مصطفى الخليل
الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 04:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في السابع من آب الماضي، وقع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في مكة المكرمة، اتفاقية الدفاع المشترك القائمة على مبدأ "الردع الجماعي". وقد تجاوز الحدث حدود ترتيبات التنسيق العسكري في إقليم مثقل بالاضطراب. فاختيار الموقع، قبل مضمون الاتفاق نفسه، حمل دلالة سياسية ورمزية لافتة.
في هذا المعنى، بدا المشهد تعبيرا عن تحول في لغة التحالفات بين الدول الإسلامية ومصادر شرعيتها. فمنذ أربعينيات القرن العشرين، عاش العالم الإسلامي، على غرار فضاءات فكرية وسياسية أخرى، تحت تأثير تراجع الثقة بالسرديات الكبرى الجامعة؛ وهو ما عبر عنه الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار بمفهوم "الشك في السرديات الكبرى". غير أن اللجوء إلى مكة بوصفها فضاء لتوقيع اتفاق دفاعي يشي بأن الحسابات القومية والوطنية وحدها لم تعد كافية لتأطير التحالفات أو منحها المعنى السياسي الكامل.
ومنذ عقود، تحكم العالم السرديات الصغرى، من هوية وطنية ضيقة ومصلحة آنية وتحالف تكتيكي عابر، وهذا ما انعكس سلبا على منطق العلاقات بين الدول الإسلامية. حيث أدارت كل دولة أزماتها بمعزل عن "الجسد" الأكبر، أي الأمة، فيما تراجعت هذه المفردة إلى الخطاب الحركي والدعوي، غير أن أفول عصر السرديات الصغرى لا يخلف فراغا، بل يفسح المجال، بحكم منطق التاريخ ذاته، لعودة السرديات الكبرى (السرديات الدينية) إلى الواجهة؛ فحين تعجز الهويات الفرعية عن تقديم إجابات عملية لأسئلة مصيرية تتعلق بالأمن والمعنى والانتماء والوجود، يُستدعى الإطار الأشمل مجددا، بوصفه استجابة عملية لعجز بنيوي تراكم عبر عقود.
الإسلام والمسيحية: شراكة حضارية تتجدد
ولا ينبغي أن يُستغرب، في هذا السياق، أي دور غربي/ مسيحي محتمل يتقاطع مع هذا التحالف أو يفيد منه، فهذا ليس طارئا على تجربة الإسلام التاريخية والسياسية بل جزء أصيل منها. فأول محطة حماية عرفها المسلمون الأوائل، حين ضاقت بهم مكة، كانت عند النجاشي المسيحي في الحبشة؛ إذ احتضن المهاجرين المسلمين ورفض تسليمهم لقريش، في واحدة من أبكر شهادات النبي صلى الله عليه وسلم على قيمة العدل عند غير المسلمين: "إن بها ملكا لا يُظلم عنده أحد". ولم تكن تلك الحادثة استثناء عابرا في التاريخ الإسلامي، بل تأسيسا لعلاقة معقدة ومتبادلة بين الإسلام والمسيحية امتدت لاحقا لأيام الأمويين، حيث شكّل المسيحيون أحد الركائز الإدارية والثقافية للدولة الأموية، من الدواوين إلى الطب والترجمة، وبرز منهم رجالات مثل يوحنا الدمشقي الذي خدم البلاط الأموي قبل أن يتفرغ للاهوت. فالتفاعل مع الآخر المسيحي، سواء بوصفه حاميا في لحظة استضعاف أو شريكا في بناء الدولة، ليس طارئا على الهوية الإسلامية بل من مكوناتها التاريخية؛ وأي دور غربي في مسار هذا التحالف يندرج ضمن هذا التقليد الممتد، لا خروجا عنه.
الصبر بوصفه زمنًا تاريخيًا
قد يشكك البعض في قدرة الإسلام على رسم ملامح مرحلة "ما بعد ما بعد الحداثة"، أو على أن يكون فاعلا حضاريا في عالم يعاد تشكيله. إلا أن الإسلام يمتلك مناعة ذاتية في مواجهة الذوبان ونهاية الدور الحضاري، ومن أهم مصادر هذه المناعة مفهوم الصبر.
فالصبر في الفكر الإسلامي لا يعني الاستكانة أو قبول الظلم، ولا يقتصر على تحمل الألم، بل يؤسس لنَفَس تاريخي طويل يتجاوز النصر التكتيكي. وهو يربط الإنسان بالقدرة على العمل وسط الشدائد، وانتظار التحول دون انهيار أو فقدان للمعنى. وقد جعل القرآن الكريم الصبر مقترنا بالفرج والنصر: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 155)، ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 6)، ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: 46)، ووعد أصحابه بأجر بغير حساب: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: 10). وفي هذا تأكيد أن الصبر فعل وطاقة لا استسلام أو خمود.
ومن هذا المفهوم تشكلت، عبر التاريخ الإسلامي، تصورات متعددة للنخبة والصفوة والطليعة. وهو انعكاس عملي لمفهوم الصبر، فمن العشرة المبشرون بالجنة وطبقة البدريين، إلى تصورات تربوية لاحقة تناولت مراتب السالكين والصفوة، كما عند ابن قيم الجوزية، وصولا إلى مفهوم الطليعة في الحركات الإسلامية الحديثة، ولا سيما عند الإخوان المسلمين، ثم في صياغة سيد قطب لمفهوم الطليعة العقائدية.
ويشدّد الإسلام على ألّا يتحوّل الحزن إلى عجزٍ أو يأسٍ أو إحباط أو انقطاعٍ عن الفعل. ومن هنا يحتلّ الشكر، المعبَّر عنه بقول «الحمد لله»، موقعا تربويا وروحيا مركزيا، حتى في أشدّ لحظات الابتلاء. فالحمد في المحنة ليس إنكارا للمعاناة ولا تبريرا لها، بل هو اختبارٌ للإيمان والقدرة على اكتشاف المعنى والثبات وسط الألم.
ولعلّ مكانة سورة الفاتحة، التي يفتتح بها المصحف الشريف وتُسمّى في الأدبيات الإسلامية «أمّ الكتاب» و«أمّ القرآن»، تجسّد هذا المعنى بوضوح. فهي ركنٌ لا تصحّ الصلاة من دونه، ويحفظها المسلمون، صغارا وكبارا، لما تمتاز به من قِصرٍ وسلاسةٍ وعمقٍ في المعاني. كما أن افتتاحها بـ«الحمد لله ربّ العالمين» يجعل الحمد حاضرا في وعي المسلم في السراء والضراء، فهو يستحضره عند الفرح شكرا، وعند الحزن تثبيتا ورجاء. وفي ذلك تجسيدٌ عمليّ وروحي لمكانة الصبر والحمد في مواجهة أقسى المحن.
لا شكّ أن نشأة الإسلام الأولى في البيئة الصحراوية، بما اتسمت به من قسوة العيش وشدة التحديات، أسهمت في إبراز هذه القيم وتعميق حضورها. فلم تظهر الدعوة الإسلامية في ظروف يسيرة؛ بل واجهت الرفض والحصار والعنف ومحاولات الاحتواء والإجهاض، حتى من دوائر اجتماعية وقبلية قريبة من أوائل حَمَلة الرسالة. وفي تلك التجربة، لم يكن الصبر قيمة وعظية مجردة، بل كان شرطا للصمود والاستمرار وحفظ الجماعة الناشئة. وهذا ما يفسر، في جانب منه، رسوخ معاني الجلد واحتمال المشقة في الوجدان الإسلامي التاريخي.
اليقين واستعادة الفعل
ثم إن في العقيدة الإسلامية جانبا آخر يمنحها قدرة على مقاومة النقد الاختزالي، هو جانب اليقين والإيمان بالغيب. فالإسلام لا يحصر المعرفة في ما يمكن قياسه تجريبيا أو البرهنة عليه بالأدوات المادية المباشرة. وهو لا يناقض العقل، لكنه يرفض اختزال الوجود كله في حدوده الإجرائية، ويفتح مجالا لما يتجاوز الحس إلى الإيمان العميق. ويظهر ذلك بوضوح في مطلع سورة البقرة، حيث يتقدم الإيمان بالغيب بوصفه سمة تأسيسية للمتقين.
ولهذا لا يمكن استنفاد التجربة الإسلامية بأدوات نقدية لا تعترف إلا بالمحسوس والمادي. فهناك بعد روحي ووجودي في الدين لا تلغيه أدوات القياس، كما أن الإيمان ليس فكرة قابلة للتفكيك الخارجي، بل تجربة داخلية تولّد المعنى والالتزام والقدرة على الاحتمال.
حتمية زوال إسرائيل
يشي تحالف مكة بإمكان نهاية مرحلة خطيرة مر بها العالم الإسلامي، اتسمت بالتفكك وتراجع القدرة الذاتية، وبصعود إسرائيل بوصفها مركزا متقدما في منظومة التفوق العسكري والتدخل الإقليمي والاستفادة من الانقسامات العربية والإسلامية. ولا يعني ذلك أن اتفاقا واحدا سيؤدي حتما إلى نهاية إسرائيل؛ فالتاريخ لا يسير وفق رغائبنا ولا عبر نبوءات يسيرة. لكن بناء منظومة إسلامية متماسكة، ذات قرار مستقل وقدرات دفاعية واقتصادية ومعرفية، يمكن أن يعيد صياغة البيئة الإقليمية ويحد من هامش الهيمنة الإسرائيلية.
واللافت أن فكرة زوال إسرائيل ذاتها ليست حكرا على الخطاب الإسلامي أو العربي، بل تعد من الثوابت في أدبيات تيارات يهودية أرثوذكسية وازنة ترى في الصهيونية وقيام إسرائيل انحرافا دينيا عن اليهودية، فجماعات كناطوري كارتا، ومعها تيارات حسيدية وحريدية أخرى، تستند إلى ما يُعرف بـ"القسم الثلاثي" في التلمود، وترى أن إقامة دولة يهودية بالقوة قبل مجيء المسيح المنتظر تمرّد على الإرادة الإلهية، وأن الصهيونية بهذا المعنى مشروع علماني قومي حديث استعار الرمزية الدينية ووظّفها في غايات دنيوية، لا امتدادا لليهودية بوصفها ديانة سماوية. وهذا يعني أن إسرائيل إفرازا حداثويا، لا نتاجا دينيا خالصا، وهو رأي تتقاطع عنده أطراف متباعدة العقيدة والمرجعية؛ فالصهيونية السياسية، من هذا المنظور، وليدة القرن التاسع عشر الأوروبي وأدواته القومية والعلمانية، لا امتداد لتجربة دينية ممتدة عبر القرون. هذا الوضع سيفتح الباب على مصراعيه للتوافقات الإسلامية اليهودية، ويمهد الطريق لتفاهمات أعمق في المستقبل.
لم ينتصر الإسلام وحدة، بل انتصر الديني المقدس أمام الحداثوي؛ وسيعاد صياغة العالم مجددا وفق السرديات الكبرى، لتتقاطع فيها القوة الإسلامية بصبره الاستراتيجي مع العدالة المسيحية والأصالة اليهودية. غير أن المبدأ الجامع لهذه السرديات ليس التوافق الشكلي، بل العدل بوصفه جوهر الرسالات السماوية؛ فالعدل هو التعدد، أي الاعتراف بالآخر دون إلغائه، وهو العنوان الحقيقي للمرحلة القادمة التي لا تسع فيها الهيمنة، ولا تنفع فيها القوة دون معيار للإنصاف.
#مصطفى_الخليل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟