أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هدى عزالدين محمد - قراءة سيميائية وسردية ونفسية -حين يرتكب الظنُّ جريمته.للناقد( عماد خالد رحمة) لقصة(جريمة قط)للكاتبة والشاعرة هدى عزالدين محمد. مصر.















المزيد.....


قراءة سيميائية وسردية ونفسية -حين يرتكب الظنُّ جريمته.للناقد( عماد خالد رحمة) لقصة(جريمة قط)للكاتبة والشاعرة هدى عزالدين محمد. مصر.


هدى عزالدين محمد
شاعرة

(Huda Ezz El-din Muhammad)


الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 20:27
المحور: الادب والفن
    


تبدو قصة "جريمة قط" للكاتبة المصرية هدى عزالدين محمد، للوهلة الأولى، حكايةً بسيطة تتكئ على الخوف من أصوات الحيوانات، وحكايات الجدّة، وخرافات الصديقة، ثم تنتهي بموت جارٍ وشابٍّ عاقّ. غير أن هذه البساطة الظاهرية تخفي بنيةً سردية أكثر تعقيداً؛ إذ تنقل القصة القارئ من فضاء الخوف الغريزي إلى فضاء الشك، ومن الشك إلى التفسير، ومن التفسير إلى وهم امتلاك الحقيقة، قبل أن تقلب النهايةُ جميع الاحتمالات رأسًا على عقب.
فـ"الجريمة" في القصة ليست جريمة قتل بالمعنى الواقعي، وإنما هي جريمة التأويل المتعجل؛ جريمة أن يملأ الإنسان فراغ المعرفة بالظنون، وأن يحوّل الأصوات الغامضة إلى علامات، والعلامات إلى نبوءات، والنبوءات إلى يقين مؤقت.ومن هنا تتأسس القيمة الدلالية للقصة على سؤال جوهري: هل نحن الذين نكتشف معنى الأحداث، أم أننا نصنع المعنى ثم نجبر الأحداث على أن تنصاع له؟.

• أولاً: العنوان بوصفه عتبةً مضلِّلة:
يحمل عنوان القصة:
"جريمة قط" كثافةً إيحائية واضحة. فالتركيب يضع "الجريمة" في علاقة مباشرة بـ"القط" فينشأ لدى القارئ منذ البداية انتظارٌ لحدث جنائي.
غير أن القصة لا تمنحنا جريمةً بالمعنى المتعارف عليه، بل تجعل القط مدخلًا إلى عالم من الخوف والتوجس والاعتقاد. وهنا يمارس العنوان وظيفة المراوغة الدلالية؛ إذ يبدو أنه يحيل إلى حادثة، لكنه في العمق يحيل إلى طريقة اشتغال الوعي البشري حين يواجه المجهول.
فالقط لا يرتكب الجريمة، وإنما يصبح متهمًا رمزيًا داخل مخيلة الساردة.
وهذه المفارقة بين العنوان والمتن تجعل العنوان جزءاً من استراتيجية النص في بناء الالتباس؛ فالقطط ليست سوى أصوات في الظلام، لكن المخيلة تمنحها وظيفةً أكبر من حقيقتها.

• ثانياً: السارد وعينٌ ترى أكثر مما تعرف
تُروى القصة بضمير المتكلم، الأمر الذي يجعل القارئ أسيراً لحدود معرفة الساردة.وهذه نقطة فنية مهمة؛ فالساردة لا تعرف الحقيقة كاملة، وإنما تلتقط شذرات من الأصوات والأحاديث والمشاهد، ثم تحاول تركيبها. لذلك فإننا لا نقرأ العالم كما هو، بل كما يصل إلى وعي الساردة.إنها لا تقول: هذا ما حدث، وإنما تقول، في جوهر تجربتها: سمعت، تخيلت، شككت، تساءلت، انتظرت.
وهذا النوع من السرد يخلق مسافةً بين الواقع وإدراك الواقع؛ وهي المسافة التي تتحرك فيها القصة بأكملها.فالحدث الخارجي محدود، لكن الحدث النفسي واسع؛ وما يتغير باستمرار ليس العالم، بل تفسير الساردة للعالم.

• ثالثاً: الصوت بوصفه علامةً مركزية
من أبرز العناصر الفنية في القصة حضور الصوت.
نسمع:
- مواء القطط.
- عواء الكلب.
- بكاء الرجل المسن.
- سباب الابن.
- صراخ الأب.
- أصوات الجيران.
- الثرثرة والحكايات.
وهكذا تتحول القصة إلى ما يشبه فضاءً سمعياً أكثر منه فضاءً بصرياً.واللافت أن الساردة لا ترى معظم الأشياء مباشرة؛ إنها تسمعها، ثم تبني صورتها في المخيلة.لذلك يصبح الصوت في القصة علامةً غير مكتملة، تحتاج إلى تأويل. والإنسان، حين يواجه العلامة الغامضة، يبدأ في إنتاج الاحتمالات.
من هنا يمكن القول إن القصة تبني توترها الأساسي على العلاقة بين:
الصوت - التأويل - الخوف - التوقع.فالقط لا يقول شيئاً، والكلب لا يعلن الموت، والأب لا يقدّم تفسيرًا، لكن الساردة ومن حولها يمنحون هذه الأصوات معاني تتجاوز طبيعتها.

• رابعاً: القط والكلب بين الواقع والخرافة
يمثل القط في القصة علامةً مزدوجة.
إنه في المستوى الواقعي مجرد حيوان يتشاجر مع قط آخر، لكن المخيلة الشعبية تمنحه وظيفةً غيبية. وكذلك الكلب الذي يعوي، فتربط الصديقة عواءه بالموت.وهنا تدخل القصة إلى منطقة التوتر بين العقل والخرافة.
تقول الساردة إنها ضحكت من كلام صديقتها، لأنها اعتادت سماع الخرافات المتوارثة من البيئة البدوية. لكن المفارقة أن خبر وفاة الجار في الصباح التالي يجعل الخرافة تستعيد حضورها في ذهنها.
غير أن الكاتبة لا تثبت الخرافة ولا تنفيها مباشرة؛ بل تترك القارئ أمام المنطقة الرمادية بين المصادفة والتأويل.
وهذه من أجمل مناطق القصة؛ لأنها لا تقدم إجابة جاهزة، وإنما تجعل القارئ يختبر بنفسه قوة المصادفة على العقل.

• خامساً: من الخوف إلى المنطق... ثم العودة إلى الشك
تمر الساردة بتحول نفسي واضح.
في البداية:
"كاد النوم يهرب من عيني".
ثم تتنامى المخاوف، وتتداخل الحكايات بالأصوات.
وبعد وفاة الأستاذ حليم تقول:
"وتعلمت أن أبني كل شيء على المنطق"
لكن القصة لا تسمح لها بالاستقرار في منطقة المنطق؛ إذ سرعان ما يعود الشك مع الرجل المسن وابنه، ثم حادث الشاب، ثم موته.
وهكذا تصبح رحلة الساردة رحلةً بين قطبين:
"الخرافة - المنطق – الشك".
وهذه الحركة هي العمود الفقري النفسي للنص.
فالعقل لا يستطيع دائمًا أن يلغي المخيال، كما أن الخرافة لا تستطيع دائماً أن تنتصر على المنطق.

• سادساً: المكان بوصفه فضاءً للرعب
المكان في القصة ليس محايدًا.
بيت الجدة، ودورة المياه المظلمة، وسلّم العقار، ونافذة الشك، ومدخل العقار، كلها أمكنة مشحونة نفسياً.
واللافت أن القصة تجعل سلّم العقار مركزاً رمزياً مهماً:
"سُلَّم العقار أصبح وكراً للقطط"فالسلّم مكان للعبور بين الطوابق، لكنه هنا يتحول إلى منطقة معلقة بين الأعلى والأسفل، بين الخاص والعام، بين الأسرار المنزلية والفضاء المشترك.إنه مكان تسمع فيه الساردة ولا ترى، وتلتقط منه الأصوات دون أن تمتلك الحقيقة.
وهكذا يصبح المكان امتدادًا للحالة النفسية.

• سابعاً: النافذة التي يطل منها الشك
من أجمل الصور الدلالية في القصة قول الساردة:
"والضجيج المنبعث من نافذة الشك"
فالشك هنا لم يعد حالةً نفسية مجردة، بل أصبح نافذة.
وهذه الصورة تمنح الشك وظيفة مزدوجة: فهو من جهة نافذة تطل منها الساردة على العالم، ومن جهة أخرى نافذة لا تمنحها رؤية واضحة.
إنها ترى من خلالها، لكنها لا ترى الحقيقة.وهنا يتحول الشك من مجرد موقف إلى مكان معرفي تقيم فيه الساردة.

• ثامنا: الأب والابن... من الحكم الأخلاقي إلى مأساة الفقد
تدخل القصة في مرحلتها الأكثر عمقًا عندما يظهر الأب وابنه.في البداية يبدو الابن عاقًا:
"ينال عقاب عقوق والده الشيخ المريض؟".
والسؤال نفسه يحمل حكماً أخلاقيًا مسبقاً.
لكن الحادث يغير الصورة؛ فالابن يصبح مشلولًا، ثم يموت، ويظهر الأب في النهاية صارخًا على فراقه.هنا تنقلب المعادلة:
"كان الابن في نظر الساردة عاقاُ، لكنه في لحظة الموت يصبح ابنًا مفقوداً".
وهذه النقلة تكشف إحدى أهم أفكار القصة: الإنسان أكثر تعقيداً من الحكم الذي نصدره عليه من خلف الجدران.فالساردة كانت تسمع السباب والصراخ، لكنها لم تكن تعرف ما وراءهما.والموت وحده هو الذي أسقط الحواجز وكشف هشاشة التصنيفات.

• تاسعاً: الجريمة الحقيقية
هنا نصل إلى جوهر العنوان.
ما الجريمة التي يتحدث عنها النص؟.
ليست جريمة القط، لأن القط لم يرتكب شيئًا.
وليست جريمة الابن، لأن القصة لا تمنحنا دليلًا كافيًا على أن عقوقه هو الحقيقة الكاملة.إن الجريمة الأعمق هي جريمة الظن.فالإنسان حين لا يعرف، يميل إلى صناعة تفسير؛ وحين يتكرر التفسير، يتحول إلى اعتقاد؛ وحين يستقر الاعتقاد، يصبح حكمًا.وهكذا ترتكب المخيلة جريمتها في حق الحقيقة.
إن القصة، بهذا المعنى، ليست عن القطط ولا عن الموت بقدر ما هي عن الإنسان الذي يخاف المجهول فيملؤه بالأساطير.

• عاشراً: البعد النفسي
تتحرك الساردة تحت تأثير خوف قديم، ولذلك فإنها لا تستقبل الأصوات بوصفها أصواتًا فحسب، وإنما تستقبلها باعتبارها إشارات.فالخوف يسبق الحدث، ولذلك يصبح الحدث قابلًا لأن يوافق الخوف.وهذه آلية نفسية معروفة: حين يخشى الإنسان شيئاً، يصبح أكثر استعداداً لرؤيته في كل علامة تحيط به.
لذلك نجد الساردة تراقب القطط والكلاب وتنتظر "موعدًا" لما يمر به ظنها.
إنها لا تنتظر الحقيقة فقط؛ إنها تنتظر تأكيدًا لتأويلها.وهنا تكشف القصة كيف يمكن للوعي أن يصبح سجيناً لفرضياته الخاصة.

• الحادي عشر: الموت بوصفه قوةً لتعرية الحقيقة
الموت في القصة لا يؤدي وظيفة النهاية فقط، وإنما يعمل بوصفه كاشفًا للحقيقة الإنسانية.وفاة حليم تضع حدًا لتأويل العواء، لكنها لا تلغي السؤال.
وموت الابن يكشف أن وراء الصراخ علاقةً أبويةً لا يمكن اختزالها في كلمة "عقوق"أما العبارة الختامية:
"بل إنه عاد إلى حياته الآخرة"فتفتح بابًا تأويلياً مهماً.فالموت هنا لا يعني النهاية فقط، وإنما يغيّر معنى الحياة السابقة نفسها. فالأب الذي كان يبكي وينوح، ثم فقد ابنه، يدخل عالمًا آخر من الوحدة.
إن "الحياة الآخرة يمكن قراءتها بوصفها حياةً بعد فقد الابن، لا بوصفها إحالةً دينية مباشرة فحسب؛ أي حياةً جديدة يفرضها الموت على من بقي.

• الثاني عشر: الزمن وبناء التشويق
تتحرك القصة عبر سلسلة من الأحداث المتتابعة، لكنها لا تعتمد على كثرة الأحداث بقدر اعتمادها على تأجيل المعرفة.فكل معلومة جديدة لا تغلق السؤال، وإنما تفتح سؤالًا آخر(صوت القطط - وفاة حليم - صوت الكلب - الشاب العاق - الحادث - الشلل – الموت)وهذا البناء يجعل القارئ يتحرك مع الساردة داخل دائرة من التوقع.
إن الكاتبة تستخدم تقنية سردية تقوم على إرجاء الكشف؛ فلا تقدم الحقيقة دفعة واحدة، وإنما تجعلها تتشكل تدريجياً من خلال شظايا.

• الثالث عشر: اللغة بين الحكي والتأمل
لغة القصة ذات طبيعة سردية مباشرة، لكنها تتخللها تعبيرات ذات كثافة مجازية، مثل:
"جمعت كل ظنوني في بئر الصدفة"و"نافذة الشك"و"كل ما كانت من أثواب الخوف حرقها الموت"وهذه الصور تنقل اللغة من مجرد نقل الحدث إلى التعبير عن الحالة النفسية.فالخوف يصبح ثوبًا، والشك يصبح نافذة، والظنون تصبح شيئًا يمكن جمعه في بئر.وهذه الاستعارات تمنح القصة طبقة شعرية تتجاوز الواقعة.

• الرابع عشر: السيميائيات اليومية
من أهم ما يميز القصة أنها تبني دلالاتها من أشياء يومية صغيرة:
(قط، كلب، سلم، نافذة، مصباح، رائحة، صوت، جنازة، زهور)لكن هذه الأشياء لا تبقى في مستواها المادي؛ إذ تتحول إلى علامات.فالزهور، مثلًا، تظهر بعد الجنازة بوصفها بقايا من طقس الموت:
"أشمّ الزهور المتبقية من جنازة حليم"وهنا تتداخل حاسة الشم مع الذاكرة والموت، فيصبح العطر نفسه أثرًا للحضور الغائب.

• الخامس عشر: من الخرافة إلى النقد الاجتماعي
لا تقف القصة عند نقد الخرافة، بل تلمح إلى ظاهرة اجتماعية أعمق: فضول الجيران بوصفه آلية لإنتاج الحكاية.الجدران لا تمنع انتقال الأصوات، والبيوت ليست معزولة تمامًا عن بعضها. ومن خلال هذا التداخل تتكون الحكايات.لكن الحكاية الشعبية لا تنقل الحقيقة دائمًا؛ إنها تعيد إنتاجها.وهنا تصبح الجيرة فضاءً لتداول التأويلات، كما تصبح الأذن أداةً لصناعة صورة الآخر.إننا لا نعرف الجار مباشرة؛ نعرفه من أصواته، ومن حديث الآخرين عنه. وهذه إحدى أكثر طبقات القصة قربًا من الواقع الاجتماعي.

• السادس عشر: دلالة النهاية
النهاية من أكثر مواضع النص إثارةً للتأويل.بعد موت الابن تقول الساردة إن الصراخ عاد بعد أيام، ثم تتراجع عن تفسيرها الأول:
"لعلَّ الأب رجع إلى عادته القديمة، لا بل إنه عاد إلى حياته الآخرة..."إن الانتقال من "عاد إلى عادته" إلى "عاد إلى حياته الآخرة" يمثل لحظة نضج في وعي الساردة.فهي لم تعد تريد أن تفسر الصوت بسرعة.
لقد تعلمت أن وراء كل صوت قصة، وأن وراء كل سلوك عالمًا لا تراه.
وهكذا تتطور الساردة من طفلة تخاف من مواء القطط إلى وعيٍ يدرك أن الحقيقة أوسع من الصوت الذي نسمعه عنها.

• القيمة الفنية والفكرية للقصة
تكمن أهمية "جريمة قط" في أنها تجعل من حدث صغير مدخلًا إلى أسئلة أكبر: "الخوف، والخرافة، والمصادفة، والقدر، والظن، والموت، والحكم على الآخرين". والقصة لا تقدم فلسفة جاهزة، بل تجعل القارئ يعيش التجربة نفسها: يسمع صوتًا، يتوقع، يفسر، ثم يكتشف أن تفسيره لم يكن كاملًا.
وهنا تكمن قوتها الأساسية.إنها قصة عن الإنسان حين يحاول أن يفهم العالم بأدوات ناقصة.

• الملاحظات نقدية
تملك القصة فكرةً مركزية خصبة، وبناءً يقوم على التشويق وتأجيل المعرفة، كما تمتلك مجموعة من العلامات السيميائية القابلة للتأويل، ولا سيما القطط والكلاب والأصوات والظلام والنافذة والسلم والموت.غير أن النص، فنياً، يمكن أن يستفيد من مزيد من الاقتصاد اللغوي والتكثيف السردي، ومن ضبط بعض التراكيب اللغوية والنحوية، وتقليل الانتقال المباشر بين بعض الأحداث. كما أن بعض المواضع تخبر القارئ بما يمكن للسرد أن يجعله يكتشفه بنفسه.ولو اتجهت الكاتبة إلى مزيد من الإضمار، ومنحت القارئ مساحةً أوسع للاستنتاج، فإن القصة ستصبح أكثر توهجًا وأشد قدرة على إنتاج الدهشة.
فالقصة القصيرة، كلما وثقت بذكاء قارئها، ازدادت قدرتها على الإيحاء.

• الخلاصة.
"جريمة قط" ليست قصةً عن قطٍّ أسود، ولا عن عواء كلب، ولا عن موت جار أو شاب؛ إنها قصة عن العقل حين يخاف من الفراغ المعرفي، فيملؤه بالظنون.
لقد وضعت هدى عزالدين محمد بطلتها أمام عالم لا تستطيع أن تراه كاملًا، فحولت الأصوات إلى علامات، والعلامات إلى أسئلة، والأسئلة إلى احتمالات. وفي النهاية، لم تمنحها الحقيقة كاملة، وإنما منحتها ما هو أعمق من الحقيقة الجاهزة: وعيَ حدود المعرفة.ولعل أجمل ما يمكن أن نستخلصه من النص أن الإنسان لا يرى العالم كما هو دائمًا، بل كما تسمح له مخاوفه وذاكرته وخبرته أن يراه.
فالقط لم يكن مجرمًا، والكلب لم يكن نذير موت، والابن لم يكن مجرد «عاق»، والأب لم يكن مجرد رجل يصرخ.لقد كانت الجريمة الحقيقية أن نحاكم ما لا نعرفه بما نظنه.ومن هنا يصبح عنوان القصة مفارقةً كاملة:"جريمة قط"... حين لا يكون المجرم قطًّا، بل الظنُّ نفسه.
***
• نصالقصة موضوع الدراسة النقدية(جريمة قط)للكاتبة والشاعرة السيريالية هدى عزالدين محمد.
بَعْدَ أَنْ انْتَصَفَ اللَّيْلُ وَأَنَا فِي بَيْتِ جَدَّتِي، كَادَ النَّوْمُ يَهْرُبُ مِنْ عَيْنَيَّ، أُتَابِعُ حَدِيثَ عَمَّتِي وَجَدَّتِي عَمَّا رَآهُ جَارُهُمَا السَّاكِنُ فِي الدَّوْرِ الْأَرْضِيِّ، وَمَعَ كُلِّ كَلِمَةٍ كُنْتُ مَعَ الْمُتَبَقِّي مِنْ خَوْفِي أَرْسُمُ مَشْهَداً مِنْ خَيَالِي، عِنْدَمَا رَأَيْتُ تِلْكَ الْقِطَّةَ السَّوْدَاءَ تُحَاوِلُ الشِّجَارَ مَعَ قِطٍّ تَلَوَّنَ فِرَاؤُهُ بِاللَّوْنَيْنِ الْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ؛ لَكِنَّ أَصْوَاتَ الْقِطَطِ تُفْزِعُنِي وَأَنَا أُحَاوِلُ أَنْ أَجِدَ تَفْسِيراً لِتِلْكَ الْأَصْوَاتِ كَأَنَّهَا تُعْلِنُ عَنْ حُدُوثِ جَرِيمَةٍ مَا، وَرَجَعْتُ بِالْمُتَبَقِّي مِنْ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ عَنْ دَوْرَةِ الْمِيَاهِ الْمُظْلِمَةِ دَائِماً أَوْ رُبَّمَا نَجِدُ بِهِ مِصْبَاحاً لَا نَرَى مِنْهُ كَفَّ يَدٍ؛ لَكِنَّنِي لَا أَنْعَى خَوْفِي؛ بَلْ رَتَّبْتُ لَهُ خُطَّةً وَمَعَ كُلِّ لَيْلَةٍ أَبْحَثُ مِنْ جَدِيدٍ عَنْ مُوَاءِ الْقِطَطِ.

كُلُّ هَذَا سَابِقٌ لِتِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي كُنْتُ مَعَ صَدِيقَتِي فِي مُكَالَمَةٍ هَاتَفِيَّةٍ، وَسَمِعْنَا صَوْتَ كَلْبٍ أَشْبَهَ بِصَوْتِ ذِئْبٍ يَعْوِي؛ لَكِنَّهَا قَالَتْ فِي فَزَعٍ عَجِيبٍ: هَذَا الْعُوَاءُ دَلِيلٌ عَلَى قُدُومِ الْمَوْتِ، هَذَا الْيَوْمَ ضَحِكْتُ مِنْ كَلَامِهَا وَقَدِ اعْتَدْتُ أَنْ أَسْمَعَ مِنْهَا عَنِ الْخُرَافَاتِ الَّتِي تَوَارَثَتْهَا مِنْ بِيئَتِهَا الْبَدَوِيَّةِ.

فِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ اسْتَيْقَظْتُ عَلَى خَبَرِ وَفَاةِ جَارِنَا الْعَزِيزِ الْأُسْتَاذِ حَلِيمٍ، جَمَعْتُ كُلَّ ظُنُونِي فِي بِئْرِ الصُّدْفَةِ، وَتَعَلَّمْتُ أَنْ أَبْنِيَ كُلَّ شَيْءٍ عَلَى الْمَنْطِقِ، اخْتَفَى صَوْتُ الْقِطَطِ، وَاسْتُبْدِلَ بِصَوْتِ رَجُلٍ مُسِنٍّ اعْتَادَ الْبُكَاءَ وَالنَّحِيبَ كُلَّ لَيْلَةٍ وَابْنُهُ الْوَحِيدُ يُبَادِلُهُ السِّبَابَ، وَمَعَ أَوَّلِ سُؤَالٍ عَنْ هَذِهِ الْعَادَةِ لَمْ وَلَنْ أَنَالَ إِجَابَةً كَافِيَةً.

سُلَّمُ الْعَقَارِ أَصْبَحَ وَكْراً لِلْقِطَطِ، وَأَنَا مَعَ الْحِكَايَاتِ مِنْ جَدَّتِي وَحَدِيثِ صَدِيقَتِي أَنْتَظِرُ جَدِيداً لَا أُصَرِّحُ بِهِ، وَأَنْفَاسِي لَمْ تُعْلِنْ تَوْبَتَهَا عَنْ شَمِّ رَائِحَةِ الْجِيرَانِ، وَالضَّجِيجِ الْمُنْبَعِثِ مِنْ نَافِذَةِ الشَّكِّ، لَمْ أَلْمَسْ يَقِيناً بَعْدُ، أَتَنَهَّدُ وَأَعُدُّ الْأَسْئِلَةَ: هَلْ هَذَا الشَّابُّ، سَلِيطُ اللِّسَانِ يَنَالُ عِقَابَ عُقُوقِ وَالِدِهِ الشَّيْخِ الْمَرِيضِ؟.

تَمُرُّ الْأَيَّامُ سَرِيعاً كَيْ أَجْمَعَ صَوْتَ الْحَقِّ، لَقَدْ أُصِيبَ الشَّابُّ فِي حَادِثِ سَيْرٍ مُرَوِّعٍ وَأَصْبَحَ يَلْعَنُ الْجَمِيعَ، وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ بُكَاءِ الْأَبِ وَصُرَاخِ الابْنِ؛ أُصِيبَ بِجُرُوحٍ خَطِيرَةٍ، وَفِي عِبَارَةٍ أُخْرَى قَالَهَا الطَّبِيبُ: لَقَدْ أُصِيبَ الشَّابُّ بِشَلَلٍ رُبَاعِيٍّ.
كُنْتُ أُرَاقِبُ صَوْتَ الْقِطَطِ وَالْكِلَابِ لَعَلِّي أَعْرِفُ مَوْعِداً مُحَدَّداً لِمَا يَمُرُّ بِهِ ظَنِّي، وَهَلْ تَضَعُ الدُّنْيَا شُرُوطَهَا عَلَى رِقَابِ الْعِبَادِ، أَوْ يَلْعَبُ مَعَهُ الْقَدَرُ لُعْبَتَهُ وَيَهَبُ لَهُ الشِّفَاءَ؟. لَا تَسْتَطِيعُ مُخَيِّلَتِي أَنْ تَرْسُمَ نِهَايَةً مَا، أُمَارِسُ الصَّمْتَ وَفَقْدَانَ الثَّرْثَرَةِ، حَمِدْتُ الرَّبَّ عَلَيْهِ وَأَشُمُّ الزُّهُورَ الْمُتَبَقِّيَةَ مِنْ جَنَازَةِ حَلِيمٍ وَأَنَا أَذْكُرُهُ فِي حَدِيثِي، بِمَدْخَلِ الْعَقَارِ سَمِعْتُ صَوْتَ صُرَاخٍ تَرْتَجِفُ لَهُ الْأَبْدَانُ: لَقَدْ مَاتَ الشَّابُّ مُنْذُ دَقَائِقَ.
الصُّرَاخُ مِنْ قَلْبِ الْأَبِ عَلَى فِرَاقِ ابْنِهِ الْعَاقِّ، كُلُّ مَا كَانَ مِنْ أَثْوَابِ الْخَوْفِ حَرَقَهَا الْمَوْتُ، وَهَا هُوَ الصُّرَاخُ مُجَدَّداً بَعْدَ عِدَّةِ أَيَّامٍ؛ لَعَلَّ الْأَبَ رَجَعَ إِلَى عَادَتِهِ الْقَدِيمَةِ، لَا بَلْ إِنَّهُ عَادَ إِلَى حَيَاتِهِ الْآخِرَةِ...
***********
ملاحظة التحرير:
نشرت الدراسة النقدية بتاريخ27 آب/أغسطس 2026
بقلم الناقد : عماد خالد رحمة .سورى مقيم فى برلين.
-المصدر: مدونة (صحيفة المثقف)رابط الدراسة الاصلى على مدونة صحيفة المثقف:
https://www.almothaqaf.com/readings-5/989533-%D8%B9%D9%85%D8%A7%D8%AF-%D8%AE%D8%A7%D9%84%D8%AF-%D8%B1%D8%AD%D9%85%D8%A9-%D8%AD%D9%8A%D9%86-%D9%8A%D8%B1%D8%AA%D9%83%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B8%D9%86%D9%91%D9%8F-%D8%AC%D8%B1%D9%8A%D9%85%D8%AA%D9%87?fbclid=IwY2xjawT9HklwZG9mBWV4dG4DYWVtAjExAHNydGMGYXBwX2lkEDIyMjAzOTE3ODgyMDA4OTIAAR4O5iPhKoGOIywDNpmRaL91hyu8JN3eeKIgdVqU50vbSLu1jwbFpRMVjt3LdQ_aem_PBnXl3smEzfg5Ss29msFnQ



#هدى_عزالدين_محمد (هاشتاغ)       Huda_Ezz_El-din_Muhammad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إخترنا لك :نص(سِفرُ الفُجورِ وآيَةُ الإيمان)هدى عزالدين محمد ...
- نص(الحِبْرُ الأَبْيَضُ)الشاعرة السيريالية:هدى عزالدين محمد.م ...
- نص(الصَّبَاحُ طِفْلٌ)هدى عزالدين محمد.مصر.
- نص(سفينةُ شَكٍّ)هدى عزالدين محمد.مصر.
- نص:فوضَى النَّص.هدى عزالدين محمد.مصر.
- نص(عَيْنُ الْمَوْتِ الْبَارِدَةُ)
- نص(عَجُوزٌ.. بَيْتُ جَدِّي)
- مقال(عن أسبقية الإنسان والعدم)
- حوار مع الأديب الكبير (صبري يوسف)هدى عزالدين محمد.مصر.
- نص سيريالي بعنوان (خَمْرُنَا مَا زَالَ عِنَبًا) هدى عزالدين ...
- نص(صَلِّ بعدَ النَّحر)هدى عزالدين محمد.مصر.
- نص(لَا يَصْلُحُ الشُّعَرَاءُ لِلُعْبَةِ الحُبِّ)هدى عزالدين ...
- نص(يعزفُني البكاءُ) هدى عزالدين محمد.مصر.
- نص(المُؤجَّلُ داخِلَ الحُلْمِ)هدى عزالدين محمد.مصر.
- ظواهر كاذبة(كبار السن بين العطاء والحنان... حين تتكلم الجراح ...
- حين يُسيء الكِبر إلى الوقار: كبار السن بين عبء السلطة والانح ...
- نصوص سيريالية(صلاة القبح والمزايا)هدى عزالدين محمد .مصر.
- نصوص سيريالية(نافذتي الَّتي سَقَطَتْ مَعَ الرِّيحِ)هدى عزالد ...
- نص(رِسالةٌ إلى صديقي الغائِبِ مُنذُ قُرونٍ)هدى عزالدين محمد. ...
- نص(هَيَّا نَذْبَحْ الوَقْتَ مَعًا)هدى عزالدين محمد.مصر.


المزيد.....




- نقل الفنان المصري بيومي فؤاد للمستشفى
- اليابان: رحيل يايوي كوساما... الفنانة التي حوّلت عالمها الدا ...
- هل يعود نصب بوشكين إلى موقعه التاريخي في موسكو؟
- أزمة تجنيد في شرطة برلين بسبب ضعف اللغة الألمانية لدى المتقد ...
- في يوم السينما الروسية.. إصدار مقطع دعائي لفيلم -تشيبوراشكا ...
- من ألهم ليف تولستوي شخصية ناتاشا روستوفا في روايته -الحرب وا ...
- مسرح أرخانغيلسك يقدّم تشيخوف في قالب الفارس الهزلي بموسكو
- 27 ألف رسالة وصلته متأخرة.. حكاية فنان كوبي طاردته لوحاته
- سليمان منصور.. الفنان الذي حوّل فلسطين إلى ذاكرة بصرية
- افتتاح معرض -ألوان وحروف.. وأثرٌ لا يزول- للفنانة باسلة عنان ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هدى عزالدين محمد - قراءة سيميائية وسردية ونفسية -حين يرتكب الظنُّ جريمته.للناقد( عماد خالد رحمة) لقصة(جريمة قط)للكاتبة والشاعرة هدى عزالدين محمد. مصر.