أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - عليان الهندي - استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي الجديدة – منطق معيب وخطير















المزيد.....



استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي الجديدة – منطق معيب وخطير


عليان الهندي

الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 10:07
المحور: القضية الفلسطينية
    


مركز أبحاث الأمن القومي – جامعة تل أبيب

مجلة نظرة من أعلى - عدد 2180 – 4-8-2026

عوفر شيلح

ترجمة: عليان الهندي


مقدمة المترجم

كان لافتا للنظر، نشر مراكز الأبحاث الإسرائيلية على مختلف تنوعها، مقالات وأوراق عمل حول استراتيجية إسرائيل في مجال الأمن القومي. علما أن نفس الباحثين، مع اختلاف الوقت والمكان، كانوا دائما يركزون فيها على استراتيجية الجيش الإسرائيلي، نظرا لعدم طرح الحكومة الإسرائيلية تصوراتها حول مكانة إسرائيل ودورها المحلي والإقليمي والدولي، الذي تكفلت بطرحه استراتيجيات الجيش الإسرائيلي على مدار العقود السابقة.
لذلك، لا يمكن الحديث عن صياغة إستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي، التي تطرح لأول مرة في تاريخ الحكومات الإسرائيلية، بمعزل عن تلك الأفكار والخطط السائدة في الجيش الإسرائيلي، الذي قام لأول مرة بنشر "استراتيجية الجيش الإسرائيلي" عام 2015 في عهد رئيس الأركان السابق وزعيم المعارضة الحالية غادي أييزنكوت، التي استمر العمل فيها على الأرض حتى عام 2021، وسميت الاستراتيجية المذكورة "غدعون" نسبة إلى الأسطورة التوراتية، التي تقول بأن غدعون بن يوئاش (قائد عسكري يهودي حكم نابلس ويعتبر القاضي الخامس من قبيلة مينشه) هزم القبائل المدية والعمالقة (قبائل كنعانية)، ما اعتبرته الرواية التوراتية منقذا لإسرائيل. وباستثناء المصادر العبرية لا يوجد ما يؤكد هذه الرواية. وتفيد استراتيجية الجيش الإسرائيلي المطروحة عام 2015، أن الهدف من الانتصار في الحروب هو توفير مرونة سياسية سلسة للحكومة في تعاملها مع أعدائها. بمعنى أدق، إبقاء الباب مفتوحا أمام التوصل لتسويات سياسية تكون مريحة لإسرائيل على حساب الأطراف العربية عامة، والفلسطينية خاصة.
وما انطبق على استراتيجية عام 2025، انطبق على استراتيجية الجيش الإسرائيلي، التي قدمها رئيس الأركان الإسرائيل السابق يئير كوخافي، التي سميت "الاستراتيجية القاتلة"، التي تحدثت عن ممارسة القتل بهدف القتل، ولم تتحدث عن توفير أية مرونة أو أجواء سياسية للحكومة كي تتحرك سياسيا ودبلوماسيا.
في ظل تلك الأجواء، وفي محاولة لمحاكاة استراتيجيات الجيش الإسرائيلي، تأتي استراتيجية حكومة بنيامين نتنياهو، الخالية من أية دبلوماسية، أو أية تحركات سياسية، وهدفها تصوير إسرائيل على أنها دولة متفوقة في المجالات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، وهي لا تحتاج لأية وصفات سلمية، بل تركز على تحقيق أهدافها العسكرية، التي من دون المساعدة الأميركية ومن الدول الغربية، في المجالين الاقتصادي والعسكري، ما كان ليتحقق أيا منها.
الأمر الآخر، الذي أود الإشارة إليه هو ان الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية، وضعت بالأساس بناءا على حالة ضعف التي يمر بها النظام الرسمي العربي، في المجالين السياسي والعسكري، الذي تخلى عن القضية الفلسطينية، وبالتالي عن التهديدات التي تواجهه، لم يعد يمتلك أدنى أدوات الدفاع عن مواطنيه، الذين اعتبرتهم الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة أعداء هم ونظامهم. وفي السياق المذكور، لم تختلف، حتى تلك الدول الموقعة على اتفاقيات سلام مع الدولة العبرية مثل مصر والأردن، حيث قيل في الاستراتيجية الجديدة، ان على إسرائيل الاستعداد لمواجهة مثل هاتين الدولتين، نظرا للأزمات الاقتصادية الضاربة فيها، ولضعف نظام الحكم، وعدم اعتماده على مبدأ الديمقراطية، ما يؤدي مستقبلا، إلى وضع إسرائيل على سلم تهديدات هذه الدول.
وفيما يتلق بالدولتين بالذات، مصر والأردن، حاولت إسرائيل وجيشها، على مدار الأعوام الثلاث الماضية، ترحيل الفلسطينيين إلى هاتين الدولتين، في خرق واضح لاتفاقيات السلام الموقعة مع الدولتين، والعمل على تنفيذه في الضفة الغربية، ما سيكون له انعكاسات عميقة على الأردن مستقبلا.
كذلك لا بد من الإشارة، ان "استراتيجية الأمن القومي" الجديدة لإسرائيل، جاءت لتحاكي ،ليس فقط استراتيجية الجيش الإسرائيلي، بل لمحاكاة وتقليد "إستراتيجية الأمن القومي الأميركي" في تخليها عن مسألة حقوق الانسان في العالم، وهو ما منح إسرائيل المبررات لاستمرار نهجها في إبادة ومحاولات اقتلاع الشعب الفلسطيني من أراضيه. والثاني، هو تصوير إسرائيل، على ان لا خيارات أمامها، سوى الخيارات العسكرية، كما هو الحال مع الولايات المتحدة التي تبنت إدارتها الحالية والسابقة مصطلح "السلام بالقوة"، الذي يستخدمه بنيامين نتنياهو بمناسبة ومن دون مناسبة. والثالث محاولة تصوير فاشلة لإسرائيل على أنها قوة إقليمية لها إستراتيجية أمن قومي، كتلك المطروحة من قبل الولايات المتحدة، التي تقول ان المستوى السياسي يُعد "استراتيجية الأمن القومي"، في حين يضع الجيش استراتيجية تحقيق الأهداف التي وضعتها.
أخيرا فإن هذه المقالة، ومقالة البروفيسور إفرايم عنبر التي حملت عنوان "رسم استراتيجية وطنية واقعية لإسرائيل"، تسلط الضوء أكثر على الاستراتيجية التي لم تنشر، وتشير إلى السياسات الإسرائيلية الحالية، وربما المستقبلية حتى لو فازت المعارضة الإسرائيلية بالحكم في إسرائيل، التي أضافت إلى قائمة أعداء إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط تركيا والحركات الإسلامية الجهادية والإخوان المسلمين.



الاستراتيجية الجديدة – منطق معيب وخطر على الأمن القومي


الغرض من مفهوم الأمن
دون اللجوء إلى تحليل رسمي، أو إلى تاريخ مفهوم الأمن الإسرائيلي، أو إلى الاختلافات بين مصطلحات "استراتيجية الأمن القومي" و"استراتيجية الجيش الإسرائيلي" و"السياسة الأمنية". وعندما ندرس تغييرات بعيدة المدى في سياسات الأمن الإسرائيلي، التي عبر عنها في عمليات الجيش الدفاع الإسرائيلي وأجهزة الأمن الأخرى، وفي الموارد المخصصة لها، وفي لهجة الخطاب من قبل المستويات السياسية والأمنية، من المهم الإشارة إلى عدد من افتراضات الأساسية هي:

هل ساهمت استراتيجية الأمن "التقليدية" في فشل السابع من أكتوبر؟
استراتيجية الأمن القومي ليست وثيقة "موضوعية" مستمدة من تحليل التهديدات، ولكنه مرتبطة جوهرياً بسؤال "من نحن"
ينص قانون "استراتيجية الأمن القومي"، الذي أقره الكنيست المنتهية ولايته، بمبادرة من عضوي الكنيست غادي آيزنكوت ويولي إدلشتاين، على أن وثيقة استراتيجية السياسات الأمنية، تُلزم كل حكومة بالموافقة عليها بعد تشكيلها، وتفصّل فيها "التهديدات والتحديات وترتيبها، فضلاً عن الوسائل والسبل اللازمة لمواجهة تلك التهديدات والتحديات، بما في ذلك تقديم بدائل للتفاصيل المذكورة أعلاه. كما تشمل تلك الاستراتيجية، ترسيم خريطة التهديدات التي تواجه إسرائيل في المجلين السياسي والأمني، في كل عام وفي سنوات متعددة، مع تحليل الساحات السياسية والأمنية المختلفة.
يتماشى الطرح المذكور مع الرأي القائل بأن مفهوم الأمن يُستمد من تحليل موضوعي للتهديدات، ومنه تنبثق الاستجابة المطلوبة. ومن واقع خبرتي الشخصية التي امتدت ست سنوات كعضو في لجنة الشؤون الخارجية والدفاع ورئيس اللجنة الفرعية في الكنيست، المعنية بمفهوم الأمن وبناء القوى البشرية، أؤكد أن هذا هو الترتيب المعتاد في المناقشات، عند إعداد الميزانية أو بناء القوى البشرية، إذ يطرح جهاز الاستخبارات العسكرية "أمان" التهديدات. وبناءا عليها توضع الاجابات.
لكن في الواقع، لم تتضمن القرارات المتعلقة بالموارد البشرية، شيء له علاقة بخارطة التهديدات، وهي تستخدم للمحافظة على حالة ذهنية، مفادها أن الاحتياجات الأمنية هي أمر لا ينتهي، وأن النقص قائم، حتى مع مضاعفة الموارد البشرية المخصصة مرتين أو ثلاثة، وأن أي تغيير جيوسياسي لن يغير هذا الواقع، كما لم يغير توقيع اتفاقية سلام مع مصر شيء، التي كان جيشها القوة الأكبر والأكثر تهديدًا في محيط إسرائيل. لكن الاستراتيجية الجديدة، تتحدث عن ضرورة الاستعداد لتغيير النظام في مصر، ومن ثم خرق الاتفاقية من قبل الحكام الجدد، ما يهني نهاية السلام مع مصر. كما أن سقوط النظام في سوريا، الذي كان حلقة وصل مركزية في "محور الشر" المحيط بإسرائيل، لم يغير التهديد، لأن النظام الجديد ربما يكون عدائيًا، وهكذا دواليك.
ووفق النظرية الجديدة، فإن العالم والشرق الأوسط يتغيران بوتيرة متسارعة، ما يجعل محاولة رسم خريطة لهما، كأساس لصنع القرارات عديمة الجدوى. علاوة على ذلك، يتجاهل نهج "الاستجابة للتهديد من قبل إسرائيل" التأثير الهائل الذي تُحدثه تصرفات إسرائيل نفسها على المشهد الإقليمي. فإسرائيل، التي تُجري مفاوضات سياسية، وتُقيم تحالفات إقليمية وعالمية، وتتمتع بشرعية دولية واسعة، تُؤثر على الخارطة الأمنية المحيطة بها، إضافة إلى استخدام القوة من قبل إسرائيل.
في الواقع، لا يكمن جوهر مفهوم الأمن القومي في التهديد الموضوعي الذي تواجهه إسرائيل، بل في تصور ذاتي لجوهر دولة إسرائيل وخصائصها، فضلاً عن مصدر مزاياها، وهو ما يشكل أساس أمنها، مهما كان العدو أو التهديد. إن النقاش حول استراتيجية الأمن، ليس نقاشاً حول "كيفية مواجهة التهديدات بشكل أفضل"، بل هو نقاش حول "من نحن".
من نحن، هي إلى حد كبير، وثائق استراتيجية الأمن القومي التي تنشرها كل إدارة جديدة في الولايات المتحدة، بعد عملية طويلة تُعرف باسم "مراجعة السياسات" (Policy Review). ففي البند الأول، عنونت وثيقة استراتيجية الأمن القومي لإدارة بايدن بـ "رؤيتنا الدائمة"، وكان الثاني يحمل عنوان "دورنا الأبدي أو الدائم (Our Enduring Vision)، ويفصل هذان البندان التعريفات والأيديولوجية الجوهرية للإدارة المنتخبة حول رؤيتها لطبيعة الولايات المتحدة ودورها في العالم. ووفق ذلك، تنبثق مواقف ذات أهمية عملية واضحة، مثل فكرة أن رأس المال الاستراتيجي الرئيسي للولايات المتحدة في العالم هو في تحالفاتها مع الجهات الفاعلة، ذات التوجهات المماثلة لها في العالم. ويتناقض مواقف المذكور مع استراتيجية الأمن القومي لإدارة الرئيسين الأميركيين جورج دبليو بوش ودونالد ترامب، اللتان تحدثتا واتخذتا قرارات أحادية الجانب لتعزيز مصالحها. لذلك فإن أساس "ما سنفعله" هو، قبل كل شيء، "من نحن".

استراتيجية الأمن القومي أوسع نطاقاً من الاستراتيجية العسكرية، لكن الاستراتيجية العسكرية لا يمكن أن تتعارض معها.
في الولايات المتحدة، توجد عملية منظمة لتصميم وثائق الاستراتيجية مع تولي كل إدارة جديدة، ويتم أولاً نشر وثيقة "استراتيجية الأمن القومي" (National Security Strategy)، ويوقعها الرئيس، ثم ينشر البنتاغون "استراتيجية الدفاع الوطني" (National Defense Strategy)، التي توضح بالتفصيل دور القوات المسلحة في تحقيق الأمن القومي كمشتق من وثيقة الرئيس.
على النقيض من ذلك، لا توجد في إسرائيل إجراءات منظمة أو وثائق مفاهيمية رسمية، ويحتل الجيش الإسرائيلي مكانة مركزية في الوعي الإسرائيلي، تجعله مرتبطاً بشكل شبه كامل بـ "الأمن القومي". وغالباً ما يكون ذلك مصدر التباس في المفاهيم والقوانين، بين التفاصيل التي تسمى "الاستراتيجية الأمنية". فكل تغيير مؤقت في سياسات إطلاق النار يُشار إليه على أنه "تغيير في الاستراتيجية"، ومن جهة أخرى، لا يوجد نقاش داخل الحكومة حول حقيقة أن العمل العسكري يجب ألا يتعارض مع أسس الأمن القومي.
من الواضح أن "الأمن القومي" لا يقتصر على العمل العسكري، بل يشمل، من بين أمور أخرى، علاقات إسرائيل الخارجية، وحصانتها الاجتماعية والاقتصادية. مع ذلك، لم تتناول وثائق الاستراتيجية العسكرية الجديدة، إضافة لنتائج اللجان التي شكلت لمناقشة مفهوم الأمن، سوى عناصر غير أمنية بمعناها الضيق. وبشكل عام، كانت لجنة ميريدور، هي اللجنة التي حاولت من 2005-2006، طرح وتنظيم شامل في صياغة استراتيجية الأمن القومي، إلا أنه، وكما قال ميريدور نفسه :"في المساحة الفاصلة بين الأمن القومي بمعناه الواسع، وفي مجال الأمن بصورة أضيق، تركز عمل اللجنة، على مجال الأمن ولم يمتد إلى جميع مكونات الأمن القومي بمعناه الواسع.
والنتيجة هي أن النقاش في "الاستراتيجية الجديدة" كان واسعا جدا إلى حد ما (في الأوساط المهنية، وليس في المجال العام) التي ركزت بشكل أساسي على العمل العسكري، وأحيانا كان النقاش منفصلاً عن المكونات الأخرى للأمن القومي مثل الشرعية الدولية والمحلية، والحصانة الاجتماعية والاقتصادية، وما إلى ذلك. وبالعادة يشكل ذلك عيبا ذا أهمية خاصة عند مناقشة "استراتيجية الأمن الجديدة.

أهمية استراتيجية الأمن لا تكمن في الوثيقة النهائية، بل في النقاش الذي يؤدي إليها – وهو نقاش مفتوح ومتنوع
يُنسب إلى دوايت أيزنهاور، القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا والرئيس اللاحق للولايات المتحدة، القول المأثور: "الخطط لا شيء، التخطيط هو كل شيء" (Plans are nothing planning is everything). كانت فكرته أن عملية النقاش الواسع والمفتوح في التخطيط، التي يشارك فيها مسؤولي السياسات وأركان الأمن والموظفين والتنفيذيين، أهم بكثير من الوثيقة المكتوبة في استيعاب النتائج وتطبيقها. فالوثيقة أشبه بـ "ذريعة" للعملية، وليس العكس. ويصدق هذا القول أكثر على وثيقة أساسية كاستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي.
في إسرائيل، حيث تُحاط المسائل الأمنية بسرية غير ضرورية أحيانا، يصبح النقاش عقيماً ومُعطَّلاً، ولا يُطرح إطلاقاً في الأوساط العامة. هذا الوضع يُبقي القوة حكراً على "المُطّلعين"، ما يزيد بشكل كبير من خطر غياب التنوع، والتفكير الجماعي، والمحافظة على الوضع الراهن.
يعاني القانون، الذي اقترحه آيزنكوت وإيدلشتاين، من نفس الخلل المتمثل في "إبقاء الوثائق سرية" في حين لا تحتوي تلك الوثائق على أي أسرار، كما لا تُفصّل هذه الوثائق القدرات أو الخطط العملياتية. وينص القانون على أن "الاستراتيجية السياسية والأمنية" تبقى سرية ويُحظر نشرها. ومع ذلك، يتعين على مقر الأمن القومي نشر ملخص للاستراتيجية في الصحيفة الرسمية وعلى الموقع الإلكتروني الحكومي، وهذا نهج خاطئ، يُقوّض الغاية المرجوة من الالتزام بصياغة الوثائق الأساسية التي يقوم عليها القانون.
أكبر مثال على نتائج غياب نقاش منسق ومفتوح ومتنوع، هو ما حدث في عامي 2017-2018، عندما كان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو منهمكًا في إعداد وثيقة بعنوان "مفهوم الأمن 2030". كانت الوثيقة سرية للغاية لدرجة أنه عندما عُرضت على اللجنة الفرعية للاستخبارات، التي كنتُ عضوًا فيها، سُحبت من أعضائها في نهاية النقاش. وهنا لن أتحدث عن محتواها، لكنني أؤكد أنه لم يكن فيها ما يُشكل أي خطر في حال نشرها. ما نُشر كان "قائمة أهداف" اختُتمت بـ: "تعزيز القدرة الهجومية، وإنتاج قدرة سيبرانية قوية، وتطوير الدفاع الصاروخي، ومواصلة حماية الجبهة الداخلية واستكمال بناء الجدران الأمنية، وكان القاسم المشترك بين كل هذه القدرات هو مفهوم "المواجهة" - الدفاع والهجوم عن بُعد. حتى أن جنرالات هيئة الأركان العامة علّقوا على هذا الأمر عندما عرض رئيس الوزراء الوثيقة عليهم.
ما طرح من نتنياهو كان مشروعا، لكن في الفترة التي صاغ فيها نتنياهو نظريته، كان الجيش الإسرائيلي يُنفّذ على الأرض استراتيجية "جدعون" التي أشرف على صياغتها رئيس الأركان غادي آيزنكوت، وهدفها الأساسي تجديد قدرة الجيش وعلى المناورة والحرب السريعة وعلى نقل الحرب إلى أراضي العدو بأسرع وقت ممكن... بواسطة توفير قدرات ساحقة، وذلك لتقصير مدة القتال، وتقليل الأضرار التي تلحق بالبلاد قدر الإمكان. لكن المناورة السريعة والحاسمة لتقصير مدة الحرب اعتبرت مفهومًا مختلفًا تمامًا عما يطرحه بنيامين نتنياهو، الذي طالب ببناء القوة للقتال من مسافات بعيدة، التي تتسم بطول مدتها. وفي ظل غياب النقاش، توصل رئيس الوزراء والجيش إلى استنتاجات متناقضة في نفس الوقت، إهدار الموارد وبناء قدرات منفصلة، لكل منها، وبالتأكيد كلاهما معًا، لم يصلان إلى خلاصة واحدة.
في هذه المسألة، يجدر التأكيد على الهدف المهم من النقاش حول استراتيجية الأمن والوثيقة الناتجة عنها: التي لم تكن دليلاً إرشادياً يُستعان به عند وقوع حادث أمني، لإنزالها من الرف وإعطاء إجابة جاهزة حول كيفية التصرف. العملية برمتها كانت تهدف إلى تحديد حدود الخطاب الأمني، وخلق معرفة ونقاط مرجعية للنقاش العملي حول بناء القوة وتفعيلها. بالعادة يتأثر النقاش في استراتيجية الأمن في حال وقوع حدث أمني، أو وجود قيود دبلوماسية وسياسية، وما شابه. لكن يجب القول ان هدف صياغة استراتيجية امن جديدة بعيدا عن تأثير الأحداث الآنية، بل مناقشة أهداف إسرائيل وسبل تحقيقها بمعزل عن تأثير الظروف الراهنة. وذلك لا يعني منع اتخاذ قرار مخالف لما ورد في الاستراتيجية في الوقت الفعلي، بل من الضروري التعامل مع حقيقة اتخاذ قرار مختلف في ظل ظروف من التروّي والحكمة.

هل ساهم مفهوم الأمن "الكلاسيكي" في فشل السابع من أكتوبر؟
من الحجج الشائعة المؤيدة لوضع استراتيجية أمنية جديدة، هي أن الاستراتيجية السابقة، كانت من بين العوامل الرئيسية التي أدت إلى الفشل في توقع أحداث 7 أكتوبر. ووفقًا للاستراتيجية الجديدة، كان جوهر الاستراتيجية العسكرية في السنوات التي سبقت أحداث 7 أكتوبر هو "الاحتواء" و"ضبط النفس" وتجنب العمل العسكري العدواني ضد حشد العدو، مع الاعتماد المفرط على التكنولوجيا والاستخبارات والعمليات عن بعد - الأمر الذي سمح لحماس ببناء قدرات هجومية واسع النطاق على الأراضي الإسرائيلية، وفي المجزرة التي وقعت خلالها.
لا يستند هذا الادعاء، إلى أساس مقارنة مع مبادئ الاستراتيجية التقليدية أو الحقائق. فالمفهوم الكلاسيكي، التي لخصت بشكل غير كافٍ في المثلث المعروف "الردع والإنذار والحسم"، لم يتطرق إطلاقًا إلى الاحتواء أو ضبط النفس، ولا علاقة له بالفشل في التحذير من الحرب، أو بعدم كفاية الاستعدادات الدفاعية للقيادة الجنوبية. في الواقع، يمكن القول إن فشل في توقع السابع من أكتوبر، جاء نتيجةً فشل التطبيق العملي للاستراتيجية الكلاسيكية، أكثر من كونه ناتج عن أي قصور في الاستراتيجية نفسها.
كانت الضربة الاستباقية جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية بن غوريون، وتحدث عنها بصراحةً جلسة الحكومة في أكتوبر عام 1953. ولم تمتنع إسرائيل عن توجيه ضربة استباقية لحماس بسبب خطأ في الاستراتيجية، بل امتنعت إسرائيل عن توجيه تلك الضربة، نتيجة سياسة مدروسة، رأت في هذه الحركة وسيلة لتحقيق السلام في قطاع غزة، وآداة لإضعاف السلطة الفلسطينية. علاوة على ذلك، لم يكن انعدام عمق الدفاع، هو ما حال دون إحباط هجوم حماس نفسه، تمامًا كما أن العمق غير المسبوق على الجبهتين المصرية والسورية لم يمنع نجاح الهجوم في حرب أكتوبر عام 1973. ما أدى إلى انهيار الدفاع هو السرعة العملياتية وعم وجود الكفاءة المهنية، التي تتلخص في نقص في القوات في مواجهة تهديد معروف، وضعف في القيادة منذ لحظة بدء الهجوم. وكما حدث في أكتوبر عام 1973، لم ينبع الفشل من الاستراتيجية نفسها، بل من إخفاقات في تنفيذها.
حتى قبل الحرب، هناك من تحدث عن ضرورة أن يكون الهجوم "الاستباقي" عنصرًا إضافيًا في الاستراتيجية الأمنية. ومع ذلك، لطالما اهتمت إسرائيل بالضربات الاستباقية، خاصة في السنوات التي سبقت السابع من أكتوبر. وفي السياق المذكور، تشير وثيقة استراتيجية الجيش الإسرائيلي، التي نشرت عام 2015، إلى "نهج الهجوم الاستباقي" كأحد الطرق الرئيسية لاستخدام القوة، ومن بين أهداف "المعارك ما بين الحروب" هو الشكل الرئيسي للعمل في الهجمات الاستباقية. حيث ذكر أن من بين أهداف تلك الهجمات هو الحد من التهديدات القائمة والناشئة، وتأخير الحرب المقبلة، وتهيئة ظروف أفضل لتحقيق النصر فيها... والحفاظ على الردع وتعزيزه.
وهنا أيضاً، لم تكن المشكلة في الاستراتيجية بل في تطبيقها مثل التركيز على "الحرب ما بين الحروب" على جهود الجيش الإسرائيلي، لمنع حزب الله من اكتساب القوة من خلال تدابير "كاسرة المساواة" في القوة العسكرية، في وقت امتنعت إسرائيل عن الرد على انتهاكات الحدود مثل نصب الخيام على جبل "دوف"، أو الهجمات الإرهابية على أراضيها، والتركيز على إنجازات الجيش الإسرائيلي في الانتصار في "المعارك بين الحروب" وامتلاك قدرات واسعة في مجال الاستخبارات والنيران الدقيقة، مع الاستخفاف بالتحذيرات من "تجاهل تأثير استثمار الجيش الإسرائيلي على الجاهزية الحربية، سواء من حيث جاهزية القوات أو من حيث تصور ان العدو يخشى من قوة إسرائيل.
وقع في مسألة الحسم والانتصار في المعركة، نوع من الارباك، ولا يقل عنه أهمية هو الفوارق الأيديولوجية، ذلك ان استراتيجية الأمن هي بالدرجة الأولى جواب على سؤال "من نحن؟"
ينبع الالتباس المفاهيمي، من الخلط بين القرار العسكري في ساحة المعركة، أي تحقيق نصر حاسم يُؤدي لعجز العدو، أو يجعله غير راغب في مواصلة الحرب، وبين حسم شامل للصراع، وما يتبعه من إخضاع البنية الإقليمية لإرادة إسرائيل. لذلك أكد بن غوريون على الحاجة الماسة إلى النصر العسكري، لإدراكه أن إسرائيل لن تتمكن، بالوسائل العسكرية وحدها، من حسم الصراع برمته لصالحها وإخضاع العالم العربي لرغباتها. ولأن قوة إسرائيل، كما قال، لا تعتمد على جيشها فحسب، بل أيضًا على قوتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ومكانتها الدولية، فلا بد من السعي إلى نصر سريع للحرب، تؤدي لفترة هدوء أطول ما يمكن، تزدهر فيها إسرائيل وتعزز قوتها في جميع المجالات، وتؤخر الحرب المقبلة.
لذا، يرى بن غوريون أن النصر العسكري السريع، يجب أن يكون مصحوبًا بترتيبات سياسية، ليس بالضرورة اتفاقًا، بل ترتيبات تحظى بدعم دولي وشرعية في إسرائيل. أما إجابته على سؤال "من نحن؟" فقال هي: إسرائيل قوية وعادلة حيث أشار ان مصير إسرائيل يعتمد على أمرين هما: قوتها وعدالتها، وأفعالها وقيمها يجب ان تكون شرعية في نظر مواطنيها، وفي نظر العالم، الذي يعتبر دعمه أحد ركائز الأمن القومي.
من بين الساعين لتغيير استراتيجية بن غوريون اليوم، هم من يرون "الانتصار" بمعنى مختلف تمامًا وهو إجبار العدو بالقوة على قبول شروط إسرائيل، ليس فقط لإنهاء الحرب المكثفة، بل إنهاء الصراع برمته. في السياق المذكور، أوضح الوزير بتسلئيل سموتريتش هذا الأمر جليًا في "خطة الحسم" التي نشرها عام ٢٠١٧، التي ذكر فيها، يتحقق النصر من خلال التصريحات أيضا، وذلك من خلال ابلاغ العرب والعالم بصراحة مطلقة أن دولة فلسطينية لن تُقام، ومن ثم الانتقال إلى الأفعال وهي فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على أراضي الوطن في يهودا والسامرة، والاستيطان فيها... وهذا سيُبين للعرب والعالم أجمع أن الواقع في يهودا والسامرة لا رجعة فيه، وأن دولة إسرائيل باقية، وأن الحلم العربي بإقامة دولة في يهودا والسامرة سوف يتبدد نهائيًا
حسب سموتريتش، يستند النصر والحسم، على استراتيجية أيديولوجية لسؤال "من نحن ؟"، ويجيب سموتيرتش على ذلك بقوله ان الحسم والنصر، هما عنصران يستوفيان الشرط المناسب لصياغة استراتيجية أمنية. جاءت تلك النصوص، رغم اعترافه بأن النص الذي كتبه عام 2017 هو نص واقعي يتوافق تماما مع تصوره الديني. وعلى النقيض من رؤية بن غوريون الساعي لدولة لتحقيق السلام (حتى وإن كان هذا السلام، قد لا يكون ممكنًا في الوقت الراهن)، وعلى الشرعية والقوة وعلى النمو الاقتصادي والحصانة الاجتماعية، فإن رؤية سموتيرتش تضع "إسبرطة" في حالة حرب دائمة، ودورات متكررة من الغزو والاستيطان، وتكريس كل الوسائل لمواصلة القتال - حتى يُهزم العدو في الوعي والسياسة.

"مفهوم الأمن الجديد"
بحسب تقارير متعددة، أمر رئيس الوزراء نتنياهو بصياغة استراتيجية أمنية جديدة، وهو قرار لم يُعتمد، وبالتأكيد لم يُنشر، لكن يمكن استخلاص بعض المؤشرات من الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية الجديدة، وتنفيذها على الأرض منذ السابع من أكتوبر، ومن مختلف التصريحات والمقالات التي صدرت منذ اندلاع الحرب.

العالم بأسره ضدنا – إسرائيل في عزلة سياسية كحقيقة دائمة
في خطاب ألقاه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في مؤتمر المحاسب العام، الذي عقد في 18 كانون الأول عام 2025، قال، اننا نعيش في عالم آخر، مليء بالتحديات، فقد سمحت أوروبا الغربية بهجرة أقلية مسلمة ذات صوت عالي وفوضوي، ما أضعف الحكومات، وألحق الضرر بإمداداتنا من الأسلحة، وهناك أيضًا بوادر عقوبات اقتصادية. تُشنّ علينا من قبل أصحاب النفوذ، الذين انضوا إلى الأقليات المسلمة، وفي تُوجيه السياسات. العالم يُنظّم نفسه في تكتلات، ونحن لا ننتمي إلى أيٍّ منها، ما عرضنا للهجمات، وجعلنا في نوع من العزلة.
وفق الخطاب المذكور، فإن العزلة السياسية لإسرائيل لا تتعلق بأفعالها، بل تعتمد على عوامل خارجة عن سيطرتها، مثل التغيرات الديموغرافية في الدول التي كانت صديقة لها في الماضي، وشبكات نفوذ توجه الرأي العام والقيادة، والادعاء بأن إسرائيل لا تنتمي إلى أي كتلة محددة في الصراع على الهيمنة العالمية، وبالتالي فهي تتعرض "للهجوم من الجميع". وهذا يعني رفضًا فعليًا لبعض الافتراضات الأساسية والضرورات الثابتة في أية استراتيجية لمفهوم الأمن الكلاسيكي، التي تتضمن:
• تتحرك إسرائيل بأقصى قدر من الإجماع الداخلي وبدعم من القوى العظمى، وهو مصطلح عبر عنه نتنياهو، "شعب يسكن لوحده"، وفي النص الثاني من الجملة استخدم "وبالتالي لن يُؤخذ في الاعتبار غير اليهود". هذه التصريحات [أو النصوص في الاستراتيجية] لم تأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن إسرائيل قد وصلت عملياً إلى وضع غير مسبوق في عهد الرئيس ترامب، حيث يوقف رئيس الولايات المتحدة هجمات الجيش الإسرائيلي بتصريح.
• إن النهاية المناسبة لأي حملة هي التوصل إلى ترتيبات سياسية، وإذا كانت عزلة إسرائيل وضعاً دائماً، فإن الترتيبات غير ممكنة وليست مرغوبة، لأنها تنطوي بالضرورة على تنازلات تجعل من الصعب مواصلة القتال.
• تحدد تصرفات إسرائيل إلى حد كبير، وضعها الدولي وخريطة التهديدات والفرص التي تواجهها. أما نتنياهو، فقد قال ان التهديد شامل ومستمر، ولن يغيره أي عمل إسرائيلي.
• تكمن ميزة إسرائيل في مكانتها الأخلاقية، وإذا كان العالم عدائياً ومنحازاً ومنافقاً، فلن تُجدي أي حجة "أخلاقية" نفعاً. ويتجلى هذا العنصر بوضوح في طريقة عمل الجيش الإسرائيلي اليوم في مختلف ساحات القتال، ما فاقم من عزلة إسرائيل الدولية بشكل كبير.

الاكتفاء الذاتي الكامل في إنتاج وتوريد مستلزمات الحرب، مع عبء اقتصادي غير محدود تقريبًا
في خطابه أمام مؤتمر المحاسب العام الذي عقد في 18 كانون أول عام 2025، قال بنيامين نتنياهو، انه يتعين علينا تطوير القدرة على إنتاج كميات كبيرة من الأسلحة على جميع المستويات هنا. نحن أثينا وإسبرطة، لكننا سنصبح أثينا وإسبرطة الخارقة. ليس لدينا خيار آخر، على الأقل في السنوات القادمة
من هذا التصريح الذي أدلى به نتنياهو، والزيادة الدائمة المخطط لها في ميزانية الدفاع إلى أكثر من الضعفين، مقارنة مع ما قبل الحرب، يتبين أن المبدأ التوجيهي هو توفير جميع احتياجات جيش من إسرائيل، دون مراعاة الأوضاع الاقتصادية.

الإنذار المبكر غير ممكن، وبالتالي لا ينبغي الاعتماد عليه، وستواصل إسرائيل عملياتها الحربية بشكل مستمر، معتبرةً كل قدرة للعدو تهديداً، وستعمل على إحباط أي تحرك يتجاوز عتبة الحرب.
في السياق المذكور، ذكر البروفيسور إفرايم عنبر ان التغييرات الرئيسية المطلوبة في استراتيجية الأمن الإسرائيلي أثبتت، ان اعتماد إسرائيل على الردع والإنذار المبكر وسياسة الاحتواء/الضبط فشلت. وبالتالي يجب على إسرائيل زيادة عدد أفراد جيشها النظامي وقوات الاحتياط، وتبني استراتيجية استباقية تشمل الضربات الاستباقية وتعزيز الوضع الدفاعي
ووفق الجنرال (احتياط) يفتاح رونتل، ومقابلة مع يعقوب بوردوغو وموشيه كوهين-إيليا، في المحطة الإذاعية "غاليه يسرائيل" في الثالث من آذار عام 2026، قالوا ان بنيامين نتنياهو يغير استراتيجية الأمن التي وضعت أيام بن غوريون. وصرح بنيامين نتنياهو بأنه يقاتل باستمرار، ولن أنتظر أحدٍ ما، ينوي التخلص مني أم لا، ولن أسمح لمن هم حولي ببناء أي نوع من القدرات التي تُمكنهم استخدامها ضدنا بأي شكل من الأشكال
كانت الاستراتيجية الكلاسيكية للحرب، تعتبر ضرورة، لإزالة تهديد ملموس وفوري. لكن وفق "الاستراتيجية الجديدة"، ولأن الخطر والعزلة السياسية مستمرين بنفس القدر من الخطورة في كل الأوقات، ونظرا للفشل المحتم الإنذار المبكر، فإن حالة الحرب، وفقًا الاستراتيجية الجديدة، تصبح دائمة، وبالتالي لا نحتاج لاستراتيجية دفاعية. ولضمان وجود إسرائيل، وخلق رادع فعال، والحد من التهديدات، وتأجيل الصراعات، وإدارة الأزمات وفق الروتين وحالة الطوارئ والحرب، علينا خوض حربًا مستمرة. الوضع لم يعد يتعلق بإزالة تهديد ملموس، وهو مشتق من نوايا العدو وقدراته، بل علينا منع أي عدو من تطوير أي قدرات عسكرية وفق "مبدأ بيغن"، الذي استخدم القدرات العسكرية الإسرائيلية لمنع العدو من تطوير أسلحة الدمار الشامل. وهذا المبدأ سينطبق الآن ليس فقط على القدرات العسكرية الأقل، بل على أي قدرة أو حتى لو كانت نية بناء قدرات عسكرية.

بدلاً من الدفاع عن الحدود، "أحزمة أمنية" عبر الحدود
في كلمة له أمام خريجي كلية الأمن القومي، في التاسع من تموز، قال رئيس الأركان، الفريق إيال زامير، أن الجيش الإسرائيلي، يطبق مفهومًا أمنيًا جديدًا، ينص على مهاجمة العدو وهزيمته، وإزالة التهديدات استباقيًا، ومهمة الجيش حماية المدنيين على طول الحدود، من خلال إنشاء مناطق منزوعة السلاح في أراضي العدو. وهذه هي الاستراتيجية التي نطبقها، وهي تغيير استراتيجي وفكري تُرجم إلى مجموعة متنوعة من التغييرات التكتيكية. وأضاف رئيس الأركان، لم تعد إسرائيل مقيدة بحدودها السياسية. ففي كل ساحة، سيتم إنشاء "قطاع أمني" فيها، لا يكون منزوع السلاح فقط، بل يتطلب وجود قوات من جيش الدفاع الإسرائيلي، كما هو الحال اليوم في قطاع غزة ولبنان وسوريا.
يُضاف إلى ذلك، تصريحات بعض الشخصيات المؤثرة، التي جاءت لتستكمل الاستراتيجية، التي قالت ان الاستيطان هو الأمن، وبالتالي على إسرائيل ان توطن مستوطنين في "القطاع الأمني"، اعتقادا منهم ان الاستيطان حتمي، ويؤدي إلى توسيع المناطق، التي يحمي فيها الجيش المدنيين من الجبهة المضادة، وما إلى ذلك.

على إسرائيل استخدام قوتها العسكرية - ليس فقط لمنع التهديدات ولكن لفرض مصالحها على المحيط
تتجلى السمة المميزة للاستراتيجية الجديدة، بتفاصيل كثيرة، نشرت في مقال كتب مؤخرًا من قبل العميد الدكتور إييال فيخت، القائد السابق لمركز أبحاث "دادو" (مركز أبحاث تابع للجيش ومختص في التفكير القتالي) ومن قبل نائب القائد العسكري في قسم التوجيه بالجيش الإسرائيلي، المقدم الدكتور إيتاي خيمينيس، وهما من داخل المؤسسة العسكرية، ويتمتعان بفهم حقيقي للأجواء السائدة في أعلى هرم الجيش.
وذكر فيخت وخيمينيس، ان الحرب عادت إلى صميم حياتنا الوطنية، وعجّلت بعملية تغيير في دور القوة المسلحة في الأمن القومي الإسرائيلي. ويتمثل جوهر هذا التغيير، في التحول من دور قوة دفاعية، تركز على دائرة العدو الأولى، إلى دور قوة حماية إقليمية، ذات قدرات عملياتية طويلة الأمد، ومستمرة في جميع أنحاء الشرق الأوسط ... ويُعدّ هذا التغيير في أنماط عمليات الجيش الإسرائيلي جزءًا من التحول الأوسع نطاقًا في الموقف الأمني الإسرائيلي، وهو موقف هجومي يسعى إلى تحقيق أهداف طموحة، حتى وإن لم تُحدد رسميًا، تتمثل في تغيير الظروف الأمنية الأساسية في محيط إسرائيل. كما دعا الكاتبان، إسرائيل إلى رسم الخرائط السياسية بالمنطقة من جانب واحد فقط من أجل المحافظة على تفوقها.
ويخلص الكاتبان إلى القول: "يجب على إسرائيل أن تستخدم كامل قوتها الوطنية إن كانت عسكرية أو غيرها، لتدمير قدرات العدو، وبناء المؤسسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية وغيرها، من المؤسسات اللازمة لضمان تحسين مستدام وطويل الأجل في بيئتها". وأضاف الكاتبان، بالنسبة للمجتمع الإسرائيلي، الذي تمتع لعقود عديدة، حتى السابع من أكتوبر عام 2023، بنوع من الحياة الطبيعية لفترات طويلة، فإن الرسالة التي يتضمنها اقتراحنا هنا يصعب استيعابها ... "لكن" يجب أن ندرك أن الحياة في ظل الحرب هي سمة ثابتة في العلاقات الدولية، وهي حياة تتطلب منا العيش فيها.
في مقالتهما، يعبر فيخت وخمينيس عن أدق تعبير في الإجابة التي صاغتها "استراتيجية الأمن القومي الجديدة" على سؤال "من نحن؟": إسرائيل هي إسبرطة الخارقة، والحالة التي يجب ان تكون فيها هي الحرب الدائمة، لذلك يجب تعبئة جميع مواردها لهذا الغرض. وإسرائيل لا تعمل على إزالة التهديد الملموس، أو حتى المتطور فقط، بل تعمل أيضًا على تشكيل بيئتها بالقوة المسلحة.

المفهوم الجديد – منطق خاطئ وخطر على الأمن القومي
تتناول هذه الفقرة منطق مكونات "استراتيجية الأمن القومي الجديدة" والمخاطر الكامنة فيها. وعند قراءة الاستراتيجية ينبغي التذكير بأن نقد "الاستراتيجية الجديدة" ينطلق بالضرورة من رؤية تعتمد على مصادر قوة إسرائيل، والمستوى السياسي، وكذلك الهيئات المؤسسية الأخرى، بما في ذلك الجيش الإسرائيلي، الذين لهم جميعا تأثيرات داخلية وخارجية، تؤثر على التصريحات والأفعال. وهذه العناصر لن تحلل في هذا السياق.

"العالم بأسره ضدنا – إسرائيل في عزلة سياسية كحقيقة دائمة"
هناك أساس للادعاء بأن العداء الذي تُبديه بعض الأوساط الغربية تجاه إسرائيل يشوبه الجهل، والنظرة المبسطة للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، بل وحتى معاداة السامية، ومن الممكن تفسير بعض المواقف الغربية على أنها متأثرة بضغوط سياسية داخلية. لكن هذه النظرة تتجاهل تماماً، دور إسرائيل في تحديد موقف العالم منها، وتُعفيها من مسؤولية التصرف بما يُعالج هذه الظواهر. فمن غير المعقول الادعاء بأن إسرائيل تمتلك قدرات هائلة، وهو المفهوم الكامن وراء المطالبة إلى إعادة "تشكيل المنطقة". وفي الوقت نفسه تصويرها، على أنها لا تملك أي تأثير على صورتها وسلوك وسياسات منافسيها في المنطقة والعالم.
لقد أثرت أفعال إسرائيل بشكل كبير في تنامي المواقف ضدها في الولايات المتحدة، معقلها الاستراتيجي الرئيسي، بين الغالبية العظمى من الحزب الديمقراطي (الذي يحظى أيضًا بدعم غالبية اليهود الأمريكيين) وقاعدة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا" القوية بالحزب الجمهوري. حيث يتهم كلا الجانبين المتعارضين إسرائيل بجر الولايات المتحدة إلى حرب زائفة مع إيران، ورفض اتخاذ أية خطوات تتفق مع المصلحة الأمريكية العامة في الشرق الأوسط. الضرر وصل لدرجة، ان يصوت، ما يقارب نصف النواب الديمقراطيين في الكونغرس لصالح إلغاء المساعدات لإسرائيل. وفي الوقت نفسه، صرح ستيف بانون، الرجل الذي قاد ترامب للنصر في انتخابات 2016، إنه "إذا انتهجت السياسة القديمة المتمثلة في تخفيض الضرائب وشن الحروب في كل مكان وتنفيذ أوامر إسرائيل، فبصراحة انتهى أمرك، إسرائيل في ورطة حقيقية، بسبب تصرفاتها.
لذلك، فكون إسرائيل الدولة الديمقراطية الوحيدة في العالم التي تحتل أراضي الغير، ولديها رعايا لا يتمتعون بحقوق مدنية مماثلة لحقوق مواطنيها، فإن ذلك يؤثر على الرأي العام الغربي، بقدر تأثير معاداة السامية، أو أي "نظام نفوذ" خبيث. وينطبق الأمر نفسه على قتل عشرات الآلاف المدنيين، كثير منهم أطفال، في القتال الدائر في قطاع غزة، وتهجير الملايين من ديارهم بلا عودة، والتدمير الممنهج للمباني في القطاع ولبنان، الذي يعتبر جريمة حرب بموجب القانون الدولي، وأعمال التخريب والعنف من قبل المستوطنين في الضفة الغربية، بتشجيع صريح من الحكومة الإسرائيلية. إن المشاهد التي يراها المواطنون الغربيون يوميًا تُعمّق العزلة الدولية أكثر من هجرة المسلمين إلى هذه الدول.
في منطقتنا، تحدد تصرفات إسرائيل إلى حد كبير السياسات اتجاهها. فعلي سبيل المثال هل الرئيس السوري أحمد الشرع جهادي متخفٍ، أم شخص غيّر رأيه واتجه نحو الغرب ؟. في هذا الموضع لا توجد إجابة إسرائيلية قاطعة. لكن من الواضح أن احتلال إسرائيل المستمر لأجزاء من سوريا، إلى جانب تدخلها وتهديدها بالتدخل، في شأن يعتبره الشرع مصالح سورية داخلية، تمت وفق "استراتيجية الامن القومي الجديدة"، ما يدفع السلطة الجديدة إلى موقف عدائي تجاهها. وهذا مجرد مثال واحد من أمثلة كثيرة.

" لاكتفاء الذاتي الكامل في إنتاج وتوريد مستلزمات الحرب، مع عبء اقتصادي غير محدود تقريبًا"
وبغض النظر عن حقيقة أن الإنتاج الذاتي لكل ما تحتاجه إسرائيل من الأسلحة لا مكان له، ولا تقوم به أي دولة في العالم، فإن "سبرطة الخارقة" الجديدة تتجاهل الأهمية بالنسبة للاقتصاد الإسرائيلي، الذي يمثل أساس القوة العسكرية التي يعتمد عليها مؤسسو "الاستراتيجية الجديدة".
في شهر أيار عام 2026، قدم معهد أهارون للسياسات الاقتصادية توقعات اقتصادية للسنوات القادمة، خلصت إلى أن عودة إسرائيل إلى نمو بنسبة 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا، وهي نسبة ثابتة تقريبًا من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، يتوجب عليها، حتى مع الأخذ في الاعتبار "جولتين من القتال ضد إيران في العقد القادم"، خفض الإنفاق الدفاعي إلى معدل ثابت قدره 5.5% من الناتج المحلي الإجمالي. ووفقًا لبنك إسرائيل، بلغ هذا المعدل حوالي 7.3% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2025، ومن المتوقع أن يتجاوز 8% عام 2026. ولن يتحقق هذا الهدف إلا في حال وجود إصلاحات داعمة للنمو لم تُنفذ بعد.
إن المسار الناتج عن توجيهات رئيس الوزراء ومطالب الجيش الإسرائيلي لا تتوافق مع هذا التحليل، وكذلك المسار الذي قدمته لجنة نيغل المعنية بميزانية الدفاع. كل ذلك، تم دون التطرق إلى الآثار الاقتصادية الوخيمة للحرب الطويلة على التوظيف والنمو، وخطر توقف أو تقليص المساعدات الأمريكية، البالغة 3.8 مليار دولار سنويًا بموجب الاتفاقية الحالية، نتيجةً لمعارضة واشنطن للسياسة الإسرائيلية. بمعنى آخر، فإن "إسبرطة الخارقة" التي يمليها المفهوم الجديد لا تستند إلى أي أساس اقتصادي.

الإنذار المبكر غير ممكن، والردع لا يجدي نفعاً، لذلك يجب اللجوء إلى الحرب المستمرة و"أحزمة الأمان".
الادعاء بأن "الإنذار المبكر غير ممكن"، يستند في المقام الأول إلى الفشلين الكارثيين في التحذير: 6 أكتوبر 1973، و7 أكتوبر 2023. ولكن كما ذكرنا، في هذين الحدثين، لم يكن الفشل في الاستراتيجية، بل في التنفيذ.
لم تكن التحذيرات بشأن الحرب الوشيكة خلال حرب أكتوبر عام 1973 قليلة، لكن التحذيرات قوبلت بجدار من الغطرسة وانعدام الكفاءة، ما أدى إلى خطط دفاعية غير واقعية (100 دبابة إسرائيلية مقابل 600 دبابة سورية في مرتفعات الجولان، تمامًا كما هو الحال مع نسبة 8:1 بين القوات المدافعة والمهاجمة على حدود قطاع غزة عام 2023. ويعود فشل في الإنذار المبكر في 7 أكتوبر، إلى حد كبير، إلى التركيز المفرط على الاستخبارات العملياتية و"الحرب المستمرة"، ففي العقد الذي سبق ذلك، انشغل مجتمع الاستخبارات بأكمله بمهمة جمع المعلومات و"مراقبة" مختلف الجبهات، ما أفقده التركيز على القيادة والمهارات اللازمة لتشخيص وتحليل تغيرات العدو بدقة.
أما الردع، فكان ببساطة: "سنضرب العدو بقوة لدرجة ندفعه للخشية من مواجهتنا"، وهذا لم ينجح مطلقا. فقد كانت الفجوة تضيق بعد المعارك التي حققنا فيها انتصارات كبيرة، فبعد أقل من عام على حرب الأيام الستة، انخرطت إسرائيل في حرب استنزاف على جبهتين، المصرية والأردنية. والخلاصة الصحيحة من تاريخ الأمن الإسرائيلي هو أن النصر في ساحة المعركة مؤقت ومحدود بالضرورة، ويجب أن يُصاحبه سريعا تسوية سياسية تُرسّخ الإنجاز العسكري - ليس بالضرورة اتفاقًا، مثل اتفاقيات وقف إطلاق النار وفصل القوات الناجحة مع مصر وسوريا عام 1974، بل التوصل لتسويات مع جهات تُعزز منظومة ضبط النفس لدى العدو.
في تشرين الثاني 2024، وبعد الانتصار العملياتي الناجح الذي حققه الجيش الإسرائيلي على حزب الله، تم التوصل إلى اتفاق ترتيبات مع الولايات المتحدة والحكومة اللبنانية، وتسبب نظام الضغوط على حزب الله، ومعارضة الحكومة اللبنانية لعدوانه، وسقوط نظام الأسد في سوريا، وضعف النفوذ الإيراني الإقليمي، إلى خلق وضعٍ مكّن إسرائيل من مهاجمته بحرية لمدة عام ونصف تقريبًا، دون أي رد فعل.
ما أخلّ بالتوازن المذكور، هي الحرب التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران في 28 شباط عام 2026. وقوبل ردّ حزب الله الضعيف على اغتيال خامنئي برد إسرائيلي يقول بأن "حزب الله وقع في الفخ، والآن سنهزمه". ما دفع إلى شُنّ حملة عبثية في جنوب لبنان، لم تُسفر إلا عن تعميق التوترات القائمة مع الولايات المتحدة، إذ تناقضت مع جهود الرئيس ترامب لإنهاء الحملة في إيران.
علاوة على ذلك، فإن استمرار الحرب يتعارض تمامًا مع نموذج القوى البشرية والموارد لدى جيش الدفاع الإسرائيلي، ومع طبيعة المجتمع الإسرائيلي المرتبط ارتباطا وثيقا في المجالين الاقتصادي والثقافي بالغرب. وسنوضح هذه المسألة بالتركيز على حلقة واحدة فقط في هذه السلسلة، ألا وهي جيش الاحتياط، القوة الرئيسية لجيش الدفاع الإسرائيلي.
كانت قوات الاحتياط، التي بُنيت وفقًا للمفهوم الكلاسيكي، من أكثر القوات العسكرية فعالية في العالم: فبتكلفة اقتصادية واجتماعية لا تتجاوز شهرًا واحدًا من التدريب سنويًا، تم بناء قوة ماهرة، ضاعفت عدة مرات من قوة الجيش الإسرائيل عندما تطلب الوضع ذلك، وكان الاحتياط هو العامل الحاسم في حروب إسرائيل الكبرى. مع ذلك، عندما تصبح خدمة الاحتياط 100 يوم في العام، فإن ذلك يشكل عبئا مستمرًا، كما كان الحال خلال السنوات الثلاث الماضية، وكما سيكون عليه الحال في السنوات القادمة وفقًا لمفهوم الحرب المستمرة والأحزمة الأمنية، فإن حياة عشرات الآلاف من الإسرائيليين وعائلاتهم وأعمالهم لا تتضرر فحسب، بل تصبح أيضًا القوة الأكثر تكلفة والأقل كفاءة على الإطلاق. إن التكلفة المالية المباشرة لجندي الاحتياط أعلى بخمس مرات، من تكلفة الجندي النظامي. وتزيد التكلفة غير المباشرة، في فقدان الإنتاجية نتيجة الغياب عن العمل، بعدة مرات. هذا الوضع، الذي لن يتغير حتى مع زيادة قاعدة التجنيد الإجباري في المستقبل القريب، يدفع بعض دعاة "الحرب المستمرة" إلى أفكار سخيفة مثل إنشاء "فيلق" من "الأجانب" في إسرائيل.

يجب على إسرائيل استخدام قوتها العسكرية - ليس فقط لمنع التهديدات، بل لفرض مصالحها على المنطقة
بدأ فيخت وخيمنيس كتابة مقالات قبل الهجوم الإسرائيلي - الأمريكي على إيران، ونُشرت بعد نحو شهر من الهجوم. وربما تأثرا بما سمعاه من نقاشات تجري في أروقة هيئة الأركان العامة. ومنذ ذلك الحين، ثبت ما كان ينبغي معرفته مسبقًا: أن الهدف غير المعلن، ولكنه كان واضحًا، للحرب هو الإطاحة بالنظام الإيراني عبر قطع الرؤوس، ومن ثم الهجوم من قبل المليشيا الكردية وبقية التنظيمات على إيران، وتنصيب محمود أحمدي نجاد على رأس حكومة بديلة، كان ذلك وهمًا خطيرًا لا أساس له من الصحة.
يعاني هذا الجزء من "الاستراتيجية الجديدة" من الجهل والغطرسة وتجاهل الوضع الدولي لإسرائيل، ومن عبر الماضي. فقد شهدت إسرائيل حالتين سابقتين معروفتين هما محاولة إقامة "نظام جديد" في لبنان (1982)، وعملية القضاء على صدام حسين التي نفذتها وحدة سيريت متكال، التي لم تُنفذ مبتغاها بعد كارثة قاعدة "تسأليم ب" عام 1992، حيث تسبب التظاهر بتغيير النظام في دولة بالمنطقة بأضرار جسيمة لإسرائيل، ذلك أن الدول الأقوى من إسرائيل فشلت في ذلك.
النتيجة الحتمية للفشل المذكور في إيران، تميز بتعزيز النظام القائم، وصعود العناصر المتطرفة داخله، الذين قد يسعون جاهدين لامتلاك أسلحة نووية، كما حدث تمزق في العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة. عليه، وفي ظل غياب نقاش مسبق لرسم حدود الحوار، ومع تصاعد رياح "الاستراتيجية الجديدة"، اتُخذ قرارٌ بالهجوم على ايران، ما تسبب بأضرار سياسية وأمنية لا تُحصى.

من نحن؟
خلاصة القول، على عكس سموتريتش، الذي لا يُخفي الصلة الواضحة بين السياسة الأمنية التي يقترحها، وتصوره لجوهر الكيان الإسرائيلي، وإيمانه بالوعد الإلهي، الذي يُلزمنا بموجبه امتلاك أي أرض والاستيطان فيها، يعيدنا النقاش حول "استراتيجية الأمن القومي الجديدة"، إلى السؤال الجوهري. وهو هل قدم من صاغ ، "استراتيجية الأمن الجديدة" من منظور أمني مطلق، خالي من أية أبعاد سياسية ودبلوماسية، ما حولها لأمر غير موضوعي بالمطلق.
كذلك لا بد من الإشارة، ان جميع النظريات الاقتصادية مبنية على "ظاهرة الندرة"، (إذ لا يمكن أن يتوفر كل شيء للجميع طوال الوقت، لذا يجب حساب التكاليف والفوائد والنظر في البدائل. وما ينطبق على الاقتصاد ينطبق على الأمن. تنبع البدائل المختلفة مما يُسمى في علم الاقتصاد "نظام الأذواق" - أي من نحن، وما هي أولوياتنا، وما نحن على استعداد للتخلي عنه.
أشار بن غوريون في مراجعته عام 1953 إلى أربع مزايا تتمتع بها إسرائيل على أعدائها وهي: الميزة الجغرافية المتمثلة في "الخطوط الداخلية" والقدرة على حشد القوات بسرعة وهي "أمة موحدة"، وذات قدرات تكنولوجية عالية، والميزة الروحية.
إنّ "إسبرطة الخارقة" في "استراتيجية الأمن القومي الجديدة"، تتحدث عن إسرائيل المختلفة. فجيشها مُنهكٌ إلى أقصى حدّ في حربٍ لا تنتهي، وفي حدودٍ تتوسع باستمرار، بشكل وطريقة قال عنها رئيس الأركان إيال زامير، تُهدد بانهيار الجيش الإسرائيلي داخليا، فالأمة ممزقةٌ بسبب صراعات الهوية وصراع على السياسيات، ما يُهدد نموذج جيش الشعب وشرعيته الداخلية، وهي تُقاتل بطريقةٍ تُثير مخاوف جدية بشأن قدرة الجيش الإسرائيلي على الحفاظ على قيمه القتالية، وتُشكك في تفوقه الروحي على أعدائه، وتُقربه من عزلةٍ عالميةٍ خطيرة.
لا يرغب العديد من المواطنين الإسرائيليين وجود إسرائيل بهذا الشكل، وبعضهم لا يرغب بالعيش فيها، كما يتضح من اختلال ميزان الهجرة خلال السنوات الأخيرة. وهذا يشكل خطراً واضحاً على الأمن القومي.



#عليان_الهندي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التطهير العرقي - أفكار جامدة أم الحلم الصهيوني ؟
- رسم استراتيجية وطنية واقعية لدولة إسرائيل
- شبيبة التلال - من التنظيم الارهابي اليهودي إلى المؤسسات الخي ...
- مذابح وتطهير عرقي في الوثائق الإسرائيلية الجديدة
- العائدون لاوطانهم - نهاية اليسار الصهيوني
- أي مستقبل لقطاع غزة ؟
- الامير بندر بن سلطان وبوابة التطبيع مع إسرائيل
- هل التطبيع مع إسرائيل يحل أزمات السودان ؟
- العلاقات الإسرائيلية السودانية
- تطبيع العلاقات مع إسرائيل ومهاجمة الشعب الفلسطيني
- مستقبل السلطة الوطنية الفلسطينية من وجهة نظر إسرائيلية
- وعد بلفور - الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بعد 100 عام
- الحكومة الاسرائيلية ال 34
- عداء لم تبدده الاتفاقيات - رؤية إسرائيل لحركة فتح
- قراءة في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة - أسباب ومعطيات ونت ...
- سوريا في التقرير الاستراتيجي الإسرائيلي 2014 - ترجمة عليان ا ...
- مصر في التقرير الاستراتيجي الإسرائيلي 2014- ترجمة عليان الهن ...
- التقرير الاستراتيجي الإسرائيلي 2014- الإنفصال عن الفلسطينيين ...
- التقرير الاستراتيجي الإسرائيلي 2014- القضية الفلسطينية - ترج ...
- التقرير الاستراتيجي الإسرائيلي 2014- التحديات الاستراتيجية - ...


المزيد.....




- نظرة على شكل الحياة التي عاشها الناجون من كارثة بومبي
- ياقة مهرّج وحذاء مستوحى من السجاد.. ممثل أمريكي يخرج عن المأ ...
- الكرملين يتنبأ بالرسالة القادمة من واشنطن عبر ويتكوف وكوشنر ...
- الناخبون الألمان قد يبعثون بإشارة لتغيير جذري بمسار السياسة ...
- أحزاب ساكسونيا أنهالت.. حملات انتخابية مكثفة وكفاح من أجل كل ...
- سابقة طبية لافتة.. رجل يعيش لأشهر بكلية خنزير قبل زراعة كلية ...
- الإمارات تنفي تسليح أطراف النزاع في السودان وتدعو لتوسيع حظر ...
- لبنان.. تكبيرات في سجن رومية فرحا عقب توقيع رئيس الجمهورية ق ...
- وزير الدفاع البريطاني يؤكد سيادة لندن على جزر فوكلاند ردا عل ...
- وزير التعليم: تنمية مهارات القراءة والكتابة والحساب تمثل ...


المزيد.....

- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - عليان الهندي - استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي الجديدة – منطق معيب وخطير