أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مصطفى الخليل - -ملفات أوستن- وسقوط البروتستانتية...بين مشروع التوحش وحاجة الغرب لليهودية















المزيد.....

-ملفات أوستن- وسقوط البروتستانتية...بين مشروع التوحش وحاجة الغرب لليهودية


مصطفى الخليل

الحوار المتمدن-العدد: 8614 - 2026 / 2 / 10 - 02:59
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تقف البشرية اليوم على حافة أزمة وجودية تتجاوز الصراعات الجيوسياسية التقليدية، فالنظام الدولي، بشكله الحالي، يبدو عاجزاً عن معالجة الكوارث الإنسانية العميقة، من مجاعات تهدد الملايين، إلى حروب بالوكالة، تمزق أوطاناً وشعوباً بأكملها. هذا العجز، المدعوم بتصاعد النزعات القومية المتطرفة وتراجع فاعلية المؤسسات الدولية، لا يمثل فشلاً إدارياً فحسب، بل هو دليل على انهيار المنظومة القيمية الأخلاقية العالمية التي حكمت علاقات الدول والمجتمعات لعقود.
أمام هذا المشهد، يصبح التشاؤم منهجاً تحليلياً ضرورياً لفهم العمق الحقيقي للأزمة الأخلاقية في العالم، واستشراف احتمالات المستقبل.

"ملفات أوستن".. الصدمة التي عرّت التوحش المنظم

جاءت التسريبات الصادمة لـ"ملفات أوستن" لتقدم الدليل الأكثر قسوة على طبيعة الانهيار الأخلاقي في العالم، هذه الملفات لم تكشف عن قضية فساد عابرة أو حفلات سرية في قصور النخب، بل كشفت عن ممارسات طقسية شاذة، وتوغلاً في عالم من "التوحش المنظم" يتحدى أبسط المبادئ الإنسانية.

الخطورة هنا ليست في الفعل ذاته فقط، بل في أن مرتكبيه هم من يقفون في قمة الهرم السياسي والثقافي والمالي والعلمي والإعلامي العالمي، إن تزامن ظهور هذه الفضيحة مع لحظة تاريخية حرجة في العالم، يتصاعد فيها اليمين العالمي، وينهار فيها اليسار التقليدي، وقيم ما بعد الحداثة، يجعل منها ناقوس خطر يدق معلناً ولادة مرحلة جديدة عنوانها الأبرز:..."الفراغ الأخلاقي المؤسساتي".

انكسار النماذج المحلية في الشرق الأوسط

لم يكن الانهيار في الغرب بمعزل عن الشرق الأوسط، وخاصة سوريا، فالعالم وبشكل متناظر ومتزامن تقريباً، شهد انهيار نماذج سياسية وحزبية تقليدية، حاولت طرح نفسها كمشاريع بديلة للكلاسكيات الدينية السائدة في الشرق الأوسط.
إن سقوط نموذج "البروتستانتية الإسلامية"، والذي يمثل نموذج "العلوية السياسية" في سوريا، والذي قدم نفسه كحامي للأقليات، وبديل علماني، قوي، منذ ستينيات القرن الماضي ضد الإسلام السياسي، انكشف في النهاية، كمنظومة طائفية هشة، انهارت تحت وطأة واقعها ومخلفاتها وإكاذيبها، مُحطمةً حتى الحاضنة الشعبية المساندة لها وهي الأقلية العلوية في سوريا، والتي تركها تواجه مصيرها في "اللحظة الصفرية".

بعد أكثر من عام على سقوط"العلوية السياسية" فشل نموذج آخر، وهو مشروع "دمقرطة الشرق الأوسط" المتمثل في حزب العمال الكردستاني (PKK). فبعد عقود من النضال والشعارات، أثبت الحزب عجزه عن تجسيد حلم المظلومية الكردية بشكل واضح، وعلى الرغم من طرح "العمال الكردستاني" مبدأ "أخوة الشعوب" إلَّا أنه لم ينجح في تشكيل وحدة الصف الكردي، مفضلاً تقديس فلسفاته الطوباوية، على أي حوار جاد حتى يوصل لإيجاد مخرج لحل القضية الكردية.
هذه الممارسات من قبل "العمال الكردستاني" أسهمت في تخريب صورة القضية الكردية من الداخل، لا بل وجعلت الكرد في صراع مفتوح مع محيطهم الإسلامي، مستغلاً تعطش الشخصية الكردية إلى الوجود الهوياتي، وسط مجتمعات تنكر هذا الوجود أساساً، لابل، وتنظر إليه على أنه وجود طارئ في المنطقة، وهذه كانت إحدى أبرز وأخطر الثغرات التي استثمرها الحزب لصالحه، على حساب الكرد.


الجذور التاريخية.. من "الديني البشري" القديم إلى أزمته الحديثة

لطالما واجهت الرسالات التوحيدية التاريخية أشكالاً من "الديني البشري"، حيث يُجسد الحاكم سلطة مطلقة "النموذج الثيوقراطي" وتُقدس الطبقية والخرافة والجنس، ولذلك كانت دعوة الأنبياء، كالنبي موسى عليه السلام في مواجهة فرعون (الحاكم/الإله) ثورة على هذا النموذج، بإعلاء العدل والتشريع الإلهي الصارم. اليوم، نشهد إحياءً حديثاً لـ"الديني البشري" عبر عبادة الاستهلاك والمتعة المطلقة والنسبية الأخلاقية، حيث تصبح شهوة النخبة هي القانون الأعلى في العالم، كما جسدته طقوس "أوستن"، وهذا ما يقودنا إلى السؤال الأكثر إلحاحاً الآن، أي قوة تشريعية قادرة على مواجهة هذا الانفلات؟

إخفاق النموذج الغربي.. رحلة البروتستانتية من الإصلاح إلى التمييع

يبدو أن النموذج الغربي السائد قد استنفذ أدواته، فحركة الإصلاح البروتستانتي، التي ولدت من رحم احتجاج على فساد الكنيسة ودعت إلى الصرامة والعمل، خضعت لتحول جذري، تحت تأثير فلسفة التنوير والحداثة، وتطور "اللاهوت الليبرالي" الذي حوّل مركز الثقل من النصوص والعقائد إلى "الشعور الديني" والخبرة الذاتية. هذه النزعة التمييعية، التي تخلت عن الصلابة التشريعية لصالح التكيف مع "روح العصر"، أفقدت البروتستانتية الليبرالية قدرتها على الوقوف كحصن أخلاقي.

"ملفات أوستن" فضحت هذه الهشاشة، لتظهر كيف أن النخبة التي تربت في حضن هذه القيم المرنة أصبحت طليقة الأيدي، بلا رادع داخلي أو خارجي.

لماذا اليهودية هي الحل؟

في مواجهة هذا الفراغ الأخلاقي الذي يعاني منه الغرب، تبرز الحاجة إلى مرجعية تشريعية "مبرمجة"، صلبة، وتمتلك مرجعية نصية ثابتة. هنا تظهر "الهالاخاه" اليهودية، فقوتها لا تكمن في قدسيتها فقط، بل في كونها:
1-نظاماً قانونياً شاملاً ينظم كل مناحي الحياة، من العبادات إلى المعاملات والحدود.
2- مرتكزة إلى نصوص ثابتة (التوراة والتلمود) وتقليد تفسيري متصل عبر آلاف السنين.
3- متمسكة بصلابة المعيار، وترفض فكرة "الأخلاق المرنة" التي تتغير مع الأهواء.
3- حامية للأسرة والتقاليد، كخط دفاع أمام الفردانية المتطرفة التي تفتت المجتمعات.

نحو تحالف يهودي-إسلامي تفرضه الوقائع

منطق الواقعية السياسية، يقود إلى خطوة تالية أكثر جرأة، استناداً إلى إن التشابه الجوهري والعميق بين "الهالاخاه" والشريعة الإسلامية يخلق أساساً متيناً لإمكانية تحالف ثقافي-تشريعي تاريخي، يتجاوز التحالفات السياسية الظرفية، هذا التشابه يقوم على أربعة أركان:

1ـ اليهودية والإسلام، كلاهما نظامان قانونيان كاملان، وليسا عقائد روحية فقط.

2ـ المرجعية النصية الثابتة: القرآن والسنّة النبوية في الإسلام، والتوراة والتلمود في اليهودية.

3- الدفاع عن النسيج الاجتماعي: مركزية مؤسسة الأسرة، والتأكيد على التكافل الاجتماعي عبر الزكاة والصدقة، وتحريم الربا/الربيت الفاحش, في اليهودية.

4- رفض النسبية الأخلاقية: الإيمان بمعيار خير وشر ثابت ومطلق، لاتوسط بينهما.

في مواجهة العولمة الإباحية والعدمية الأخلاقية والرأسمالية المتوحشة، وهي تجليات "الديني البشري" الحديث، قد يجد الإسلام واليهودية التقليدية نفسيهما في خندق دفاعي مشترك.

معركة تكوين هوية "أطفال الشاشات"

يظل أي حديث عن بدائل تشريعية أو تحالفات ثقافية معلقاً في مواجهة الخطر الأكبر: معركة الهندسة الهوياتية للجيل القادم.
إن الأطفال الذين يقضون ساعات طويلة على خلف أجهزة الهواتف الذكية، والأجهزة اللوحية، وهم في مرحلة "التشكيل الهوياتي الهش"، يتعرضون لقصف رقمي متواصل يطبع فيهم النماذج المنحلة. من خلال آلية التكرار التي تولد العادة فالثقافة فالهوية، حيث يجري تطبيع التوحش والانحدار ليصبحا "الطبيعي الجديد" بعد أن يصبح مألوفاً، هؤلاء الأطفال هم مشروع قادة الغد "المتوحشين"، الذين سيرون في قيم "أوستن" خلفية اعتيادية، وركيزة مرجعية، لا تخضع للنقد أو المراجعة الأخلاقية، بل أساس ثقافي، اعتادوا عليه منذ الصغر…وتشربه عقلهم اللاواعي بهدوء.



#مصطفى_الخليل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عمر بن الخطاب: نحو قراءة في دوره بوصفه -مهندس الوعي العربي-
- -العدل- كمفهوم فلسفي: قراءة في النصوص المقدسة والفكر السياسي ...
- لماذا نحن متخلفون؟ إشكالية العقل العربي بين التراث وعجز الحد ...
- لماذا نحن متخلفين؟ إشكالية العقل العربي بين ثقل التراث وعجز ...
- ابن تيمية: إرث فكري غزير بين التصوف والسلفية
- العصاب الهوياتي في المجتمع السوري.. عندما تبنى الدولة من الخ ...
- قُبيل زيارة بايدن..-الرياض- توجه رسائل سياسية في خطبة يوم عر ...
- ماذا لو سقط المشالي في فخ غيث الإمارتي ؟!
- غزل في سابع سماء


المزيد.....




- بريطانيا تعلق على -توسيع إسرائيل لسيطرتها في الضفة الغربية- ...
- لدعم اتفاق السلام.. الاتحاد الأوروبي يدرس منح أوكرانيا بعض م ...
- واشنطن تعيد رسم خريطة القيادة داخل الناتو
- دعوى قضائية ضد ميتا ويوتيوب بشأن الإضرار بالأطفال
- البيت الأبيض: ترامب يعارض ضم إسرائيل للضفة الغربية
- آلاف الجنود يصلون من إندونيسيا كأول قوة أجنبية في غزة
- البحرية الأميركية تبحث استبدال حاملات الطائرات بقطع أصغر
- ترامب يهدد بوقف افتتاح جسر -غوردي هاو- بين أمريكا وكندا ويطا ...
- بكين ترفض اتهامات واشنطن لها بإجراء تجارب نووية سرية
- عاجل | القيادة الجنوبية الأمريكية: نفذنا أمس ضربة عسكرية دقي ...


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مصطفى الخليل - -ملفات أوستن- وسقوط البروتستانتية...بين مشروع التوحش وحاجة الغرب لليهودية