أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - الفصل السابع: التحرر من عبء التبرير*















المزيد.....

الفصل السابع: التحرر من عبء التبرير*


سعاد الراعي
كاتبة وناقدة

(Suad Alraee)


الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 21:52
المحور: الادب والفن
    


كان الضوء الشاحب يتسلل عبر النوافذ العريضة لقاعة الطعام ببطءٍ حزين، كأنّه يخشى إيقاظ ما خلّفته الليلة السالفة من توترٍ دفين. جلس الجميع حول الطاولات في صمتٍ ثقيل، لا يشبه السكينة بقدر ما يحاكي هدنةً مؤقتةً أعقبت عاصفةً لم تخمد نيرانُها تماماً.
كانت أصوات الملاعق واحتكاك الأكواب تتردد بخفوتٍ حذر وسط ذلك الفراغ البارد، فيما انزوت ندى تحتسي قهوتها بصمتٍ مجهد، تحاول واهمةً إقناع نفسها بأن ما جرى بالأمس قد خبا وهجه، أو أنه على الأقل نأى قليلاً عن صدرها المثقل. وبينما كانت غارقةً في لُجّة أفكارها، لمحت إحدى النساء تشير إليها بإلحاح كي تقترب.
نهضت بترددٍ أملته الروح، وفي داخلها إحساسٌ غامض بأن ما ينتظرها ليس سوى امتدادٍ رديء لملحمة الأمس. وحين انحنت قليلاً لتصغي إليها، قالت المرأة بصوتٍ هامس، كأنها تبث سماً زعافاً تخشى أن يشاركها الآخرون سماعه:
ـ رئيسةُ وزرائنا امرأةٌ ساقطةٌ ومُنحطة… هي ومن معها مَن فتح أبواب البلاد على مصراعيها لهؤلاء اللاجئين، وتسبب بكل هذه الكوارث التي خرّبت بنيان البلد.
تأملتها ندى لثوانٍ طويلة دون أن يرتسم على تقاطيع وجهها أي انفعالٍ واضح.
لم تُفاجأ هذه المرة، ولم يشعل جوفها ذلك الغضب العارم الذي اعتاد أن يستعر في داخلها كلما طرقت مسامعَها كلماتٌ من هذا الصنف، بل كان الأمر بالنسبة إليها بمثابة لحظة انكشافٍ أخيرةٍ وحاسمة. ابتسمت ابتسامةً قصيرةً واهية، تحمل إرهاق إنسانٍ زهد في محاولة تبرير ما لا يريد الآخر فهمه، ثم قالت بهدوءٍ صاعق:
ـ الآنَ فقط، وضَعْتِ يدَكِ على حقيقةٍ لا تشوبُها ريبة… وهي أن هذا العداء ليس رأياً عابراً أو خوفاً مؤقتاً، بل هو عَرَضٌ لمرضٍ أعمق بكثير، شيءٌ يسكن الجذور المتأصلة، ويتسرّب عبر التربية، والذاكرة، والدم. أشكركِ جزيلاً، لأنكِ اختصرتِ عليّ المسافات، ووفّرتِ على روحي عناء البحث عن إنصاف.
ابتعدت ندى خطوتين، لكنها تسمّرت في مكانها فجأة، إذ شعرت أن الكلمات التي غصّ بها حلقها لم تعد تقبل الارتداد إلى سجن الصمت. استدارت نحو المرأة من جديد، ثم تقدمت نحوها هذه المرة بكامل إرادتها، لتدافع عن هويتها المستباحة، ولتضع أمام عينيها مرآةً صقيلة ترى فيها قبحَ ما تنطق به. انحنت قليلاً نحوها، وهمست بنبرةٍ وادعةٍ أربكت المرأة وزعزعت ثباتها أكثر مما يفعل أي صراخ:
ـ هل تعلمين؟ ... ان أمثالكِ هم من لا ينتمون حقاً إلى هذا المجتمع، ولا إلى أي مجتمعٍ يدّعي التحضر. لأن الحضارة البشريّة لا تُقاس يوماً بلون البشرة، ولا بأصل الإنسان العرقي، بل بقدرته الفطرية على رؤية الآخر كإنسانٍ مساوٍ له في الوجود. أما لغة الكراهية المقيتة التي تتحدثين بها أنتِ وأشباهكِ، فهي المقبرة التي ينتهي بها المطاف دائماً في مزبلة التاريخ… والأدلة التاريخية شواهدُ حيةٌ على ما أقول، إن أردتِ يوماً الرجوع والتأكد.
بقيت المرأةُ واجمةً لا تحير جواباً، بينما عادت ندى إلى مقعدها بخطواتٍ وئيدة، وهي تشعر في أعماقها بهدوءٍ غريب وشفاف لم تختبره منذ زمنٍ بعيد.
لقد كان ذلك الصفاء البارد والرفيع الذي يبلغه الإنسانُ حين ينفض يده تماماً، ويتوقف عن انتظار الفهم من أولئك الذين اختاروا العمى والجهالة طوعاً. كان هذا الإدراك، برغم قسوته، بوابةَ عبورها نحو التحرر والابتعاد عن منطق التبرير.
لم يكن انعزالُ ندى عن مجتمع المصحّة قراراً سهلاً، أو نزوةً عابرةً فرضتها بمحض رغبتها، بل كان بمثابة ردّ فعلٍ بطيء تشكّل في وجدانها تحت وطأة ما تجرعته من نظراتٍ شزرة ومواقفَ جارحة جعلتها أكثر تيقظاً وحذراً.
كانت تشعر، كلما أُكرهت على الجلوس بينهم، أن على كاهلها عبء الدفاع عن مشروعية وجودها قبل أن تنطق بكلمة، وأن عليها تبرير اختلافها ولونها حتى في أبسط تفاصيل عيشها اليومي. لكل ذلك، بدأت تنسحب بوقارٍ وهدوء من ضجيجهم الآسن حمايةً وصوناً لما تبقّى من توازنها الداخلي الهش.
وغدت تمضي ساعة الصباح التي تلي وجبة الإفطار وحيدةً في أحضان الغابة المتاخمة للمصحّ، تسير بين الأشجار الباسقة الطويلة التي بدت لها، برغم وحشتها وعزلتها، أكثر رحمةً ورأفةً من الوجوه الكثيرة التي صادفتها في القاعات.
كانت تحاول الائتلاف والاندماج مع ذلك الضوء المتسلل باستحياءٍ بين الأغصان، ورائحة التراب الرطب، وهدير الريح البارد الذي يلامس محيّاها وهي تعبر بين الجذوع الجافة، كأنها زفرات قديمة لا يريد أحدٌ من أهل الأرض سماعها.
في أثناء تجوالها اليومي ذاك، كانت كعادتها التي استحدثتها هنا، تتخلص خفيةً من حبوب العلاج الكيميائي التي أثقلت رشاقتها، وأربكت روحها الحرة أكثر مما خففت من وجعها. كانت تقذف بها بعيداً بين طيات الأعشاب البرية، فتنتبه إلى حركتها الطيورُ الصغيرة، تقترب منها بخفةٍ وحذر، تراقبها بفضولٍ بكرٍ بريء، ظنّاً منها أن ما تلقيه يدا هذه المرأة ليس سوى حباتِ طعامٍ شهي.
عندها، كانت ندى تطلق ضحكةً منثورة وحدها في المدى، ضحكة خفيفةً، صافية، تخرج من صدرها للمرة الأولى بعيداً عن غياهب التوتر وقاعات المصحّة المغلقة. ثم تنطلق مخيلتها إلى مساحات من الطفولة التي لم تمت في جوانحها تماماً، متسائلةً في سرها:
ـ ترى، ماذا لو ابتلعت هذه الطيور الفاتنة تلك العقاقير؟
هل ستنتشي وتُصاب بالسكينة وتغرد بصوتٍ أعلى شجواً؟
أم أنها ستغط في نومٍ عميق لأيام طوال فوق الأغصان؟
أو لعلّها ستستيقظ فجأة وقد تحولت بفضل السحر الطبي إلى مخلوقاتٍ أخرى؛ أكثر حزناً، أو أكثر حكمة وجودية؟
كانت تلك الأفكار الخيالية العابرة تمنحها لحظاتٍ نادرة من الخفة والتحليق، كأن خيالها وحده بات الدرع المتبقي القادر على إنقاذها من ثقل الواقع وبلادة التفاصيل.
ثم، بعد أن يهدأ رنينُ ضحكتها في المدى، كانت تطمئن نفسها بفكرةٍ بسيطةٍ وعميقة في آن: أن الطيور، وسائر الكائنات الحرة في الطبيعة، تعرف بفطرتها النقية ما ينفعها فتقترب منه مستبشرة، وتميز ما يؤذيها وينفث السم في جسدها فترفضه وتمضي في سمائها. وحين كانت تصل بنظرها إلى هذه القناعة، كانت تشعر بوخزةٍ خافتة تلسع قلبها، كأنها تسأل نفسها بصمتٍ موجع وعتابٍ مرير:
ـ لماذا يبدو الإنسان، برغم كل ما يدّعيه لنفسه من عقلٍ وحكمةٍ وفلسفة، أقل قدرةً من هذه الطيور الضئيلة على تمييز ما يجرح كرامته ويدمي روحه؟

***

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* من رواية تحت الطبع



#سعاد_الراعي (هاشتاغ)       Suad_Alraee#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في المصحة: حفلة الكراهية
- مرافئ السكينة وأصيل الانبعاث
- وقفة تأملية في جغرافيا الفجيعة: قراءة في كتاب -دهاليز الموت- ...
- أولى نصال العنصرية، الفصل الثني
- رماد الغابة وقلاع الجسد المتهالك
- الى روح الزميل والصديق الراحل سالم قبيلات
- قراءة نقدية لقصة كشك الحكاية... للاديبة سعاد الراعي ،الكتابة ...
- قصي الشيخ عسكر: قراءة نقدية لمجموعة النخلة العمة وابناؤها ال ...
- جمعة عبد الله: سمات مضيئة في مجموعة -النخلة العمة وأبناؤها ا ...
- كشك الحكاية
- 14. سديمُ الصمت.. وارتيابُ اليقظة. من رواية قيد الطبع
- الارتطامٌ بجدارِ الجليد فصول من رواية تحت الطبع
- . موازينُ الطين.. وموازينُ الأرقام. من رواية تحت الطبع
- 10. ميثاق الوجع واليقين
- 9 . هدى: شرفاتُ الانتظارِ المفتوحة.
- 7ـ انقشاع القناع: معركةُ البقاء
- صلاح الأعزب: مِحراب الوفاء *
- فصول من رواية قيد الانجاز
- قراءات نقدية قصي الشيخ عسكر: -مذكرات أستاذة-.. مجموعة قصصية ...
- الزحف الغريب ... واحتدام السواد


المزيد.....




- جورج وسوف يعيد عقارب الصوت إلى زمن الحب في -طمني عالحبايب-
- فيلم -سوابد-.. ماذا لو اضطررت إلى رؤية العالم بعيني عدوك؟
- حمل نواتها في حجره داخل سيارة.. شهادة أحد صناع القنبلة الذري ...
- بتدوينة باللغة العبرية.. ملادينوف ينفي شائعات تمويل حماس عبر ...
- من نيقولاي الثاني إلى ستالين وبريجنيف.. حكاية القادة الروس م ...
- مهرجان صيف حوران.. دعم ثقافي وتعافٍ للثقافة السورية
- قاآني في بغداد؟ تضارب الروايات يضع سلاح الفصائل في الواجهة
- الفنان قيس الشيخ نجيب يوجه رسالة أمل إلى شباب سوريا في اليوم ...
- أحذية بوانت موقعة من أساطير الباليه الروسي تتصدر مزادا استثن ...
- بوتين يطلع على الاستعدادات لافتتاح مدرسة موسيقية جديدة في شر ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - الفصل السابع: التحرر من عبء التبرير*