أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد هيهات - مرارة الخواتيم:














المزيد.....

مرارة الخواتيم:


أحمد هيهات

الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 04:54
المحور: الادب والفن
    


حاول مدير دار النشر الذي خبر أهواء القراء ونزوعاتهم أن يثنيه عن مشروعه الجديد. أخبره أن الكتب لا تُشترى بالضرورة لأنها صادقة، ولا تُقرأ لأنها عادلة، بل لأنها تُجيد ملامسة ما يختبئ في النفس من تناقضات وشهوات وضعف. وحذّره من أن إفراغ الروايات من عيوب أبطالها لن يجعلهم أكثر إقناعاً، بل سيحوّلهم إلى تماثيل من الطين والحجارة لا حياة فيها. غير أن الكاتب كان قد تحول، عبر صمت السنوات، إلى ضفة أخرى من القناعة؛ ضفة لم يعد فيها الأدب مرآة للعالم فحسب، بل مطرقة صغيرة يحاول بها أن يصلح بعض التشققات التي تنخر جدرانه وتفاصيله.
كان يريد أن يعيد ترتيب العالم المختل من خلال كتبه، أراد للملوك أن يتخلوا عن تيجان السراب التي توهمهم أن أجسادهم صُنعت من معدن غير الذي صُنعت منه أجساد الرعية، وأن يدركوا أن العروش ليست سوى مقاعد مرتفعة قليلاً عن عتبة التراب. وأراد للساسة الذين خرجوا من الأزقة الضيقة حاملين رايات الخلاص أن يظلوا أوفياء للشعارات التي كانت تتوهج في حناجرهم أيام الفقر والملاحقة والخوف، فلا تتحول تلك الرايات، عند أول احتكاك ببريق السلطة، إلى ستائر فاخرة تزين قصورهم الجديدة. كان قد سئم الحكاية نفسها التي تتكرر جيلاً بعد جيل: ضحية الأمس التي تستعير سوط جلادها، وثائر الأمس الذي يكتشف فجأة فضائل الامتيازات التي كان يلعنها، ومناضل الأمس الذي يستبدل لغة المبادئ بلغة الحسابات، كما تستبدل الأفاعي جلودها عند تبدل الفصول.
وفي مخيلته كانت السلطة وحشاً غريباً لا يلتهم الرجال دفعة واحدة، بل يقضم أرواحهم على مهل؛ يبدأ الأمر بغرفة أوسع قليلاً من الغرفة القديمة، ثم منزلا يطل على حديقة واسعة، ثم قصرا تحرسه الأسوار والكاميرات. كما تبدأ الحكاية بسيارة تُقتنى للحاجة، ثم بأخرى لهيبة المنصب، ثم بأسطول كامل لا يُعرف أيها اُقتني للسفر وأيها جُعل للتباهي. أما المبادئ، تلك "الرفيقة" التي كانت تملأ الخطب والبيانات والوعود، فكانت تتراجع شيئاً فشيئاً إلى الظل، مثل صورة قديمة تُترك في قاع درج مغلق. ومع ذلك أصر الكاتب على مقاومة هذا المصير داخل رواياته، مؤمناً بأن الإنسان قد لا يكون كما ينبغي، لكن الأديب يملك الحق في أن يتخيله أفضل مما هو عليه. وكان يدرك، في قرارة نفسه، أن القراء قد يهجرون كتبه لهذا السبب، لأنهم اعتادوا رؤية البشر يسقطون أكثر مما اعتادوا رؤيتهم ينتصرون على ضعفهم، غير أنه رأى في تلك المجازفة شكلاً من أشكال الوفاء للحلم الأخير الذي لم تستطع الواقعية الأدبية نفسها أن تنتزعه منه.
(أ هــ)



#أحمد_هيهات (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صباح أحمر
- زئير الانتماء (قصة قصيرة)
- المكان والشخصية من خلال رواية -المباءة- لمحمد عز الدين التاز ...
- بنية المكان في رواية (نوارة.. وجه عروس)
- الوجه الأحمر الصقيل (قصة قصيرة)
- رسالة مجنون
- هل يوجد شيء اسمه السعادة؟
- السيد العبد
- الفرحة الحزينة
- جذور التوتاليتارية في العهد الراشدي
- علاقات خاصة
- الحزب الحقيقي الذي يستحق أصوات المغاربة
- وضع الكحل في عيني الأسد
- الخوف الذي يأبى الموت
- الخبز الاسفنجي المُحَلَّى
- الانتخابات المغربية والطريق الضائعة إلى الديمقراطية
- الموقعة الخاسرة
- في معايير اختيار المؤلفات في التعليم الثانوي
- الشمس تستسلم مرة أخرى
- المسيد أو العصا بدون جزرة


المزيد.....




- بين -بطل من هذا الزمان- و-صمت الحملان-.. كيف تنبأ ليرمونتوف ...
- بقيمة 9 ملايين يورو.. الشرطة الإيطالية تستعيد 3 لوحات مسروقة ...
- بيت المدى يوجه التحية إلى الفنان المسرحي صلاح القصب
- -عملية جراحية في قلب الأرض-.. دقة المشارط تُعيد بعث مقابر ال ...
- -غزة ومعاناة الفلسطينيين حاضرة-.. انطلاق النسخة الـ11 لمعرض ...
- مصر.. اكتشافات أثرية قد تقود إلى مدينة فرعونية مفقودة
- معرض -كوكب السيليكون-.. أسرار الكون تجسدها إبداعات الزجاج ال ...
- وزارة الموارد المائية والري ووزارة الثقافة تحتفلان بـ«عيد وف ...
- أسبوع القاهرة للتصميم شريكا في موسكو.. تعزيز حضور التصميم ال ...
- 40 فيلما من 13 دولة في مهرجان -ليندوك- السينمائي ببطرسبورغ


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد هيهات - مرارة الخواتيم: