بدل اختبار الحكم نفسه في ضوء النصوص. فالمشكلة، إذن، ليست في أن يُنتقد فكر محمود محمد طه، وإنما في أن يفقد البحث العلمي وظيفته النقدية، ويتحول من وسيلةٍ لكشف الحقيقة إلى وسيلةٍ لإنتاجها وفق الرغبة؛ ومن ثم يكون البحث العلمي موبوءاً بمنهج الفقهاء وأساليبهم في النقد. وهنا تحديدًا يصبح الدفاع عن نزاهة البحث العلمي دفاعًا عن أمن المعرفة والفكر.
وفي هذا السياق، يحسن التذكير بأن محمود محمد طه نفسه كان قد انتقد بعض أساليب الفقهاء في التعامل مع فكره، وميّز بين عدم الفهم وبين عدم الصدق، فكتب، قائلاً: "نحن لا نلوم الفقهاء على عدم الفهم، ولكننا نلومهم على عدم الصدق، ..." (1968). ومن جانبي، كنت قد تناولت بالدراسة منهج الفقهاء في النقد، وأساليب من يسمون برجال الدين ومؤسساتهم (الأزهر، ومعهد أم درمان العلمي، وجامعة أم درمان الإسلامية، ورابطة العالم الإسلامي، والندوة العالمية للشباب الإسلامي، وهيئة علماء السودان) في النقد والتآمر ضد فكر محمود محمد طه وسيرته الفكرية، وما ارتبط بذلك من مواقف وتداعيات، وذلك في عدد من الكتب، من بينها: المؤسسات الدينية: تغذية التكفير والهوس الديني (2022)، والذكرى الخمسون للحكم بردة محمود محمد طه: الوقائع والمؤامرات والمواقف (2020)، وصاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ (2013).
إن ذكر هذه الأعمال هنا ليس لإقامة سلطة مرجعية على القارئ، ولا لإغلاق باب النقاش، وإنما لتحديد موقع هذه المواجهة ضمن مسار بحثي أوسع؛ مسارٍ ينطلق من أن نقد الأفكار لا يستقيم إلا إذا التزم الناقد بأمانة النص، وأن الاختلاف الفكري لا يبرر تجاوز قواعد التوثيق والتحقق، وأن حماية أمن المعرفة والفكر تقتضي أن تكون الكلمة مسؤولة عن الدليل الذي تستند إليه، وعن الصورة التي تقدمها للأجيال عن أصحاب الأفكار وتاريخها. وعليه، فإن مواجهتنا لما أورده الدكتور أمين حامد زين العابدين ستنصرف، في المقام الأول، إلى النص والدليل والمنهج: إلى أي مدى كان الدكتور أمين مطلعاً على محتوى طرح محمود محمد طه؟ ماذا قال محمود محمد طه فعلًا؟ وفي أي سياق قاله؟ وكيف نقله الدكتور أمين؟ وما الذي استخلصه الدكتور أمين منه؟ وهل يحتمل النص ذلك الاستنتاج؟ وأين ينتهي النص ويبدأ تأويل الناقد؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تحكم المواجهة، وهي في تقديرنا أسبق من الحكم على محمود محمد طه أو على خصومه؛ لأن سلامة المنهج شرط سابق على سلامة النتيجة، ولأن أمن المعرفة يبدأ من احترام الحقيقة في أبسط صورها: أن ننقل عن صاحب الفكرة ما قاله، لا ما نريد له أن يكون قد قاله.
النقد العلمي لا يبدأ بالحكم وإنما بإقامة الدليل
ماذا يعني وصف فكر محمود محمد طه بـ "التوفيقي والتلفيقي"؟
إن وصف الدكتور أمين بأن فكر محمود محمد طه طغت عليه النزعة "التوفيقية والتلفيقية"، وأنه استوعب مفاهيم وقيم الحداثة الثقافية الغربية، مثل نظام الحكم الدستوري الديمقراطي، وفلسفة كانط الأخلاقية، وتحقيق العدالة والمساواة والحرية الفردية والاشتراكية. يطرح عدة أسئلة مستحقة، فلنبدأ بالسؤال المنهجي البسيط: هل قدم الدكتور أمين الدليل على أن محمود محمد طه استعار هذه المفاهيم من الحداثة الغربية ثم ألبسها لباساً إسلامياً؟ أم أنه لاحظ وجود تشابه بين بعض النتائج التي انتهى إليها محمود وبين بعض الأفكار الحديثة، ثم جعل من هذا التشابه دليلاً على الاقتباس والتلفيق؟ وهل وجود مفهوم مشترك بين منظومتين فكريتين يثبت بالضرورة أن إحداهما أخذته من الأخرى؟ وهل وجود مفهوم ما حديث عند مفكر إسلامي يكفي لإثبات التأثر أو الاقتباس، فضلاً عن أن يكون دليلاً على "التلفيق"؟ وهل كانت الديمقراطية والاشتراكية والعدالة والمساواة والحرية الفردية عناصر دخيلة على فكر محمود محمد طه؟
هذه القضايا والأسئلة يمكن اختبارها بالنصوص، وهي أهم من إطلاق الأحكام. ففي مصادر فكر محمود محمد طه نجد أن هذه المفاهيم لم تظهر في كتاباته بوصفها ملحقاً متأخراً أضيف إلى طرح ديني متكامل تحت تأثير الحداثة الغربية، بل ارتبطت منذ وقت مبكر بتصوره منذ إعلانه لطرحه (الفكرة الجمهورية- الفكر الجمهوري- المذهبية الإسلامية الجديدة- الدعوة الإسلامية الجديدة- الرسالة الثانية من الإسلام- الفهم الجديد للإسلام- البعث الإسلامي- إحياء السنة) في 30 نوفمبر 1951، وأخذه للدعوة له والتفصيل فيه. كانت المفاهيم آنفة الذكر من مرتكزات طرحه. بل إن الدراسات التي تناولت فلسفته الاجتماعية تشير إلى تصوره للمجتمع الصالح باعتباره قائماً على ثلاث مساويات: المساواة الاقتصادية، والمساواة السياسية، والمساواة الاجتماعية؛ وربط المساواة الاقتصادية بالاشتراكية، والمساواة السياسية بالديمقراطية. وهذا مهم جداً؛ لأن السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى كتاب الدكتور أمين ليس: "هل توجد في فكر محمود ديمقراطية واشتراكية وحرية؟" فهذا أمر يمكن إثباته بسهولة من نصوص المفكر محمود محمد طه. ولكن السؤال الأدق هو: كيف بنى المفكر محمود محمد طه هذه المفاهيم؟ وما مصدر مشروعيتها عنده؟ وهل ينطلق في هذه المفاهيم من الفكر الغربي أم من داخل رؤيته للقرآن ولتطور التشريع ولغاية الدين؟ وهنا تحديداً ينبغي أن يكون النقد أكثر دقة، فهل درس الدكتور أمين محتوى كل مفهوم من هذه المفاهيم في عند محمود محمد طه وبناء على مصادره؟
وهنا تظهر مشكلة وصف الطرح بـ "التلفيقي". فالتلفيق ليس مجرد الجمع بين عناصر مختلفة، وإنما هو جمعها بطريقة لا تنشئ بينها وحدة نظرية حقيقية، أو تركيبها تركيباً متناقضاً لا يستطيع صاحبه تبريره. ومن ثم فإن وصف طرح فكري كامل بأنه "تلفيقي" يفرض على الناقد عبئاً إضافياً: أن يكشف مواضع التناقض الداخلي في البناء الفكري نفسه. أما مجرد القول إن فكر محمود محمد طه تحدث عن الديمقراطية والاشتراكية والحرية، وأن هذه المفاهيم معروفة في الفكر الحديث، فليس برهاناً كافياً على التلفيق.
وهنا، مع هذه الأحكام التقريرية، التي لا تستند على دليل، يكون الاطلاع على طرح محمود محمد طه وتتبع مصادره من أولويات النقد، وأهم الشروط لاستيفاء عملية الدراسة والتحليل قبل إطلاق الاحكام. ذلك لأن إثبات هذه الأحكام يحتاج إلى أكثر من المقارنة بين النتائج. يحتاج إلى تتبع مصادر محمود محمد طه، وتتبع كيف تطور المفهوم في كتاباته؟ وهل استخدم المصطلح نفسه أم أعاد بناءه من داخل منظومته الفكرية والدينية؟ وكل هذا يحتاج لمعرفة دقيقة بالمصادر. فهل أطلع الدكتور أمين على طرح محمود محمد طه بصورة كافية حتى تسعفه في دراسة محتوى مفاهيم محمود محمد طه عن الأخلاق، والعدالة، والمساواة، ونظام الحكم الدستوري الديمقراطي، والحرية الفردية، والاشتراكية؟ الشاهد أن الدكتور أمين لم يقدم في كتابه أي دراسة لمحتوى هذه المفاهيم آنفة الذكر، حتى يبرهن على زعمه باستعارة محمود محمد طه لها. والحق أنه لو درس محتوى هذه المفاهيم في مصادر محمود محمد طه، كما درسها الدارسون لفكر محمود محمد طه من مختلف أنحاء العالم، وستأتي الإشارة لبعضهم، لخرج بعكس ما خلص إليه، وعندها كان الدكتور أمين قد أسهم في حماية أمن المعرفة والفكر، وأسهم في تنمية الوعي وخدمة التنوير.
ونزعم بعد فحص وتمحيص وتفحص أن الدكتور أمين لم يدرس في كتابه محتوى مفاهيم وقيم الحداثة الثقافية الغربية، مثل نظام الحكم الدستوري الديمقراطي، وفلسفة كانط الأخلاقية، والعدالة، والمساواة، والحرية الفردية، والاشتراكية، عند المفكر محمود محمد طه. وما يؤكد زعمنا هذا، ويدلل على أن الدكتور أمين لم يقدم سوى أحكام تقريرية، ووصف متعجل، بلا تحليل أو دراسة وافية، هو أن كل الصفحات التي خصصها الدكتور أمين في كتابه لفكر محمود محمد طه هي (13) صفحة جاءت في الصفحات من 187 حتى 200. فهل يعقل أن تكفي هذه الصفحات لدراسة فكر محمود محمد طه؟ وهل تعطي هذه الصفحات الدكتور الأمين الحق في أن يخرج بهذه النتائج وهذه الأحكام التقريرية؟ وهل يمكننا قبول مثل هذا البحث؟ في تقديري، أن مثل هذا البحث يشكل خطراً على أمن المعرفة وأمن الفكر؟ ويشكل خطراً على القراء والأجيال القادمة؟ ويشكل خطراً كذلك على الذاكرة الثقافية، والسجل المعرفي الوطني، وعلى التراث الفكري والإنساني. ولابد من التأكيد على أن الدكتور أمين في هذا، ليس حالة استثنائية، وإنما للأسف الشديد، يمثل نموذجاً مثالياً لمعظم الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه.
ضعف الاطلاع على المصادر والتصرف في نصوصها
تكشف دراستنا لما أورده الدكتور أمين حامد زين العابدين عن فكر محمود محمد طه ومصادره أن اطلاعه على هذه المصادر لم يكن بالقدر الذي يسمح له بإطلاق الأحكام التقريرية الواسعة التي أطلقها، بل إن بعض ما أورده يكشف عن عدم إحاطة كافية حتى بأهم المرتكزات التي يقوم عليها فكر محمود محمد طه، كما بيّنا آنفًا. ومما يدل على ذلك إطلاقه أحكامًا تقريرية لا يسندها دليل نصي كافٍ، من قبيل قوله إن محمود محمد طه: "لم يشرح في أعماله عوامل تخلف السودان والمجتمعات العربية والإسلامية" (ص 189). وقد تناولنا هذا الحكم وفنّدناه في الحلقات السابقة، وبيّنا بالأدلة والنصوص أنه لا يصمد أمام مراجعة أعمال محمود محمد طه ومواقفه في هذا المجال. ولأهمية هذه المسألة، ولمجافاة ذلك الحكم لما تثبته النصوص والوقائع، خصصنا لها مساحة واسعة فيما سبق. ولا يقتصر الأمر على ضعف الاطلاع على المصادر، وإنما يمتد إلى كيفية التعامل مع النصوص التي أُشير إليها والاعتماد عليها. فالمصادر التي أحال إليها الدكتور أمين، والإشارات التي أوردها إلى كتب محمود محمد طه، تكشف عند فحصها عن نمط من التعامل يحتاج إلى مراجعة علمية دقيقة: مثل الإضافة إلى النص، والحذف منه، واجتزاء لبعض عباراته، ثم إلحاق النص بعد تعديله بالاستنتاج المراد إثباته.
وهنا يحق لنا أن نسأل: هل يكفي الاطلاع على سبعة كتب فقط من بين أربعة وثلاثين كتابًا لمحمود محمد طه، فضلًا عن مئات المقالات والبيانات والمحاضرات والجلسات التربوية، وعشرات المساجلات والمقابلات الإعلامية، لإطلاق أحكام كلية على منظومته الفكرية؟ وهل كان النقل عن هذه المصادر أمينًا ودقيقًا، أم أن بعض النصوص تعرض أثناء نقلها للتغيير والحذف والإضافة بما يؤثر في دلالتها؟
إن المسألة هنا ليست في عدد الكتب التي قرأها الباحث وحده؛ فالعدد لا يكفي، في ذاته، للحكم على كفاية البحث أو قصوره. وإنما المسألة في طبيعة الأحكام التي أطلقها، ومدى تناسبها مع حجم المصادر التي استند إليها، ودقة تمثيله للنصوص التي اعتمد عليها، ودراسته للمحتوى. فإذا كان الباحث يقدم حكمًا عامًا على منظومة فكرية واسعة، فإن عليه أن يبرهن على هذا الحكم من خلال قراءة كافية للمصادر الأساسية، لا أن يستخلصه من نماذج محدودة ثم يعممها على الفكر كله. وقد قدمنا في الحلقات السابقة نماذج على التصرف في النصوص، ومن أبرزها أن الدكتور أمين أضاف إلى كلام محمود محمد طه مفردة «للأبد»، حين قال: «لتصبح الرسالة الأصل والثانية للإسلام للأبد...» (ص 188). وهذه المفردة، بحسب ما أثبتناه في موضعه، لا ترد في كتابات محمود محمد طه وأحاديثه التي تناولت هذه المسألة بالصورة التي تجعل منها قيدًا أبديًا على الرسالة الثانية من الإسلام. والأهم من مجرد غياب المفردة أن إدخالها يترتب عليه تغيير في الدلالة؛ إذ تصبح العبارة، بعد الإضافة، حاملة لمعنى مختلف عن المعنى الذي أراد صاحبها التعبير عنه، بل تتناقض مع الفكرة المركزية للرسالة الثانية من الإسلام، ثم تُستخدم المفردة المضافة نفسها أساسًا لاستنتاجات ومقارنات لاحقة.
ولم يتوقف الأمر عند إضافة مفردة «للأبد»، وإنما جرى توظيفها في مقارنة مع الإمام بدر الدين الزركشي (1344م–1392م)، وما أورده في كتابه البرهان في علوم القرآن، ج2. فقد كتب الدكتور أمين:
"ونلاحظ أن فكرة محمود طه بأن آيات الإسماح المكية قد حان أوان تفعيلها في عصرنا لتصبح الرسالة الأصل والثانية للإسلام للأبد، تختلف عن رأي الزركشي الذي أعتقد أن آيات الإكراه والقتال المدنية هي الأصل وتظل سارية المفعول ما دامت المجتمعات الإسلامية في وضع أقوى، كما يمكن تأجيلها في حالة الضعف وتفعيل آيات التسامح إلى أن تتم استعادة القوة حين يسمح الوقت بعودة أحكام الجهاد والقتال مرة أخرى" (ص 189).
وهنا تظهر مشكلة منهجية لا ينبغي تجاوزها؛ إذ إن المقارنة بُنيت، في أحد أهم مفاصلها، على مفردة "للأبد" التي أُدخلت على كلام محمود محمد طه، ثم استُخدمت لإظهار التناقض بين موقفه وموقف الزركشي. فإذا كانت المفردة التي صنعت جانبًا من هذا التناقض ليست من النص الأصلي، فإن المقارنة نفسها تحتاج إلى إعادة بناء على أساس النص الصحيح. وقلنا في تناولنا لهذه المسألة، إن هذه مقارنة مفارقة للأسس العلمية، كون مفردة "للأبد"، التي أظهرت التناقض مع الزركشي، وهو القائل مستحضراً مفهوم النسخ وحكم الوقت: "كما يمكن تأجيلها" والقائل كذلك: "حين يسمح الوقت"، وهو نفس معنى "حكم الوقت" عند محمود محمد طه. وهنا نلاحظ أن الدكتور أمين أخبر القراء والقارئات، بلا حق، وبما يظهر التناقض مع الإمام الزركشي، أن آيات الإسماح، الآيات المكية عند المفكر محمود محمد طه تصبح الرسالة الأصل والثانية للإسلام للأبد، وهذا غير صحيح البتة. وقد فصلنا في هذا آنفاً.
يسوقنا هذا إلى القول بناءً على الأدلة التي كشفتها دراستنا، إن تعاطي الدكتور أمين مع مصادر فكر محمود محمد طه، اتسم، إلى جانب الإضافة، كما ورد آنفاً، باجتزاء النص وإلحاقه بالاستنتاج المراد إثباته، وهذا الأسلوب والسلوك الكتابي شكل حضوراً واضحاً في تناول الدكتور أمين لفكر محمود محمد طه. وقد أشرنا لبعض النماذج آنفاً. وهذا يقودنا إلى نموذج آخر أكثر وضوحًا في مسألة التصرف في النص المقتبس. زعم الدكتور أمين، قائلاً: "وأدت تعددية الرؤى في منظومته الفكرية التي جمعت بين عقلانية الأشاعرة والتأويل الصوفي للغزالي وابن عربي ومفاهيم الحداثة الثقافية للحضارة الغربية إلى افتقارها للتماسك المنطقي والتناقض مع حقائق الأشياء كما يتضح في النقاط التالية: ...". (ص 190). ثم قدم الدكتور أمين أربع نقاط للتدليل على ما ذهب إليه، وكلها نقاط تحتاج إلى مراجعة وتصويب. فعلى سبيلي المثال، وعطفاً على قولنا إن الدكتور أمين كان يتصرف في النصوص، بالإضافة والتغيير، ومن ثم إلحاق النص بعد التعديل فيه بالاستنتاج المراد إثباته. ففي النقطة الثانية كتب الدكتور أمين، قائلاً:
"(ب) إلى جانب انكاره قانون العلية الذي تمت بموجبه كل اكتشافات العلم الحديث، يزعم محمود محمد طه تطابق الإسلام مع العلوم الطبيعية بقوله: (إن كانت معجزة الرسالة الأولى من الإسلام هي بلاغة القرآن، فإن معجزة الرسالة الثانية هي علمية القرآن.. فإن هذا العصر الحاضر هو عصر العلم المادي التجريبي.. وسيجيء الحـق، في الرسالة الثانية من الإسلام بصورة تشبه هذا العلم، ولكن تبزه، وتتفوق عليه". (ص 192- 193).
صحيح أن أصل هذا النص موجود في كتاب محمود محمد طه: تطوير شريعة الأحوال الشخصية (1971)، وقد أشار الدكتور أمين إلى المصدر ورقم الصفحة. غير أن فحص النص المنقول يكشف أنه لم يُنقل كما هو؛ فقد جرى تغيير بعض ألفاظه، وحذف بعض عباراته، ثم وُضع النص المتبقي بين علامتي اقتباس دون الإشارة إلى مواضع الحذف بعلامة تحريرية تدل عليها. وهذه ليست مسألة شكلية أو مجرد ملاحظة تحريرية عابرة. فعندما يضع الباحث كلامًا بين علامتي اقتباس، فإنه يقدم للقارئ إشارة واضحة إلى أن ما بين العلامتين هو كلام صاحب النص. وإذا حذف الباحث جزءًا من النص دون أن يشير إلى هذا الحذف، فإنه يحجب عن القارئ حقيقة أن النص قد تعرض للتدخل التحريري.
وتزداد خطورة الأمر عندما تكون العبارات المحذوفة ذات صلة بالسياق أو بالدلالة؛ لأن الاقتباس، في هذه الحالة، لا يعود مجرد نقل مختصر، وإنما يمكن أن يتحول إلى وسيلة لإنتاج دلالة مختلفة عن الدلالة التي يحملها النص في سياقه الأصلي. ولكي لا تبقى المسألة في دائرة الانطباع أو الحكم المجرد، فلنضع النصين جنبًا إلى جنب. فقد أورد الدكتور أمين النص على النحو الآتي:
«إن كانت معجزة الرسالة الأولى من الإسلام هي بلاغة القرآن، فإن معجزة الرسالة الثانية هي علمية القرآن.. فإن هذا العصر الحاضر هو عصر العلم المادي التجريبي.. وسيجيء الحق، في الرسالة الثانية من الإسلام بصورة تشبه هذا العلم، ولكن تبزه، وتتفوق عليه».
بينما جاء النص في مصدره على النحو الآتي:
«وحين كانت معجزة الرسالة الأولى من الإسلام هي بلاغة القرآن، فإن معجزة الرسالة الثانية من الإسلام هي ((علمية)) القرآن.. فإن هذا العصر الحاضر هو عصر العلم.. العلم المادي التجريبي.. هذا هو أعظم شيء في صدور الناس الآن، وسيجيء الحق، في الرسالة الثانية من الإسلام بصورة تشبه هذا العلم، ولكنها تبزه، وتتفوق عليه.. وسيذعنون لها، وستستيقنها نفوسهم، وسينقادون لها.. لا يشذ عنها شاذ، ولا يعصي أمرها عاص».
والمقارنة بين النصين تكشف عدة أمور محددة:
أولًا: استُبدلت كلمة "وحين" بكلمة "إن"
ثانيًا: حُذفت عبارة "من الإسلام" من قول محمود محمد طه: "معجزة الرسالة الثانية من الإسلام".
ثالثًا: أُسقط القوسان اللذان وضع بهما محمود محمد طه كلمة ((علمية)).
رابعًا: حُذفت عبارة "هو عصر العلم" من قوله: "فإن هذا العصر الحاضر هو عصر العلم.. العلم المادي التجريبي".
خامسًا: حُذفت عبارة "هذا هو أعظم شيء في صدور الناس الآن".
سادسًا: حُذفت خاتمة ذات دلالة واضحة: "وسيذعنون لها، وستستيقنها نفوسهم، وسينقادون لها.. لا يشذ عنها شاذ، ولا يعصي أمرها عاص".
ولا نقول إن كل حذف من نص مقتبس ممنوع من حيث الأصل؛ فالاختصار جائز في البحث العلمي إذا اقتضاه المقام، بشرط أن يُشار إلى الحذف بوضوح، كما هو معلوم بوضع ثلاث نقاط (...)، وألا يؤدي إلى تغيير المعنى أو تشويه السياق. أما أن تُحذف عبارات من داخل النص، ثم يُقدم النص المقتطع بين علامتي اقتباس دون بيان مواضع الحذف، فذلك يخل بأمانة النقل، ويمنع القارئ من معرفة حدود تدخل الباحث في النص. لكن المسألة الأهم من ذلك كله هي: ما أثر هذه التعديلات والحذوفات في الاستنتاج الذي بناه الدكتور أمين على النص؟ نقف هنا ونلتقي مع الجزء (3- 5) من الحلقة التاسعة (9- 9).
#عبدالله_الفكي_البشير (هاشتاغ)
Abdalla_Elfakki_Elbashir#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟