أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - عدنان الصباح - خارطة طريق فلسطينية لفلسطين















المزيد.....


خارطة طريق فلسطينية لفلسطين


عدنان الصباح
(Adnan Alsabbah)


الحوار المتمدن-العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 15:12
المحور: القضية الفلسطينية
    


من إدارة الأزمة إلى استعادة الفاعلية الوطنية

لم تعد المأساة الفلسطينية، وبالأخص مأساة قطاع غزة، مجرد أزمة إنسانية يمكن احتواؤها بمزيد من المساعدات أو البيانات السياسية أو الترتيبات الأمنية المؤقتة، فالدمار الذي أصاب القطاع ليس دماراً في الأبنية والبنية التحتية وحدها، بل أصاب أيضاً القدرة الفلسطينية على إدارة الحياة العامة، وعلى إنتاج القرار، وعلى ممارسة الفعل السياسي المستقل.
ومن هنا يبرز السؤال الذي قد يكون أخطر من سؤال إعادة الإعمار نفسه:
من يملك حق تعريف مستقبل الشعب الفلسطيني
إذا بقي الفلسطينيون مجرد متلقين للخطط الدولية، أو أطرافاً في ترتيبات تُصاغ خارجهم، أو أطرافاً متنازعة فيما بينها على ما تبقى من السلطة، فإن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الحرب أو الاحتلال أو الحصار، بل في تحول الفلسطيني تدريجياً من فاعل سياسي إلى موضوع سياسي، أي إلى شعب تُدار أزمته وتُحدد احتياجاته وتُرسم ترتيبات مستقبله من دون أن يمتلك مركز القرار فيها.
وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه فلسطين اليوم.
المطلوب، إذن، ليس منافسة المبادرات الدولية بمبادرة فلسطينية أخرى، ولا رفض كل تدخل خارجي، ولا الدخول في مواجهة جديدة بين الفلسطينيين، وإنما بناء مبادرة فلسطينية جامعة تجعل أي ترتيبات دولية أو عربية لاحقة تمر عبر بوابة فلسطينية واضحة، ذات شرعية اجتماعية وسياسية، وقابلة للمساءلة.
فالسياسة الدولية تتعامل في نهاية المطاف مع من يستطيع أن يقول: هذا هو الموقف الفلسطيني، وهذه هي مؤسساته، وهذه هي قواعد انتقاله السياسي، وهذه هي مسؤولياته وحقوقه.
ومن هنا تنطلق هذه الخارطة من فكرة بسيطة لكنها عميقة:
قبل أن يطالب الفلسطيني العالم بأن يعترف بحقه في المستقبل، عليه أن يستعيد قدرته على تنظيم هذا المستقبل سياسياً ومؤسسياً.
أولاً: الانتقال من فراغ السلطة إلى شرعية الإدارة.
أخطر ما يمكن أن يحدث في غزة بعد كل ما جرى هو نشوء فراغ طويل في الإدارة، فالفراغ لا يبقى فراغاً، وفي المجتمعات المنهكة بالحرب، يمكن أن يتحول سريعاً إلى تعدد مراكز القوة، أو اقتصاد ظل، أو نفوذ عائلي وفصائلي، أو فوضى أمنية، أو اعتماد كامل على الجهات الخارجية التي تقدم الغذاء والخدمات والأمن وهو ما يخطط له الاحتلال أن يكون.
ولهذا فإن الأولوية الأولى يجب أن تكون منع الفراغ الإداري، خصوصا بعدان قدمت الإدارة الحكومية استقالتها للمجتمع المدني والفصائل.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل وجود ترتيبات دولية أُقرت بالفعل لإنشاء إدارة انتقالية فلسطينية تكنوقراطية لقطاع غزة، فقد أقر مجلس الأمن، في القرار 2803 لعام 2025، إطاراً لإدارة انتقالية تشمل لجنة فلسطينية تكنوقراطية من سكان القطاع لإدارة الخدمات والشؤون المدنية اليومية، كما أعلنت الأمم المتحدة أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة بدأت عملها في يناير/كانون الثاني 2026.
وفي مايو/أيار 2026، أفاد تقرير للأمم المتحدة بأن اللجنة الوطنية لإدارة غزة تشكلت من فلسطينيين تكنوقراط من القطاع، وأنها بدأت الإعداد لتولي مسؤوليات الاستقرار والتعافي وإعادة الإعمار، إلا أن الإطار المؤسسي ظل في طور التطور ولم تكن الصلاحيات الفعلية قد استقرت بصورة كاملة وبقيت هذه اللجنة مجرد أسماء غائبة عن الأرض والفعل والقدرة وليست تشبه شيء إلا لهايات الأطفال الرضع.
وهنا ينبغي أن يكون الموقف الفلسطيني أكثر دقة من مجرد القبول أو الرفض، فالمطلوب ليس إنشاء إدارة فلسطينية موازية للإدارة الانتقالية القائمة، بل ضمان أن تكون عملية الانتقال ذات ملكية فلسطينية حقيقية، وأن لا يتحول الفلسطينيون إلى مجرد موظفين في ترتيبات يقررها الآخرون، ولا منتظرين لإدارة قد لا تأتي ابدا، ومن هنا يمكن تشكيل مجلس فلسطيني مدني استشاري وانتقالي واسع التمثيل، يعمل بالتنسيق مع الإدارة الانتقالية القائمة والفصائل والسلطة والمنظمة ، ولا ينافسها على الصلاحيات.
يتكون هذا المجلس من:
شخصيات وطنية مستقلة.
ممثلين عن النقابات والاتحادات المهنية.
ممثلين عن الجامعات والقطاع التعليمي.
ممثلين عن الشباب والنساء.
ممثلين عن مؤسسات المجتمع المدني.
المثقفين والإعلاميين
شخصيات اقتصادية ومهنية.
ممثلين عن البلديات والهيئات المحلية.
شخصيات اجتماعية وعائلية، مع ضمان ألا تتحول العائلة أو العشيرة إلى بديل عن المؤسسة السياسية.
على أن تكون مهمته الأساسية استتباب العمل الإداري الحكومي وحالة وسيطة مع الإدارة الانتقالية أتناء غيابها، ومواصلة مراقبة أدائها إن حضرت، ونقل احتياجات المجتمع إليها، والمساعدة في بناء المؤسسات التي ستسلم إليها مسؤولية الحكم مستقبلاً، وبهذا يتحول المجتمع من متلقٍّ للمساعدة إلى شريك في إدارة المرحلة الانتقالية.
ثانياً: شرعية الإدارة لا تُمنح، بل تُكتسب
لا تكفي تسمية أي لجنة بأنها "وطنية" كي تصبح شرعية، فالشرعية السياسية لا تأتي من الأسماء، ولا من البيانات، ولا من عدد الفصائل التي توافق على تشكيل مؤسسة ما، وإنما من أربعة عناصر متلازمة:
التمثيل، والشفافية، والمساءلة، والقدرة على الإنجاز.
ولذلك ينبغي أن تلتزم أي مؤسسة انتقالية فلسطينية بمجموعة من القواعد الواضحة:
نشر أسماء أعضائها واختصاصاتهم.
إعلان مدة عملها وصلاحياتها.
نشر قراراتها وميزانيتها ومصادر تمويلها.
إنشاء آلية مستقلة لتلقي شكاوى المواطنين.
منع تضارب المصالح.
ضمان تمثيل النساء والشباب وأصحاب الكفاءات.
إخضاع المساعدات وإعادة الإعمار لنظام رقابة مالي مستقل.
الالتزام بعدم استخدام المؤسسات المدنية لخدمة أي جهة دون غيرها.
وهنا تكمن نقطة جوهرية:
إذا أراد الفلسطينيون إقناع العالم بأنهم قادرون على إدارة دولتهم غدا، فعليهم أن يقدموا نموذجاً مصغراً للدولة التي يريدونها، فقد راهن الاحتلال دوما على أن الفلسطينيين لا يستطيعون إدارة " حارة " لا دولة، فالدولة الفلسطينية المستقبلية لا تبدأ يوم إعلان الاستقلال فقط، إنها تبدأ من طريقة إدارة مدرسة، ومستشفى، وبلدية، وميناء، ومعبر، ومال وغيره.
ثالثاً: عقد اجتماعي فلسطيني جديد
لا يمكن بناء شرعية وطنية في ظل انقسام يرى فيه كل طرف أن انتصار خصمه يعني هزيمته بل وهزيمة فلسطين، ولهذا فإن المطلوب ليس مجرد "مصالحة" بالمعنى التقليدي، بل عقد اجتماعي وطني جديد، ويقوم هذا العقد على مبدأ أن الخلاف السياسي حق، لكن تحويل الخلاف إلى عنف داخلي جريمة سياسية ووطنية.
ويجب أن يتضمن، في حده الأدنى:
تحريم الانتقام السياسي.
حماية المدنيين من أي اعتداء داخلي.
منع الاعتقال على أساس الانتماء السياسي.
منع استخدام السلاح في الخلافات الداخلية.
رفض تحويل الانتماء العائلي أو المناطقي إلى ولاء سياسي بديل.
حماية حرية التعبير والصحافة.
ضمان حق التنظيم السياسي والنقابي.
تحريم التحريض على الكراهية والاقتتال الداخلي.
الاتفاق على أن تداول السلطة لا يكون بالقوة.
وهنا يمكن الاستفادة من تجربة رواندا، ولكن بحذر شديد.
فرواندا لم تحل مشكلتها بمجرد إعلان المصالحة، بل أنشأت بعد الإبادة مؤسسات وبرامج للعدالة والمصالحة وإعادة بناء الهوية الوطنية، وأُنشئت في عام 1999 لجنة الوحدة والمصالحة الوطنية، كما استخدم نظام المحاكم المجتمعية " غاكاكا " لمعالجة عدد هائل من القضايا، في محاولة للجمع بين العدالة والحقيقة والمصالحة وإعادة دمج المجتمع، والدرس الفلسطيني من التجربة ليس تقليد النموذج الرواندي، بل فهم مبدأ واحد:
المجتمع الخارج من كارثة كبرى لا يستطيع أن يعيش طويلاً على منطق الثأر؛ فهو يحتاج إلى مؤسسات للحقيقة والعدالة والمصالحة تمنع انتقال الصراع إلى الجيل التالي.
ومن هنا يمكن التفكير فلسطينياً في هيئة وطنية للحقيقة والمصالحة المجتمعية، لا تكون بديلاً عن القضاء، ولا أداة للعفو السياسي، وإنما منصة لتوثيق الانتهاكات، والاستماع إلى الضحايا، وتسوية بعض النزاعات المجتمعية، ومنع الانتقام، وإعادة بناء الثقة.
رابعاً: السلاح ليس السؤال الوحيد، السؤال هو من يملك القرار الوطني
ربما تكون قضية السلاح من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً في الواقع الفلسطيني، ولذلك فإن طرحها منذ البداية بصيغة " تسليم السلاح " وحدها قد يجعل أي نقاش وطني مستحيلاً قبل أن يبدأ، فالسؤال الأعمق ليس فقط: ماذا نفعل بالسلاح؟ وإنما: من يملك القرار الوطني بشأنه، وتحت أي شرعية، ولأي هدف، وإلى متى؟
لقد جاء السلاح الفلسطيني، في مراحل مختلفة من التاريخ، تعبيراً عن واقع الاحتلال والعجز عن تحقيق الحقوق الوطنية بالوسائل السياسية وحدها، ودفع الشعب الفلسطيني ثمناً باهظاً من التضحيات والمعاناة في سبيل قضيته، لكن التجربة نفسها تفرض اليوم سؤالاً جديداً: إذا كان العالم يقر بحق الفلسطينيين في الحرية وتقرير المصير، وإذا كانت القضية الفلسطينية قد راكمت رصيداً قانونياً وأخلاقياً وسياسياً واسعاً، فلماذا لا تتحول هذه الشرعية نفسها إلى مصدر للقوة الفلسطينية؟ ولماذا يُطلب من الفلسطيني دائماً أن يناقش ما ينبغي أن يتخلى عنه، بينما لا يُطرح بالقدر نفسه السؤال عما ينبغي أن يحصل عليه في المقابل؟
وهنا يجب التمييز بين ثلاثة أمور: حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال وفق قواعد القانون الدولي، وحقه في امتلاك قرار وطني مستقل، وضرورة إخضاع أدوات القوة جميعها، بما فيها السلاح، لقرار وطني شرعي ومسؤول، فالمشكلة ليست في اختزال المقاومة بالسلاح، ولا في اعتبار السلاح غاية في ذاته، وإنما في غياب إطار وطني جامع يحدد وظيفة القوة وحدود استخدامها والجهة التي تملك قرارها.
ومن هنا فإن التحدي الفلسطيني لا ينبغي أن يُصاغ باعتباره اختياراً بين " السلاح " و " الاستسلام "، وإنما باعتباره انتقالاً من تعدد أدوات القوة وقراراتها إلى قوة وطنية متعددة الأدوات، يكون فيها القانون والشرعية الشعبية والوحدة الوطنية والمقاومة المدنية والدبلوماسية والإعلام والاقتصاد أدوات قوة متكاملة، ويصبح السلاح، حيثما بقي موجوداً، خاضعاً لقرار وطني واضح وليس لقرار فصيل أو جماعة أو منطقة، وليس بالتأكيد لقرار يأتي من الأعداء.

وهذا يقود إلى إمكانية معالجة أزمة السلاح فلسطينياً، وبأيدٍ فلسطينية، بدلاً من تحويلها إلى شرط خارجي أو معركة داخلية جديدة، ويمكن أن تبدأ العملية بتهيئة بيئة وطنية قائمة على الثقة والمصالحة الشاملة السياسية والاجتماعية والثقافية والضمانات المتبادلة، ثم فتح حوار فلسطيني واسع حول مستقبل السلاح وأدوات القوة، بمشاركة شعبية ومجتمعية حقيقية، وبإشراف هيئة وطنية انتقالية ذات قبول واسع، بحيث لا يُفرض الحل على الناس ولا يُنتزع منهم بالقوة.
وعند الوصول إلى توافق وطني، يمكن أن تصبح عملية جمع السلاح أو تعطيله أو إخراجه تدريجياً من الحياة السياسية والعسكرية قراراً فلسطينياً جماعياً ومعلناً، يتحول فيه السلاح من رمز للانقسام والخوف إلى رمز وطني جامع يتوحد الجميع على آلية التعاطي معه وطنيا، كأن يصبح مادة لإعادة الاستخدام المدني والإنساني بصورة آمنة ورمزية، والأهم من مصير السلاح نفسه أن يقرر الفلسطينيون، لأول مرة، أن أدوات القوة كلها يجب أن تخدم هدفاً وطنياً واحداً، وأن القرار الوطني لا يجوز أن يكون رهينة للسلاح ولا لأعداء السلاح، كما لا يجوز أن يكون السلاح بديلاً عن القرار الوطني الجمعي بل خادما له.
وهذه هي النقطة الفارقة: المطلوب ليس أن يتخلى الفلسطينيون عن القوة، بل أن يعيدوا تعريف القوة الفلسطينية، وأن ينتقلوا من قوة السلاح إلى قوة القضية، ومن تعدد القرارات إلى القرار الوطني الواحد، ومن المقاومة بوصفها رد فعل على الاحتلال إلى استراتيجية وطنية قادرة على تحويل الحق الفلسطيني إلى قوة سياسية وأخلاقية وقانونية يلتف حولها العالم.
خامساً: جنوب أفريقيا — ماذا نتعلم، وماذا لا نتعلم؟
تُستدعى تجربة جنوب أفريقيا كثيراً في النقاش الفلسطيني، ولكن المقارنة الصحيحة ليست أن الفلسطينيين يجب أن يصبحوا " جنوب أفريقيا أخرى "، فالتجربة أكثر تعقيداً من ذلك.
فإنهاء نظام الفصل العنصري لم يكن نتيجة عامل واحد، لقد تداخلت مقاومة داخلية واسعة، وضغط دولي، وعقوبات، وأزمة سياسية واقتصادية، ثم مفاوضات، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وصولاً إلى الانتخابات الديمقراطية عام 1994.
وتظهر وثائق الأمم المتحدة أن الانتقال الجنوب أفريقي في سنواته الأخيرة قام على التفاوض والاتفاقات السياسية، مع استمرار الضغط الدولي، ثم جرت أول انتخابات ديمقراطية غير عنصرية في أبريل/نيسان 1994 وتولت الحكومة المنتخبة السلطة في مايو/أيار من العام نفسه.
والدرس الذي يمكن أن تستفيده فلسطين هو أن الشرعية تصبح قوة عندما تتحول إلى مؤسسات سياسية قادرة على تمثيل المجتمع والتفاوض باسمه، فالشرعية الدولية وحدها لا تكفي، والشرعية الشعبية وحدها لا تكفي، والقوة المسلحة وحدها لا تكفي.
التحول الحقيقي يحدث عندما تتقاطع: شرعية الشعب + التنظيم السياسي + القدرة المؤسسية + الضغط الدولي + أفق سياسي قابل للتحقق.
سادساً: الهند — قوة المقاومة الشعبية لا تعني غياب السياسة
أما الهند، فلا ينبغي تقديمها باعتبارها قصة " غاندي انتصر بالسلم "، فحركة الاستقلال الهندية كانت أوسع بكثير من شخص واحد أو أسلوب واحد، وشهدت أشكالاً متعددة من النضال السياسي والاجتماعي، وكان العصيان المدني أحد أهم أدواتها، وتوضح وثائق تاريخية أميركية أن حركة العصيان المدني الجماهيري بقيادة غاندي في الأربعينيات أدت إلى اعتقالات واسعة لقادة الحركة، وأصبحت قضية الاستقلال جزءاً من أزمة سياسية كبرى داخل الحكم البريطاني.
الدرس الأهم هنا هو أن المقاومة الشعبية تصبح قوة سياسية عندما تكون منظمة، ذات قيادة واضحة، وأهداف محددة، وقواعد انضباط، وقادرة على تحويل التعاطف الأخلاقي إلى ضغط سياسي، وهذا هو الفرق بين الاحتجاج العفوي" الانتفاضة " والاستراتيجية الوطنية.
سابعاً: إعادة تعريف المقاومة الشعبية الفلسطينية
إذا فشل المسار السياسي، أو استمر المجتمع الدولي في التعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم مجرد مشكلة أمنية أو إنسانية، فإن فلسطين تحتاج إلى إعادة بناء أدوات مقاومتها الشعبية والسياسية، لكن المقاومة الشعبية المقصودة هنا ليست اندفاعاً عشوائياً نحو المواجهة، ولا تعريض المدنيين للخطر، ولا تحويل الأطفال إلى أدوات سياسية، بل أن الضرورة تقتضي قرارا وطنيا واعيا، يفسح المجال لظهور آليات كفاح جديدة ومبتكرة، والتوقف عن تكرار آليات لم تمنح القضية خطوة واحدة إلى الأمام، وهو ما يعني فتح أوسع نقاش وطني حول كل المراحل التي مررنا بها، وإعادة تقييمها بعيدا عن الشعارات العاطفية والخطابات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
إنها حركة مدنية منظمة، تقوم على المشاركة الشعبية، والإعلام، والتوثيق، والمقاطعة المدنية والمشاركة الشعبية العالمية حيث تكون قانونية ومنظمة ومناسبة، والإضرابات، والفعاليات الجماهيرية، والعمل القانوني، والتحرك الدبلوماسي، والتواصل مع البرلمانات والجامعات والنقابات والمنظمات الحقوقية في العالم.
ويجب أن تكون لها قيادة سياسية واضحة، وقواعد انضباط، ومدونة سلوك، وفريق قانوني وإعلامي، وآلية مستقلة لتوثيق الانتهاكات، وهو ما يعني، أن الفوضى لا يمكن أن تنتج ثورة، أيا كانت خطاباتها وآليات عملها وأهدافها المعلنة لفظا، فلا يكفي ان نسمي نعلن عن اسم الانتفاضة " انتفاضة الأقصى " مثلا، ثم ينتهي بنا المطاف أبعد كيثرا عن الأقصى، وبجدار عنصري يخرج الأقصى والقدس من كل الدائرة، ومع ذلك نعاود تكرار نفس الفعل، أو نجعل تكراره مطلبا بلا تقييم، ولا قراءة ولا نقد، فالعمل الكفاحي وغيره هو فعل دنيوي يجب إخضاعه للنقد قبل أي خطوة تستند إليه.
وهنا ينبغي أيضاً تصحيح إحدى الصور الشائعة: سقوط جدار برلين لم يكن نتيجة احتجاج واحد، كما أن نهاية الفصل العنصري لم تكن نتيجة حملة واحدة، لكن في الحالتين، تحولت الشرعية السياسية والاجتماعية إلى عامل ضغط عندما ترافقت مع أزمة في النظام القائم وتغيرات دولية واسعة.
ثامناً: تحويل المجتمع الدولي من مدير للأزمة إلى شريك في الحل
لا ينبغي أن يكون الموقف الفلسطيني من المجتمع الدولي قائماً على انتظار " الضمير الدولي "، فالمجتمع الدولي لا يتحرك دائماً لأن قضية ما عادلة، وإنما يتحرك عندما تتقاطع العدالة مع المصالح، والضغط الشعبي، والقانون، والاستقرار، والقدرة السياسية على إنتاج البديل.
تاسعا: قبول العرب والمسلمين على ما هم عليه
يجب التوقف عن كيل الشتائم للعرب والمسلمين وحتي غيرهم أحيانا، والتعاطي مع الأمر على قاعدة الحصول على ما امكن من دعم ممن امكن، إن ذلك يجعل الاستفادة من التعاطف ممكنا، بل ويسهل على الجميع المشاركة بالضغط السياسي والاقتصادي على الاحتلال والنظام الرسمي العالمي، كل حسب إمكانياته الرسمية وما يتاح من فعل شعبي، لا يضعف استقرار بلد ولا يعرض نظامه للخطر بسبب القضية الفلسطينية، مما يجعل أبواب الجميع مفتوحة لنا بلا استثناء فليس من الجائز قبول التطبيع والعلاقة مع الاحتلال من جهة والاقتراب منها، ورفضها من قبل جهة أخرى بل ومحاربتها، مما يجعلنا نخسر الطرفين، فلا المطبع معنا أصلا، ولا غير المطبع مستعد لان يحالفنا خشية الخسارة.
ولهذا يجب أن يكون للمبادرة الفلسطينية ملف مطالب واضح وقابل للقياس، ومن بينها:
حماية المدنيين يأتي بالحصول على حقوقهم وفق القانون الدولي وليس بقوات عسكرية غريبة.
ضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.
ضمان حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية.
تمكين المؤسسات الفلسطينية المدنية من العمل.
تمويل إعادة الإعمار عبر آليات شفافة وخاضعة للرقابة الفلسطينية والدولية.
رفض أي تهجير قسري للسكان.
وضع جدول سياسي واضح لإنهاء الاحتلال وتحقيق الحقوق الوطنية الفلسطينية.
الحفاظ على وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس سياسياً وإدارياً.
تمهيد الطريق أمام تجديد الشرعية الفلسطينية عبر انتخابات حرة.
عاشرا: إعادة بناء منظمة التحرير لا تجاوزها
من الأخطاء الاستراتيجية أن يُفهم مشروع إعادة بناء غزة باعتباره مشروعاً منفصلاً عن فلسطين،فغزة ليست دولة منفصلة، والضفة ليست كياناً سياسياً آخر، والشتات ليس هامشاً للقضية، لذلك ينبغي أن يكون أحد أهداف المرحلة الانتقالية إعادة بناء التمثيل الوطني الفلسطيني كله.
وهذا يعني إعادة تنشيط منظمة التحرير الفلسطينية على أسس أكثر تمثيلاً، وتوسيع قاعدة المشاركة فيها، وإعادة بناء المجلس الوطني بصورة تدريجية، وفتح الباب أمام القوى السياسية والمجتمعية التي أصبحت جزءاً من الواقع الفلسطيني، مع صياغة " البرنامج الوطني " والاعتراف بالحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، والهدف النهائي هو أن يصبح هناك عنوان فلسطيني واحد يستطيع أن يتحدث باسم الشعب، لا خمسة عناوين متنافسة تتحدث باسمه.
حادي عشر: الشرعية تُختبر في صندوق الاقتراع
لا يمكن الحديث عن " شرعية شعبية " ظلت تعتمد على التاريخ، فمن يقودون باسم التاريخ لم يعودوا هم انفسهم، ولا التاريخ يظل نفسه إلى ما لا نهاية، فلا شرعية أبدية دون العودة إلى الشعب نفسه، لذلك يجب أن تكون الانتخابات جزءاً أصيلاً من خارطة الطريق، لا وعداً مؤجلاً، لكن الانتخابات لا ينبغي أن تُجرى باعتبارها مجرد عملية تقنية، بل باعتبارها المرحلة التي تنقل الشرعية من المؤسسات الانتقالية إلى المؤسسات المنتخبة.
ويبدأ ذلك بالانتخابات المحلية والمهنية، ثم الانتخابات التشريعية والرئاسية، ثم إعادة بناء المجلس الوطني الفلسطيني وفق صيغة تمثيلية متوافق عليها.
فالشرعية الانتقالية لها وظيفة واحدة:
أن تنقل الشعب من الفراغ إلى المؤسسات، ومن المؤسسات المؤقتة إلى المؤسسات المنتخبة وتكون الديمومة للمؤسسة لا لمن يديرها.
ثاني عشر: ماذا لو رفضت الأطراف الخارجية هذا المسار؟
هذه هي النقطة التي تجعل الخطة مختلفة عن مجرد مبادرة حسن نية.
إذا كان الفلسطينيون قادرين على تنظيم أنفسهم، وتشكيل مؤسسات شفافة، وتقديم نموذج إداري قابل للحياة، ثم رفض المجتمع الدولي التعامل معهم كشريك سياسي، فإن المسؤولية تصبح أوضح.
عندها يستطيع الفلسطينيون أن يقولوا للعالم:
لقد قمنا بما نستطيع القيام به داخل بيتنا؛ فهل أنتم مستعدون للقيام بما عليكم خارج بيتكم لصالح العدالة الدولية والاستقرار الدولي؟
وهذا أكثر قوة من مجرد مطالبة المجتمع الدولي بالتدخل.
فالشرعية لا تعني أن الفلسطينيين يتحملون مسؤولية الاحتلال.
والإصلاح الداخلي لا يعني تبرئة المحتل.
وبناء المؤسسات الفلسطينية لا يعني إسقاط حق الفلسطينيين في التحرر والاستقلال.
بل العكس تماماً:
كلما أصبح الفلسطيني أكثر قدرة على إدارة نفسه، أصبح من الأصعب على أي طرف أن يستخدم فوضى الواقع ذريعة للوصاية عليه.
فلسطين لا تحتاج إلى وصاية جديدة، أو استبدالها بالحماية الدولية أو أية تخريجه أخرى كمجلس السلام وما شابه، التي تبقي الحال على ما هو عليه، بحيث يتم تكريس الاحتلال على كل الأرض الفلسطينية بأشكال مختلفة توصلنا لإضاعة الأرض والشعب والقضية، كأن يحكم مجلس السلام غزة تمهيدا لجعلها مستعمرة أمريكية بقرار أممي " قرار مجلس الآمن 2803 “ وتدار الضفة عشائريا، وتضيع القدس، إلى أن يصبح الحديث عن زواله كالحديث عن عودة الهنود الحمر للحصول على حقهم الذي لم يعد احد يعترف به أصلا.
المشكلة الفلسطينية اليوم ليست فقط أن هناك احتلالاً وحرباً ودماراً وانقساماً.
المشكلة الأعمق أن الفلسطينيين يواجهون خطر فقدان قدرتهم على أن يكونوا أصحاب المبادرة في تحديد مستقبلهم، ولهذا فإن المعركة المقبلة يجب ألا تكون معركة السيطرة على غزة، ولا معركة تسجيل النقاط بين الفصائل، ولا معركة من يملك السلاح أكثر.
إنها معركة من يستطيع أن يقدم نفسه باعتباره صاحب المشروع الوطني الفلسطيني الأكثر قدرة على حماية الإنسان، وإعادة بناء المؤسسات، وتوحيد المجتمع، وتمثيل الشعب، والتفاوض باسمه.
إن فلسطين لا تحتاج إلى سلطة أقوى على الفلسطينيين، بل إلى مؤسسات أقوى للفلسطينيين، ولا تحتاج إلى إلغاء الفصائل، بل إلى وضع العمل الفصائلي داخل إطار وطني لا يسمح لأي فصيل بأن يكون بديلاً عن الشعب.
ولا تحتاج إلى التخلي عن المقاومة، بل إلى إعادة تعريف القوة الفلسطينية بحيث لا تكون القوة المسلحة منفصلة عن القرار السياسي، ولا يكون القرار السياسي منفصلاً عن الشرعية الشعبية.
ولا تحتاج إلى انتظار العالم كي يمنحها الشرعية، بل إلى بناء شرعية فلسطينية تجعل العالم مضطراً إلى التعامل معها.
لقد أثبتت تجارب التاريخ أن الشعوب لا تغير موازين القوى بمجرد امتلاكها للألم، وإنما عندما تحول الألم إلى تنظيم، والتنظيم إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى شرعية، والشرعية إلى قدرة سياسية.
وهنا تبدأ خارطة الطريق الحقيقية لفلسطين:
ليس من السؤال كيف نحكم غزة،
بل كيف يستعيد الفلسطينيون حقهم في حكم أنفسهم.
وليس من السؤال من ينتصر على من داخل فلسطين،
بل كيف تنتصر فلسطين على الانقسام والفراغ والوصاية.
وليس من السؤال كيف ندير الأزمة إلى أجل غير مسمى،
بل كيف نحول هذه اللحظة التاريخية القاسية إلى بداية لاستعادة الفاعلية الوطنية.
فاستعادة الأرض تحتاج إلى قوة، وبناء الدولة تحتاج إلى مؤسسات، واستعادة القرار تحتاج إلى وحدة، واستعادة المستقبل تحتاج أولاً إلى شعب قادر على أن يقول: نحن هنا، ونحن من يقرر ماذا نريد وكيف نصل.



#عدنان_الصباح (هاشتاغ)       Adnan_Alsabbah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما قبل الدولة ... ما بعد الدولة
- تنتصر إيران بالثبات على مشروعها الأصيل
- أًمة، أم أًمتان، أم أَمَة؟
- البحر الميت يعود إلى الحياة
- فليصدق الرائدُ أهله يا طهران
- أدركوا هزيمتهم فهل ندرك نجاحنا
- جوزيف عون وشارل مالك... الحقيقة وحرية لبنان
- إمبريالية المعرفة 19
- طهران وواشنطن ... ثبات المقاتل هشاشة المقامر
- مذكرة تفاهم أم فخاخ وخدع
- هل تنجح امريكا في صنعة الخديعة من جديد
- غزة ... نزع الأرواح بحجة نزع السلاح
- مؤتمر فتح الثامن نفس الخطاب والأدوات لواقع مختلف
- ليكن جوعكِ سلاحكِ يا غزة
- اقرئي درس غزة جيدًا يا طهران
- إمبريالية المعرفة 18
- النصر للمقاومة… الوحدة لفتح… وطول العمر للرئيس
- إمبريالية المعرفة 17
- عصر الفطام العالمي وأفول الهيمنة
- حرب أيام أربعة أم آلاف اربعة؟


المزيد.....




- هل تهدّد الحرارة المرتفعة عطلتك الصيفية وكيف تؤثر في رحلتك ا ...
- تخريب نصب تذكاري للحرب العالمية الثانية في واشنطن.. من الفاع ...
- بوتين يعقد اجتماعا مع أعضاء مجلس الأمن الروسي
- القوات الأمريكية والأوكرانية وجهاً لوجه في مناورة عسكرية.. و ...
- عودة السوريين من تركيا تتسارع بعد سقوط الأسد.. وزير يكشف أرق ...
- راما دواجي تزور سوريا ولبنان: -سوء تفاهم- مع شرطة مدينة نيوي ...
- ترامب يصف نتنياهو بـ-أسوأ عدو لنفسه-
- ليبيا.. ترتيبات أمنية جديدة في الزاوية بقيادة رئاسة الأركان ...
- رومانيا.. سقوط مسيّرة مجهولة على بعد 5 كيلومترات من حدود أوك ...
- زاخاروفا: سلطات مولدوفا تتصرف وفقا لنهج النازيين في كييف


المزيد.....

- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - عدنان الصباح - خارطة طريق فلسطينية لفلسطين