|
|
من دويرة، سويعة إلى ترند - شطحني يا سويح -: هل فقدنا القدرة على تقدير الأشياء؟
أسامة بن مختار العلوي
ناشط سياسي
(Oussama Aloui)
الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 21:50
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
قد تمر بعض الكلمات في حياتنا اليومية دون أن نلتفت إلى ما تخفيه من دلالات نستعملها بصورة تلقائية، كما لو أنها لا تفعل أكثر من تسمية الأشياء. لكن اللغة ليست دائمًا بريئة من الواقع الذي تصفه؛ فهي قد تخفف، وتضخم، وتجمّل، وتسخر، وأحيانًا تعيد ترتيب الأشياء في وعينا قبل أن نتعامل معها في الواقع. في اللهجة التونسية يكثر استعمال صيغ التصغير في الحياة اليومية. نقول «سويعة» عن الساعة، و«دويرة» عن الدار، و«نهير» عن النهار، و«خديمة» عن الخدمة، و«عشيرينة» عن عشرين دينارًا. وليس المقصود أن هذه الصيغ تمثل وحدها ظاهرة استثنائية أو أن كل تصغير في اللغة يحمل بالضرورة معنى اجتماعيًا خفيًا؛ فاللغة تتطور، وبعض الألفاظ تفقد مع الزمن معناها الأصلي. لكن الملاحظة تصبح أكثر إثارة عندما يظهر التصغير في مواقف يكون فيها الشيء موضوع الكلام أكبر بكثير من اسمه. ساعة الانتظار تبقى ستين دقيقة مهما سميناها «سويعة»، ويوم العمل لا يصبح أقصر لأنه «نهير»، والمسكن لا تنخفض كلفته لأنه «دويرة». فهل تفعل اللغة أكثر من مجرد تسمية الأشياء؟ وهل يمكن أن تكون طريقة حديثنا عنها جزءًا من طريقة تعاملنا معها؟ هذه الأسئلة تقودنا إلى مساحة أوسع من اللغة. ففي الحياة اليومية نفاوض، ونطلب، وننتظر، ونعمل، ونقترض، ونبحث عن السكن، ونتعامل مع الإدارة والسلطة. وفي كل هذه العلاقات نحاول، بطرق مختلفة، أن نجعل ما نطلبه أو نتحمله أو نعد به أخف وقعًا. لكننا نعيش في الوقت نفسه ظاهرة تبدو معاكسة تمامًا. ففي عالم وسائل التواصل الاجتماعي، قد يتحول الشيء العابر إلى حدث، والمحتوى البسيط إلى ظاهرة جماهيرية، والشخصية المغمورة إلى نجومية واسعة، بمجرد أن تدخل دائرة «الترند».هناك، لا نصغّر الأشياء، بل نكبّرها. ومن هنا تنشأ المفارقة التي يحاول هذا المقال تفكيكها: هل نحن أمام طريقتين مختلفتين في التعامل مع الواقع، أم أمام اختلال أوسع في قدرتنا على تقدير الأشياء وفق حجمها وقيمتها؟ أولًا: حين تصغّر اللغة ما تكبّره الحياة لا نحتاج إلى قاموس متخصص لكي نلاحظ حضور التصغير في الكلام التونسي. يكفي أن نصغي إلى حديث الناس في الشارع، وفي البيت، وفي السوق، وفي العمل، حتى نجد أنفسنا أمام شبكة واسعة من الألفاظ التي تمنح الأشياء حجمًا لغويًا أصغر من حجمها الواقعي. لكن التصغير ليس بالضرورة نقيصة لغوية، ولا دليلًا على فقر في اللغة. فاللغة التونسية، مثل غيرها من اللهجات العربية، تستخدم التصغير للتعبير عن الحميمية والتحبب، وللتلطيف والسخرية والمبالغة أحيانًا. وقد تصبح بعض الصيغ شائعة إلى درجة أنها لا تعود تُستعمل بوصفها تصغيرًا واعيًا. المهم إذن ليس وجود التصغير في حد ذاته، وإنما المواقف التي يصبح فيها التصغير جزءًا من طريقة تقديم الواقع. لنتخيل شخصًا ينتظر صديقه في موعد محدد. يتصل به المتأخر ويقول: «سويعة ونكون بحذاك». قد يكون المقصود ساعة كاملة، لكن الكلمة تمنح الانتظار وقعًا أخف. لا تتغير مدة الغياب، وإنما تتغير الطريقة التي يُطلب بها من الآخر أن يتقبلها.وفي حالة أخرى، قد يحتاج شخص إلى مبلغ من المال، فيقول لصديقه: «ما عندكش عشيرينة نهيرات؟». المبلغ هو عشرون دينارًا، والمدة قد تمتد إلى عدة أيام، لكن الطلب يقدم في صيغة تقلل من ثقله. وفي العمل قد يقال للعامل: «نهير خدمة»، مع أن المقصود يوم كامل من العمل، وربما من العمل الشاق. أما في الحديث عن الزواج، فقد تتحول شروط مادية ثقيلة إلى عبارة تبدو شديدة البساطة: «دويرة وخديمة وكان ثمة كريهبة خير». فإذا أخرجنا هذه الكلمات من اللهجة وأعدناها إلى معناها الاقتصادي، اكتشفنا أننا نتحدث عن مسكن، وعمل، وسيارة؛ أي عن عناصر تحتاج إلى موارد كبيرة بالنسبة إلى شاب يبدأ حياته. هنا تظهر المفارقة:حجم الكلمة لا يساوي بالضرورة حجم الشيء الذي تشير إليه وهذا لا يعني أن المتكلم يتعمد الخداع في كل مرة. قد يكون الأمر مجرد عادة لغوية، وقد يكون تعبيرًا عن التواضع أو الحميمية أو الرغبة في تخفيف حدة الكلام. لكن تكرار هذه الظاهرة في مواقف مرتبطة بالانتظار والمال والعمل والمطالب الاجتماعية يجعلها جديرة بالتأمل. فاللغة تستطيع أن تفعل شيئًا لا تستطيع الكلمات وحدها فعله بالواقع: أن تغير الطريقة التي نستقبله بها. وإذا كانت الساعة لا تصبح أقصر حين نسميها «سويعة»، والمسكن لا يصبح أرخص حين نسميه «دويرة»، فإن السؤال الحقيقي لا يعود لغويًا فقط: لماذا نحتاج أحيانًا إلى تقديم الأشياء بأقل من حجمها الحقيقي؟ ربما لأن حجمها الحقيقي ثقيل. وربما لأن التصريح به يضعنا في مواجهة مع الطرف الآخر. وربما لأن الإنسان، حين يعجز عن تغيير الواقع، يبحث على الأقل عن طريقة تجعله أكثر احتمالًا. ومن هنا تبدأ المسألة في مغادرة اللغة والدخول إلى المجتمع: ماذا يحدث عندما تصبح طريقة تخفيف الأشياء جزءًا من السلوك الاجتماعي نفسه؟ وهنا سننتقل إلى السؤال الأهم: هل اللغة مجرد انعكاس لعلاقاتنا الاجتماعية، أم أنها تساعدنا أيضًا على إدارة تلك العلاقات والتفاوض داخلها؟ ثانيًا: من اللغة إلى السلوك: عندما تصبح التخفيفات أسلوبًا اجتماعيًا لو كانت المسألة مجرد ألفاظ دارجة، لما كان هناك ما يدعو إلى أكثر من ملاحظة لغوية. لكن اللغة لا تُستعمل في الفراغ؛ إنها تتحرك داخل علاقات بين أشخاص، وكل علاقة تتضمن بدرجات مختلفة مصالح وحاجات وانتظارات ومواقع متفاوتة من القوة. فالإنسان لا يطلب المال من صديقه بالطريقة نفسها التي يطلبه بها من مؤسسة مالية، ولا يتحدث العامل مع صاحب العمل كما يتحدث معه زميله، ولا يتعامل المواطن مع الإدارة باعتبارها ندًا له في كل شيء. هناك دائمًا سياق يحدد مقدار ما يستطيع الفرد أن يطلبه، وكيف يطلبه، وما الذي يستطيع رفضه. ومن هنا يمكن أن تصبح طريقة التعبير نفسها جزءًا من التفاوض. فالإنسان الذي يحتاج إلى شيء قد لا يصرح بحاجته بكل ثقلها. وقد لا يفعل ذلك كذبًا أو نفاقًا، وإنما لأنه يعرف، بصورة واعية أو حدسية، أن الطلب الكبير قد يواجه بالرفض، بينما الطلب الذي يبدو بسيطًا يكون أكثر قابلية للقبول. وهنا نصل إلى فكرة تستحق التوقف عندها: أحيانًا لا يغير الإنسان مضمون طلبه، وإنما يغير حجمه في اللغة. إنها آلية اجتماعية مألوفة: تخفيف الطلب، إظهار القناعة، تقليل التوقعات، أو تقديم الحاجة باعتبارها شيئًا بسيطًا. وقد يكون وراء ذلك تواضع حقيقي، وقد يكون وراءه حرج اجتماعي، وقد يكون وراءه تفاوض ومصلحة. وهنا يمكن أن نجد نقطة اتصال مع نيتشه. فنيتشه، في نقده للأخلاق، لم ينظر إلى القيم والسلوكيات باعتبارها حقائق محايدة منفصلة عن علاقات القوة. وكان مهتمًا بكيفية تطور أنماط من السلوك لدى من لا يمتلكون القوة المباشرة، وكيف يمكن للضعف أن يبحث عن وسائل أخرى للتأثير. ولا يعني ذلك أن كل تونسي يقول «دويرة» أو «سويعة» يمارس، بصورة واعية، ما يمكن تسميته «أخلاق العبيد» عند نيتشه. سيكون هذا إسقاطًا ساذجًا لنظرية فلسفية على ظاهرة لغوية. لكن يمكن استثمار الفكرة بصورة أكثر تواضعًا: حين لا تكون القوة متاحة بصورة مباشرة، يصبح السلوك واللغة جزءًا من أدوات التفاوض. قد يستعمل الفرد التواضع، والاستعطاف، وإظهار الرضا بالقليل، وتخفيف المطالب، حتى يجعل الطرف الآخر أكثر استعدادًا للاستجابة. غير أن هذه القراءة وحدها لا تكفي. فإذا اكتفينا بعلم النفس، سنحوّل ظاهرة اجتماعية إلى مجموعة من الحيل الفردية. وهنا تقحم الماركسية نفسها شئنا أم أبينا فالفرد لا يختار دائمًا موقعه في العلاقة التي يتفاوض داخلها. العامل يحتاج إلى العمل، والمواطن يحتاج إلى الإدارة، ومن لا يملك السكن يحتاج إلى من يملكه أو إلى الدولة، ومن يفتقر إلى المال قد يحتاج إلى من يستطيع إقراضه. وبالتالي فإن اللغة التي يستخدمها الأفراد تتشكل، جزئيًا، داخل علاقات مادية واجتماعية غير متساوية. ومن هذه الزاوية، لا يكون السؤال: لماذا يتحدث التونسي بهذه الطريقة فقط؟ وإنما أيضًا: ما نوع المجتمع الذي يجعل الفرد مضطرًا إلى تخفيف مطالبه حتى يستطيع الحصول على ما يحتاج إليه؟ وهنا تصبح العلاقة بين الفرد والطبقة والسلطة أكثر وضوحًا. ففي المجتمع الذي تتفاوت فيه الملكية والدخل والقدرة على اتخاذ القرار، لا يمتلك الجميع القدرة نفسها على قول «أريد». هناك من يستطيع أن يطالب، وهناك من يضطر إلى الرجاء؛ هناك من يستطيع أن يحدد الشروط، وهناك من يدخل العلاقة وهو يحاول فقط تحسين شروطه؛ وهناك من يملك الوقت، بينما يملك الآخر الحاجة. ولا يعني هذا أن كل علاقة اجتماعية يمكن اختزالها إلى صراع بين «مستغِل» و«مستغَل»، ولا أن كل سلوك لغوي يحمل خلفه صراعًا طبقيًا مباشرًا. لكن التحليل الماركسي يذكّرنا بأن السلوك الاجتماعي لا ينفصل عن الظروف المادية التي يعيش فيها الناس. وهنا يمكن فهم المفارقة التي مررنا بها: قد يستعمل العامل ورب العمل اللغة نفسها، لكن ليس بالضرورة من الموقع نفسه. وقد يستعمل المواطن والموظف كلمة التخفيف نفسها، لكنهما لا يمتلكان القدر نفسه من السلطة داخل المؤسسة. إذن، ليست الكلمات وحدها هي التي تتفاوض؛ الأفراد يتفاوضون من مواقع اجتماعية مختلفة. وربما لهذا السبب يكون التخفيف اللغوي مفيدًا في الاتجاهين: الضعيف قد يقلل من حجم طلبه حتى لا يخسره، والقوي قد يقلل من حجم ما يقدمه حتى لا يبدو بخيلًا أو مجحفًا. وفي الحالتين، هناك مسافة بين ما يحدث فعلًا والطريقة التي يُقدَّم بها ما يحدث. لكن هذه المسافة تصبح أكثر خطورة عندما تنتقل من العلاقات اليومية إلى المجال العام، لأننا عندها لا نتحدث فقط عن فرد يريد إقناع فرد آخر، وإنما عن ملايين الأشخاص الذين يتلقون يوميًا آلاف الرسائل والصور والمقاطع. هناك لا يعود السؤال: كيف أقنعك بأن الشيء صغير؟ بل يصبح: كيف أجعل الشيء الصغير يبدو كبيرًا بما يكفي كي تنتبه إليه؟ وهنا نغادر عالم العلاقات المباشرة، وندخل عالم الترند ثالثًا: من تصغير الكبير إلى تكبير الصغير: الترند واختلال موازين القيمة إذا كان الإنسان في علاقاته اليومية يحاول أحيانًا تخفيف وقع ما يطلبه أو ينتظره أو يتحمله، فإن العالم الرقمي يعمل بمنطق مختلف. هنا لا يكفي أن يكون الشيء موجودًا؛ لكي يدخل دائرة الاهتمام، عليه أن يجذب الانتباه. وكلما نجح في ذلك، ازدادت فرص ظهوره وانتشاره، حتى يتحول من محتوى عابر إلى ظاهرة عامة. وهنا ظهر ما أصبحنا نسميه ببساطة: الترند. والترند في حد ذاته ليس مشكلة. فقد تتحول قضية اجتماعية مهمة إلى ظاهرة عابرة، أو تنتشر أغنية ذات قيمة فنية، أو يحقق شخص إنجازًا يستحق الاحتفاء به. المشكلة تبدأ عندما يصبح الانتشار معيارًا للقيمة، وعندما نبدأ في الاعتقاد بأن الشيء مهم لأنه منتشر، بدل أن نسأل إن كان منتشرًا لأنه مهم. وهذا فرق جوهري. ففي بيئة رقمية تقوم على سرعة التداول، لا تحصل كل الأشياء على فرص متساوية في جذب الانتباه. المحتوى الذي يثير الضحك أو الفضول أو الغضب أو الصدمة أو الجدل يمتلك قابلية أكبر للانتشار. ومع تكرار ظهوره أمام المستخدم، يبدأ في اكتساب سلطة رمزية جديدة: لقد رأيته في كل مكان، إذن لا بد أنه مهم. وهنا يمكن أن يتحول الانتشار إلى دائرة مغلقة. شيء ما يلقى قدرًا من الاهتمام، فتلتقطه الخوارزميات وتدفعه إلى مزيد من المستخدمين، فيزداد الاهتمام به، فيصبح أكثر ظهورًا، ثم يجذب اهتمامًا أكبر. وهكذا لا يعود الترند مجرد نتيجة لاهتمام الجمهور، بل يصبح في بعض الحالات آلية لصناعة المزيد من الاهتمام. ولذلك قد نصل إلى وضع غريب: لا نسأل أولًا «هل يستحق هذا المحتوى اهتمامي؟»، وإنما نسأل «لماذا يتحدث عنه الجميع؟». وهذه النقلة الصغيرة في السؤال تحمل تغيرًا كبيرًا في علاقتنا بالقيمة. لقد أصبح عدد المشاهدات، وعدد المشاركات، وعدد المتابعين، ومقدار التفاعل، أرقامًا يمكن قياسها بسهولة. أما العمق، والجودة، والقيمة الفنية، والجدوى الاجتماعية، فهي أشياء أكثر صعوبة في القياس. والمنصات الرقمية، في نهاية المطاف، تعمل داخل اقتصاد يحتاج إلى الوقت والانتباه. المستخدم الذي يقضي وقتًا أطول على المنصة أكثر قيمة اقتصاديًا من المستخدم الذي يغادرها سريعًا. ولذلك يصبح جذب الانتباه والمحافظة عليه جزءًا أساسيًا من منطق المنظومة. وهنا يمكن استعادة ماركس من زاوية جديدة. فإذا كان الرأسمال في صورته التقليدية يحول العمل والمواد والمنتجات إلى سلع قابلة للتبادل، فإن الاقتصاد الرقمي أضاف موردًا جديدًا إلى دائرة التثمين الاقتصادي: انتباه الإنسان ووقته. نحن لا نبيع انتباهنا بالمعنى المباشر، لكن انتباهنا أصبح موردًا تتنافس عليه المنصات والمعلنون وصانعو المحتوى. كل دقيقة نقضيها، وكل نقرة، وكل مشاهدة، وكل تفاعل، يمكن أن تدخل في منظومة اقتصادية أكبر. ومن هنا يمكن فهم لماذا لا تكون الخوارزمية محايدة تمامًا في تحديد ما نراه. فهي لا تعمل وفق سؤال فلسفي من نوع: «ما الذي يستحق أن يعرفه الإنسان؟»، وإنما وفق معايير مرتبطة بالسلوك والتفاعل وقابلية المحتوى على إبقائنا داخل المنصة. وهكذا يمكن لمحتوى بسيط أن يحصل على حضور هائل، لا لأن منظومة ما حكمت بأنه الأفضل، وإنما لأنه الأقدر على إنتاج التفاعل. ولعل «شطحني يا سويح» تقدم مثالًا تونسيًا واضحًا على هذه الآلية. فقد تجاوزت الأغنية مجال الاستماع العادي لتصبح عبارة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم انتقلت إلى الحديث الإعلامي وفضاءات المهرجانات، حتى أصبحت كلماتها مألوفة لدى شرائح عمرية صغيرة. ولا تكمن أهمية المثال في إصدار حكم فني على الأغنية، ولا في تحويل ذوق جمهورها إلى موضوع للإدانة، وإنما في ملاحظة المسار الذي قطعته: فالتداول المكثف منحها حضورًا يتجاوز العمل نفسه، والحضور الواسع جعلها بدوره أكثر قابلية للتداول. وهنا يصبح التراند أشبه بمرآة تعكس نفسه: كلما ظهر الشيء أكثر، بدا أهم؛ وكلما بدا أهم، زاد حضوره؛ وكلما زاد حضوره، أصبح من الصعب على المتلقي أن يتجاهله. وهنا تكمن إحدى أخطر المفارقات الثقافية في عصرنا: ما يجذب الانتباه ليس بالضرورة ما يستحقه، وما يستحقه قد لا يكون قادرًا على جذب الانتباه. ومن هذه الزاوية يمكن أن نفهم انتشار بعض الأغاني أو الشخصيات أو الظواهر التي تتحول إلى حديث عام في تونس. ليس من الضروري أن تكون هذه الظواهر بلا قيمة مطلقًا، ولا أن يكون الجمهور الذي يتابعها ساذجًا أو فاقدًا للذوق. لكن علينا أن نسأل عن الآلية التي تجعل شيئًا معينًا حاضرًا في كل مكان، بينما تبقى أشياء أخرى أكثر عمقًا في الظل. فقد نجد شاعرًا لا يسمعه إلا عدد محدود من الناس، وباحثًا لا يقرأه إلا المتخصصون، ومبادرة اجتماعية لا تجد إلا اهتمامًا محدودًا، في الوقت الذي يحظى فيه مقطع عابر أو أغنية خفيفة بآلاف أو ملايين المشاهدات. هل يعني ذلك أن الجمهور اختار التفاهة؟ ليس بالضرورة. ربما يعني أن السوق الجديد للانتباه لا يعمل وفق سلم القيمة نفسه الذي اعتدنا التفكير به. وهنا تصبح المسألة أكبر من أغنية أو فنان أو مقطع على «فايسبوك». إنها مسألة تتعلق بالطريقة التي يعاد بها تشكيل المجال الثقافي نفسه. فالذي يتصدر الشاشة يصبح حاضرًا في الوعي، والذي يغيب عنها يصبح، تدريجيًا، أقل قدرة على المنافسة مهما كانت قيمته. وهكذا نصل إلى المفارقة التي يقوم عليها مقالنا كله: في حياتنا الاجتماعية قد نصغّر الأشياء حتى تصبح أكثر احتمالًا، وفي حياتنا الرقمية قد نكبّر الأشياء حتى تصبح أكثر قابلية للاستهلاك. وفي الحالتين توجد مشكلة واحدة محتملة: المسافة بين حجم الشيء الحقيقي والحجم الذي نمنحه له في وعينا. لكن هل يعني هذا أننا فقدنا فعلًا القدرة على تقدير الأشياء؟ أم أننا أمام تحول في المعايير التي نستخدمها للحكم عليها؟ وهنا نصل إلى السؤال الأخير، وربما الأصعب: من يحدد اليوم حجم الأشياء وقيمتها: نحن، أم السوق، أم الخوارزمية؟ رابعًا: هل فقدنا القدرة على تقدير الأشياء؟ بعد هذا المسار، قد يبدو من السهل إصدار حكم سريع: اللغة أصبحت فقيرة، والناس أصبحوا أسرى التفاهة، ووسائل التواصل الاجتماعي أفسدت الذوق العام. لكن مثل هذا الحكم، رغم سهولة إطلاقه، لا يقدم تفسيرًا حقيقيًا. فليس في استعمال التصغير عيب في ذاته، ولا في انتشار أغنية أو شخصية أو مقطع على وسائل التواصل ما يجعلها تلقائيًا تافهة. كما أن الشعبية ليست نقيض القيمة؛ فقد يصبح العمل الجيد واسع الانتشار، وقد تبقى فكرة عظيمة محدودة التداول. المسألة إذن ليست في ما نصغّره أو ما نكبّره، وإنما في المعيار الذي نستخدمه عندما نفعل ذلك. فالإنسان يحتاج إلى قدر من التخفيف لكي يعيش. السخرية والمبالغة والتصغير جزء من الحياة اليومية، وقد تكون وسيلة للتقارب والتعبير عن الحميمية وحتى لمقاومة ثقل الواقع. كما أن الإنسان بطبيعته يبحث عن القصص والشخصيات والأشياء التي تمنحه المتعة والانفعال. لكن هذه الآليات تصبح إشكالية عندما تتحول من وسائل للتعبير إلى بدائل عن الحكم. عندما لا نعود نسأل عن حجم المشكلة لأن الخطاب قدمها لنا في صورة صغيرة، أو لا نعود نسأل عن قيمة المحتوى لأن ملايين الأشخاص سبق أن شاهدوه، نكون قد تنازلنا، ولو جزئيًا، عن مهمة أساسية: أن نحكم بأنفسنا على الأشياء. وهنا تتقاطع الملاحظات التي انطلقنا منها مع الأسئلة التي طرحتها الفلسفة. نيتشه يلفت انتباهنا إلى أن السلوك الإنساني لا ينفصل عن علاقات القوة، وأن الإنسان لا يتعامل دائمًا مع قوته وضعفه بصورة مباشرة، بل يطور أساليب للتكيف والتأثير والمناورة. أما ماركس فيدفعنا إلى ما وراء الفرد، إلى الشروط المادية والاجتماعية التي تشكل علاقات العمل والملكية والحاجة والسلطة، ثم إلى عالم اقتصادي أصبحت فيه حتى قدرتنا على الانتباه موردًا قابلًا للاستثمار. لكن لا نحتاج إلى تحويل نيتشه أو ماركس إلى «مفتاح سحري» لتفسير المجتمع التونسي. فهما يساعداننا على طرح الأسئلة، لا على إعفائنا من البحث عن إجابات خاصة بواقعنا. والواقع أن الخطر الأكبر اليوم قد لا يكون في أن هناك من يبالغ أو يهوّن، فهذا قديم قدم الإنسان، وإنما في أن الآليات التي تقوم بالتكبير والتصغير أصبحت أقوى منا بكثير. ففي الماضي كان تأثير الفرد في حجم الحدث محدودًا نسبيًا. أما اليوم فقد تستطيع خوارزمية أن تجعل موضوعًا معينًا حاضرًا أمام ملايين الأشخاص، بينما تختفي موضوعات أخرى من مجال الرؤية العامة. وبذلك يصبح ما نراه باستمرار مرشحًا لأن يبدو لنا أهم مما هو عليه، وما لا نراه مرشحًا لأن يبدو غير موجود. وهنا لا تعود القضية قضية ذوق فردي فقط، بل قضية استقلال الحكم. هل أعتقد أن هذا مهم لأنه مهم فعلًا، أم لأنه ظهر أمامي ألف مرة؟ هل أرفض هذه الفكرة لأنها ضعيفة، أم لأن لا أحد يتحدث عنها؟ هل أضحك لأن الأمر مضحك فعلًا، أم لأن الجميع يضحكون؟ هل أعتبر شخصًا ما مهمًا بسبب ما يقدمه، أم بسبب عدد الأشخاص الذين يتابعونه؟ هذه الأسئلة تبدو بسيطة، لكنها في زمن اقتصاد الانتباه تصبح أسئلة سياسية وثقافية بامتياز؛ لأن من يملك القدرة على توجيه الانتباه يملك، إلى حد ما، القدرة على تحديد ما يدخل إلى وعينا وما يبقى خارجه. ولعل هذا هو المكان الذي يجب أن نعود فيه إلى نقطة البداية. «دويرة»، «سويعة»، «ترند». ثلاث كلمات تبدو متباعدة جدًا، لكنها قادتنا إلى سؤال واحد: هل نرى الأشياء بحجمها الحقيقي؟ قد تكون «الدويرة» مجرد لفظ حميمي لا يحمل أي دلالة أخرى، وقد تكون «السويعة» مجرد عادة لسانية، وقد يكون «التراند» مجرد طريقة حديثة لمعرفة ما يشغل الناس. ولا ينبغي أن نحمل الكلمات أكثر مما تحتمل. لكن حين تتكرر الظاهرة في سياقات مختلفة، يصبح من حقنا أن نتساءل: ماذا يحدث عندما يصبح التخفيف عادة، والتضخيم صناعة، والانتباه معيارًا للقيمة؟ ربما لا تكون المشكلة أننا فقدنا القدرة على تقدير الأشياء تمامًا. وربما لا يزال في المجتمع ما يكفي من العقل النقدي والذوق والمعرفة حتى لا نستسلم بالكامل لهذا الانقلاب. لكننا نعيش في زمن تتكاثر فيه الجهات التي تريد أن تقدّر الأشياء نيابة عنا: السوق، والإعلان، ووسائل الإعلام، والخوارزميات، وحتى ضغط الجماعة. ولذلك فإن المقاومة لا تبدأ برفض «الترند»، ولا بالسخرية من اللغة الشعبية، ولا بالحنين إلى زمن مثالي لم يكن موجودًا أصلًا. تبدأ بشيء أبسط وأصعب في الوقت نفسه: أن نعيد الأشياء إلى أحجامها الحقيقية. أن نعرف متى يكون الشيء صغيرًا فعلًا، ومتى نكون نحن الذين صغّرناه. أن نعرف متى يستحق الشيء أن يكبر، ومتى تكون الخوارزمية هي التي كبّرته. فربما لم نفقد القدرة على تقدير الأشياء بعد... لكن السؤال الحقيقي هو: هل ما زلنا نملك معيارًا مستقلًا نقيس به قيمتها؟
#أسامة_بن_مختار_العلوي (هاشتاغ)
Oussama_Aloui#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حزب أم جبهة؟ قراءة مادية جدلية في المهام الثورية لليسار التو
...
-
نهاية التاريخ بين الدين والفلسفة والفيزياء
-
وهم التنمية البشرية: قراءة ماركسية في صناعة النجاح الفردي
-
صعب أن نكون ماركسيين وأصعب أن لا نكون: المادية التاريخية في
...
-
أنماط الإنتاج وطبيعة المجتمع التونسي منذ الاستقلال: قراءة جد
...
-
نظام الحكم المحلي ( اللامركزية ) في تونس كلمة حق يراد بها با
...
المزيد.....
-
8 رصاصات قاتلة.. النيابة المصرية تصدر بيانًا حول جريمة التجم
...
-
500 ألف يورو قيمة مسروقات من منزل أميرة سعودية في مدينة كان
...
-
المتحدث باسم -النجباء- لـ RT: لن نسلم سلاحنا وقضية حصره تسته
...
-
مقتل رئيس استخبارات قوات المشير حفتر في تفجير سيارة في بنغاز
...
-
الخارجية الروسية: كييف تستخدم بيانات استخبارات الناتو لضرب س
...
-
شويغو: في أوكرانيا يروجون علنا لتقديس الموت ويمارسون طقوسا و
...
-
مصر.. النيابة تحيل قاتل أسرة كاملة إلى المحاكمة العاجلة
-
خطوط جوية روسية جديدة نحو مطارات مصر
-
كاتس: الجيش الإسرائيلي موجود في لبنان وسوريا وغزة ليبقى
-
مشاهد مروعة لاصطدام سيارة فاخرة بالمشاة في يكاتيرينبورغ الرو
...
المزيد.....
-
البساطة
/ عبدالجليل الكناني
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
-
تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع
/ علي حمدان
-
-الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن
/ احسان طالب
-
جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟
/ إحسان طالب
-
ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي
/ علاء سامي
-
كتاب العرائس
/ المولى ابي سعيد حبيب الله
-
تراجيديا العقل
/ عمار التميمي
المزيد.....
|