|
|
نهاية التاريخ بين الدين والفلسفة والفيزياء
أسامة بن مختار العلوي
ناشط سياسي
(Oussama Aloui)
الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 14:55
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
منذ فجر الحضارات لم يكتفِ الإنسان بالسؤال عن أصل العالم، بل سأل أيضًا عن مصيره ونهايته. فإذا كانت مسألة البداية قد شغلت الأساطير والأديان والعلوم على حد سواء، فإن مسألة النهاية لم تكن أقل حضورًا في الوعي الإنساني. فالأفراد كما الجماعات يسعون إلى فهم الاتجاه الذي يسير نحوه التاريخ، ويتساءلون عما إذا كانت الأحداث البشرية تتجه نحو غاية محددة أم أنها مجرد سلسلة من الوقائع المتعاقبة بلا هدف نهائي. وقد أنتج هذا السؤال تصورات متعددة ومتناقضة أحيانًا؛ ففي الأديان الإبراهيمية يرتبط مصير التاريخ بتدخل إلهي يضع حدًا للصراع والشر ويؤسس لمرحلة أخيرة من العدالة أو الحساب. أما الفلسفة فقد حاولت تقديم إجابات عقلانية؛ فرأى بعض الفلاسفة أن التاريخ يسير وفق منطق داخلي يقوده نحو الحرية أو المساواة أو اكتمال الوعي، بينما شكك آخرون في وجود أي غاية نهائية للتاريخ أصلًا. وفي المقابل، نقلت الفيزياء الحديثة النقاش من الحقل الإنساني إلى الحقل الكوني؛ فهي لا تنشغل بمصير المجتمعات البشرية بقدر ما تهتم بمصير الكون ذاته، فطرحت فرضيات متعددة حول النهاية المحتملة للزمان والمادة والطاقة. غير أن أهمية هذه التصورات لا تكمن فقط في قدرتها على تفسير المستقبل، بل أيضًا في تأثيرها العميق على الحاضر. فكثير من الحركات الدينية والسياسية استندت إلى رؤى معينة لنهاية التاريخ، معتبرة نفسها ممثلة للحقيقة النهائية أو للحل الأخير لمشكلات البشرية. ومن هنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل تعبر تصورات نهاية التاريخ عن حقائق موضوعية يمكن البرهنة عليها، أم أنها تعكس حاجة الإنسان الدائمة إلى إضفاء المعنى على وجوده وإلى الاعتقاد بأن للمعاناة والصراع نهاية منتظرة؟ انطلاقًا من هذه الإشكالية، سنحاول في هذا المقال استعراض أبرز تصورات نهاية التاريخ في الأديان الإبراهيمية، ثم في الفلسفة الحديثة، قبل الانتقال إلى الرؤية العلمية التي تقدمها الفيزياء المعاصرة حول المصير النهائي للكون. أولًا: نهاية التاريخ في الأديان الإبراهيمية تتميز الأديان الإبراهيمية، على اختلاف عقائدها وتفاصيلها اللاهوتية، بنظرة خطية للتاريخ. فالتاريخ، وفق هذا التصور، ليس دورة أبدية تتكرر بلا غاية، كما هو الحال في بعض التقاليد الدينية والفلسفية القديمة، بل هو مسار يبدأ بفعل الخلق ويتجه نحو نهاية محددة سلفًا ضمن الإرادة الإلهية. ومن ثم فإن الأحداث البشرية لا تُفهم بوصفها وقائع معزولة، وإنما باعتبارها حلقات ضمن خطة كونية أشمل تتجه نحو لحظة حاسمة يتم فيها الفصل بين الخير والشر، أو يتحقق فيها الوعد الإلهي بالخلاص والعدل. ورغم اشتراك اليهودية والمسيحية والإسلام في هذا الإطار العام، فإن كل دين يقدم تصورًا خاصًا لطبيعة النهاية والأحداث التي تسبقها، كما يمنح دورًا مختلفًا للشخصيات المنتظرة وللمصير النهائي للإنسان والعالم. 1. التصور السني لنهاية التاريخ يرتبط تصور أهل السنة لنهاية التاريخ بعقيدة "أشراط الساعة"، وهي مجموعة من العلامات التي تسبق قيام القيامة وتعلن اقتراب نهاية العالم. وتنقسم هذه العلامات عادة إلى صغرى وكبرى، غير أن الاهتمام الأكبر ينصب على العلامات الكبرى لما تحمله من دلالات أخروية حاسمة. وتتضمن الروايات الإسلامية ظهور شخصية المهدي الذي يقود الأمة في مرحلة مضطربة من تاريخها، ثم خروج المسيح الدجال بوصفه رمزًا للفتنة الكبرى، قبل أن ينزل عيسى بن مريم ليهزم الدجال ويعيد العدل إلى الأرض. كما تذكر المصادر الإسلامية أحداثًا أخرى مثل خروج يأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها وغيرها من العلامات التي تشير إلى اقتراب نهاية العالم. غير أن جوهر التصور السني لا يتمثل في إقامة نظام سياسي نهائي داخل التاريخ، بقدر ما يتمثل في الانتقال من التاريخ إلى ما بعد التاريخ. فالأحداث الأخيرة ليست سوى تمهيد لقيام الساعة، حيث ينتهي الزمن الدنيوي ويبدأ الحساب الإلهي الذي يحدد المصير الأبدي للإنسان. وبذلك تصبح الغاية النهائية للتاريخ هي العدالة الأخروية لا بناء مجتمع أرضي كامل. 2. التصور الشيعي لنهاية التاريخ يحتل مفهوم الإمام المهدي موقعًا مركزيًا في العقيدة الشيعية الاثني عشرية. فبحسب هذا التصور، دخل الإمام الثاني عشر في حالة غيبة منذ القرن الثالث الهجري، وسيعود في آخر الزمان ليقود مشروعًا عالميًا لإقامة العدل والقضاء على الظلم. ويختلف هذا التصور عن الرؤية السنية في كونه يمنح مرحلة ما قبل القيامة أهمية سياسية وتاريخية أكبر. فظهور المهدي لا يقتصر على مواجهة الفساد أو قيادة المؤمنين، بل يمثل لحظة تحول كبرى في مسار التاريخ الإنساني، حيث تتحقق العدالة على نطاق عالمي وتنتهي هيمنة القوى الظالمة. ومن ثم تبدو نهاية التاريخ في المخيال الشيعي أقرب إلى مشروع خلاص تاريخي يتحقق داخل العالم قبل الانتقال إلى الآخرة. ولهذا اكتسبت فكرة الانتظار أبعادًا فكرية وسياسية متنوعة عبر التاريخ الشيعي، تراوحت بين الانتظار السلبي للأحداث الموعودة وبين اعتبار التمهيد للعدل جزءًا من مسؤولية المؤمنين في الحاضر. 3. التصور المسيحي لنهاية التاريخ يقوم التصور المسيحي لنهاية التاريخ على عقيدة المجيء الثاني للمسيح. فبعد صلب المسيح وقيامته وصعوده إلى السماء، ينتظر المؤمنون عودته في نهاية الأزمنة لإتمام الخلاص الإلهي وإقامة ملكوت الله. وترتبط هذه العودة بمجموعة من الأحداث الأخروية التي تتضمن انتصار الخير على الشر، وقيامة الموتى، والدينونة العامة للبشر. وفي النهاية يتم تجاوز العالم الحالي بكل تناقضاته وآلامه لصالح واقع جديد تتحقق فيه الإرادة الإلهية بصورة كاملة. وقد أثرت هذه الرؤية بعمق في الفكر الغربي، إذ ساهمت في ترسيخ فكرة أن التاريخ يسير نحو غاية محددة، وهي الفكرة التي ستنتقل لاحقًا إلى عدد من الفلسفات الحديثة بصيغ علمانية مختلفة، كما سنرى عند هيغل وماركس. 4. التصور اليهودي لنهاية التاريخ ترتبط نهاية التاريخ في التراث اليهودي بفكرة مجيء "الماشيح" أو المسيح المنتظر، وهو شخصية موعودة يُعتقد أنها ستقود مرحلة جديدة من الخلاص والسلام لشعب إسرائيل. وقد ارتبط هذا الانتظار تاريخيًا بفترات الاضطهاد والتشرد التي عاشتها الجماعات اليهودية عبر قرون طويلة. غير أن التصور اليهودي ليس موحدًا بشكل كامل، إذ تختلف المدارس الدينية والفكرية في فهم طبيعة الخلاص المنتظر. فبينما تؤكد بعض التفسيرات على البعد الديني المرتبط بإعادة بناء الهيكل وعودة السيادة الإلهية، تميل قراءات أخرى إلى فهم أكثر رمزية أو تاريخية لفكرة الخلاص. ومهما يكن من اختلاف التفاصيل، فإن الفكرة الأساسية تبقى واحدة: التاريخ يتجه نحو لحظة تتحقق فيها الوعود الإلهية ويُستعاد النظام الذي اختل بفعل الخطيئة والشتات والصراعات البشرية. يتضح من خلال هذه التصورات أن الأديان الإبراهيمية، رغم اختلافها في وصف الأحداث والشخصيات المنتظرة، تشترك في اعتبار التاريخ مسارًا ذا معنى وغاية. فالنهاية ليست مجرد توقف للأحداث، بل لحظة حاسمة يُكشف فيها المعنى الحقيقي للتاريخ وتتحقق فيها العدالة أو الخلاص وفق الإرادة الإلهية. غير أن الفلسفة الحديثة ستتعامل مع السؤال نفسه من زاوية مختلفة، محاولةً تفسير حركة التاريخ انطلاقًا من العقل أو المادة أو الإرادة الإنسانية بدلًا من الوحي الديني. ثانيًا: نهاية التاريخ في الفلسفة إذا كانت الأديان الإبراهيمية قد ربطت نهاية التاريخ بإرادة إلهية تتجلى في الخلاص أو الحساب، فإن الفلسفة الحديثة حاولت مقاربة السؤال من زاوية مختلفة، مستبدلة التفسير اللاهوتي بتفسيرات عقلية أو مادية تبحث عن القوانين التي تحكم تطور المجتمعات البشرية. غير أن الفلاسفة لم يتفقوا حول طبيعة هذا التطور أو غايته؛ فبينما رأى بعضهم أن التاريخ يسير نحو هدف محدد يمكن إدراكه عقليًا، شكك آخرون في وجود أي غاية نهائية أصلًا. 1. هيغل: التاريخ كتقدم في الوعي بالحرية يُعد الفيلسوف الألماني هيغل من أبرز المفكرين الذين منحوا للتاريخ معنى وغاية شاملة. فالتاريخ عنده ليس تراكمًا عشوائيًا للأحداث، بل عملية عقلانية تتطور من خلالها الحرية الإنسانية بصورة تدريجية. ويرى هيغل أن ما يحرك التاريخ هو الجدل، حيث تنشأ التناقضات داخل كل مرحلة تاريخية فتدفعها إلى تجاوز ذاتها والانتقال إلى مرحلة أكثر تطورًا. ( 1 ) ومن هذا المنظور، يصبح تاريخ البشرية تاريخًا لتوسع الوعي بالحرية. ففي المجتمعات القديمة كان شخص واحد حرًا، ثم اتسع نطاق الحرية تدريجيًا حتى وصلت الإنسانية، في نظره، إلى الدولة الحديثة التي تجسد أعلى أشكال التنظيم العقلاني للمجتمع. ولا يعني ذلك توقف الأحداث أو الصراعات، بل بلوغ التاريخ غايته الفلسفية المتمثلة في إدراك الحرية وتحقيقها داخل المؤسسات السياسية والقانونية. وهكذا تتحول الدولة الحديثة عند هيغل إلى ما يشبه المصالحة النهائية بين العقل والتاريخ. 2.ماركس: من تاريخ الصراع إلى تاريخ التحرر استفاد ماركس من الجدل الهيغلي، لكنه رفض تفسيره المثالي للتاريخ. فالتاريخ، في نظره، لا تحركه الأفكار المجردة أو تطور الوعي، بل علاقات الإنتاج المادية والصراعات الاجتماعية التي تنشأ عنها. ( 2 ) وانطلاقًا من هذا التصور، طور ماركس ما عرف لاحقًا بالمادية التاريخية، التي ترى أن المجتمعات البشرية تتغير نتيجة التناقضات الكامنة داخل أنماط الإنتاج المختلفة. غير أن الحديث عن "نهاية التاريخ" عند ماركس يقتضي قدرًا من الحذر. فماركس لم يتصور التاريخ باعتباره مسارًا ينتهي بتوقف الحركة أو الصراع الإنساني نهائيًا، وإنما رأى أن الصراع الطبقي يبلغ نهايته عبر بناء مجتمع لا طبقي. ومن ثم، فإن الشيوعية لا تمثل نهاية التاريخ بالمعنى المطلق، بل هي نهاية "ما قبل التاريخ البشري" (المحكوم بالاستغلال والطبقية) وبداية التاريخ الحقيقي للإنسان الحُر. أما ما يلي ذلك، فهو أفق جديد يتيح للإنسان أن يشارك بحرية أكبر في صنع مساره بعيدًا عن علاقات الاغتراب السابقة. 3. فوكوياما: الليبرالية بوصفها المحطة الأخيرة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، طرح فرانسيس فوكوياما أطروحته الشهيرة حول "نهاية التاريخ"، معتبرًا أن الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق يمثلان الشكل النهائي للتنظيم السياسي والاجتماعي الذي بلغته البشرية. (3) وبخلاف ماركس الذي رأى في الرأسمالية مرحلة تاريخية قابلة للتجاوز، اعتبر فوكوياما أن البدائل الكبرى لليبرالية قد استنفدت قدرتها على المنافسة، وأن الصراع الأيديولوجي الذي طبع القرنين التاسع عشر والعشرين قد وصل إلى نهايته. غير أن أحداث العقود الأخيرة، من الأزمات الاقتصادية المتكررة إلى تصاعد التفاوت الاجتماعي وعودة النزعات القومية وتجدد الصراعات الدولية، أعادت فتح النقاش حول مدى قدرة الليبرالية على تقديم نفسها بوصفها الأفق النهائي للتاريخ. ولهذا تعرضت أطروحة فوكوياما لانتقادات واسعة من باحثين رأوا أن ما اعتُبر نهاية للتاريخ لم يكن سوى مرحلة جديدة من تناقضاته. 4. نيتشه: نقد الغاية والعود الأبدي يمثل نيتشه موقفًا مختلفًا جذريًا عن هيغل وماركس وفوكوياما؛ فبدل البحث عن الغاية النهائية للتاريخ، شكك أصلًا في فكرة وجود غاية كونية أو أخلاقية تحكم مسار العالم. (4) وانتقد نيتشه التصورات الدينية والفلسفية التي وعدت الإنسان بالخلاص النهائي، معتبرًا أنها تعبر عن رغبة نفسية في الهروب من واقع الحياة وصراعاتها. وفي مواجهة هذه التصورات طرح مفهوم "العود الأبدي"، وهو تصور فلسفي يفترض أن العالم وأحداثه يعاودان الظهور بصورة لا نهائية، دون هدف أخير أو خلاص نهائي. ولا تكمن أهمية العود الأبدي في قيمته الكونية أو العلمية بقدر ما تكمن في بعده الوجودي؛ إذ يدعو الإنسان إلى تحمل مسؤولية حياته كما هي، دون انتظار خلاص يأتي من المستقبل أو من عالم آخر. وبذلك يصبح نيتشه أحد أبرز نقاد السرديات الكبرى التي سعت إلى منح التاريخ معنى نهائيًا، سواء كانت دينية أم فلسفية أم سياسية. يتبين من خلال هذه التصورات أن الفلسفة الحديثة لم تتخلص تمامًا من سؤال الغاية الذي طرحته الأديان، بل أعادت صياغته بلغة جديدة. فبينما استبدل هيغل الإرادة الإلهية بالعقل، واستبدلها ماركس بقوانين التطور المادي، حاول فوكوياما العثور عليها في الديمقراطية الليبرالية. وحده نيتشه تقريبًا وقف خارج هذا التقليد، رافضًا افتراض وجود نهاية موعودة للتاريخ. ثالثًا: نهاية التاريخ في الفيزياء المعاصرة إذا كانت الأديان قد بحثت عن نهاية التاريخ في الخلاص، والفلسفة في اكتمال الوعي أو الحرية، فإن الفيزياء الحديثة تطرح السؤال من زاوية مختلفة تمامًا؛ فهي لا تهتم بمصير الحضارات أو الأيديولوجيات بقدر اهتمامها بمصير الكون نفسه. ومن ثم فإن الحديث هنا لا يتعلق بنهاية التاريخ بوصفه مساراً بشرياً، بل بنهاية الزمان والمادة والطاقة كما نعرفها. وقد أدى التقدم الكبير في علم الكونيات خلال القرن العشرين إلى ظهور عدة فرضيات علمية تحاول استشراف المصير النهائي للكون استنادًا إلى القوانين الفيزيائية المعروفة حاليًا. 1. الموت الحراري للكون تُعد فرضية "الموت الحراري" أكثر السيناريوهات قبولًا بين علماء الكون المعاصرين. وتنطلق هذه الفرضية من مبدأ زيادة الإنتروبيا (العشوائية) الذي ينص عليه القانون الثاني للديناميكا الحرارية. (5) فمع استمرار تمدد الكون واستهلاك النجوم لمخزونها من الوقود، ستنطفئ تدريجيًا جميع مصادر الطاقة المنظمة. وبعد فترات زمنية هائلة قد تمتد إلى تريليونات السنين، سيصبح الكون فضاءً شديد البرودة والتشتت، حيث لا تعود هناك فروق طاقية تسمح بحدوث العمليات الفيزيائية المعقدة التي تقوم عليها الحياة أو البنى الكونية المعروفة. وفي هذا التصور لا تقع النهاية في شكل كارثة مفاجئة، بل في شكل تلاشٍ بطيء لكل مظاهر النظام والحركة. 2. الانسحاق العظيم لفترة طويلة اعتقد بعض العلماء أن قوة الجاذبية قد تكون كافية يومًا ما لإيقاف تمدد الكون وعكس اتجاهه. ووفق هذا السيناريو، تبدأ المجرات بالاقتراب من بعضها بعضًا، وتزداد كثافة المادة والطاقة تدريجيًا حتى ينهار الكون على نفسه في عملية معاكسة للانفجار العظيم. (6) وكان بعض المنظرين يرون في هذا الاحتمال إمكانية لولادة كون جديد بعد الانهيار، الأمر الذي أعاد إلى الأذهان تصورات قديمة عن الأكوان الدورية والتكرار الكوني. غير أن الاكتشافات الحديثة المتعلقة بالطاقة المظلمة وتسارع تمدد الكون جعلت هذا السيناريو أقل ترجيحًا مما كان عليه في السابق. 3. التمزق العظيم يفترض هذا السيناريو أن التمدد المتسارع للكون لن يتوقف، بل سيزداد قوة مع مرور الزمن. وفي مرحلة معينة تصبح قوة التمدد أكبر من قوة الترابط بين المجرات، ثم بين النجوم والكواكب، بل وحتى بين الذرات نفسها. (7) وعندئذٍ يتفكك كل شيء بصورة متتابعة إلى أن يصل الكون إلى حالة من الانحلال الكامل للمادة والبنية الكونية. ورغم أن هذا السيناريو لا يحظى بالإجماع العلمي، فإنه يظل أحد الاحتمالات المطروحة في بعض النماذج الكونية. 4.الأكوان الدورية وإشكالية التكرار تذهب بعض النماذج النظرية إلى أن الكون قد يمر بدورات متعاقبة من التوسع والانكماش أو من الولادة والموت، بحيث لا تكون هناك بداية أو نهاية مطلقة، بل سلسلة متواصلة من التحولات الكونية. ورغم أن هذه الفرضيات لا تزال محل نقاش علمي واسع، فإنها تثير مفارقة فلسفية لافتة؛ ففكرة الكون الدوري تذكر، ولو بصورة غير مباشرة، بمفهوم العود الأبدي عند نيتشه. غير أن التشابه هنا يبقى شكليًا؛ فنيتشه طرح العود الأبدي بوصفه تصورًا فلسفيًا ووجوديًا، بينما تنطلق النماذج الكونية الدورية من اعتبارات رياضية وفيزيائية بحتة. الفيزياء وحدود المعنى تكشف هذه السيناريوهات عن فرق جوهري بين العلم من جهة والدين والفلسفة من جهة أخرى. فبينما تسعى الأديان والفلسفات غالبًا إلى الإجابة عن سؤال: "لماذا ينتهي التاريخ؟"، تقتصر الفيزياء على محاولة الإجابة عن سؤال مختلف هو: "كيف يمكن أن ينتهي الكون؟" تستطيع الفيزياء وصف المصير الفيزيائي للمادة والطاقة، لكنها تقف عاجزة عن إصدار أحكام أخلاقية أو تقديم وعود بالخلاص والمعنى النهائي. ومن هنا تظل مسألة المعنى خارج نطاق التفسير العلمي المباشر، الأمر الذي يفسر استمرار حضور الرؤى الدينية والفلسفية حتى في عصر العلم. خاتمة ختاماً، إن كل تصور لنهاية التاريخ يعكس مرآة العصر الذي أنتجه؛ فالأديان عبّرت عن تطلع الإنسان إلى العدالة المطلقة في عالم يسوده الظلم، والفلسفات الحديثة حاولت عقلنة حركة المجتمعات واكتشاف منطقها، بينما اكتفت الفيزياء بوصف حتمية القوانين المادية وتجريدها من أسئلة الغاية والمعنى. ومع ذلك، يُظهر لنا تاريخ الأفكار أن الخطر الحقيقي لا يكمن في البحث عن معنى للتاريخ، بل في ادّعاء امتلاك واحتكار هذا المعنى المعرفي والأيديولوجي؛ فمتى ما تحولت الفرضية الفلسفية أو العقيدة الدينية أو السياسية إلى يقين مطلق، شُرِّعت الأبواب لإقصاء الآخر باسم الحقيقة أو التقدم أو الإرادة الإلهية. إن تعددية هذه التصورات وقابليتها للنقاش المستمر هي الضمانة الوحيدة ضد أي فاشية فكرية تسعى لإغلاق كتاب التاريخ رغماً عن حركة الواقع المتجددة. الهوامش والمراجع: 1. جورج فيلهلم فريدريش هيغل، محاضرات في فلسفة التاريخ، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت. 2. كارل ماركس وفريدريك إنجلز، الأيديولوجيا الألمانية؛ وانظر أيضًا: البيان الشيوعي، ترجمة فؤاد أيوب، دار دمشق للطباعة والنشر. 3. فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ والإنسان الأخير، ترجمة حسين أحمد أمين، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة. 4. فريدريش نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، ترجمة فليكس فارس، دار الأندلس للطباعة والنشر؛ وانظر أيضًا: العلم المرح. 5. ستيفن هوكينغ، موجز تاريخ الزمن: من الانفجار العظيم إلى الثقوب السوداء، ترجمة مصطفى إبراهيم فهمي، الهيئة المصرية العامة للكتاب. 6. براين غرين، نسيج الكون: المكان والزمان ونسيج الواقع, ترجمة شوقي جلال، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت. 7. روبرت كالدويل، «الطاقة الشبحية ونهاية الكون» (Phantom Energy and Cosmic Doomsday)، مجلة Physical Review Letters، 2003.
#أسامة_بن_مختار_العلوي (هاشتاغ)
Oussama_Aloui#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
وهم التنمية البشرية: قراءة ماركسية في صناعة النجاح الفردي
-
صعب أن نكون ماركسيين وأصعب أن لا نكون: المادية التاريخية في
...
-
أنماط الإنتاج وطبيعة المجتمع التونسي منذ الاستقلال: قراءة جد
...
-
نظام الحكم المحلي ( اللامركزية ) في تونس كلمة حق يراد بها با
...
المزيد.....
-
مراسيم إحياء ذكرى الرفيقة العزيزة ينار محمد في السليمانية!
-
جدل سياسي في بريطانيا بشأن خلافة ستارمر داخل حزب العمال
-
Against Algorithms of Exploitation: Toward an Artificial Int
...
-
التعليم العمومي في طليعة النضالات النقابية: إضراب تاريخي في
...
-
كتاب : عندما كان لسان يسمى فرناندو (حلقة 13) حياة مناضل أممي
...
-
الحق النقابي في المغرب في عهد الحماية (1912-1956)[2]
-
الأرجنتين، «اليسار أمام تحدٍ كبيرII». بعض الأفكار حول المهام
...
-
كلاوديو كاتز: «ينبغي على اليسار الأرجنتيني العمل على الوصول
...
-
عن شرط إطلاق سراح المعتقلين والمشاركة في الانتخابات
-
اليسار المغربي والبرلمانية: بين أوهام المشاركة وعقائدية المق
...
المزيد.....
-
نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية
/ رزكار عقراوي
-
كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية
/ رزكار عقراوي
-
مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ
...
/ كوران عبد الله
-
أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي
/ ك كابس
-
روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي
...
/ بول هوبترل
-
بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة
/ كلاوديو كاتز
-
فلسفة التمرد- نقد الايديولوجيا اليسارية الراديكالية
/ ادوارد باتالوف
-
كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
المزيد.....
|