أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد هيهات - صباح أحمر














المزيد.....

صباح أحمر


أحمد هيهات

الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 22:15
المحور: الادب والفن
    


لم يكن صباح ذلك اليوم يشبه سائر الصباحات التي اعتادت أن تستقبلها الحظيرة. كانت الشمس تبسط خيوطها الذهبية على التراب الندي، وتنسج فوق الأعشاب هالة من الضوء الخافت، فيما كانت الكائنات الصغيرة تمارس طقوسها اليومية في طمأنينةٍ لا تعرف الريبة. وفي زاوية من الحظيرة كانت دجاجة وديعة تخطو خطوات خفيفة واثقة، تنقر الحبَّ حينًا، وتداعب فراخها حينًا آخر، وقد اكتست بريشٍ قزحيٍّ أخّاذ، تتراقص فوقه الألوان كلما داعبته أشعة الصباح، حتى غدت كأنها قطعة من قوس قزح هبطت إلى الأرض لأخذ قسط من الراحة.
ودون سبب معلوم تحول الجمال إلى جريمة، والاختلاف إلى تهمة، والبراءة إلى دليل إدانة. فما إن وقعت عينا حارس الحظيرة على ذلك البهاء المتفرّد حتى استيقظت في أعماقه غرائز الغيرة والامتلاك والهيمنة. لم يرَ في تلك الألوان آيةً من آيات الخلق، بل رأى فيها راية تمرّدٍ ترفرف في فضائه الضيق، ولم يسمع في نقنقتها نداء الحياة، بل خُيّل إليه أنها بيان عصيانٍ يهدد سلطانًا واهيًا لم يكن قائمًا إلا على الطاعة العمياء.
خرجت الدجاجة من خمها المظلم تتهادى في مشيتها الوديعة، تحيط بها فراخها كأنها نجوم صغيرة تدور في فلك شمس حنون. وقد ازدهت الدجاجة بريشٍ قزحيٍّ أخاذ، تتعانق فيه زرقة السماء بخضرة الحقول، وتتسلل إليه حمرة الشفق وصفرة السنابل، حتى ليخيل للناظر أنها قصيدةٌ نسجتها الألوان في هيئة كائن حي. غير أنها لم تكن تعرف أن الجمال في مزارع الخوف يصبح قرينة إدانة، وأن الاختلاف، مهما كان بريئًا، يُعتبر إعلانًا للعصيان.
وما إن استقرت على الدجاجة عين الحارس حتى تبدل المشهد كله؛ انكمشت الحظيرة في نظره حتى غدت ثكنة عسكرية، وتحولت الدجاجة إلى متهمة خطيرة، وأضحى ريشها الملون رمزا لمؤامرة كبرى، بينما ارتقى صوتها، في مخيلته المريضة، من مجرد نداءٍ غريزي إلى خطابٍ تحريضي يهدد الأمن القومي ويقوض أركان العرش القروي القائم على أوهام القوة.
في تلك البرهة الحرجة التي تقاطع فيها خطّ القدر مع مخالب السطوة الغاشمة، وقعت الضحية المسكينة في قبضة السجّان. ثم انقبضت عليها الأصابع الخشنة الغليظة، فانحبس في صدرها الضعيف صوت الذعر، بينما انفرجت أسارير الحارس الطاغية عن ابتسامة صفراء مسمومة، تنضح بالخبث والمكر النافث لسرائر السوء.
وقف الحارس يملأ عينيه الشيطانيتين من مشهد ضعفها، يحدق ببرود مرعب في بؤبؤي تلك الضحية الموشاة بريش قزحيّ الألوان؛ ريشٍ يختزل في تموجاته ضياء الشمس المنكسر وهالات الحرية المنفلتة من نير الاستبداد. تفرّس فيها مليًا وعيناه تبرقان بشرّ مستطير، وهو يستحضر صكّ الاتهام الذي سطّره خياله المريض: تهمة التآمر والترهيب، وتهديد "الأمن القومي" لعرش الطين والهشيم الذي يقيم فيه أهل الحظيرة جميعهم. كيف تجرأت هذه المخلوقة الوديعة على خدش جدار السكينة المطلقة بنقنقتها المتفردة؟ وكيف أباحت لنفسها أن تحمل كل هذا التنوع اللوني الصارخ في عالمٍ لا يعترف إلا بلون الطاعة الواحد؟
راح الجلّاد يقلّب وجوه العقاب الممكنة في عقله الساديّ البارد، يزن الخيارات بميزان الحقد الدفين، كان يبحث عن عقوبة لا تنهي حياة الضحية بسرعة فتريحها، بل يريد عقوبة تخلّدها الأيام، وتجعل من بقائها على قيد الحياة عذاباً سرمدياً. طفق يفكر ويتدبّر، حتى اهتدى لمراده:
"لن أريق دمها، فالقتل رحمة لا تستحقها، ولن أؤنس وحشة جسدها بماء دافئ يلين جِلدها، أو حتى ماء بارد يخفف لظى انتزاع هويتها. سأجردها من دثار كرامتها وهي حيّة ترزق، لتغدو هيكلاً عارياً تُشير إليه الكائنات بأصابع السخرية والامتهان."
وبأصابع غليظة لا تعرف الرحمة شرع في نزع الريش القزحي ريشةً ريشة، منتزعاً مع كل خصلة جزءا من كرامتها المهيضة، تاركاً إياها ترتجف تحت وطأة العراء الرهيب، بجلدٍ مكشوف ومسامٍ ترشح دما قرمزيا يحكي قصة القهر.
فأي مصيبة أشد نكيراً من أن يُجبر المخلوق على العيش عارياً من ذاته، يحمل عاره في لوحة جسده المستباح، في وجعٍ غائر لا يبرأ، وفضيحة وجودية لا يمحو أثرها سرور الدهر كله؟
(أ.ه‍)



#أحمد_هيهات (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- زئير الانتماء (قصة قصيرة)
- المكان والشخصية من خلال رواية -المباءة- لمحمد عز الدين التاز ...
- بنية المكان في رواية (نوارة.. وجه عروس)
- الوجه الأحمر الصقيل (قصة قصيرة)
- رسالة مجنون
- هل يوجد شيء اسمه السعادة؟
- السيد العبد
- الفرحة الحزينة
- جذور التوتاليتارية في العهد الراشدي
- علاقات خاصة
- الحزب الحقيقي الذي يستحق أصوات المغاربة
- وضع الكحل في عيني الأسد
- الخوف الذي يأبى الموت
- الخبز الاسفنجي المُحَلَّى
- الانتخابات المغربية والطريق الضائعة إلى الديمقراطية
- الموقعة الخاسرة
- في معايير اختيار المؤلفات في التعليم الثانوي
- الشمس تستسلم مرة أخرى
- المسيد أو العصا بدون جزرة
- أقساط غير مريحة


المزيد.....




- مصر.. فيلم -محمود التاني- يصل إلى دور السينما في هذا الموعد ...
- على خطى -مايكل-.. فرقة -غرين داي- تروي سيرتها الذاتية في فيل ...
- هل ينقذك الماضي من الحاضر؟ فيلم -إذما- يبحث عن إجابة عمرها 1 ...
- رئيس لجنة الفنون الجميلة الأمريكية يصف زيارته لروسيا بـ-النا ...
- صدور رواية طوالع يومية في العراق
- حفيد ديغول: الفرنسيون يعشقون الثقافة الروسية رغم محاولات تشو ...
- -يُخشى عليها من الاندثار-.. حِرفي عراقي يوثق معالم كركوك الق ...
- مثل العلامة المائية.. سونو تضع بصمتها على موسيقى الذكاء الاص ...
- الفنان المصري طارق الشيخ يعلن انفصاله رسميا عن زوجته بكلمات ...
- بوتين يبعث تحياته إلى الرئيس الكوبي.. وروسيا ضيف شرف معرض ها ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد هيهات - صباح أحمر