أحمد هيهات
الحوار المتمدن-العدد: 8804 - 2026 / 8 / 21 - 19:03
المحور:
الادب والفن
بلغت به الآلام ذروتها حين تناهى إلى مسامعه نبأ ذلك العامل البائس الذي طفح به الكيل من مرارة الظلم ومذاق القهر الذي يمارسه الموكل بتسيير تلك الضيعة الشاسعة، في غياب صاحبها الأصلي الذي تخلى عن مسؤولياته وترك رعاياه لمصيرهم المظلم. لقد كان جرم هذا الخادم أنه تاقَ إلى الحرية، وتجرأ على المطالبة بحقوقه المسلوبة.
وجاءت ريح العقاب صرصرا عاتية؛ إذ نهش السوط جسده بلا رحمة، تاركاً عليه حفرا وجداول تنزف دما أسود الاحمرار. ولم يكتفوا بذلك، بل كبلوا أطرافه بالحبال الغليظة، وطوقوا عنقه بالسلاسل الحديدية الثقيلة، ثم ألقوا به في غيابات قبوٍ مظلم تنعدم فيه الحياة، وتغيب عنه شمس النهار غيبة أبدية، حيث أصبحت عتمته ملاذاً للحشرات والطفيليات التي تنهش ما تبقى من قواه المنهكة.
تملك غضب عارم السيد الموكل بتسيير الضيعة عندما علم أن هذا الخادم العنيد قد أضرب عن الطعام، رافضاً أن يطعم ما يقدمه له جلادوه من خشاش لا يسمن ولا يغني من جوع، تعبيراً عن احتجاج روحه الأبية. وقرر أن يذيق الخادم ألواناً جديدة من التنكيل تفوق الاحتمال.
استدعى السيد حراسه وأمر بإحضار إزميل ومطرقة. أحكم الزبانية قبضتهم على الجسد النحيف المستسلم لقدره، وبدأ السيد يضرب أسنانه بدم بارد، ويكسرها الواحدة تلو الأخرى، وسط صرخات صامتة وألمٍ يعتصر الفؤاد، حتى لم تبقَ في فمه الجريح سوى أضراسه ونواجده الشاهدة على وحشية البشر.
ثم تمادى السيد في تعذيبه، فأمر بطست قصديري صغير منزوع الغطاء والقعر، وجعله في فم الخادم كالقمع، ثم سكب فيه كمية من الطعام ودفعها بالقوة وبغلظة إلى جوفه، دون أن تهتز في قلبه شعرة من رحمة أو إنسانية.
وبعد أن أتم صنيعه البشع، انصرف السيد وهو يبتسم ابتسامة زهوٍ وكبرياء، منتشياً بنصرٍ مزيف واهم، تاركاً خلفه نفساً تعاني سكرات الألم، وروحا ترفض الانكسار.
(أحمد هيهات).
#أحمد_هيهات (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟