أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ناصر عطاالله - الدهشة الغرائبية في (تمرين على النباح) لمنى العاصي














المزيد.....

الدهشة الغرائبية في (تمرين على النباح) لمنى العاصي


ناصر عطاالله
شاعر وكاتب فلسطيني


الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 04:56
المحور: الادب والفن
    


فصلت مجلس الدخان ودوائره عن السقف وعني لكي أركز جمجمتي في مجموعة (تمرين على النباح) للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، كوني كائنًا شعريًا يختلط مزاجه بين العتيق التقليدي والتفعيلة الوسطية والحداثة المريحة للبصر الدماغي، ونجوت في كثير من مطبات النقد بقراءات انطباعية أقرب إلى الإشهار عن الكتاب من الغوص في مضامينه، لكن في تمرين منى العاصي اختلف الأمر، فتهيأت للغوص من غير سابق رحمة، فأنا أمام محيط من الدهشة، وفي جموعها دهشات متقاربة تدخل من حيث بدأت، ولا تتراجع عن ضفة مفاجئة، صيرورة تجعل الرأس يشعل مراوح خلاياه كلها.

ومن (هواء مالح) يتسع الفراغ على مدى انضباطه الميتافيزيقي لتقترب الهزائم أكثر من معتادها في المسافة الملاصقة لإشغال الروح الشاعرة بإحساسها الكلي في انهيارات الكون بسبب الكوارث المشتعلة تحت أقدام البشرية منذ النكبة التي لم يرد اسمها في الديوان، ولكن كل ظل كان من ظلالها المجنحة، فمنَى فلسطينية اضطرت أسرتها للخروج من فلسطين لتقيم في حوضها الحدودي (سوريا)، ولتعيش بفقد الوطن، لم يرد مصطلحه أيضًا في الديوان، ولكن طيفه في كل نص كتبته، يعني تعددت طيوفه في 87 نصًا كان يمرن اللغة على النباح.

وفي جمع المكرر بين العام المصطلحي في الهم وبين الشخصي الموقع عليه بخفة قلب الشاعرة، حاولت اللغة الشعرية أن ترسم مضامينها بالتكثيف، بعيدًا عن ملل التكرار، مشفوعة بالعبارة الناضجة، لتقف أمام نص يدهشك بعمقه كما وأنك تكتشف العربية لأول مرة:

فكيف أفك ظلي عن خطاي؟ وأعلّق بفم الذئب مزامير دمي.

هروب من نباح الكلاب الجبانة التي لا تستحق الدماء إلى ما هو أكثر جدارة بالدم الزكي إذا ما قالت الحرب كلمتها المميتة، لن أقارب بين رفض الشاعرة للنباح وقبولها بالعواء على اضطرار الواقع، وبين ما آلت إليه جثث الشهداء في الإبادة الجارية بغزة ونهش الكلاب لجثامينهم الطاهرة، الشاعرة لم تقل ما كتبته، ولكن عندما قرأت رغبتها بتعليق مزامير الدم في فم الذئاب، أوجبت البعد السابع في اللغة الشعرية الحزينة.

لتأخذنا الشاعرة عن رغبة طوافة إلى أعماق النفس البشرية، وتعيد الذاكرة إلى محطات كثيرة فتحت لها شوارع مضيئة مرة لنفرح، ومرة للنتشي، ومرات كثيرة لنبكي، لأن العالم أصبح غير مألوفًا للشاعرة ولكثير من الناس الذين فقدوا أوطانهم، ويبحثون عنها في الخيال النضر، تقول في (ظلال حول سرة الضوء):

يتبعون وشم دمي لا يكفّون عن الغناء يا أبتِ رياح قميصي تعصف وساقي الواحدة تهتزّ.

والأب وطن من وراء حجاب المجاز، يسرح معنا في وجع البحث عن جغرافيا القلب، وهضاب الروح، وتطاريس الرمل تحت جلود الذين تعسروا في حياتهم بسبب اللجوء، وسطوة المنافي.

ومن يقرأ تمرين النباح لمنى العاصي يخزن الحزن في مستودعات إنسانيته لمدة طويلة، لن ينقصها حمّالة البشائر في عالم فقد الكثير من عدالته.

ومن عتبة المجموعة الشعرية تجد أن (على) ثقيلة الوطء، قاسية الوقع بين (تمرين) و(نباح)، حوّل الجملة إلى فعلية تركز على التوطئة المقصودة للتنازل من أجل الحياة (آدم حاتم)، وقصته المؤلمة قرّبت الجملة من معنى الوجع الذي تسببته (على)، ولو جاءت قصة (كمال سبتي) لتغلق حصار الوجع على جهاتها بإحكام، وكأنّ الشاعرة تقول لنا: خذوا مني (على) وتمرنوا بنباحها حتى لا تصلوا إلى نهاية كمال وآدم، ولو ألغت (على) وأصبحت الجملة اسمية (تمرين النباح)، لوقعت بشبهة الخطأ العمد مع إبقاء عتبات نصوصها كما هي، ومن هنا نقف على نباهة الشاعرة المتواصلة إحكامًا في مجمل مجموعتها الصادرة عن دار موزاييك للدراسات والنشر في تركيا سنة 2022م.

منى العاصي التي تكتب من المهجر السويسري، تنشط ثقافيًا وتعتبر من المبدعات المميزات في المشهد الثقافي العربي والعالمي في أوروبا اليوم، وتصعد مسارح الإبداع الإنساني بدون صراخ متكلف، ولا ضجيج مبتذل، بل تتسلح بحنجرة هادئة، وخيال فسيح مفتوح على أرجاء المتأمل في حياة كريمة، وسلام نفسي وإنساني يليق بالفطرة الإنسانية، شاعرة عاشت آثار نكبة 1948م، فكان الأب رمزها الدائم، وكانت أمها الجرح الأخضر، وعاشت نكسة 1967م لتصعد سلم الألم من غير صليب يابس، ولا أجنحة بيضاء، بل سكك موحشة ودروب مؤذية أجبرتها على الغربة، ولم تنصع لها لكي تستسلم باغتراب عن واقعها العام الذي يعيشه شعبها.

في (تمرين على النباح) تكرر مصطلح (العتمة) أكثر من ثماني مرات، بينما ورد مصطلح الظلال بمثلها عددًا أو ما يقرب منها، بينما النباح بأشكاله الفعلية والاسمية ورد عشر مرات، على اختفاء كامل لمصدر صاحبه (الكلب)، بينما العواء لم يتخلص من صاحبه الذئب فكان حاضرًا، والحزن والموت والقيامة و(إلخ) من دلالات الحالة الموجوعة حاضرة في الديوان، ورغم ذلك لم تترك الشاعرة نافذة للأمل إلا فتحتها.

منى العاصي شاعرة مجيدة في قصيدة النثر، تجيدها ببراعة وإحساس عالٍ باللغة، وتكثيف معتبر، وغير جاف، مع قلة ذكرها للبحار والأنهار والمياه، فسقيتها كما موسيقا المجموعة في داخل النص من غير سوء.

"أكتب الشعر لأنني لا أحب الناس".

اعتراف صادم واعتبار الشعر نقيضًا لحب الناس أشد صدمة، لكن مبررها حاضر في الذات الشاعرة لا في الإنسانة الطبيعية، وما فصلها الشعر عن حب الناس إلا لأن الناس لم يتحركوا كما يجب لمسح الحروب وتوزيع الحياة بعدالة، والشعر مع الحياة الكريمة وضد الحروب والكراهية.

شكرًا الشاعرة منى العاصي، فالشعر والدهشة والمجاز انشغالك الأجمل.



#ناصر_عطاالله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهوية والسيرة في رواية (ظل يوسف) للدكتور أسامة الفرا
- أحمد دلباني وموقفه من الدفاع عن الخطيئة وقايين
- قراءة مغايرة لرواية رقصة الفيلسوف للأديب الفلسطيني أنور الخط ...
- رواية (سماءٌ وسبعة بحور) للروائي ناجي الناجي: الفلسطيني اختص ...
- -مفاتيح البهجة- لعمر حمش رواية الجرح الفلسطيني بطعم التغريبة ...
- ( مرايا الموج) للأستاذ الدكتور محمد بكر البوجي.. رمح في الرو ...
- ماذا أراد يحيى يخلف من -راكب الريح-
- رواية - قمر بيت دراس- للروائي عبدالله تايه شهادة على نكبة أم ...
- قراءة في-قمرٌ وجسد مظلم- للكاتب علاء أبو جحجوح
- قراءة في رواية-ملائكة في غزة-
- تصويب لموضوع منشور
- رواية نضال الصالح -خبر عاجل- قدود حلبية بعد رماد ولهب
- قراءة في رواية( الحاجة كريستينا) للروائي عاطف أبوسيف
- قراءة في رواية (إيربن هاوس) لطلال أبو شاويش
- قراءة في ( ماقالته الرواة عن الحواري) لعبدالله تايه
- قراءة غير ناقدة في مجموعة -ناي ونرد- للشاعرة وسام عاشور البن ...
- يسرا الخطيب - الكائن بيقيني- إتباع الهايكو لوطن أجمل.. ( ناص ...
- لا تموت هناك
- الصنم


المزيد.....




- بين -بطل من هذا الزمان- و-صمت الحملان-.. كيف تنبأ ليرمونتوف ...
- بقيمة 9 ملايين يورو.. الشرطة الإيطالية تستعيد 3 لوحات مسروقة ...
- بيت المدى يوجه التحية إلى الفنان المسرحي صلاح القصب
- -عملية جراحية في قلب الأرض-.. دقة المشارط تُعيد بعث مقابر ال ...
- -غزة ومعاناة الفلسطينيين حاضرة-.. انطلاق النسخة الـ11 لمعرض ...
- مصر.. اكتشافات أثرية قد تقود إلى مدينة فرعونية مفقودة
- معرض -كوكب السيليكون-.. أسرار الكون تجسدها إبداعات الزجاج ال ...
- وزارة الموارد المائية والري ووزارة الثقافة تحتفلان بـ«عيد وف ...
- أسبوع القاهرة للتصميم شريكا في موسكو.. تعزيز حضور التصميم ال ...
- 40 فيلما من 13 دولة في مهرجان -ليندوك- السينمائي ببطرسبورغ


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ناصر عطاالله - الدهشة الغرائبية في (تمرين على النباح) لمنى العاصي