أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مصطفى الخليل - العصاب الهوياتي في المجتمع السوري.. عندما تبنى الدولة من الخارج















المزيد.....

العصاب الهوياتي في المجتمع السوري.. عندما تبنى الدولة من الخارج


مصطفى الخليل

الحوار المتمدن-العدد: 8542 - 2025 / 11 / 30 - 21:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ما يشهده المجتمع السوري اليوم يتجاوز الانقسام السياسي الاعتيادي؛ إنه حالة من العصاب الهوياتي، التي تدفع السوريين إلى الانكفاء على هوياتهم الفرعية والاحتباس داخل قوقعتها، فتتولّد ردّة فعل من الخوف المبالغ فيه من اندثار الهوية. هذا الخوف يجعل السوريين يخشون بعضهم بعضاً على أسس الانتماء الديني أو المذهبي أو القومي، ويحوّل كل تفاعل اجتماعي إلى اختبار ولاء أو تهديد وجودي.
تتكاثر هذه الظاهرة على منصّات التواصل الاجتماعي التي صارت بيئة خصبة لنَيل الناس من بعضهم البعض وإذلال الخصوم، ما يعمّق الاحتقان ويقلّص مساحة الثقة. وربما يكون الانكفاء الهوياتي أمراً متوقعاً بدرجة ما بعد سقوط الأنظمة الدكتاتورية كردّة فعل أولية على فراغ السلطة والهوية، لكن في الحالة السورية تحوّل هذا الانكفاء إلى مستوى مبالغ فيه يعيق أي محاولة لبناء مشروع وطني مشترك.
إن القاسم المشترك بين السوريين اليوم هو شعور عام، يكاد يكون إجماعاً، بأن (سوريا الجديدة) لا يمكن أن تُبنى إلّا من الخارج.
فبعد أكثر من عقد على الحرب والانقسام، تآكلت الثقة بين أطياف المجتمع السوري إلى الحدّ الذي جعلها ترى في التدخلات الدولية والإقليمية ضرورة لإعادة التوازن النفسي وضمان العدالة وتقاسم السلطة. هذا الإدراك المرير لا ينبع من رغبة في الارتهان، بل من عجز داخلي تراكمي أفقد السوريين القدرة على التفاهم فيما بينهم دون وسيط خارجي. وهكذا تحوّل (الخارج) إلى فكرة الخلاص الوحيدة في خيال جماعي أنهكه الصراع، حتى صار بناء الدولة مرهوناً بطاولة مفاوضات دولية ليس بالضرورة أن تُعقد في دمشق، بل في إحدى عواصم الدول المتدخلة بالشأن السوري.

التباهي بالدعم الخارجي

يبني كل طيف من أطياف المجتمع السوري قوّته على مدى الدعم الخارجي الذي تحظى به؛ فتركيا تدعم الحكومة الانتقالية، وبمعنى أدق تدعم السنّة، بينما تدعم الولايات المتحدة قوات سوريا الديمقراطية، وبمعنى أدق تدعم الكرد، في حين يدعم الإسرائيليون السويداء، وبشكل أدق يدعمون الدروز.
وهذا يعني أن معظم السوريين لم يعودوا يعوّلون على مشروع وطني قائم على البناء الداخلي، بل على مدى ثقل الدعم الخارجي. وهذا ما يفسّر تهليل الأطراف السورية المتصارعة لأي تصريح أو لقاء خارجي مع أحد هذه الأطراف، حتى لو كان خبراً عابراً في الصحف الأجنبية.
يغيظ السوريون بعضهم البعض تبعاً للتصريحات الخارجية؛ فكل فئة منهم تقيس مكاسبها أو خساراتها بمقدار ما يصدر من مواقف دولية تخصّها أو تمسّ خصومها.
فالكرد السوريون يهلّلون لأي تصريح أمريكي يدعم (قسد) أو يدل على استمرار الدعم، ويتباهى السنّة السوريون ويترقّبون أي تصريح صادر عن تركيا لدعم الحكومة الانتقالية أو لشنّ حرب ضد الكرد السوريين، بينما يرى الدروز أن أي تصريح إسرائيلي يمثل انفراجة لترسيخ مشروعهم، كذلك يرى العلويون أن أي تصريح صادر من موسكو أو تلميح بإبقاء قواعدها في الساحل السوري يجعلهم يشعرون بالطمأنينة.

استعراض القوة والرمزيات

يتباهى السوريون بالقوة على بعضهم البعض، ويلوحون بها بشكل فجّ. فليست الرؤى السياسية وحدها هي المنقسمة، بل كذلك السلاح. يتداول السنّة مقاطع لجحافل جيش السلطة تترافق مع أغانٍ حماسية ضد (الفلول) والدروز وفي المقدمة الكرد، وبالمقابل يستعرض الكرد السوريون مشاهد لقوات سوريا الديمقراطية أثناء المعارك، وخاصة مشاهد حربها مع داعش في الرقة ودير الزور، ويتداولون بفخر مشاهد لطائرات مسيّرة تُدعى (بروسك)، رداً على مشاهد لطائرات مسيّرة تُدعى (شاهين)، وهي المسيرات التي تستخدمها وزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية.
أما العلويون فلم يغيبوا عن هذه الاستعراضات العسكرية، فبدأوا يتداولون منشورات عن أحد ضباط النظام قديماً من رعيل حافظ الأسد، يُدعى علي حيدر، تَدّعي أن شجاعته وصلت إلى درجة أنه كان لا يمنح إجازة للمجندين التابعين له إلا بعد أن يجلبوا بدلة عسكرية لأحد العسكر الإسرائيليين. في حين يتفاخر الدروز بالحنكة السياسية التي يتمتع بها الشيخ حكمت الهجري، وكيف أنه سيغيّر وجه سوريا، وكذلك يستذكرون قوة وبأس أهل جبل العرب.

الانهيار الأخلاقي والاعتداء على الرموز

يسيء السوريون في وسائل التواصل الاجتماعي إلى بعضهم البعض وإلى رموزهم الوطنية وسياسييهم، بل وصل الأمر إلى الطعن بشرف بعضهم البعض. وقد تجلّت هذه الحالة المحبطة في عدة حوادث؛ منها تحطيم مجموعات العشائر التي دخلت إلى السويداء صور الزعيم سلطان باشا الأطرش، قائد الثورة السورية ضد الاحتلال الفرنسي عام 1925، والذي يُعدّ من أثقل رموز سوريا وأعلاها مكانة في العصر الحديث.
كما انتشرت مقاطع فيديو لمسلحين محسوبين على الحكومة الانتقالية وهم يقومون بقصّ شوارب مواطنين سوريين دروز، بعضهم بلغ من العمر عتياً، ولم يشفع له سنّه أمام شهوة المقص وإهانة الآخر السوري. كذلك يتداول السوريون مقاطع فيديو يقولون إنها للسياسية الكردية فوزة يوسف وهي في مشهد حميمي مع ضابط أمريكي من التحالف الدولي، وبالمقابل تداول سوريون كثر منشورات تنال من شرف لطيفة الدروبي، زوجة رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع. وقد أدت هذه الحالة مجتمعة إلى نسيان السوريين صور بشار الأسد التي انتشرت بشكل كبير بعد سقوط النظام، وهو في اللباس الداخلي أو ما يُعرف بـ (الكلسون).
بالمجمل، لم يهن أحدُ السوريَّ كما أهانَه السوريون أنفسهم؛ فلا أحدَ يحتقر السوري أو يحقد عليه كما يفعل السوري ذاته.

تكريس الماضي وتأليه القادة

يتداول السوريون أيضاً صوراً لقائد (قسد) في فترة وجوده في جبال قنديل، في إشارة إلى تاريخه مع حزب العمال الكردستاني، وكذلك يتداولون صوراً لأحمد الشرع في فترة هيئة تحرير الشام التابعة لتنظيم القاعدة، علماً أن الاثنين لم ينكرا هذا الماضي، لكن سوريين كثر يصرّون على عدم إخراجهما من ذلك الماضي.
وبالمقابل، تُسبغ كل فئة سورية صفات أسطورية على قادتها، في ممارسة تقترب من التأليه. فأحمد الشرع، أو (أحمدنا) كما يسميه سنّة سوريا الفيسبوكيون (حيث تُفيد (نا) في الفصحى الملكية أما في المحكية السورية فتحمل معنى الانتماء العاطفي والفخر الجمعي) يُصوَّر كشخصية فذّة إلى حدّ الإعجاب المبالغ فيه، حتى قيل إن كل من تلتقيه من النساء تعجب به، وإن كل حركاته وسكناته رسائل دبلوماسية مشفّرة للأعداء، في مقدمتهم مظلوم عبدي وحكمت الهجري.
ومنذ عدة أيام، ظهر (أحمدنا) وهو يلعب لعبة البلياردو، وقد نجح بمهارة في تحقيق هدفين في ضربة واحدة، ليردّ عليه الكرد السوريون بمناكفة ندّية من خلال إعادة تداول مقطع فيديو يظهر فيه مظلوم عبدي وهو يلعب بمهارة هو الآخر لعبة كرة الطاولة مع القيادي الكردي البارز آلدار خليل.

التبعات والنتائج

أدّى هذا الواقع إلى تقوقع السوريين، كلٌّ تحت عباءة الدين أو المذهب أو العرق والقومية، مما يدل على أن هذا التقوقع تجاوز مسألة الانتماء والهوية، بل بات يشكّل قلقاً مفرطاً على هذه الهوية ومصيرها.
ويعزّز هذا الاعتبار تغوّل الخطاب الطائفي في وسائل التواصل الاجتماعي، والذي يصل إلى حد التحريض ضد الآخر السوري، ما أدى إلى شيطنة هذا الآخر أو وصمه بالدونية والخيانة والإرهاب، أو وصمه بأنه من (فلول النظام)، كما يُوصف العلويون السوريون.
ففي مجتمع وسائل التواصل الاجتماعي، نجد أن الكردي يُوصم بأنه (بويجي)، والعلوي بأنه (فلول)، والسنّي (داعشي)، والدرزي (خائن وعميل لإسرائيل).
ويرى كل طرف سوري أن تصرفاته مبرّرة تجاه الآخر، حتى لو وصلت إلى درجة الاجتثاث والإقصاء. فالسنّة يبررون ممارساتهم على أنهم الأكثرية، وأن الظلم الذي نالهم من النظام (من إقصاء وتهميش) يبرر ممارساتهم ضد السوري الآخر، وأن الأقليات كانت متحالفة مع النظام بشكل أو بآخر. بينما يرى الكرد أنهم أصحاب مشروع ريادي، وأن شرعيتهم جاءت من محاربتهم داعش، وأنهم قدّموا شهداء، وأن الظلم الذي حاق بهم أيام النظام أكبر من الظلم الذي لحق بالسنّة. في حين يرى الدروز أن خصوصيتهم لا تنسجم مع الحكومة الانتقالية، مطالبين بنظام علماني، والمفارقة أن الهجري هو من أبرز المرجعيات الدينية لطائفة الموحدين الدروز في سوريا.
وبينما ينشغل السوريون بالمناكفة، وشتم وتخوين بعضهم البعض، والنيل من مكانة وأعراض بعضهم البعض، يتقاسم التركي والإسرائيلي الكعكة السورية، وفق ما يهندس رجل الصفقات الأمريكي توماس باراك.
المفارقة المؤلمة هنا.. من له المصلحة في تفكيك المجتمع السوري وإهانة السوريين بأقلام وسلاح بعضهم البعض؟ ومن له المصلحة في أن يطفو على السطح أن السوري غير قادر على التعايش مع سوري آخر من غير ملّته أو طائفته؟
الخشية الحقيقية تكمن في استمرار هذه الحالة داخل المجتمع السوري؛ فعندها لن يستطيع لا أحمد الشرع، مهما أوتي من حنكة سياسية، ولا مظلوم عبدي، مهما امتلك من خبرة عسكرية، تدارك الانهيار، لأن المجتمع السوري اليوم يعاني من انقسامات نفسية عميقة وخطيرة في آنٍ معاً، والأخطر من ذلك أنّ سوريا اليوم باتت مهدّدة بولادة قضايا جديدة تُشكل أزماتٍ يصعب تجاوزها ولا يمكن حلها سورياً، مثل القضية العلوية والقضية الدرزية، ومع مرور الوقت قد نشهد بروز (القضية السنية) و(القضية المسيحية) و(القضية الإسماعيلية) وغيرها، في دوامةٍ لا تنتهي من التشظي الهوياتي، خاصة مع بدء تنامي صراع السرديّات في البنية الثقافيّة والسياسيّة للمجتمع السوري.



#مصطفى_الخليل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قُبيل زيارة بايدن..-الرياض- توجه رسائل سياسية في خطبة يوم عر ...
- ماذا لو سقط المشالي في فخ غيث الإمارتي ؟!
- غزل في سابع سماء


المزيد.....




- الجيش الإسرائيلي يعلن القضاء على 4 أشخاص بنفق في رفح
- مصر.. سيارة -كيوت- بديلاً حضرياً لـ-التوك توك- في الجيزة ومس ...
- شاهد.. استقبال حاشد للبابا لاوُن في لبنان وسط آمال برفع معنو ...
- غموض يحيط عفناً أسود يحتمل أنه -يتغذى- على الإشعاع في مفاعل ...
- الوفد الأوكراني يلتقي مسؤولين أمريكيين في فلوريدا لمناقشة إط ...
- -شجاعة البقاء والمصالحة الشاقة-.. رسائل البابا ليو للبنانيين ...
- ألمانيا: المحتجون على اجتماع حزب البديل يتهمون الشرطة بالعنف ...
- ما أبرز محاور مفاوضات فلوريدا بين الوفدين الأوكراني والأمريك ...
- البابا ليون الرابع عشر يدعو اللبنانيين للتحلي بـ-شجاعة- البق ...
- الجيش السوداني يتقدم في جنوب كردفان والبرهان يستقبل مبعوثا أ ...


المزيد.....

- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو
- حكمة الشاعر عندما يصير حوذي الريح دراسات في شعر محمود درويش / د. خالد زغريت
- التاريخ يكتبنا بسبابته / د. خالد زغريت
- التاريخ يكتبنا بسبابته / د. خالد زغريت
- جسد الطوائف / رانية مرجية
- الحجز الإلكتروني المسبق لموسم الحنطة المحلية للعام 2025 / كمال الموسوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مصطفى الخليل - العصاب الهوياتي في المجتمع السوري.. عندما تبنى الدولة من الخارج