أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسني التهامي - الفجوات البصرية في نص الهايكو















المزيد.....

الفجوات البصرية في نص الهايكو


حسني التهامي

الحوار المتمدن-العدد: 8798 - 2026 / 8 / 15 - 20:13
المحور: الادب والفن
    


يرتكز التوتّر البصري على تقديم المشاهد الحسيّة الظاهرة في هيئة غير مكتملة أو بنية غير مألوفة تكسر أفق التوقّع في الهايكو العربي المعاصر. ويعتمد الهايجن في بناء الصورة على التلميحات والفجوات البصرية التي تستدعي القارئ للمشاركة في استكمالها عبر تأويلاته الخاصة وتصوراته الذهنية، بالإضافة إلى توظيف لغة موجزة ومكثفة تنأى عن الوصف التقريري، لتمنح النص طاقة إيحائية تفتح آفاقًا دلالية أرحب. لا تهدف البنية البصرية إلى تمثيل الواقع كما هو، وإنما تسعى إلى النفاذ إلى خبايا التفاصيل التي تصنع فضاء مليئا بالجمال والدهشة.
ففي كثير من نصوص الهايكو العربية المميزة لا يسعى الهايجن إلى تقديم لوحة مكتملة العناصر، بقدر ما يعمد إلى تصوير الأشياء من زوايا جديدة ولافتة، كأن يعرض التفاصيل اليومية المهمشة بما تختزنه من جمال كامن ومفاجئ. يلتقي هذا النمط من التوتّر مع مفاهيم جمالية شرقية مثل السابي–الوابي واليوجن (yūgen)، تحتفي بالجمال غير المكتمل، وبما هو غامض وزائل وعابر.
ينقسم التوتّر البصري في الهايكو إلى نمطين رئيسيين: خافت وحاد، يعكسان تفاوتًا في درجات الانزياح داخل المشهد الشعري. ففي التوتّر الخافت، يجري الهايكست تحولات طفيفة في زاوية الرؤية تتموضع من خلالها العلاقات بين الكائنات وظلالها.، معتمدا على الفراغ التأويلي الذي ُشترك القارئ في ملئه عبر تأمّلاته وإدراكه الحسي اليقظ. على الجاب الآخر يقوم التوتّر الحاد على تكثيف بصريّ، يتجسد في الألوان النافذة أو الأثر الماديّ الجلي. بهذا، يصوغ الهايكست مشهده الإبداعي برؤية مغايرة لما هو متوقع، تقوّض الاعتياد وتفتح آفاقا متعددة لقراءة المشهد. ورغم اختلاف نمطي التوتر البصري، ينفتح كلٌّ منهما على تجربة إدراكية مركّبة تكشف مدى وعيها بالعالم، وعلاقة الذات الإنسانية بالوجود.
يتبدّى الانزياح البصري الهادئ في نصّين للهايجن التونسية هدى حاجي نلحظ حفوت الانزياح البصري من خلال اللغة الإيحائية المستخدمة والتحوّلات البصرية الهادئة:
1-
على حافّة النهر
تركع زهرة نرجس
لصورتها في الماء
2-
في الموقد
بخور الجاوي واللبان
أرواح الشجر
يُقدِّم النصّ الأوّل مشهدًا بالغ البساطة من حيث البناء، غير أنّ هذه البساطة تخفي توتّرًا بصريًا يتولّد من التوتر القائم بين الزهرة وظلها المرتجف في الماء. فالنرجس، بما يحمله من رمزيّة كلاسيكية يرتبط بالجمال والتأمّل الذاتي. لا يكمن التوتّر هنا في انحناء زهرة النرجس نحو صورتها وانكسار الحركة من الأعلى إلى الأسفل فحسب، وإنما يتولّد أيضًا من المفارقة البصرية التي تنشأ عن تماثل الكائن مع ظلّه، وعن تشخيص فعل الانحناء وإسناده إلى الزهرة، وأخيرًا من التباين بين سكون المشهد العام وحركة الانحناء التي تضفي على المشهد طاقة حركية، وعلى النص حيوية وجمالًا. فالمشهد يبدو ساكنًا، لكنه مشحون بحركة داخلية شديدة الرهافة. وهذه الازدواجية بين الزهرة وصورتها في الماء تمنح المشهد فضاءً تأمليًا، يتجاور فيه المرئي والمتخيّل، وتتشكّل فيه العلاقة بين الذات والعالم في صورة تماهٍ بصري دقيق.
يُكمل النصّ الثاني هذا المسار في تشكيل التوتّر البصري الخافت، من خلال مشهد ينتقل من المستوى الحسي إلى فضاء إيحائي أكثر اتساعًا. يعرض الشطران الأول والثاني صورة عادية من الطبيعة: بخورًا يُحرَق في الموقد. غير أنّ السطر الأخير يقدّم انزياحًا بصريًا، إذ يُختزل فيه خيط الدخان في عبارة "أرواح الشجر". عند هذه النقطة، تتخلى اللقطة عن صورتها المادية، وتنفتح على لحظة شفّافة يتحوّل فيها البخور إلى عبق غير مرئي، ليعبر بالتجربة إلى طبقة وجدانية أعمق. ويشفّ هذا التحوّل عن تماهٍ عميق بين الذات والكائنات الهشّة، كما لو أن الشاعرة ترى في تصاعد البخور أثر لكائن آخر وهو الشجرة التي اقتُلِعت من موطنها وتبدّدت في أجواء المكان.
تبرع هدى حاجي في إحداث توتّر جمالي بصري عبر عنصر المفارقة المتجسّد في الجمع بين صورة الكائن الحي وتداعيات فنائه، وبين ثنائية الجسد والروح. ففي البخور المتلاشي تتجلّى "أرواح الشجر"؛ انتقال المادة من كينونتها الفيزيائية إلى عالم روحاني شفيف يعكس لحظةً بصريّة - حسيّة تنبثق منها دلالة أخلاقية مضمرة تكشف عن تحولات الأشياء وهشاشة الحياة.
ويمكن أن نتلمس تمظهرات التوتّر البصري الحادّ التي تأخذ منحى وجوديا في هايكو الشاعر والأكاديمي الهندي رام كريشنا سينغ (Ram Krishna Singh). ويُعدّ سينغ من الأسماء البارزة في كتابة هذا النوع من الشعر، وقد حظي بحضور لافت في المنصّات الإلكترونيّة العربيّة، سواء من خلال ترجمات متفرّقة أو مشاركات مباشرة، وهو ما يمنح إدراج نصٍّ له في هذه الدراسة مشروعية ثقافيّة تتجاوز حدود الجغرافيا. لا سيّما أن بيئته الاجتماعية تشترك مع نظيرتها العربيّة في العديد من التفاصيل الحياتية والتعبيرات الطقسية.
إخفاء المشيب
معجون الحناء والقهوة
يلطخ أطراف الأصابع
يبدأ المشهد بتفاصيل حياة يومية مألوفة، لكنها مشحونة بتوتّر جمالي بصري. فمن خلال لغة مقتضبة، يُبرز الهايجن علاقة الجسد مع الزمن، ويعرض فعل التجميل باعتباره ممارسة حميمية تتعكس رغبة خفية في إرجاء آثار الشيخوخة والتخفيف من تغضنات الزمن على جسد المراة العجوز. ويتمثّل التوتّر البصري هنا في المفارقة التي تجمع بين لون معجون الحنّاء والقهوة على أطراف الأصابع، وبين ما يخلفه هذا اللون من طبقات دلالية كامنة، متمثّلة في هشاشة الجسد أمام عامل الزمن.
ينسجم هذا المشهد مع بعض المفاهيم الجمالية اليابانية :كـالـ "وابي- -سابي" وألـ"يوجن"؛ فاللطخة الداكنة على أنامل المرأة تحمل شحنات من الحنين والشجن، وتكشف عن محاولة لمهادنة الزمن الذيالتي تترك ندوبًا عميقة في نفس المرأة. كما يوحي تسرّب الحنّاء أو القهوة إلى أطراف أصابعها بافتقارها إلى الخبرة في صبغ شعرها، الأمر الذي يضفي على المشهد عفويةً وعمقا ودهشة. وهكذا تتحوّل هذه اللطخة الهامشية إلى بؤرة بصرية مترعة بالدلالة، تحتفي بالنقص والتآكل والتغيّر. ومن هنا تتجلّى عبقرية الهايكو في ترقية اليومي والهامشي إلى لحظة مركزية للتأمل الجمالي.
المراجع:

1- Singh, Ram Krishna. Haiku ZBORNIK, Ludbreg, Serbia, 202
2- حاجي، هدى. بين ضفتين. دار العين للنشر، القاهرة، 2017.



#حسني_التهامي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إشكالية التوطين في الهايكو العربي المعاصر
- المساحات البيضاء في مجموعة البابا الطائر لبانيا ناتسواشي
- هكذا - ج4 الهايكو وامبراطورية العلامات
- الحدث
- زخة هايكو
- نص بلا معنى - رولان بارت
- الهايكو وامبراطورية العلامات
- الهايكو ... موسيقى الصورة وشغف الحواس
- هايكو فلسطين
- شعرية الهايكو في ديوان -وثالثهما الريح-
- تاريخ الهايكو
- هايكو كلاسيكي
- الطريق الضيق إلى عمق الشماء ج3
- الطريق الضيق إلى عمق الشمال (ج2) .. ترجمة : حسني التهامي
- أضمومة هايكو
- الطريق الضيق إلى عمق الشمال - ماتسو باشو
- شعرية الصورة بين ثقافتين/ فجر الهايكو يبزغ على الغرب
- اللغة المجازية في الهايكو
- بنية الهايكو (التوريوازةToriawaise )
- خيوط قوس قزح تفقد ألوانها


المزيد.....




- وزارة الموارد المائية والري ووزارة الثقافة تحتفلان بـ«عيد وف ...
- أسبوع القاهرة للتصميم شريكا في موسكو.. تعزيز حضور التصميم ال ...
- 40 فيلما من 13 دولة في مهرجان -ليندوك- السينمائي ببطرسبورغ
- بعد غياب 15 عاما.. راغب علامة يعانق الشام ويسقط كلمات الكراه ...
- لوكارنو يستعيد أفلام هوليوود اليسارية التي تحدّت المكارثية
- مختبر الأفكار.. كيف تصنع الكتابة التفكير وتكشف حقائق ذواتنا؟ ...
- ديمة قندلفت تخوض -كواليس-.. حكاية غامضة بين الصحافة وعالم ال ...
- طرابيش ومكابس ورق.. فنان فلسطيني يوظّف أدوات يومية في صورغير ...
- حكايات شعوب روسيا تتحول إلى مسلسل رسوم متحركة جديد
- -موسكونسيرت- تختتم احتفالاتها بالذكرى الـ95 بحفل في قصر الكر ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسني التهامي - الفجوات البصرية في نص الهايكو