|
|
أنماط الإنتاج وطبيعة المجتمع التونسي منذ الاستقلال: قراءة جدلية في التبعية والتناقضات الاجتماعية وآفاق المشروع الوطني الديمقراطي
أسامة بن مختار العلوي
الحوار المتمدن-العدد: 8726 - 2026 / 6 / 4 - 15:22
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
منذ حصول تونس على استقلالها السياسي عام 1956، لم يكفّ السؤال عن طبيعة هذا المجتمع وعن مسار تطوره الاقتصادي والاجتماعي عن إثارة الجدل بين مختلف التيارات الفكرية والسياسية، ولا سيما داخل الحركة اليسارية. وهذا الجدل، الذي قد يبدو للبعض نظرياً أو أكاديمياً بحتاً، هو في الحقيقة ذو راهنية مباشرة: فالإجابة عنه تحدد طبيعة التناقضات الرئيسية التي تعمق المجتمع، وبالتالي تحدد البرنامج السياسي والنضالي الذي يمكن أن يخرج البلاد من أزمتها الممتدة. تونس التي نعرفها اليوم لم تنشأ من فراغ هي نتاج عقود من التحولات : من وضع استعماري مباشر، إلى دولة وطنية ذات سيادة شكلية، إلى اقتصاد السوق والخصخصة والإصلاحات الهيكلية. وفي خضم هذه التحولات، تبلورت فوارق جهوية عميقة بين الساحل والداخل، وتفاقمت التبعية المالية والتكنولوجية للخارج، وارتفعت نسبة البطالة، وتدهورت القدرة الشرائية، وتضخمت المديونية الخارجية حتى باتت قبضة المؤسسات المالية الدولية تمتد إلى تفاصيل الميزانية العامة. هذه الوقائع ليست مجرد أعراض عابرة إنها تعكس بنية ولن يمكن فهمها دون العودة إلى مفهوم التبعية كما طوره المفكرون الماركسيون، ودون ربط مصير تونس بموقعها داخل النظام الرأسمالي العالمي. لذلك تعتمد هذه القراءة على ثلاثة أعمدة نظرية أساسي أولاً: تحليل الإمبريالية عند لينين، الذي أظهر أن الرأسمالية الاحتكارية لا تقتصر على استغلال العمال داخل حدود الدولة القومية، بل تخضع شعوباً بأكملها لهيمنة رأس المال المالي العالمي ثانياً: نظرية التطور اللامتكافئ والتبعية عند سمير أمين، الذي أثبت أن اندماج البلدان الهامشية في السوق العالمية لا يؤدي بالضرورة إلى تنميتها، بل قد يعمق تخلفها ويعيد إنتاج تبعيتها، لأن الرأسمالية العالمية تعيد توزيع الفائض الاقتصادي لصالح المراكز المهيمنة ثالثاً: منهج مهدي عامل في تحليل التشكيلات الاجتماعية العربية، الذي حذّر من إسقاط التجربة الأوروبية ميكانيكياً على مجتمعاتنا، وأكد أن التناقضات الطبقية فيها تتشابك عضوياً مع قضايا التحرر الوطني والسيادة الاقتصادية هذه ليست مفردات للبرج العاجي. إنها أدوات لفهم لماذا تبقى القرارات الاقتصادية المصيرية لبلادنا خاضعة لضغوط صندوق النقد الدولي، ولماذا يظل عجز الميزان التجاري رهناً بتقلبات الأسواق العالمية، ولماذا تعجز الدولة عن فرض سياسة صناعية وطنية مستقلة. من هذا المنطلق، تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن المجتمع التونسي، رغم تطور العلاقات الرأسمالية داخله، لا يزال يعيش ضمن بنية تبعية عميقة، وأن التناقض بين متطلبات التنمية الوطنية المستقلة وآليات إعادة إنتاج التبعية يُشكّل أحد أبرز التناقضات الحاكمة لمساره التاريخي. وعلى هذا الأساس، فإن إنجاز مهام وطنية ديمقراطية عميقة يظل شرطاً ضرورياً لفتح الطريق أمام تحولات اجتماعية أكثر جذرية في المستقبل. أولاً: الإطار النظري – الإمبريالية والتبعية والتطور اللامتكافئ لا يمكن فهم واقع المجتمع التونسي بمعزل عن موقعه داخل النظام الرأسمالي العالمي. فقد كشف فلاديمير لينين، في كتابه "الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية"، أن الرأسمالية في مرحلتها الاحتكارية لا تكتفي باستغلال القوى العاملة داخل حدود الدولة القومية، بل تتوسع خارجياً لإخضاع شعوب ومناطق بأكملها بهدف تأمين مصادر المواد الأولية وأسواق تصريف المنتجات ومناطق استثمار فائض رأس المال. وهذا التحليل تجاوز النظرة التقليدية للرأسمالية كظاهرة وطنية، وأبرز طابعها العالمي القائم على التفاوت بين مراكز متراكمة في الشمال وأطراف تابعة في الجنوب. وليس المقصود بالتبعية مجرد التأخر في النمو، بل علاقة بنيوية تعيد إنتاج التخلف كشرط لازدهار المراكز. أما سمير أمين، فقد طوّر هذه المقاربة في تحليله للتطور اللامتكافئ. وبيّن أن اندماج البلدان الطرفية في السوق العالمية لا يؤدي إلى تحقيق التنمية المنشودة، بل إلى تعميق التبعية، لأن فائض القيمة الذي تنتجه هذه البلدان يُسحب تدريجياً نحو المراكز المهيمنة عبر آليات التبادل غير المتكافئ. ونتيجة لذلك، فإن نمو قطاعات اقتصادية معينة في البلدان التابعة لا يعني تحررها، بل يعني اندماجها الجديد في التقسيم العالمي للعمل بشكل يحافظ على هامشيتها من جهته، قدّم مهدي عامل نقداً مهماً للقراءات الماركسية الميكانيكية التي تحاول إسقاط نموذج التحول من الإقطاع إلى الرأسمالية كما حدث في أوروبا على المجتمعات العربية. وأكد أن هذه المجتمعات تشكّلت في سياق استعماري خاص، مما جعل علاقات الإنتاج فيها متداخلة ومعقدة، وجعل التناقض الطبقي غير منفصل عن التناقض بين السيادة الوطنية والهيمنة الخارجية. هذه المقاربات الثلاثة تشكّل معاً إطاراً نظرياً متماسكاً لفهم الحالة التونسية. فهي تمنعنا من الوقوع في تبسيطين خاطئين : تبسيط يختزل كل شيء في الصراع الطبقي الداخلي فقط، متجاهلاً البعد الإمبريالي وتبسيط يختزل كل شيء في "المؤامرة الخارجية"، متجاهلاً دور الطبقات المحلية في إعادة إنتاج التبعية الواقع هو تداخل الاثنين. وهذا التداخل هو بالضبط ما سنحاول تتبعه في المسار التاريخي التونسي. ثانيًا: المجتمع التونسي عشية الاستقلال – حدود القطيعة مع الاستعمار لم تبدأ تونس مسارها بعد الاستقلال من نقطة صفر، بل من واقع اقتصادي واجتماعي تشكّل عبر عقود من الهيمنة الاستعمارية الفرنسية. فقد دُمج الاقتصاد التونسي في المنظومة الرأسمالية العالمية بوصفه اقتصادًا تابعًا، مهمته تزويد السوق الفرنسية بالمواد الأولية والمنتجات الزراعية، وفي الوقت نفسه استيراد المنتجات الصناعية الجاهزة من المركز الاستعماري
ولم تكن هذه العلاقة محايدة، بل أعادت تشكيل البنية الداخلية للمجتمع التونسي بطرق عميقة تركزت الاستثمارات والبنية التحتية في المناطق الساحلية القريبة من الموانئ (تونس، سوسة، صفاقس)، بينما أُهملت الجهات الداخلية (القصرين، سيدي بوزيد، الكاف، قفصة) وحُوّلت إلى مناطق للهجرة الريفية ومصدر للأيدي العاملة الرخيصة. أُضعفت الصناعة الوطنية التقليدية (النسيج، الفخار، الصناعات اليدوية) لأنها كانت تنافس السلع المستوردة من فرنسا أعيد تنظيم الملكية الزراعية لصالح المعمرين والشركات الأجنبية، مع تهميش الفلاحين التونسيين الذين تحول الكثير منهم إلى عمال زراعيين بلا أرض أو إلى مهاجرين نحو المدن الساحلية. هذا هو الإرث الذي ورثته الدولة الوطنية عند الاستقلال. ليس إرثًا محايدًا، بل بنية كاملة من التبعية والتهميش والتفاوت. عندما تسلمت الدولة التونسية زمام الأمور عام 1956، وجدت نفسها أمام مهمة مزدوجة: بناء مؤسسات الدولة الحديثة من جهة، والسعي إلى تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى. وهذا يتطلب، من الناحية المنطقية، قطيعة مع الهيكل الاقتصادي الذي خلفه الاستعمار. لكن هل تحققت هذه القطيعة؟ الجواب، من منظور نقدي، هو: لا. وإلا لكنا اليوم في وضع مختلف تمامًا فالاستقلال، كما يرى العديد من الباحثين اليساريين، لم يكن انتقالًا من التبعية إلى السيادة الكاملة، بل انتقالًا من السيطرة الاستعمارية المباشرة إلى أشكال جديدة من الارتباط بالسوق الرأسمالية العالمية. الدولة الوطنية الناشئة لم تقطع مع رأس المال الأجنبي، بل نظمت علاقتها به. والبرجوازية المحلية التي تشكّلت في تلك الفترة لم تكن برجوازية صناعية منتجة، بل برجوازية وسيطة مرتبطة بأجهزة الدولة وبمصالح الرأسمال الأجنبي. هذا لا يعني إنكار المكاسب الحقيقية التي تحققت في مجالات التعليم والصحة والإدارة وتحرير المرأة. فهذه المكاسب كانت مهمة، ولا ينبغي لأي يساري أن يستهين بها. لكن المشكلة أنها بقيت محصورة في إطار دولة تابعة، مما جعلها هشة وقابلة للتراجع كلما تعمقت أزمة التبعية.. ثالثًا: تجربة التعاضد والتحولات الاقتصادية اللاحقة في ستينيات القرن الماضي، خاضت تونس تجربة فريدة نسبيًا في سياق العالم العربي، عُرفت بـ"تجربة التعاضد". كانت محاولة لإيجاد طريق تنموي مستقل نسبيًا عن النموذج الرأسمالي التقليدي، من خلال تنظيم الإنتاج الزراعي وبعض الأنشطة الاقتصادية في إطار تعاوني يهدف إلى تعبئة الموارد وتجاوز التخلف. لا يمكن إنكار الطموح التحديثي الذي حملته هذه التجربة، ولا يمكن إنكار أنها أثارت خوف البرجوازية التقليدية والإقطاعيين الجدد، مما يدل على أنها لمست مصالح حقيقية. لكنها في الوقت نفسه واجهت صعوبات بنيوية. ضعف مشاركة المنتجين المباشرين في صنع القرار، مما جعل التجربة تبدو في كثير من الأحيان "مفروضة من فوق الطابع البيروقراطي للإدارة الاقتصادية، الذي أدى إلى هدر الموارد وضعف الكفاءة. عدم توفر مناخ سياسي ديمقراطي يسمح بالنقاش الحر حول أخطاء التجربة وتصحيحها. هذه الصعوبات، مع المقاومة الداخلية من الفئات المستفيدة من الملكية الخاصة التقليدية، ومع الضغوط الخارجية من المؤسسات المالية الدولية، أدت إلى فشل التجربة وانهيارها بحلول نهاية الستينيات ومع مطلع السبعينيات، انعطفت تونس نحو سياسات أكثر انفتاحًا على القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية. وفي الثمانينيات، وتحت ضغط أزمة المديونية، تم اعتماد برامج "الإصلاح الهيكلي" التي فرضتها المؤسسات المالية الدولية (صندوق النقد والبنك الدوليين) عام 1986 نتائج هذه السياسات كانت متناقضة ظاهريًا لكنها متماسكة بنيويًا: من جهة، شهدت البلاد توسعًا في بعض القطاعات الصناعية والخدمية، وظهرت طبقات وسطى جديدة مرتبطة بالاستثمار الأجنبي ، من جهة أخرى، تضاعفت المديونية الخارجية، وارتفعت البطالة بشكل غير مسبوق، وتعاظمت الفوارق الاجتماعية والجهوية، وتراجع دور الدولة في توفير الخدمات الأساسية والضمان الاجتماعي. هذا المسار هو الذي أوصل تونس إلى الألفية الثالثة وهي تحمل في داخلها قنبلة موقوتة: شباب متعلم لا يجد عملًا، جهات كاملة تعيش على هامش التنمية، نقابة وطنية مهضومة، وطبقة سياسية فاسدة لا تمثل إلا نفسها وحلفاءها من رأس المال الأجنبي. رابعًا: الحركة اليسارية التونسية وصراع البدائل لم تمر هذه التحولات دون مقاومة أو نقد. منذ ستينيات القرن الماضي، برزت تيارات يسارية متعددة حاولت تقديم قراءة بديلة لمسار الدولة الوطنية ولطبيعة التنمية السائدة. وبالرغم من القمع والملاحقات التي تعرضت لها، استطاعت هذه التيارات أن تحافظ على حضورها داخل المشهد الفكري والنضالي التونسي يمكن تمييز عدة محطات في هذا المسار: أولاً: ظهور حركة "آفاق" في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، التي لعبت دورًا مهمًا في نقد الاستبداد السياسي والخيارات الاقتصادية الرسمية، وساهمت في نشر الفكر الماركسي داخل الجامعة التونسية، خاصة عبر أسماء مثل الهادي المبروك وعبد الرزاق الكافي ومحمد الكيلاني ثانيًا: تبلور تنظيم "العامل التونسي" والعديد من التنظيمات الماركسية اللينينية التي ركزت على قضايا الطبقة العاملة والتحرر الوطني، وحاولت بناء جسور مع الحركة النقابية في الاتحاد العام التونسي للشغل ثالثًا: صعود الحركة الطلابية والنقابية في السبعينيات والثمانينيات، حيث أصبحت الجامعة التونسية أحد أهم فضاءات الصراع الفكري والسياسي، وشهدت نقاشات حادة حول طبيعة المجتمع والمهام المطروحة رابعًا: ظهور حزب الوحدة الشعبية (الوطد) وتفرعاته، وكذلك تنظيم "الشعلة" وغيرهما من التنظيمات التي ساهمت في الدفاع عن قضايا الديمقراطية والسيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية، ولعبت أدوارًا مهمة في النضالات النقابية والطلابية والشعبية، خاصة في المناطق المهمشة مثل الحوض المنجمي بقفصة لكن الحركة اليسارية التونسية عانت، ولا تزال تعاني، من مشكلات موضوعية وذاتية: الانقسامات التنظيمية والتشرذم، مما أضعف قدرتها على تشكيل جبهة سياسية موحدة ضعف الامتداد داخل بعض القطاعات الشعبية، لا سيما في المناطق الريفية العميقة صعوبة ترجمة التأثير الفكري والثقافي إلى قوة سياسية جماهيرية قادرة على قيادة التحركات الاجتماعية وتحويلها إلى برنامج سياسي بديل. ورغم هذه الإشكاليات، فإن اليسار التونسي ظل حاضرًا في كل محطة نضالية كبرى، وصولًا إلى انتفاضة الحوض المنجمي سنة 2008، ثم انتفاضة 2010-2011 التي فجرت النظام وأسقطت الديكتاتورية خامسًا: ثورة 2011 – كشف الأزمة دون حسمها مثلت انتفاضة 17 ديسمبر 2010 – 14 جانفي 2011 لحظة تاريخية فارقة في تاريخ تونس المعاصر. لم تأت من فراغ، بل انفجرت نتيجة عقود من التهميش والبطالة والفساد والتبعية الاقتصادية. والشعار الذي رفعته الجماهير – "شغل، حرية، كرامة وطنية" – لم يكن شعارًا عشوائيًا، بل كان تعبيرًا مكثفًا عن الترابط العضوي بين المطلب الديمقراطي والمطلب الاجتماعي والمطلب الوطني لقد أسقطت الثورة النظام السياسي الديكتاتوري، وهذا إنجاز تاريخي لا يمكن إنكاره. لكن السؤال الذي ظل مفتوحًا، وما زال، هو: هل تغيرت البنية الاقتصادية والاجتماعية التي أنتجت هذا النظام؟ للأسف، الجواب هو لا ثورة، استمرت السياسات الاقتصادية الأساسية نفسها: استمرت المديونية في الارتفاع، واستمر الاقتصاد التونسي مرتبطًا بصورة وثيقة بالمؤسسات المالية الدولية والأسواق الخارجية، واستمرت الأولوية للخصخصة وجذب الاستثمار الأجنبي على حساب التنمية الداخلية المستقلة. وما برامج صندوق النقد الدولي التي تتابعت بعد 2011 إلا دليل على ذلك. الفرق الوحيد هو أن هذه السياسات باتت تُطبق اليوم تحت غطاء "ديمقراطي"، مما يجعل النقد أحيانًا أكثر صعوبة لأن النظام الجديد يقول لك: "نحن منتخبون، ونمثل الشعب" وهنا تكمن المفارقة: الثورة كشفت عمق الأزمة البنيوية للمجتمع التونسي، لكنها لم تستطع حسم التناقضات التي أوصلت إليها. وما نراه اليوم من أزمات متتالية – سياسية، اقتصادية، اجتماعية – هو استمرار لنفس المنطق، وليس انقطاعًا عنه. سادسًا: الجدل داخل اليسار التونسي حول طبيعة المجتمع لطالما كان النقاش حول طبيعة المجتمع التونسي، داخل اليسار تحديدًا، أكثر من مجرد تمرين نظري. فهو يحدد الإجابة عن أسئلة مصيرية: هل نحن في مرحلة رأسمالية متكاملة؟ أم أن مجتمعنا لا يزال يحتفظ ببقايا علاقات ما قبل رأسمالية؟ هل التناقض الرئيسي هو بين العمل ورأس المال، أم بين السيادة الوطنية والتبعية للإمبريالية؟ هذه الأسئلة ليست أكاديمية، لأن الإجابة عنها تحدد البرنامج السياسي: هل نطالب فورًا بالاشتراكية؟ أم أن المطلوب أولاً هو إنجاز مهام وطنية ديمقراطية؟ يمكن تمييز ثلاثة اتجاهات رئيسية في هذا الجدل : الاتجاه الأول: أطروحة الرأسمالية التابعة يرى أصحاب هذا الاتجاه أن تونس أصبحت مجتمعًا رأسماليًا بكل المقاييس، وأن علاقات الإنتاج الرأسمالية أصبحت هي المهيمنة على مختلف القطاعات الاقتصادية. لكن هذه الرأسمالية، كما يشيرون، ليست رأسمالية وطنية مستقلة، بل رأسمالية تابعة ومندمجة في النظام الرأسمالي العالمي من موقع هامشي. وبناءً على هذا التشخيص، فإن التناقض الأساسي هو التناقض بين العمل ورأس المال، ومهام الانتقال نحو الاشتراكية أصبحت مطروحة بصورة مباشرة. والمطلوب هو بناء حزب طليعي يقود الطبقة العاملة لاقتحام السلطة. الاتجاه الثاني: أطروحة المجتمع شبه المستعمر هذه المقاربة تركز على استمرار التبعية الاقتصادية والسياسية رغم الاستقلال الشكلي. فالقرارات الاقتصادية الكبرى، من وجهة نظرهم، ليست ملكًا للدولة التونسية، بل تخضع لمصالح المؤسسات المالية الدولية والشركات متعددة الجنسيات. وعليه، فإن التناقض الرئيسي ليس الطبقي الداخلي أولاً، بل التناقض بين القوى الوطنية والقوى الإمبريالية وحلفائها المحليين. وتُعطى أولوية لمسألة السيادة الوطنية والتحرر الاقتصادي باعتبارها شرطًا لأي تقدم اجتماعي حقيقي. فبدون استقلال وطني حقيقي، حتى الصراع الطبقي سيظل مشوهًا ومحدود النتائج. الاتجاه الثالث: أطروحة المجتمع شبه الإقطاعي وشبه المستعمر هذه القراءة، التي تأثرت بتجارب الثورات الوطنية الديمقراطية في آسيا وأمريكا اللاتينية، ترى أن العلاقات الرأسمالية لم تستكمل بعد هيمنتها الكاملة على المجتمع التونسي. فلا تزال بقايا العلاقات التقليدية قائمة في الريف، والتفاوتات الجهوية عميقة جدًا، والتطور الصناعي ضعيف، والبرجوازية الوطنية لم تنضج بعد. من هذا المنظور، فإن المرحلة الراهنة ليست مرحلة اشتراكية، بل مرحلة وطنية ديمقراطية، هدفها تصفية ما تبقى من الإقطاع والتبعية، وبناء سوق وطنية موحدة، وإنجاز تنمية مستقلة، وإقامة ديمقراطية حقيقية. والاشتراكية تبقى أفقًا بعيدًا، وليس مطلبًا مرحليًا. أين أقف شخصيًا؟ بدون أن أدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، أميل إلى تبني المنظور الوطني الديمقراطي القريب من الاتجاه الثالث، لكن مع وعي شديد بأهمية البعد الطبقي. فالتبعية ليست مجرد عامل خارجي، بل أعادت تشكيل الطبقات المحلية بشكل جعلها غير قادرة على قيادة تنمية مستقلة. ولذلك، فإن تحرير تونس من التبعية يتطلب في الوقت نفسه تحريرها من الهيمنة الداخلية للبرجوازية الوسيطة المرتبطة برأس المال الأجنبي. هذا الموقف يحاول تجنب مأزقين : مأزق اليسار الكلاسيكي الذي يتحدث عن الاشتراكية وكأننا في أوروبا الصناعية في القرن التاسع عشر. ومأزق التيار القومي البرجوازي الذي يتحدث عن السيادة الوطنية وكأن الصراع الطبقي غير موجود. الطريق الثالث، كما أراه، هو الطريق الذي يجمع بين النقد الجذري للتبعية والنقد الجذري للرأسمالية المحلية، ويرى أن إنجاز المهام الوطنية الديمقراطية هو المدخل العملي لأي تحول أعمق في المستقبل. سابعًا: التناقضات الأساسية في المجتمع التونسي من منظور الجدل المادي، لا يمكن فهم حركة المجتمع إلا من خلال دراسة التناقضات التي تحكم تطوره. وفي الحالة التونسية، يمكن تحديد أربعة تناقضات رئيسية تتشابك وتعزز بعضها البعض: أولاً: التناقض بين التبعية والسيادة الوطنية هذا التناقض هو الأكثر جوهرية، لأنه يضعف كل سياسة وطنية مستقلة. وهو يظهر يوميًا في: ارتهان الميزانية العامة لشروط صندوق النقد الدولي. عجز الميزان التجاري المزمن الناتج عن هيكل الاقتصاد المصمم للاستيراد لا للتصدير بقيمة مضافة عالية. فقدان القدرة على حماية الإنتاج الوطني من المنافسة الأجنبية غير المتكافئة. هروب الأرباح التي تحققها الشركات الأجنبية نحو مراكزها الأم. ثانيًا: التناقض بين العمل ورأس المال وهو التناقض الطبقي الكلاسيكي، لكنه يأخذ في تونس أشكالًا خاصة: تفاوت متزايد في توزيع الثروة، حيث تتراكم الثروات في أيدي أقلية مرتبطة برأس المال الأجنبي وبأجهزة الدولة. تدهور القدرة الشرائية للأجور، مع ارتفاع متواصل في الأسعار. انتشار البطالة والهشاشة الاجتماعية، وتحول جزء كبير من الطبقة العاملة إلى قطاع غير منظم. إضعاف الحقوق النقابية والمكتسبات الاجتماعية تحت شعار "الإصلاح" و"التقشف". ثالثًا: التناقض بين الساحل والداخل وهو أحد أكثر التناقضات وضوحًا ومرارة في التجربة التونسية. فالساحل الشرقي (تونس، سوسة، صفاقس، المنستير، المهدية) احتكر منذ الاستعمار نصيب الأسد من الاستثمارات والخدمات والبنية التحتية. بينما بقيت الجهات الداخلية (القصرين، سيدي بوزيد، الكاف، جندوبة، قبلي، توزر، وغيرها) تعاني من تهميش مزمن يتجلى في: ضعف البنية التحتية والخدمات الأساسية. ارتفاع نسبة البطالة والفقر. غياب المشاريع التنموية الكبرى. هجرة الكفاءات والشباب نحو الساحل أو الخارج. هذا التناقض ليس مجرد تفاوت في التوزيع، بل هو جزء من البنية التبعية نفسها: الساحل مرتبط بالتصدير والاستيراد عبر الموانئ، والداخل مهمش لأنه لا يخدم مباشرة منطق التكامل مع السوق العالمية. رابعًا: التناقض بين الحاجات الاجتماعية ومنطق السوق وهذا التناقض تعمق بعد الثورة، حيث تراجعت الدولة عن دورها الاجتماعي بشكل ملحوظ: خصخصة القطاع العام وبيع مؤسسات منتجة بأسعار بخسة. تقليص الدعم عن المواد الأساسية (الخبز، الحليب، السكر، المحروقات)، مما يثقل كاهل الفئات الفقيرة والمتوسطة. تردي الخدمات العامة في الصحة والتعليم والنقل. تحول التعليم العالي من حق اجتماعي إلى سلعة يحددها السوق. هذه التناقضات الأربعة ليست منفصلة عن بعضها البعض. بل تتداخل ضمن بنية واحدة تعكس أزمة النموذج التنموي السائد منذ الاستقلال. وأي مشروع جاد للتغيير لا بد أن يتعامل معها كلها في آن واحد، لا أن يختزل الأزمة في أحدها. ثامنًا: المشروع الوطني الديمقراطي كأفق تاريخي إذا كان التشخيص الذي قدمته حتى الآن صحيحًا إلى حد ما، فإن السؤال التالي هو: ماذا نفعل؟ أعتقد أن المهام التاريخية المطروحة اليوم على القوى الساعية إلى التغيير في تونس هي مهام وطنية ديمقراطية بالمعنى العميق للكلمة. وطني يعني تحرير الاقتصاد والقرار السياسي من الهيمنة الخارجية. ديمقراطي يعني تحرير المجتمع من الاستبداد السياسي ومن هيمنة رأس المال على الدولة. وهذه المهام ليست بديلاً عن النضال الطبقي، بل هي شكله العملي في المرحلة الراهنة. فبدون سيادة وطنية، لا يمكن بناء سياسات اقتصادية لصالح الطبقات الشعبية. وبدون ديمقراطية حقيقية، لا يمكن للطبقات الشعبية أن تنظم نفسها وتفرض إرادتها. في هذا الإطار، يمكن تحديد أبرز مهام المشروع الوطني الديمقراطي في تونس على النحو التالي : في المجال الاقتصادي : استعادة السيادة الاقتصادية الوطنية عبر مراجعة اتفاقيات التبعية مع المؤسسات المالية الدولية. مراجعة منظومة المديونية الخارجية، والمطالبة بإلغاء الديون غير العادلة. إعادة الاعتبار للقطاع العمومي المنتج، وتطوير الصناعة الوطنية لحماية السوق الداخلية وخلق مواطن شغل دائمة. تحقيق الأمن الغذائي عبر دعم الفلاحة الصغيرة والمتوسطة وحماية المنتوج المحلي. إصلاح البنية الزراعية بما يحد من تركيز الملكية ويوزع الأراضي على الفلاحين المعدمين. في المجال الاجتماعي : تحقيق العدالة الجهوية عبر سياسة تنموية لا مركزية تعيد توزيع الثروة والاستثمارات والخدمات. توسيع الحريات الديمقراطية والنقابية، وضمان الحق في الإضراب والتنظيم والتظاهر السلمي. بناء نظام ضمان اجتماعي شامل يحمي العمال والفلاحين والعاطلين عن العمل والمهمشين. دعم الاقتصاد التعاوني والاجتماعي كبديل حقيقي للرأسمالية، لا كغطاء شكلي لها. في المجال السياسي : بناء جبهة وطنية ديمقراطية واسعة تضم الأحزاب اليسارية والنقابات والجمعيات والشخصيات الوطنية المستقلة. كسر احتكار البرجوازية الوسيطة للدولة، وفتح المجال أمام مشاركة شعبية حقيقية في صنع القرار. فصل المصالح الاقتصادية عن السلطة السياسية، ومكافحة الفساد بوصفه ظاهرة بنيوية لا مجرد سلوك فردي. هذه المهام طموحة، وقد تبدو للبعض غير قابلة للتحقيق في الظروف الراهنة. لكن التاريخ لا يُصنع بالتشاؤم، ولا بالتفاؤل الساذج، بل بالإرادة المنظمة القادرة على ربط التحليل النظري بالممارسة النضالية اليومية. تونس التي خرجت فيها الجماهير في ديسمبر 2010 تطالب بـ"شغل، حرية، كرامة وطنية" ليست تونس التي نعيش فيها اليوم. لقد تبددت آمال كثيرة، وارتفعت معدلات الإحباط، وعاد كثيرون يتساءلون: هل كانت الثورة مجرد وهم؟ لكن قراءة تاريخية جادة لمسيرة تونس منذ الاستقلال تكشف أن الأزمة الراهنة ليست مجرد فشل حكومة أو تعثر انتقال ديمقراطي. الأزمة أعمق من ذلك بكثير. إنها أزمة نموذج تنموي قائم على التبعية، أزمة دولة وُلدت تابعة ولم تستطع طوال سبعين عامًا أن تحقق قطيعة حقيقية مع إرثها الاستعماري. الاستقلال السياسي كان خطوة ضرورية، لكنه لم يكن كافيًا. وما نتج عنه، للأسف، لم يكن تحررًا وطنيًا حقيقيًا، بل انتقالًا من هيمنة استعمارية مباشرة إلى هيمنة مؤسسات مالية دولية عبر برجوازية محلية وسيطة. ثورة 2011 كشفت هذا كله. أضاءت على الفساد، على التهميش، على البطالة، على غياب الكرامة. لكنها لم تستطع بعد أن تقدم بديلاً ناضجًا. وهذا هو بالضبط موقعنا التاريخي اليوم: بين كشف الأزمة وبناء البديل. إن التناقض الذي مازال يحكم مجتمعنا، برأيي، هو التناقض بين متطلبات التنمية الوطنية المستقلة وآليات إعادة إنتاج التبعية. وهذا التناقض لا يمكن حسمه بالانتخابات وحدها، ولا بالشعارات الراديكالية المجردة، ولا بالانتظار السلبي. لا يمكن حسمه إلا بمشروع سياسي وطني ديمقراطي جماهيري يضع السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية الحقيقية في صلب برنامجه. مشروع لا يكتفي بنقد الواقع، بل يبني قوة اجتماعية قادرة على تغييره. مستقبل تونس لن يتحدد في قصور الرئاسة أو في قاعات صندوق النقد الدولي. مستقبل تونس سيتحدد في قدرة الفلاح المعدم في سيدي بوزيد، والعامل المطرود في قفصة، والشاب العاطل في تونس الكبرى، والأستاذ المضرب عن العمل. هذه هي غاية المشروع الوطني الديمقراطي. وهذه هي وسيلته أيضًا: الإنسان التونسي نفسه، ليس موضوعًا للتنمية، بل غايتها وفاعلها. وهذا المقال، مهما بلغت قوته أو ضعفه، ليس سوى دعوة مفتوحة للنقاش الجاد، والمراجعة الصادقة، وإعادة بناء جبهة نضالية قادرة على حمل هذا المشروع إلى النور.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
نظام الحكم المحلي ( اللامركزية ) في تونس كلمة حق يراد بها با
...
المزيد.....
-
-أتعبثون معي؟- و -هل هذا سيرك؟-.. أكثر 5 لحظات توترًا باستجو
...
-
تحليل.. نفوذ إيران على مضيق هرمز باق وما البدائل أمام دول ال
...
-
ولاية الرئيس تشعل اشتباكات في مقديشو
-
مذكرة التفاهم المحتملة بين أمريكا وإيران تعود إلى الواجهة من
...
-
مسيرة روسية تشعل جدلا سياسيا في رومانيا بعد سقوطها قرب الحدو
...
-
خبير عسكري: اتفاق لبنان وإسرائيل مجرد ترتيبات أمنية ولن يُطب
...
-
مسيّرات أوكرانية تضرب عمق روسيا وأضرار بمحطة سانت بطرسبرغ ال
...
-
إذا استولى الذكاء الاصطناعي على الوظائف.. هل تنقذنا هذه الأف
...
-
بعد أن كانت بمنأى عنها.. الحرب تقترب من أكبر مدن روسيا
-
ماذا يخطط زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون بتفقد منشأة نووية
...
المزيد.....
-
حوار الرفيق ع.الغني القباج مع جريدة -المناضل-ة-
/ عبد الغني القباج
-
عن الجامعة والعنف الطلابي وأسبابه الحقيقية
/ مصطفى بن صالح
-
بناء الأداة الثورية مهمة لا محيد عنها
/ وديع السرغيني
-
غلاء الأسعار: البرجوازيون ينهبون الشعب
/ المناضل-ة
-
دروس مصر2013 و تونس2021 : حول بعض القضايا السياسية
/ احمد المغربي
-
الكتاب الأول - دراسات في الاقتصاد والمجتمع وحالة حقوق الإنسا
...
/ كاظم حبيب
-
ردّا على انتقادات: -حيثما تكون الحريّة أكون-(1)
/ حمه الهمامي
-
برنامجنا : مضمون النضال النقابي الفلاحي بالمغرب
/ النقابة الوطنية للفلاحين الصغار والمهنيين الغابويين
-
المستعمرة المنسية: الصحراء الغربية المحتلة
/ سعاد الولي
-
حول النموذج “التنموي” المزعوم في المغرب
/ عبدالله الحريف
المزيد.....
|