أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علاء اللامي - بول كولينز يلتقي بنائل حنون نظرياً: السومريون ليسوا شعباً بل لغة















المزيد.....


بول كولينز يلتقي بنائل حنون نظرياً: السومريون ليسوا شعباً بل لغة


علاء اللامي

الحوار المتمدن-العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 10:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


صدر كتاب "السومريون - الحضارات المفقودة" للباحث البريطاني بول كولينز بلغته الأصلية في آذار 2022، وصدرت ترجمته العربية ببغداد في العام الماضي من قبل المترجم د. جمعة الطلبي. أي إنَّ ترجمة الكتاب ما تزال طازجة، في بادرة نأمل أن تتكرر ليكون للمكتبة العراقية مترجموها المتمكنون في اللغات الحية والقديمة المهمة والعارفون بتراث بلادهم. ومع أن المترجم يتحفظ على التوجه العام للكتاب، ويتبنى المفاهيم القديمة السائدة بخصوص السومريين، وهذا من حقه تماماً، ولكن ترجمته جاءت سلسة ومحكمة لغةً واصطلاحاً. هذه مقاربة للكتاب ومقارنة مضمونه له بكتاب نائل حنون الذي كنا قد توقفنا عنده في قراءة نقدية قبل ثلاثة أعوام تقريباً . (1)
منطلقات مختلفة ونتائج متطابقة
مؤلف الكتاب، بول كولينز باحث معروف، وهو رئيس المعهد البريطاني لدراسات العراق القديم، وأمين عام قسم دراسات الشرق الأدنى القديم في متحف أشموليان. في هذا الكتاب يناقش كولينز نقدياً مقولات ما سميَّ الهوية القومية السومرية ويفندها من خلال طرحه لرؤية نقدية خاصة. تحاول هذه الرؤية أن توضح كيف جرى تجميع وإعادة اختراع مفهوم ومصطلح "الشعب السومري"، بناءً على الانحيازات والأفكار القومية الحديثة لعلماء الآثار الأوروبيين في القرن التاسع عشر وبدايات العشرين.
عبر قراءة صبورة ومتعمقة في الأدلة والسياقات والآليات يحاول المؤلف تأكيد أن الهوية السومرية التي جرى تخيُّلها وإنتاجها كانت مندغمة بالأفكار الأوروبية الصاعدة عن القوميات في غضون القرنين الماضيين لدى الباحثين الأوروبيين المعنيين. وإنَّ تلك الرؤية المتشحة بالفكر القومي السائد في الثقافة الأوروبية آنذاك لا تنطبق على السياق المجتمعي والإنساني في الشرق ومنه العراق القديم قبل أكثر من خمسة آلاف سنة لأنه لم يشهد تلك التجربة العرقية القومية التي شهدتها أوروبا الخارجة من ظلام القرون الوسطى الإقطاعية.
يأتي كتاب كولينز بعد 14 عاما على صدور كتاب مشابه له في المضامين والتوجهات والنتائج للباحث العراقي د. نائل حنون هو "حقيقة السومريين ودراسات أخرى"، صدرت طبعته الأولى عن دار الزمان بدمشق عام 2007. وفيه فتح حنون ملف الهوية السومرية مجدداً مستعيناً بخبرته كمنقب آثار ذي إنجازات كبيرة، وكلغوي يجيد التحدث والقراءة والكتابة باللغتين السومرية والأكدية وألَّف فيهما معجما، ليُدَعِّم فرضيته التي تقول إنَّ السومريين ليسوا شعباً أو هوية قومية بل لغةَ كتابةٍ معقدة بالدرجة الأولى وجدت قبل العهد الأكدي بعدة قرون.
في كتابه هذا يذكِّر كولينز بالفرضيتين الخاصتين بالسومريين؛ الأولى القائلة بأنهم شعب ذو هوية قومية ولغة خاصة به، وقال بهذه النظرية عدد من الباحثين من أشهرهم يوليوس أوبيرت، أدورد هنكس، ليونارد ولي، صموئيل نوح كريمر. الفرضية الثانية هي الذاهبة إلى إنهم ليسوا شعباً مستقلاً ذا هوية قومية بل هي مجرد لغة كتابة ابتكرها الأكاديون وقال بهذه الفرضية قلة من الباحثين أشهرهم الفرنسي جوزيف هاليفي (1827 - 1917). وكنت قد توقفت عند هذا الموضوع في مقالة سابقة كما أسلفت، ولكنني أعود إليها اليوم بمناسبة صور ترجمة كتاب كولينز حول الموضوع ذاته ومن منطلقات بحثية مختلفة وبأدلة جديدة.
كريمر ومحاولة تهويد السومريين
من المجموعة الأولى انفرد كريمر (1897 - 1990) بفرضية خارقة تذهب إلى أن العبرانيين هم امتداد عبقري سامي للسومريين. حيث قال "من الجائز جداً أن يكون هناك دم سومري جدير بالاعتبار في أسلاف إبراهيم الذين عاشوا لعدة أجيال في أور ومدن سومرية أخرى. أمّا بالنسبة للحضارة والمدنية السومريتين فإنه لا يوجد سبب للشك بأن العبرانيين الأوائل قد تشربوا واستوعبوا الشيء الكثير من أساليب الحياة السومرية العبرانية، وربما كان للقانون العبراني الوارد في (يوشع 202) جذور غير قليلة تمتد تحت تربة بلاد سومر" (2). وهذا كلام، بالرغم من تطعيمه بكلمات احتمالية لا يمكن أن يؤخذ على محمل الجَدِّ من الناحية العلمية. فاليهود (اليهوذاويون، إن شئنا الدِّقة) لم يعيشوا في أور السومرية التي سمَّتها التوراة "أور كسديم"، وترجمت لا ندري كيف إلى "أور الكلدانيين"، بل في بابل الكلدانية. وبين أور السومرية التي نشأت 3800 ق.م والدولة الكلدانية وعاصمتها بابل التي نشأت عام 626 ق.م، وحدوث ما سمي السبي البابلي لسكان دويلة يهوذا سنة 586 ق.م، أقول؛ إنَّ بينهما أكثر من ألفي عام. أي إنَّ السومريين، إذا افترضنا جدلاً أنهم وجدوا كشعب مستقل، يكونون قد انقرضوا أو ذابوا في الشعوب الرافدانية الأخرى خلال الألفي عام التالية. فكيف تسربت الدماء السومرية إلى اليهود المهجَّرين إلى بابل!
أما الفرضيات القائلة بالأصل الآري للسومريين التي يُعَد لورونس واديل، وهو من دعاة التفوق العرقي الآري، من أهم ممثليها فقد اعتمدت على مقارنات لغوية وجماجمية سطحية لم تخلُ من التزوير. فقد تبيّن للعلماء أن واديل كان يحرف نطق الرموز المسمارية السومرية قسراً، لكي يتشابه تلفظها الصوتي مع تلفظ أسماء الملوك والآلهة في الملاحم الهندية (الفيدية). فنُبذت أطروحاته في الأوساط الأكاديمية وعُزلت وصُنفت بوصفها "علماً زائفاً وتاريخاً وهمياً".
أما الحجج المتعلقة بدراسة أشكال جماجم وهياكل عظمية جلبت من جنوب العراق، فقد أثبت السير آرثر كيث، عالم الأنثروبولوجيا البريطاني الشهير الذي عاصر واديل ودخل معه في سجال حامٍ، أن الأدلة الجسدية وبقايا الهياكل العظمية التي عُثر عليها في المقبرة الملكية بأور لا تطابق الخصائص التشريحية للجماعات الآرية. والجديد في هذا الباب أن علم التشريحي والمورثات الجينية الحديث أثبت أن الجماجم والهياكل والرمز الجيني لمن عُدّوا سومريين لا تختلف في شيء عن جينات سائر سكان جنوب العراق القدماء والعرب المعاصرين كما أكد ذلك عالم الجينات الروسي الأميركي أناتولي كليوسوف (3).
وهناك حجج صريحة في عنصريتها فلا تخفي دهشتها من فخامة المعابد "الزقورات" والتماثيل وعلوم الفلك والرياضيات فيصعُب على أصحابها من الباحثين الأوروبيين أن يصدقوا أن مبدعيها شرقيون، فيبادرون إلى تصنيفهم عرقياً كآريين، فالآريون وفق تفكيرهم هم وحدهم القادرون على إبداع هذه الإنجازات المعمارية والفنية الضخمة وليس أبناء المنطقة المحليين في العراق القديم، تبقى هذه الحجج لا قيمة علمية لها ولا تستحق التوقف عندها نقديا!
سلب ونهب استعماري لآثار العراق
خلال استعراضه لأعمال الحفر والتنقيب في عراق العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، يسلط كولينز في كتابه ضوءاً غامراً على الممارسات غير النزيهة للبعثات التنقيبية الأوروبية والأميركية في مواقع الآثار العراقية.
آنذاك، كان العراق الخارج لتوِّه من قرون الاحتلال العثماني الثقيلة، يخطو خطواته الأولى في بناء دولته الفتية التي أُريد لها أن تدور في الفلك الاستعماري البريطاني. وكانت الوزارات العراقية تقاد فعلياً من قبل مستشارين بريطانيين. كانت الآنسة جرترود لوثيان بيل (1868 - 1926) سكرتيرة المندوب السامي بيرسي كوكس، هي الحاكم الفعلي الملقبة بالملكة غير المتوجة للعراق. وهي امرأة متواضعة الإمكانات العلمية، لم تكن جميلة جمالاً باهراً ولكنها كانت كما وصفها بعض معاصريها ذات ملامح جذابة وأنيقة تميزت بشعر أحمر وعيون خضراء وملامح دقيقة وذات حضور طاغٍ وشخصية قوية ومؤثرة. وكانت متقدمة في ميدان اللغات فهي تجيد إلى جانب الإنكليزية العربية، الفارسية، الألمانية، الفرنسية، والإيطالية. كانت تشرف على استخراج الآثار وتقسيمها بين البعثات الآثارية الغربية. بادرت إلى تأسيس متحف بغداد وسيكون نواة للمتحف الوطني العراقي الذي سيسلب منه الاحتلال الأميركي والسلطات العراقية الحليفة له كلمة "الوطني" ليكون اليوم "المتحف العراقي"!
من الأشياء اللافتة في هذا المجال ما نشره كولينز في كتابه مقاطع من رسالة شخصية من الآنسة بيل إلى والدها مؤرخة في 24 آذار / مارس 1924 تخبره فيها ببعض تفاصيل الفوضى اللذين كانا سائدين في مواقع التنقيب. وكيف إنها وجدت المنقبين والباحثين بالبريطانيين والأميركيين مكتئبين ومهمومين لأنهم سيضطرون إلى توزيع القطع الآثارية التي عثروا عليها على طلابهم ولن يبقى لديهم الكثير. فتقرر أن تترك كل شيء للمنقبين يتوزع عليهم بالقرعة. وها هي تكتب:
"فشرحت لهم وأنا أتناول فتات الغداء، ومن دون أن أدري أن هدفي هو ترك الألواح لهم فقد وجدوا مكتبة. ومن ناحية أخرى سوف يضطرون إلى التعويض عن ذلك بالتخلي عن بعض الأشياء الثمينة الأخرى. فقال لي الأستاذ: "ومن يقرر إذا اختلفنا؟"، فقلت له " أنا أفعل". وحينها انفجر ضاحكاً وقال: "هل هذا هو القانون؟". ثم تذهب الآنسة بيل مع ذلك الأستاذ إلى خيمته وتكشف عن جميع الألواح وتتركها كلها له وتأخذ منها قطعة واحدة يرجح أن عليها "أقدم مخطوطة بشرية معروفة". وتضيف: "ثم ذهبنا إلى غرفة صغيرة أخرى. وبدأنا بالخرز والجواهر المستخرجة ثم ذهبنا إلى القلائد. ودحرجنا عملة معدنية وقمنا بالقرعة (الطرة والكتبة). ففاز بها من فاز، تحولنا وتحولنا وهكذا دواليك مع بقية الأشياء" (4). ويُفْهَم من رسالة بيل أنها وزعت قطع الآثار كغنائم على المنقبين بطريقة القرعة وسْط دهشتهم جميعاً. اللافت أن كولينز حين يروي لنا هذه التفاصيل في كتابه فهو يفعل ذلك دونما انفعال أو تعجب، أو إدانة وكأن ما يرويه شيء طبيعي لا يستحق التعجب!
إنَّ طريقة تقسيم الغنائم بين البعثات التنقيبية العلمية بالقرعة على طريقة رعاة البقر (الكاوبوي) لم تكن حالة نادرة أو شاذة. ويخبرنا كولينز أن الآنسة بيل، وتحت ضغط الموظفين العراقيين كما يبدو، اضطرت فيما بعد لتكون أقل كرماً مع المنقبين الأجانب. فوضعت قانوناً مرتجلاً لتوزيع الغنائم الآثارية، ينص على أن تَنقل كلُّ بعثة أجنبية الآثار التي تعثر عليها إلى متحف بغداد الذي تديره هي نفسها، وهناك تقسم "الغنائم" مناصفة بين العراق والبعثة! ويبدو أن هذا القانون ظل يطبق بشكل فضفاض ومتساهل جدا مع البعثات حتى حدث ما سميت بفضيحة الأربجية سنة 1931 أي بعد وفاة بيل سنة 1926.
وخلاصتها إنَّ عالم الآثار الألماني توماس جوردان أو البريطاني ليونارد ولي - كما يصحح لنا المترجم العراقي- حاول أن يشحن ما عثر عليه من لُقى أثرية في تل الأربجية الأثري إلى بلده مباشرة من دون مراعاة القانون العراقي الجديد. كان هذا القانون يعطي مَن يعثر على قطع أثرية نسخ طبق الأصل منها فقط، أما النسخ الأصلية فيجب أن تبقى في العراق. فاحتجت السلطات العراقية على هذه المحاولة لتهريب الآثار ومنعت تصدير الشحنة. وهنا استشاط البريطاني ليونارد ولي غضباً وقرر المغادرة العراق بلا عودة احتجاجاً، لا سيما وأن القانون العراقي الجديد يوجب أيضاً على البعثات الأجنبية وجود مفتش آثاري عراقي في أي موقع آثاري يعمل فيه أجانب!
فضيحة الأربجية 1931
عن طريقة تقسيم الغنائم بين البعثات التنقيبية العلمية، يخبرنا كولينز أن الآنسة بيل، وتحت ضغط الموظفين العراقيين كما يبدو، اضطرت إلى أن تكون أقل كرماً مع المنقبين الأجانب. فوضعت قانوناً مرتجلاً لتوزيع الغنائم الآثارية، ينص على أن تنقل كل بعثة أجنبية الآثار التي تعثر عليها إلى متحف بغداد الذي تديره هي، وهناك تُقَسَّم "الغنائم" مناصفة بين العراق والبعثة! ويبدو أن هذا القانون ظل يطبق بشكل فضفاض ومتساهل جدا مع البعثات حتى حدث ما سميت بفضيحة الأربجية سنة 1931 أي بعد وفاة بيل سنة 1926.
خلاصتها؛ أن عالم الآثار الألماني توماس جوردان أو - كما يصحح لنا المترجم العراقي - البريطاني ليونارد ولي حاول أن يشحن ما عثر عليه من لُقى أثرية في تل الأربجية الأثري في سهل نينوى إلى بلده مباشرة من دون مراعاة القانون العراقي الجديد الذي يعطي لمن يعثر على قطعة أثرية نسخة طبق الأصل منها فقط، أما النسخة الأصلية فيجب أن تبقى في العراق. فاحتجت السلطات العراقية على هذه المحاولة لتهريب الآثار ومنعت تصدير الشحنة. وهنا استشاط البريطاني ليونارد ولي غضباً وقرر المغادرة العراق بلا عودة احتجاجا، لا سيما وأن القانون العراقي الجديد يوجب أيضاً على البعثات الأجنبية وجود مفتش آثاري عراقي في أي موقع آثاري يعمل فيه أجانب! وكانت حوادث تهريب الآثار أو الاستيلاء عليها بشكل غير مشروع قد حدثت في أيام الآنسة بيل فصادرت المواد الآثارية المسروقة ولكنها أعادتها إلى مَن سرقوها في اليوم التالي كما ينقل لنا كولينز في موضع آخر من كتابه.
الانقطاع الثقافي والمركزية الأوروبية
بالرغم من الاتفاق الفكري اللافت بين الباحثين حنون وكولينز حول موضوع طبيعة السومرية والسومريين، والتشابه الشديد في الاستنتاجات والنتائج التي انتهيا إليها، لا سيما وأن الباحث العراقي سبق البريطاني إلى هذه الفرضية بأربعة عشر عاما، وكان الفرنسي هاليفي قد سبقهما كليهما بأكثر من قرن، ولكن كولينز لم يذكر زميله العراقي في نصوص كتابه أو هوامشه أو قائمة مراجعه.
ربما يعود السبب في ذلك إلى الانقطاع الثقافي بين الشرق والغرب وانعدام التواصل بين ما ينشر باللغة العربية ويصدر عن دور نشر محلية وإقليمية في المشرق العربي وبين ما يحدث في دول المتروبول الغربي على الرغم من كل التطور التكنولوجي الحديث. إضافة إلى رسوخ التوجهات المركزية الأوروبية الهيمنية السائدة في المشهد الثقافي والعلمي العالمي والنظرة الأوروبية الاستعلائية إلى ما ينتجه ما تبقى من العالم.
مع وجود هذا التوافق في المضامين والاستنتاجات والنتائج، بين الباحثَين، فإنَّ الاختلاف يبقى كبيرا في منطلقات البحث لكليهما؛ فالباحث العراقي، نائل حنون ينطلق من مدرسة فقه اللغة التاريخي وعلم المسماريات المقارن. وقد ركز في أبحاثه على تفكيك الألواح والمعاجم المسمارية لإثبات أن السومرية كانت لغة تدوين داخل مجتمع أكدي موحد. أما الباحث البريطاني بول كولينز فقد انطلق من مدرسة النقد التاريخي الثقافي؛ وركز في كتابه موضوع الحديث على دراسة تاريخ علم الآثار نفسه في القرن التاسع عشر، وحلل سياقياً كيف قام المنقبون الأوروبيون بإسقاط مفاهيمهم الأوروبية الحديثة حول "القومية" و"النقاء العرقي" على مكتشفات بلاد الرافدين ليخترعوا من ثَمَّ فكرة "الشعب السومري" مكتمل الصفات والهوية.
وعلى هذا، يمكن أن نحسب هذا التوافق في الاستنتاجات والأفكار بين الباحثين على ما يمكن تسميته وحدة استذهان البشري، أو بكلمات أخرى على "توارد الأفكار وتلاقي المناهج" حيث قادت القرائنُ التاريخيةُ القوية والأدلة الملموسة الباحثَين إلى النتيجة نفسها تقريباً بالرغم من اختلاف لغتيهما ومكان أبحاثهما والفارق الزمني بينهما.
بعد أن يستعرض كولينز أفكار وفرضيات هؤلاء العلماء (جوزيف هاليفي، يوليوس أوبيرت، أدورد هنكس، ليونارد ولي، نوح كريمر" يتوصل كولينز إلى نتيجة تتطابق مع ما ذهب إليه الدكتور نائل حنون وخلاصته القائلة إن السومريين كشعب ذوي هوية عرقية وقومية مستقلة ومغلقة لم يكن لهم وجود حقيقي في العراق القديم، بل هم مفهوم مختلط وإسقاطي تمت صياغته وتجميعه داخل الدوائر البحثية (أروقة المتاحف والجامعات) الأوروبية في القرن التاسع عشر بناءً على تفسيرات وفرضيات لغوية وعرقية خاطئة.
من بين هؤلاء الأربعة ظل هاليفي يتبنى فرضية يقول إن "السومرية هي لغة وليست هوية قومية لشعب". في هذا الكتاب قدم كولينز تأريخ "هذا الصراع العلمي. بين الفريقين وبيّن أن علماء القرن التاسع عشر (مثل أوبيرت وراولنسون وهينكس) انتصروا في فرض مصطلح "الشعب السومري"، ليس لأن أدلتهم الأثرية واللغوية كانت حاسمة، بل لأن المناخ الفكري القومي والعرقي الصاعد في أوروبا آنذاك كان يبحث بلهفة عن "عرق غير سامي" ينسب إليه فضل تأسيس الحضارة الأولى والكتابة.
لذلك، فَسّرَ كولينز انتصار جبهة (أوبيرت وراولنسون) على جبهة (هايليفي) بكونه انتصاراً أيديولوجياً بعيداً عن مقاربة الحقيقة وهو الذي صاغ كتب التاريخ التي تدرس اليوم وتسود أفكارها. مع ذلك، فإن القرائن والأدلة الآثارية والثقافية الجديدة المعاصرة تعيد الاعتبار جزئياً لشكوك هاليفي ومن بعده حنون وكولينز وتفتح هذا الملف مرة أخرى في مقاربة حثيثة للحقيقة.
شبعاد أشهر ملكة سومرية هي الأكدية بو آبي
من الاكتشافات المهمة التي توقف عندها كولينز لتدعيم فكرته المركزية أن أشهر ملكة سومرية سماها المكتشفون شبعاد ثم تم تصحيح قراءة اسمها في الرموز الثلاث على ختمها الملكي الأسطواني، فكان الرمز الأول ولم يترجمه كولينز ولكن مصدر آخر قال إنه يعني في الأكدية "أمر/ كلمة" والثاني أبي أو آبوم وهي كلمة أكدية أيضاً وتعني الأب. والرمز الثالث (أيريش) وهي أكدية وتعني ملكة. فالعبارة تعني (الملكة بأمر أبيها) أو بعبارة شائعة في ثقافتنا الشعبية قد تعني (الملكة بنت أبيها)!
المفاجأة ليست هنا، بل في أن الترجمة السابقة للرموز الثلاثة التي قدمها الأب إريك بوروز (وهو رجل دين توراتي ومترجم فريق ليونارد ولي) ونصها: شوب آد نين وتعني الملكة شوب آد نين وصُحِّف في العربية فيما بعد إلى "شبعاد"، ظهر أنها خاطئة ولا علاقة لها بالرموز الثلاثة وإن شخصية شبعاد ليست إلا وهماً وتلاشى!
أما الخلاصة التي يخرج بها بول كولينز في كتابه "السومريون –الحضارات المفقودة" هو "إن أشهر ملكة سومرية هي أكدية" (5).
ملوك وشعراء سومريون بأسماء أكدية
مثال آخر في هذا السياق هو أنَّ اسم أول ملك سومري تأكد وجوده عبر نقوش أثرية معاصرة له هو الملك إنميباراجيسي (Enmebaragesi)، ملك مدينة كيش السومرية (حوالي 2600 قبل الميلاد). والمفاجأة التاريخية هنا أن اسم هذا الملك مشتق من اللغة الأكدية وليس من اللغة السومرية.
يوثق كولينز مصدر هذه المعلومة بأنه نقش على شظايا مزهرية مرمرية (Vase fragments) عُثر عليها في مدينة نيبور "نُفَّر" الأثرية جنوب العراق. يحمل هذا الكشف أهمية قصوى في علم الآثار التاريخية.
وإلى جانب هذا الاسم نجد أمساء أكدية أخرى قوائم الملوك السومريين في سلالة كيش الأولى منهم مثلا:
-مَعْشَو (Maš) وتعني الملك التوأم أو الملك فحل الماعز في الأكدية.
-غالُمُ" (Galumu) وتعني العجل في الأكادية
-زوقاقيب" (Zuqaqip) وتعني العقرب باللغة الأكادية (6)
من هذا القبيل أيضا يأتينا اسم الكاهنة العليا لإله القمر سين، وأول شاعرة عرفت في التاريخ أبنة الملك سرجون الأكدي المسماة أنخيدوانا (زينة السماء)، التي عُدَّت شاعرة سومرية. فكيف تكون سومرية وتكتب أشعارها وترانيمها الدينية باللغة السومرية ويكون أبوها ملكاً أكدياً "سامياً"؟ أليس في هذا المثال حجة داعمة للقائلين بأن السومرية لغة كتابة دينية "قلم" وليست هوية قومية لشعب؟ هنا، في هذا المثال يلتقي كولينز وحنون حرفيا!
لنختم وقفتنا هذه بالتعرف على الرأي الشخصي المنصف لكولينز بالتماثيل التي اصطلح على تسميتها بالسومرية فيكتب: "بالنسبة لي، يُصنَّف النحت السومري مع النحت اليوناني القديم والنحت الإتروسكاني (الإيطالي) والنحت المكسيكي القديم ونحت الأسرتين الرابعة والثانية عشرة المصرية بوصفه أعظم نحت في العالم... ففي الفن السومري، إلى جانب القيمة المجردة للشكل والتصميم، التي لا يمكن فصلها عنه، هناك عنصر إنساني عميق" (7).
الكتاب: السومريون ...الحضارات المفقودة
المؤلف: بول كولينز
المترجم: د. جمعة الطلبي
دار: بيت الكتاب السومري- بغداد -2025
*كاتب عراقي
الهوامش"
- الأخبار البيروتية عدد 14 نيسان 2023.
2 -كريمر صموئيل نوع -السومريون تاريخهم وحضارتهم - ترجمة د. فيصل الوائلي - ص 427.
3 - أناتولي كليوسوف هو أحد مؤسسي علم الجينولوجيا، الذي استشهدنا بكلامه في أكثر من مناسبة حول وجود مجموعة الجين «ج1» الفردانية الذي يسمى أحياناً من قبل التوراتيين الجين الكوهيني أو السامي، وقال كليوسوف إن هذا الجين كان موجوداً لدى العرب قبل أربعين ألف سنة منه لدى العبرانيين -برنامج «رحلة في الذاكرة»- قناة «روسيا اليوم» بتاريخ 5 أيلول 2018.
4 -كولينز بول – السومريون .. الحضارات المفقودة –ترجمة د. جمعة الطلبي – ص 103 – دار بيت الكتاب السومري – بغداد –ط1 -2025.
5 -كولينز –مصدر سابق - ص 96.
6 - جاكوبسن ثوركيلد - هذه الأسماء أوردها وترجمها العالم الألماني-الأمريكي ثوركيلد جاكوبسن في كتابه المرجعي " قائمة ملوك السومريين" ونشر كمبحث في مجلة (دراسات علم الآشوريات - العدد 11).
7 -كولينز – مصدر سابق - ص123



#علاء_اللامي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل هي لغة الضاد أم لغة الظاء كما يرى الفراهيدي؟
- مدارس -أيدوبا- في العراق القديم وفرضية السومرية لغة وليست هو ...
- التطبيع مع الطائفية السياسية جريمة أخطر من التطبيع مع إسرائي ...
- الدبلوماسية الإيرانية تذل ترامب والبنتاغون يخفي خسائره
- ج2/كيف ولدت السريانية وهل كلمات؛ قرآن، رحمن، نعمة، وجنة سريا ...
- ج1/ هل كُتب القرآن بالسريانية وما أصل الخطين الآرامي والعربي ...
- سقوط آخر دويلات الفرنجة: انتصار عكا وانهيار كيان -القومون-
- مقولة -المال مجهول المالك- في الفقهين السني والشيعي
- سقوط آخر دويلات الفرنجة -الصليبيين-: السياق والمقدمات
- جمهورية العتبات الدينية توقع عقودا استراتيجية كبرى مع شركات ...
- المصطلح الاجتماسي بين الاختلاق والواقعية: -الشيعية السياسية- ...
- تمثال الجواهري الجديد لنداء كاظم وما أثاره من جدل
- الزيدي في البيت البيض: بداية الاحتلال الأميركي الثاني
- تمهيد: -تفكيك المصادرات في الخطاب السلفي الانتحاري الداعشي-
- موت السيناتور الأميركي الصهيوني المثير للجدل أخلاقيا ليندسي ...
- -صولة الفجر- ضد الفساد: جعجعة ولا طحين والنفط العراقي في خطر ...
- نصيحة إلى شيعة أميركا في المنطقة الخضراء ببغداد
- أمام الزيدي ثلاثة احتمالات أحلاها علقم قبل تسليم النفط العرا ...
- أوف سايد... الفاسدون لا يكافحون الفساد!
- لا جديد في لبنان: العدو وأعوانه يكررون أنفسهم منذ 17 أيار 83 ...


المزيد.....




- أحدهما اعترض اتصالات عسكرية.. القبض على عسكريين صينيين سابقي ...
- مصر توضح حقيقة استهداف الحوثيين سفينة تابعة لها قبالة سواحل ...
- أعضاء مجلس الشيوخ يطالبون ترامب بتوضيحات بشأن العقوبات ضد رو ...
- الولايات المتحدة توجه اتهامات لـ11 شخصا في قضية احتيال تتعلق ...
- إيران تتحدى رواية ترامب بشأن هرمز.. وإسرائيل ترفض الانسحاب م ...
- نحو 500 ألف زائر يتوافدون إلى مسار الكسوف الكلي في إسبانيا
- ترامب -تروث سوشيال- تتكبد خسائر .. فهل ينقذها الخيار النووي؟ ...
- منشورات ترامب المدفوعة أمام القضاء.. هل تُباع أسرار القرار ا ...
- سوريا.. اقتحام قوة إسرائيلية قرية الرفيد في ريف القنيطرة
- -أمبري- للأمن البحري تشارك في إنقاذ ناقلة نفط قبالة عُمان


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علاء اللامي - بول كولينز يلتقي بنائل حنون نظرياً: السومريون ليسوا شعباً بل لغة