عليان محمد الهندي
الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 10:57
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
عوفر أديرت
هأرتس 11-2-2025
ترجمة: عليان الهندي
أثارت خطة ترامب لإخلاء قطاع غزة من سكانه، التي أُطلق عليها اسم "ترامبسفير"، جدلاً واسعاً، وأعادت إلى الواجهة مصطلحاً، كان البعض يأمل أن يقتصر استخدامه على الفئات المتطرفة في المجتمع الإسرائيلي. تراوحت ردود الأفعال بين الصحفي الإسرائيلي [من القناة الإسرائيلية 14 المتطرفة] ينون ماغال الذي قال "كنا حالمين" وقول يائير غولان، رئيس حزب "الديمقراطيين"، الذي كتب مقالا في صحيفة هآرتس ذكر فيه ان الترحيل فكرة معادية لليهودية وتتعارض مع الصهيونية". وكالعادة، انطلقنا برحلة بحث في الأرشيفات عقب تلك الاخبار، وتلقينا درساً تاريخياً شيقاً.
عندما قلتم "ترحيل"، قلتم غاندي. والأرشيفات لا تنسى ذلك أيضاً، ففي عام 1987، أعلن رحبعام زئيفي "غاندي"، وهو جنرال متقاعد، أن "حل الصراع" يتطلب "ترحيل العرب خارج حدود الدولة"، مضيفاً: "يجب أن نقول هذا علناً دون خجل". فانفجرت البلاد غضباً، فمن المطالبات بإقالته من منصبه كمدير لمتحف أرض إسرائيل، إلى المطالبات بسحبه من الخدمة الاحتياطية، وصولاً إلى المطالبات بمحاكمته بتهمة التحريض على العنصرية وفقًا للقانون الدولي لمنع الجرائم والإبادة الجماعية. حينها دافع عنه رئيس بلدية تل أبيب، شلومو لاهات، قائلاً: غاندي رجلٌ نزيهٌ يقول ما يفكر فيه. هناك العديد من الأوغاد الذين يفكرون مثله، لكنهم لا يملكون الشجاعة للتعبير عن آرائهم علنًا.
استعان غاندي بدعمٍ مفاجئ، حين صرح انه تبنى فكرة "التطهير العرقي" من تبانكين وكتسينلسون [من قادة الحركة الصهيونية ومؤسسي حزب العمل]، واعتبر نفسه أقلّ حماسةً منهما". بعد ذلك بوقتٍ قصير، انتُخب غاندي لعضوية الكنيست، وشغل لاحقًا منصب وزيرٍ في الحكومة الإسرائيلية حتى اغتيل على يد إرهابيين فلسطينيين عام 2001. وسبق زئيفي مئير كاهانا، الذي خدم في الكنيست من عام 1984- 1988، حتى تمّ استبعاد حزبه. وكان الحلّ الذي اقترحه كهانا يدعوا إلى نقل العرب أو إخراجهم برغبتهم أو بالقوة ونطردهم بيد من حديد ودون خوف.
عندما مُنع كاهانا من الترشح للكنيست عام 1988، انتُخب زئيفي عضوًا فيها، كتب شبتاي تيفيت، أحد أبرز كُتّاب صحيفة هآرتس وكاتب سيرة بن غوريون، سلسلة من المقالات في الصحيفة بعنوان "تدحرج التطهير العرقي في الفكر الصهيوني"، حاول فيه التقليل من قصة غرام الصهاينة بمفهوم التطهير العرقي، حين ذكر أن فكرة طرد العرب كانت على هامش الصهيونية، ووصفها بأنها لم تكن أفكارا ناضجة، وأوضح أنها جزء من أمراض الصهيونية في بداياتها.
مع ذلك، المصادر الأولية التي أقدمها للقراء في موضوع التطهير العرقي تتحدث عن نفسها، وكما كتب المؤرخ بيني موريس في كتابه "تصحيح خطأ: اليهود والعرب في إسرائيل 1936-1956" ان فكرة التطهير العرقي لم تأت للعالم خلال عام 1948، بل كانت متجذرة بعمق في الصهيونية منذ تأسيسها.
وتناول نفس الموضوع توم سيغيف في كتابه "أيام شقائق النعمان"، حين ذكر، باستثناءات قليلة، لم يكن هناك خلاف على أن التطهير العرقي كان أمرا مرغوبًا فيه عند الحركة الصهيونية، واعتبره أخلاقيًا ... لأن التطهير العرقي هو الحلم الصهيوني في جوهره. وخلافًا لما كتبه يائير غولان هذا الأسبوع في صحيفة هآرتس، ادعى سيغيف أن التطهير العرقي متجذر في الأيديولوجية الصهيونية نفسها... وملزم لأن العرب رفضوا السماح للحركة الصهيونية بإقامة دولة في أرض إسرائيل، تكون الغالبية فيها لليهود، كما أن الإرهاب العربي ساعد في تعزيز الفكرة.
من أين نبدأ ؟، من هيرتزل، أبو الصهيونية، الذي كتب عام ١٨٩٥، في مذكراته خطةً المستقبل التي ذكر فيها أنهم يحاولون نقل السكان الفقراء بدون ضجة عبر الحدود، وتوفير فرص عمل لهم في البلدان التي سينتقلون اليها، لكن في بلادنا سنمنعهم من أي عمل.
بعد ذلك بعامين، زار زميله، يسرائيل زانغويل، أرض إسرائيل وخلص إلى نتيجة مفادها أنه لا مفر من إجلاء العرب ونقلهم قسرًا إلى البلدان المجاورة"، وأضاف زانغويل في عام ١٩٠٤ تصريحا قال فيه، يجب أن نكون مستعدين لطردهم من البلاد بقوة السيف، كما فعل أسلافنا في القبائل التي سكنت هنا.
في عام ١٩٢٠، دعا زانغويل إلى إقناع العرب بالترحال، وفسر تيفيت تصريحه على النحو التالي، علينا أن نقنعهم بلطف بالهجرة، ففي نهاية المطاف، يقع تحت تصرفهم شبه الجزيرة العربية بأكملها، التي تبلغ مساحتها ملايين الأميال المربعة.
وكتب تيفيت في مقاله المذكور، أن فكرة مماثلة تبناها اثنين من قادة الحركة الصهيونية هما نحمان سيركين، الذي قال، يجب إخلاء أرض إسرائيل، قليلة السكان ... قبل مجيء اليهود. كما أيّد أهارون أهارونسون، أحد رواد العلوم في البلاد، هذا الرأي، وعرض على عرب أرض إسرائيل أراضي في العراق، تتجاوز خصوبتها بكثير خصوبة أراضيهم في أرض إسرائيل، ويجب ان يقتنع أكبر عدد ممكن من العرب بالهجرة إلى العراق.
وصرح يوسف شبيرنتساك، الذي أصبح فيما بعد رئيسًا للكنيست، الذي بلغ من العمر 10 أعوام عندما أيد هيرتزل في مذكراته فكرة التطهير العرقي، عام ١٩١، خلال اجتماع اللجنة المؤقتة ليهود أرض إسرائيل، يجب أن نأخذ أرض إسرائيل من دون أي تقليص أو قيود، وهناك حصة معروفة للعرب المقيمين في أرض إسرائيل، وهي الحصول على تعويض والبحث عن سعادتهم في بلاد أخرى. على نفس السياق، صرح آرثر روبين عام ١٩٣٨عندما قال، لا أؤمن بنقل فرد واحد، بل أؤمن بنقل قرى بأكملها. أما مناحيم أوسيشكين، فقد صرح، في نفس العام، انه مستعد للدفاع عن الجانب الأخلاقي لفكرة الطرد أمام الله، وأمام عصبة الأمم. أما دافيد بن غوريون فقد قال عن التطهير العرقي للعرب أنه أمر أخلاقي.
ازدادت النقاشات حول فكرة التطهير العرقي للعرب مع نشر تقرير لجنة بيل الملكية التي شكلتها الحكومة البريطانية عام ١٩٣٦ في أعقاب الثورة العربية الكبرى حين أوصت بتقسيم البلاد إلى ثلاث كيانات: دولة يهودية، ودولة عربية، ومنطقة خاضعة للانتداب البريطاني تشمل القدس. ومن بين توصياتها، طرد العرب، طوعًا أو قسرا، من الدولة اليهودية. وفي السياق المذكور، أوضح بيني موريس ان الحديث أصبح رسميًا، يدور حول "تبادل السكان"، لكن في الواقع، كان القصد هو نقل العرب أو طردهم جماعيًا.
لم يصدق بن غوريون ما سمعه، وكتب في مذكراته أن النقل القسري للعرب من المناطق المقترحة للدولة اليهودية كان "نقطة محورية". وأضاف أنه حتى لو لم يبقَ منها شيء، فذلك يمنحنا ذلك شيئًا لم نكن نملكه قط، حتى عندما كنا بمفردنا، حتى خلال فترتي الهيكل الأول والثاني". وأضاف: "بند التطهير العرقي" في رأيي، أهم من جميع مطالبنا بما في ذلك إضافة أراضي لنا. ونوه بن غوريون إلى ضرورة التحرر ،أولا وقبل أي شيء، من ضعف فكرة التطهير العرقي، والاعتقاد بأنه غير قابل للتحقق، واعتقد أن الأولوية القصوى تكمن في الصعوبة البالغة المتمثلة في، جرأة بريطانيا باقتلاع نحو مئة ألف عربي من قراهم التي عاشوا فيها لقرون. بالتأكيد نحن لن تفعل ذلك، وعلينا الضغط على بريطانيا بكل ما أوتينا من قوة لتحقيق ذلك. وإذا لم نقم بذلك، سنخسر أهم فرصة أتيحت لنا، ومن يدري إن كانت ستعود يوماً.
عثر موريس على محضر إحدى خطابات بن غوريون، التي ألقاها عام ١٩٣٧ التي قال فيها، أن أجزاء كثيرة من البلاد، لن يكون الاستيطان اليهودي الجديد ممكنًا إلا بنقل العرب... إن نقل السكان هو ما يجعل خطة الاستيطان الشاملة ممكنة، ولحسن حظنا، يمتلك الشعب العربي مساحات شاسعة من الأراضي الفارغة والقاحلة... والقوة اليهودية في البلاد ... تزيد من إمكانيات طرد العرب على نطاق واسع. وتحدث حاييم وايزمان أيضًا بأسلوب مماثل لبن غوريون، وكان من بين مستمعيه، رئيس تحرير صحيفة "هآرتس"، موشيه غليكسون، الذي وصف التصريح قائلًا، كان من بيننا متحمسون يعتقدون أن بالإمكان إخراج مئات الآلاف من العرب من الدولة اليهودية واحدًا تلو الآخر، وبقرار سريع.
ويثبت الأرشيف أن فكرة الطرد لم تخضع لنقاش فقط، بل انخرطت الحركة الصهيونية، منذ ثلاثينيات القرن العشرين، في التحضير لها، وشكلت لجنة خاصة لهذا الغرض، التي ناقشت إن كان الطرد سيكون "قسرا أم طوعا"، ومن سيتم إجلاؤه أولًا ،القرى أم المدن، وبأي معدل، وإلى أين، وبأي ثمن. وكان من بين المقترحات التي طرحها بن غوريون دفع عشرة ملايين جنيه إسترليني للعراق مقابل موافقته على استيعاب مئة ألف عائلة عربية من أرض إسرائيل. أما وايزمان، فقد تخيل أن الملك ابن سعود سيحصل على ما بين عشرة وعشرين مليون جنيه إسترليني مقابل إجلاء جميع العرب في البلاد بتمويل أمريكي.
مع ذلك، فشلت لجنة بيل، شأنها شأن اللجان الأخرى التي شكلها البريطانيون، في محاولتها إيجاد حل لقضية أرض إسرائيل. ومعها، تبدد الأمل الصهيوني في طرد العرب برعاية بريطانية. في غضون ذلك، كان موضوع الطرد مطروحًا للنقاش على الجانب الآخر من الخريطة السياسية. ففي عام ١٩٤٠، كتب زئيف جابوتنسكي، ان العالم تعود على فكرة الهجرة الجماعية، بل يكاد أن يستحسنها. وأضاف، كان هتلر، مهما بلغ كرهنا له، من أضفى مصداقية على هذه الفكرة في العالم.
وفي عام ١٩٤٤، مع اقتراب نهاية الحرب العالمية الثانية، عاد موضوع التطهير العرقي إلى الواجهة، حين تلقت دعمًا مفاجئًا، مرة أخرى من الجانب البريطاني. ففي مؤتمر حزب العمال، عبر أعضاء المؤتمر عن تأييدهم للتطهير العرقي، وقالوا إن هناك مبررات إنسانية لذلك، ومن ؟ أجل تعزيز خطة دائمة لطرد السكان، ينبغي تشجيع العرب على المغادرة بقدر ما يدخل اليهود. في المقابل يجب تعويضهم بسخاء عن أراضيهم، وينبغي تنظيم استيطانهم بعناية في أماكن أخرى في العالم العر بي الذي يتضمن مساحات شاسعة، ولا ينبغي لهم المطالبة بحرمان اليهود من هذه المساحة الصغيرة من أرض إسرائيل، وهي أصغر من مساحة ويلز.
ووفق بيني موريس، استعد بن غوريون للطرد عندما قال ان طرد العرب أسهل من أي طرد آخر، حيث توجد دول عربية قريبة... ومن الواضح أنه إذا أرسلوا العرب إلى هناك، سيتحسن وضعهم وليس العكس. كما نقل موريس عن موشيه شاريت قوله، يحب أن يكون الترحيل تتويجًا للجهود، وهو المرحلة الأخيرة في تطوير هذه السياسات ... ما سيحدث عند قيام الدولة اليهودية، من المحتمل جدًا أن تكون النتيجة ترحيلًا للعرب.
وقال يتسحاق غرينباوم، أول وزير للداخلية آنذاك، يتمثل دور اليهود في تنبيه الأغيار إلى أمور لم يروها بعد... مثل إن كان بالإمكان خلق ظروف مشجعة في العراق، تجذب العرب من أرض إسرائيل للهجرة إليه، فلا أرى في ذلك ظلمًا أو جريمة. وقال إلياهو دوبكين، مدير إدارة الهجرة في الوكالة اليهودية، ستكون هناك أقلية كبيرة في البلاد، يجب طردها، لا مكان للتوقف عن ذلك لاعتبارات داخلية.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟