أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد هيهات - زئير الانتماء (قصة قصيرة)














المزيد.....

زئير الانتماء (قصة قصيرة)


أحمد هيهات

الحوار المتمدن-العدد: 8773 - 2026 / 7 / 21 - 22:48
المحور: الادب والفن
    


عندما كان ذلك الصباح يغزل خيوطه الأولى خلف وشاح من ضباب رطب خفيف، يلف قرية مجهدة على أطراف المدينة استيقظ رابح على معزوفة بطنه الخاوية التي صارت إيقاعاً رتيباً يضبط نبضه اليومي. كان مأواه يتأرجح بين إسمنت جسر بارد وعتمة بناء مهجور. جسده النحيل كان أشبه بحبة زيتون جافة منكمشة، لم يكن في ذلك اليوم جديد يذكر، غير أن القرية لم تكن كعادتها، كانت تهتز على وقع ترنيمة استثنائية: مباراة للمنتخب الوطني.
منذ تباشير الفجر، بدأت الحياة تتسلل عبر شقوق الجدران المتهالكة؛ ضحكات الأطفال، أهازيج النساء، وآمال الرجال الحذرة. انزوى رابح في ركن قصي من مقهى شعبي لمتابعة المباراة، بينما كان جسده يلامس الأرض بجوع يلسع أحشاءه كأسلاك شائكة، كانت روائح "الحريرة" و"الكسكس" تخترق النوافذ المغلقة كأطياف تعذيب شهي، لكن رابح فضل أن يعطل حاسة الشم إلى حين، وفضّل أن ينغمس في بحر الاجتماع الرياضي، كأنه يصغي إلى تراتيل نقية آتية من زمن الطهر.
وفي اللحظة التي عانقت فيها الكرة شباك الخصم صرخ رابح صرخة كأنما خرجت معها روحه من سجنها المتهالك. انفجر المقهى بأصوات حادة كالشفرات، وتدافع الرجال يرقصون فوق مقاعدهم البلاستيكية متحللين من وقارهم اليومي. ووسط هذا الطوفان البشري، وقف رابح وسط الناس، رافعاً ذراعيه النحيفتين نحو السماء، كأنه يرفع صلاة شكر لنصر أوسع من جوعه، وأعظم من تشرده. لم تكن دموعه حزينة، بل كانت غباراً تذروه رياح الفخر؛ شعور عارم بأنه - ورغم أسماله البالية - جزء لا يتجزأ من هذا الكيان الكبير الذي يهزم الانكسار. نسي صراخ معدته، ونسي شظايا أحلامه المتكسرة على رصيف الخيبة، ونسي أن أحداً في هذا العالم الواسع لم يسأل عنه يوماً.
انتهت المباراة، وأطلقت الجماهير هتافاتها الأخيرة، وانفضّ الجمع بعد ساعات من الفرح والاحتفال، وعادت الأبواب لتغلق في وجه الليل الحذر. استلقى رابح مجدداً على التربة العارية بعد أن غادرته نشوة النصر كسحابة صيف عابرة، مخليةً المكان لفراغ مظلم عاد ليتمدد في صدره، فقد عاوده الشعور بالجوع والبرد. لكنه، في غمرة تلك الوحدة القاتلة، تذكر عناق الكرة والشباك، وتخيل أن ذلك الانفجار الأخضر والأحمر كان مرآة لحياته؛ وأنه بعد كل هذا الخراب، لا يزال قادراً على أن يطلق زئيرا يسمعه الكون.
تسلل من جديد إلى زاويته المظلمة مع حلول الليل، يلف جسده بخرقة بالية، اضطجع رابح وذراعه وسادته وهو يسمع جوعه يصرخ كحيوان بري يعوي في أعماق الغابة. ومع ذلك ابتسم رابح في الظلام ليس لأنه سعيد، لكنه أدرك أن ارتفاع علم البلاد وتحقيق الانتصار، مهما كان عابراً، يمنح المنسيين والمهمشين وطنية خالصة وانتماء يتعالى عن المقابل.



#أحمد_هيهات (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المكان والشخصية من خلال رواية -المباءة- لمحمد عز الدين التاز ...
- بنية المكان في رواية (نوارة.. وجه عروس)
- الوجه الأحمر الصقيل (قصة قصيرة)
- رسالة مجنون
- هل يوجد شيء اسمه السعادة؟
- السيد العبد
- الفرحة الحزينة
- جذور التوتاليتارية في العهد الراشدي
- علاقات خاصة
- الحزب الحقيقي الذي يستحق أصوات المغاربة
- وضع الكحل في عيني الأسد
- الخوف الذي يأبى الموت
- الخبز الاسفنجي المُحَلَّى
- الانتخابات المغربية والطريق الضائعة إلى الديمقراطية
- الموقعة الخاسرة
- في معايير اختيار المؤلفات في التعليم الثانوي
- الشمس تستسلم مرة أخرى
- المسيد أو العصا بدون جزرة
- أقساط غير مريحة
- الطائرة الحقيقية


المزيد.....




- السيسي يستقبل بطلة -تحدي القراءة العربي- ويمنحها نوط الامتيا ...
- إيمري بيلوز أوغلو يتولى القيادة الفنية لفناربخشه قبيل مواجهة ...
- اللوفر يعرض 300 صورة تكشف خفاياه ومحطات من تاريخه
- -وجوه الفيوم-.. آثار من التاريخ المصري تنبض بالحياة في معرض ...
- سوابق تاريخية في الانتخابات النصفية الأميركية تحولات تاريخي ...
- ما هي قصة فيلم the odyssey: رحلة أوديسيوس في عمل نولان
- مهرجان دهوك السينمائي.. تظاهرة مميزة في إقليم كردستان
- الأديب حامد ياسين يوضح خلفيات مقطع الفيديو المؤثر وتحديات ال ...
- مهرجان تورينو السينمائي يكرم جون ترافولتا بجائزة الإنجاز الف ...
- الكاتب فيليب جاينادا يحصد جائزة غونكور الأدبية لعام 2026 برو ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد هيهات - زئير الانتماء (قصة قصيرة)