أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - أسامة بن مختار العلوي - صعب أن نكون ماركسيين وأصعب أن لا نكون: المادية التاريخية في مواجهة أزمات الحاضر العربي















المزيد.....


صعب أن نكون ماركسيين وأصعب أن لا نكون: المادية التاريخية في مواجهة أزمات الحاضر العربي


أسامة بن مختار العلوي
ناشط سياسي

(Oussama Aloui)


الحوار المتمدن-العدد: 8732 - 2026 / 6 / 10 - 20:50
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


منذ انهيار الاتحاد السوفييتي مطلع تسعينيات القرن الماضي، شاع الاعتقاد بأن الماركسية أصبحت جزءًا من الماضي، وأن الرأسمالية الليبرالية قد حسمت الصراع التاريخي لصالحها. ولم يقتصر الأمر على تراجع الأحزاب الشيوعية والحركات اليسارية، بل امتد إلى المجال الفكري حيث انتشرت أطروحات تتحدث عن "نهاية التاريخ" وانتصار اقتصاد السوق بوصفه الأفق النهائي للتطور البشري.
غير أن العقود اللاحقة كشفت واقعًا أكثر تعقيدًا. فالعالم الذي قيل إنه تجاوز الأسئلة التي طرحتها الماركسية وجد نفسه أمام أزمات اقتصادية متكررة، واتساع غير مسبوق للفوارق الاجتماعية، وتصاعد أشكال جديدة من الهيمنة والتبعية. أما في العالم العربي، فقد تزامن هذا المسار مع تفاقم مشكلات البطالة والتفاوت الجهوي وضعف التصنيع وتزايد الارتهان للخارج، وهي قضايا أعادت إلى الواجهة أسئلة ظن كثيرون أنها فقدت راهنيتها.
في هذا السياق، لا يتعلق الأمر بإحياء سجالات أيديولوجية قديمة أو بالدفاع عن تجارب سياسية بعينها، بقدر ما يتعلق بإعادة النظر في قيمة المادية التاريخية باعتبارها منهجًا لفهم الواقع الاجتماعي وتحليل تناقضاته. فالسؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت الماركسية قد انتصرت أو انهزمت، بل ما إذا كانت المجتمعات العربية قادرة على فهم أزماتها المركبة دون الاستفادة من الأدوات التحليلية التي طورتها الماركسية منذ القرن التاسع عشر.
إن أهمية هذا السؤال تتجاوز حدود الفكر الماركسي نفسه، لأنها تتصل بقضايا التنمية والسيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية ومستقبل الدولة الوطنية في العالم العربي. ومن هنا تنبع الحاجة إلى إعادة قراءة بعض الإسهامات الفكرية التي دافعت عن المنهج المادي، وفي مقدمتها كتاب صادق جلال العظم "دفاعًا عن المادية والتاريخ" وربطها بالتحديات التي تواجه المجتمعات العربية في المرحلة الراهنة.
أولًا: المادية التاريخية كمنهج لفهم الواقع
لا يمكن دراسة أي ظاهرة اجتماعية أو تاريخية بمعزل عن المنهج الذي نعتمده في تحليلها. ففهم الواقع ليس عملية تلقائية أو محايدة تمامًا، بل يرتبط بالأدوات النظرية التي نستعين بها وبالأسئلة التي نطرحها على موضوع الدراسة.
فحال عالم الاجتماع في حاجته إلى منهج دقيق كحال الطبيب الذي لا يستطيع تشخيص المرض دون تحاليل وصور أشعة، وكحال عالم الآثار الذي يستخرج شواهد الماضي مستعينًا بأدوات تنقيب متخصصة، وكحال السياسي الذي يعجز عن اتخاذ قرار رشيد إذا لم يستند إلى معرفة دقيقة بواقع المجتمع والاقتصاد والدولة. فلكل ظاهرة عدستها الخاصة، ولكل سؤال منهجه المناسب.
ومن هنا لا يبدو الجدل بين المناهج الفكرية المختلفة مجرد خلاف أيديولوجي، بل هو بحث دائم عن المنهج الأكثر قدرة على تفسير الواقع وكشف قوانين حركته.
في هذا الإطار تكتسب المادية التاريخية أهميتها، ليس بوصفها عقيدة مغلقة، بل باعتبارها منهجًا لتحليل المجتمع والتاريخ انطلاقًا من شروطهما المادية الملموسة. ولهذا يحتل كتاب "دفاعًا عن المادية والتاريخ" لصادق جلال العظم موقعًا خاصًا في الفكر العربي المعاصر، إذ يدافع عن المادية التاريخية بوصفها أداة نقدية ومنهجًا للمعرفة (1). فالعظم ينطلق من فكرة أساسية مفادها أن الظواهر الاجتماعية والتاريخية لا يمكن فهمها من خلال الأفكار المجردة وحدها، بل من خلال دراسة الشروط المادية التي تنتجها وتمنحها معناها التاريخي.
وقد جاءت هذه الأطروحة في مواجهة اتجاهات فكرية متعددة سعت إلى تفسير أزمات المجتمعات العربية من خلال عوامل ثقافية أو روحية أو حضارية مجردة. ففي كثير من الأحيان يُختزل التخلف في "العقلية السائدة" أو في "التراث" أو في خصائص ثقافية ثابتة، وكأن المجتمعات تتحرك بفعل الأفكار وحدها. غير أن هذا التفسير يغفل أن الأفكار نفسها تنشأ داخل سياقات اجتماعية واقتصادية وتاريخية محددة.
لا يعني ذلك أن الثقافة أو الفكر أو الدين عناصر ثانوية أو عديمة التأثير، بل يعني أن فهمها يقتضي البحث في الظروف التي تنتجها. فالمادية التاريخية لا تنكر دور الأفكار، وإنما ترفض فصلها عن الواقع الاجتماعي الذي تتشكل داخله. ولهذا السبب اعتبر ماركس أن الوعي الاجتماعي لا يوجد خارج التاريخ، بل يتطور في ارتباط دائم بالبنية المادية للمجتمع (2).
ومن هذه الزاوية يصبح تحليل المجتمع عملية تتجاوز الوصف الظاهري للأحداث نحو البحث عن العلاقات العميقة التي تحكمها. فالبطالة ليست مجرد مشكلة فردية، والفقر ليس مجرد نتيجة لسوء الإدارة، والهجرة ليست مجرد اختيار شخصي. إن هذه الظواهر تعكس في كثير من الأحيان اختلالات بنيوية داخل النظام الاقتصادي والاجتماعي.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في العالم العربي، حيث تميل بعض القراءات إلى تفسير الأزمات الراهنة من خلال أحكام ثقافوية عامة تتحدث عن "الاستثناء العربي" أو "خصوصية العقل العربي". ورغم ما قد تحتويه هذه التفسيرات من عناصر صحيحة جزئيًا، فإنها تظل عاجزة عن تفسير أسباب استمرار التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية بين الفئات والجهات والبلدان.
وقد ارتبط دفاع العظم عن التحليل المادي للتاريخ بدفاعه عن العقلانية العلمية. فالمجتمعات، في نظره، لا تحتاج إلى أساطير جديدة بقدر حاجتها إلى أدوات نقدية تمكنها من فهم واقعها كما هو، لا كما تتمنى أن يكون. ولهذا كان يرفض النزعات المثالية التي تبحث عن حلول خارج التاريخ أو خارج الشروط المادية الفعلية للمجتمع (3).
ومن هنا يمكن فهم أهمية المادية التاريخية بالنسبة إلى الفكر العربي المعاصر. فقيمتها لا تكمن في تقديم أجوبة جاهزة لكل المشكلات، بل في قدرتها على طرح الأسئلة الصحيحة. فهي تدفع الباحث إلى الانتقال من ظاهر الظواهر إلى جذورها، ومن الأحداث المتفرقة إلى البنى العميقة التي تنتجها.
ولعل هذا ما يفسر حضورها المستمر في الكتب الأكاديمية و الدراسات السياسية رغم كل ما تعرضت له من نقد. فالأزمات التي تواجهها المجتمعات العربية اليوم ليست مجرد أزمات سياسية ظرفية، بل هي أزمات ترتبط بأنماط التنمية ومواقع الدول داخل الاقتصاد العالمي وطبيعة العلاقات الاجتماعية السائدة. ولذلك فإن أي محاولة جادة لفهم هذه الأزمات تحتاج إلى منهج يربط بين الاقتصاد والسياسة والثقافة والتاريخ في إطار تحليلي واحد.
وليس من قبيل المصادفة أن تظل مقولة ماركس الشهيرة حول كون البشرية لا تطرح على نفسها من المشكلات إلا تلك التي تكون شروط حلها قد بدأت تتشكل بالفعل (4) موضع اهتمام حتى اليوم. فهذه المقولة لا تعبر عن تفاؤل ساذج أو حتمية تاريخية، بل تؤكد أن التناقضات التي تفرز الأزمات تحمل في الوقت نفسه إمكانيات تجاوزها. ومن هذا المنطلق تصبح دراسة الواقع ليست مجرد محاولة لفهمه، بل أيضًا مدخلًا للتفكير في إمكانيات تغييره.
ثانيًا: العالم العربي بين التبعية وأزمة التنمية
لقد حصلت أغلب الدول العربية على استقلالها السياسي خلال القرن العشرين، غير أن الاستقلال الاقتصادي ظل هدفًا لم يتحقق بالدرجة نفسها. فمعظم الاقتصادات العربية بقيت مرتبطة بالسوق العالمية من موقع التابع أكثر من موقع الشريك. وقد اتخذت هذه التبعية أشكالًا متعددة، من الاعتماد على تصدير المواد الأولية والموارد الطبيعية، إلى الارتهان للتكنولوجيا الأجنبية، مرورًا بالمديونية الخارجية والاختلال المزمن في الميزان التجاري.
في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى ضعف التصنيع باعتباره مجرد تأخر تقني، بل بوصفه تعبيرًا عن موقع معين داخل تقسيم العمل العالمي. فبينما تحتكر الدول الصناعية المتقدمة إنتاج التكنولوجيا والمعرفة والقيمة المضافة العالية، تظل أجزاء واسعة من العالم العربي متخصصة في تصدير المواد الخام أو المنتجات ذات القيمة المضافة المحدودة. وينتج عن ذلك خلل هيكلي يجعل النمو الاقتصادي، حين يتحقق، عاجزًا في كثير من الأحيان عن خلق تنمية مستقلة ومستدامة.
وقد كان المفكر والاقتصادي العربي سمير أمين من أبرز من حاولوا تفسير هذه الظاهرة من خلال مفهوم "التطور اللامتكافئ" (5). فالرأسمالية العالمية، في نظره، لا تنتج التنمية في كل مكان بالطريقة نفسها، بل تميل إلى تركيز الثروة والتكنولوجيا والقرار الاقتصادي في المراكز المهيمنة، بينما تعيد إنتاج التبعية في الأطراف. ومن هنا فإن التخلف لا يُفهم باعتباره مجرد تأخر عن ركب التقدم، بل بوصفه نتيجة لعلاقات تاريخية واقتصادية محددة.
وتبدو آثار هذا الوضع واضحة في عدد من المؤشرات الاجتماعية. فالبطالة، خصوصًا في صفوف الشباب وحاملي الشهادات العليا، ما تزال من أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات العربية. كما تتزايد ظاهرة هجرة الكفاءات العلمية والمهنية نحو البلدان الصناعية، بما يعكس عجز الاقتصادات المحلية عن استيعاب طاقاتها البشرية. وفي الوقت نفسه تتسع الفجوة بين المناطق الساحلية والمناطق الداخلية في عدد من البلدان العربية، بما يكشف استمرار اختلالات التنمية المجالية.
غير أن التحدي لا يقتصر على الاقتصاد وحده. فالتبعية الاقتصادية غالبًا ما تنعكس على المجال السياسي والثقافي أيضًا. إذ تصبح الدولة الوطنية مطالبة بالتوفيق بين متطلبات السوق العالمية ومطالب مواطنيها الاجتماعية، وهو توازن يصعب تحقيقه في ظل محدودية الموارد وضعف القدرة التفاوضية أمام القوى الاقتصادية الكبرى.
ومن منظور المادية التاريخية، لا يمكن فهم هذه الاختلالات بمعزل عن البنية الطبقية للمجتمع. فالتنمية ليست عملية تقنية محايدة، بل هي عملية اجتماعية تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والقوى السياسية والخيارات الاستراتيجية. ولذلك فإن السؤال التنموي يتحول في النهاية إلى سؤال يتعلق بمن يملك الثروة، وكيف تُوزع، ولصالح أي مشروع مجتمعي تُوظف.
ولا يعني ذلك أن المجتمعات العربية عاجزة عن تحقيق التنمية أو محكومة بالتخلف بصورة أبدية. فالمادية التاريخية ترفض النظرة القدرية إلى التاريخ، وتؤكد أن الواقع الاجتماعي يتغير بفعل التناقضات والصراعات والتحولات المستمرة. غير أن تجاوز الأزمة يتطلب أولًا فهم طبيعتها الحقيقية، والتمييز بين أعراضها الظاهرة وأسبابها البنيوية.
ومن هنا تبرز أهمية إعادة التفكير في مفهوم التنمية ذاته. فالتنمية ليست مجرد ارتفاع في معدلات النمو أو زيادة في الناتج المحلي الإجمالي، بل هي قدرة المجتمع على توسيع قاعدته الإنتاجية، وتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية، وتعزيز استقلال قراره الاقتصادي. وبغير ذلك قد يتحقق النمو دون أن يتحقق التقدم، وقد ترتفع المؤشرات الاقتصادية دون أن تنخفض مستويات الهشاشة والتبعية.
إن العالم العربي يقف اليوم أمام مفارقة لافتة. فهو يمتلك موارد طبيعية مهمة، وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا، وكتلة بشرية شابة، وإرثًا حضاريًا غنيًا. ومع ذلك ما تزال قدرته على تحويل هذه الإمكانات إلى مشروع تنموي متكامل محدودة. وهذه المفارقة لا يمكن تفسيرها باللجوء إلى الأحكام الثقافية العامة أو إلى الإرادة السياسية وحدها، بل تحتاج إلى تحليل تاريخي واجتماعي يكشف طبيعة البنية التي تتحرك داخلها هذه المجتمعات.
ومن هذا المنطلق، لا تبدو المادية التاريخية مجرد نظرية من نظريات القرن التاسع عشر، بل أداة فكرية تسمح بطرح أسئلة ما تزال راهنة: لماذا تتعثر التنمية؟ كيف تتشكل التبعية؟ ما العلاقة بين الاقتصاد والسياسة؟ وما الشروط الضرورية لبناء مشروع تنموي مستقل؟
إن هذه الأسئلة تقودنا مباشرة إلى قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي المسألة القومية. فالتبعية الاقتصادية والانقسام السياسي والتفاوت التنموي تطرح جميعها سؤالًا يتعلق بمستقبل الفضاء العربي المشترك، وبالعلاقة بين مطلب الوحدة أو التكامل من جهة، ومطلب العدالة الاجتماعية والتنمية من جهة أخرى. وهو ما يجعل مناقشة المسألة القومية خطوة ضرورية لفهم أزمات الحاضر العربي وآفاق تجاوزه.
ثالثًا: المسألة القومية وإشكالية النهضة العربية
تُعد المسألة القومية من أكثر الإشكالات تعقيدًا في الفكر السياسي العربي الحديث، لأنها تقع عند تقاطع التاريخي بالسياسي، والثقافي بالاقتصادي، والرمزي بالمادي. فمنذ نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، برزت مشاريع قومية عربية رأت في وحدة العرب أو على الأقل في تقاربهم السياسي والثقافي شرطًا أساسيًا للنهضة والتحرر. في المقابل، قدّمت الماركسية منظورًا مختلفًا يضع الصراع الطبقي والعلاقات الاقتصادية في مركز التحليل التاريخي.
في هذا السياق، قدم ستالين تعريفًا للأمة باعتبارها جماعة بشرية مستقرة تاريخيًا تتحدد بوحدة اللغة والإقليم والحياة الاقتصادية والثقافة المشتركة (6).
غير أن المقاربة الماركسية للمسألة القومية تختلف عن التصورات الرومانسية أو الثقافوية للأمة، لأنها تربط نشأة الأمة بتاريخ تشكل السوق والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية. فالأمة، في هذا المنظور، ليست مجرد شعور بالانتماء أو وحدة ثقافية، بل هي نتاج مسار تاريخي محدد تشكلت خلاله روابط اقتصادية واجتماعية موضوعية.
عند إسقاط هذا التعريف على الواقع العربي، تظهر مباشرة مجموعة من الأسئلة: هل يشكل العرب أمة واحدة بالمعنى المادي التاريخي؟ أم أن تعدد الدول والأنظمة الاقتصادية ومستويات التنمية يجعل الحديث عن أمة واحدة أقرب إلى البعد الثقافي واللغوي منه إلى البعد الاقتصادي والسياسي؟
من الناحية اللغوية والثقافية، لا شك أن هناك عناصر وحدة قوية بين المجتمعات العربية، تتمثل في اللغة والتاريخ المشتركين ودرجة من التشابه الثقافي والديني. غير أن المادية التاريخية، كما طُورت في الفكر الماركسي، لا تكتفي بهذه العناصر، بل تشدد على أهمية البنية الاقتصادية وتطور السوق الداخلية والعلاقات الاجتماعية في تشكيل الأمة.
ومن هنا تنشأ الإشكالية: فبينما تميل القومية العربية الكلاسيكية إلى التركيز على وحدة اللغة والتاريخ بوصفها أساسًا للوحدة السياسية الممكنة، تميل المقاربة الماركسية إلى التشكيك في إمكانية قيام وحدة فعلية دون وجود درجة من التكامل الاقتصادي وتجانس في البنية الاجتماعية. وهذا ما يجعل مفهوم "الأمة العربية" مفهومًا مركبًا يتداخل فيه الموضوعي بالذاتي، والاقتصادي بالثقافي.
غير أن هذا التوتر لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تناقضًا مطلقًا بين القومية والماركسية. فعدد من المفكرين العرب حاولوا إعادة صياغة العلاقة بين البعدين القومي والاجتماعي بطريقة أكثر تركيبًا. من بينهم ياسين الحافظ الذي سعى إلى الربط بين مسألة النهضة القومية ومشكلات البنية الاجتماعية الداخلية، معتبرًا أن الهزيمة العربية لا يمكن تفسيرها فقط بعوامل خارجية، بل أيضًا ببنية داخلية مأزومة.
وفي السياق نفسه، قدّم عبد الله العروي قراءة نقدية لإشكالية "التأخر التاريخي"، معتبرًا أن المجتمعات العربية تعيش توترًا بين أنماط تقليدية في التنظيم الاجتماعي والسياسي وبين متطلبات الحداثة التي فرضها النظام العالمي الحديث. وهذا التوتر ينعكس مباشرة على إشكالية الدولة، والهوية، والمشروع القومي.
أما في الفكر الماركسي العربي، فقد شكّل مهدي عامل نموذجًا مهمًا لمحاولة إعادة التفكير في العلاقة بين البنية القومية والبنية الطبقية. إذ لم ينظر إلى المسألة القومية باعتبارها بديلًا عن الصراع الطبقي، بل باعتبارها فضاءً تتداخل فيه التناقضات الاجتماعية مع أشكال الهيمنة الإمبريالية، ما يجعل التحرر الوطني غير منفصل عن مسألة التغيير الاجتماعي.
من هذا المنظور، يمكن القول إن الفصل الحاد بين القومية والماركسية يفقد الكثير من قدرته التفسيرية عند النظر إلى الواقع العربي المعاصر. فالقضية القومية ليست مجرد مسألة هوية ثقافية، كما أن الصراع الطبقي لا يمكن عزله عن سياقاته الوطنية والإقليمية. إنهما مستويان متداخلان من التحليل، يتطلب كل منهما الآخر لفهم أكثر شمولًا للواقع.
وفي ضوء ذلك، تصبح إشكالية النهضة العربية مرتبطة بسؤال مزدوج: كيف يمكن بناء مشروع وطني أو قومي قادر على تجاوز التجزئة السياسية؟ وكيف يمكن في الوقت نفسه معالجة الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية التي تعيق هذا المشروع؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تكون أيديولوجية صرفة، بل تتطلب تحليلًا ماديًا للتناقضات القائمة داخل البنية العربية نفسها.
ومن هنا تكتسب المادية التاريخية أهميتها، لأنها لا تفصل بين المسألة القومية والمسألة الاجتماعية، بل تحاول فهمهما داخل إطار واحد يربط بين البنية الاقتصادية والتشكيل السياسي والهوية الثقافية. وهذا ما يجعلها أداة تحليلية ما زالت قابلة للاستخدام في فهم التوترات التي تعيشها المجتمعات العربية حتى اليوم.
وبهذا المعنى، فإن المسألة القومية في العالم العربي ليست مجرد قضية فكرية، بل هي أيضًا قضية تاريخية مرتبطة بمسار تشكل الدولة الوطنية، وبموقع المنطقة داخل النظام العالمي، وبطبيعة التكوين الاجتماعي الداخلي. وهو ما يمهد للانتقال إلى سؤال أكثر مباشرة يتعلق بأزمة القوى السياسية التي حملت هذا الإرث النظري، أي أزمة اليسار العربي في سياق التحولات العالمية المعاصرة.
رابعًا: أزمة اليسار العربي بين الثورة و الإصلاح
إذا كانت أزمات العالم العربي قد أكدت استمرار التناقضات التي كشفت عنها المادية التاريخية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا تراجع اليسار العربي رغم استمرار الشروط الموضوعية التي بررت وجوده؟
يصعب تفسير هذا التراجع بالتحولات الدولية وحدها، أو بانهيار المعسكر الاشتراكي، أو بصعود النيوليبرالية. فهذه العوامل أثرت دون شك في موازين القوى، لكنها لا تكفي وحدها لفهم الأزمة. فالتبعية التي انتقدها اليسار لم تختف، والتفاوت الاجتماعي لم يتراجع، والاستغلال لم ينته، بل إن كثيرًا من هذه الظواهر ازداد عمقًا واتساعًا. ومع ذلك تراجع حضور اليسار السياسي والفكري في المجال العام.
هنا يصبح من المشروع التساؤل عمّا إذا كانت الأزمة أزمة واقع أم أزمة ممارسة سياسية. فجزء مهم من اليسار العربي انتقل تدريجيًا من موقع السعي إلى تغيير البنية الاجتماعية إلى موقع السعي إلى التكيف معها. وبدل أن يطرح نفسه قوة للتغيير الجذري، أصبح في كثير من الأحيان قوة إصلاحية تكتفي بالمطالبة بتحسين شروط إدارة الواقع القائم.
لقد كان اليسار العربي تاريخيًا حاملًا لمشروع تحرري واسع، يجمع بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والديمقراطية الشعبية. غير أن هذا المشروع تعرض مع مرور الزمن إلى سلسلة من التراجعات الفكرية والسياسية، انتهت لدى بعض مكوناته إلى القبول بقواعد اللعبة التي كان يفترض به أن ينتقدها. وهكذا تراجع سؤال الثورة لصالح سؤال الإصلاح، وتراجع تنظيم الجماهير لصالح العمل النخبوي، وتراجع الصراع الاجتماعي لصالح البحث عن التوافقات السياسية.
ولعل القارئ العربي يدرك مغزى المثل الشائع القائل: "يصلي خلف علي ويأكل مع معاوية". فالمقصود هنا ليس الإدانة الأخلاقية، بل توصيف حالة سياسية يصبح فيها الخطاب شيئًا والممارسة شيئًا آخر. إذ يمكن أن ترفع بعض القوى شعارات التغيير الجذري والعدالة الاجتماعية، بينما تنتهي عمليًا إلى التعايش مع البنية التي تنتج الظلم والتبعية، أو إلى الاكتفاء بمعارضة لفظية لا تتجاوز حدود الممكن الذي تفرضه تلك البنية نفسها.
ومن هذا المنظور، لا تبدو أزمة اليسار العربي أزمة أدوات تحليل بقدر ما تبدو أزمة إرادة سياسية وخط سياسي. فالمادية التاريخية لم تفقد قدرتها على تفسير الواقع، لكن جزءًا من القوى التي تبنتها فقد القدرة على تحويل هذا الفهم إلى ممارسة تاريخية منظمة. وهنا تكمن المفارقة: فكلما ازدادت الأزمات الاجتماعية والاقتصادية عمقًا، ازداد حضور الأسئلة الماركسية، في الوقت الذي تراجع فيه حضور القوى التي تدّعي تمثيلها.
ولعل هذا ما يجعل مقولة مهدي عامل حول صعوبة أن نكون ماركسيين أكثر راهنية اليوم. فالصعوبة لا تكمن فقط في مواجهة خصوم المشروع التحرري، بل أيضًا في مقاومة الميل الدائم إلى التكيف مع الواقع بدل العمل على تغييره. فالماركسية، في جوهرها، ليست مجرد تفسير للعالم، بل مشروع لتغييره؛ وعندما تنفصل عن هذا البعد تتحول من نظرية ثورية إلى مجرد خطاب نقدي فاقد لفاعليته التاريخية.
ختاما يمكن القول إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الماركسية قد فقدت صلاحيتها أو استمرّت، بل ما إذا كانت أدوات التحليل السائدة اليوم قادرة على فهم تعقيد الواقع العربي دون الاستفادة من الإرث النقدي الذي قدمته المادية التاريخية. فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا يتوقف عند هزيمة نظرية أو صعود أخرى، بل يعيد إنتاج أسئلته داخل أشكال اجتماعية جديدة .
المراجع :
(1) صادق جلال العظم، دفاعًا عن المادية والتاريخ.
(2) كارل ماركس، الأيديولوجيا الألمانية أو نصوص ماركس حول العلاقة بين الوعي والوجود الاجتماعي
(3) صادق جلال العظم، دفاعًا عن المادية والتاريخ
(4) كارل ماركس، مقدمة مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي
(5) سمير أمين، التطور اللامتكافئ.
(6) جوزيف ستالين، الماركسية والقضية القومية



#أسامة_بن_مختار_العلوي (هاشتاغ)       Oussama_Aloui#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنماط الإنتاج وطبيعة المجتمع التونسي منذ الاستقلال: قراءة جد ...
- نظام الحكم المحلي ( اللامركزية ) في تونس كلمة حق يراد بها با ...


المزيد.....




- ندوة صحفية في موضوع مستجدات الإعداد للمؤتمر الوطني السادس ال ...
- كشف خيوط حملة التحريض “شبه الرسمية” ضد اللاجئين
- Kenya’s Protests Against the Ebola Quarantine Facility Are a ...
- Needham, MA’s Adelson Family Foundation-Trump Connection Rev ...
- طبيعة الاحتلال الراهن في غزة ولبنان
- Trump’s Cuba Strategy Constitutes Economic Genocide
- New Report — Erasing Anything Palestinian: Israel’s Ethnic C ...
- بعد التطوير.. محطة لينينغرادسكي تنجح باختبار الزحام في أسبوع ...
- الأبعاد الرأسمالية والجيوسياسية وراء مشروع آل ترامب في ألبان ...
- تردد ترامب في ظل تصاعد مخاطر الحرب


المزيد.....

- كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية / رزكار عقراوي
- مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ ... / كوران عبد الله
- أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي / ك كابس
- روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي ... / بول هوبترل
- بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة / كلاوديو كاتز
- فلسفة التمرد- نقد الايديولوجيا اليسارية الراديكالية / ادوارد باتالوف
- كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الثورة التحريريّة - التوجّه الإستراتيجي و البرنامج الأساسي - ... / شادي الشماوي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - أسامة بن مختار العلوي - صعب أن نكون ماركسيين وأصعب أن لا نكون: المادية التاريخية في مواجهة أزمات الحاضر العربي