|
|
حزب أم جبهة؟ قراءة مادية جدلية في المهام الثورية لليسار التونسي
أسامة بن مختار العلوي
ناشط سياسي
(Oussama Aloui)
الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 19:53
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
لم يكد يخلو منعطف سياسي عرفه اليسار التونسي من عودة الجدل حول سؤال يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه بالغ التعقيد في مضمونه: هل تتمثل الأولوية في بناء الحزب الثوري أم في توسيع العمل الجبهوي؟ وقد ظل هذا السؤال حاضرًا في مختلف المحطات النضالية، من لحظات الصعود إلى لحظات التراجع، ومن تجارب الوحدة إلى تجارب الانقسام، حتى أصبح في كثير من الأحيان عنوانًا للخلافات التنظيمية والسياسية داخل اليسار. غير أن هذا الجدل غالبًا ما دار في مستوى المفاضلة بين شكلين تنظيميين، بدل أن ينطلق من السؤال الذي يسبقه منطقيًا: ما هي المهام الثورية التي يفرضها الواقع الموضوعي؟ فالمنهج الماركسي لا يبدأ بالأشكال التنظيمية، بل بتحليل الواقع الاجتماعي، وتحديد طبيعة المرحلة التاريخية، واستخلاص المهام التي يفرضها تطور الصراع الطبقي. وعندها فقط يصبح بالإمكان تحديد موقع الحزب والجبهة داخل تلك المهام، لا باعتبارهما غايتين في ذاتهما، بل أداتين تاريخيتين تتحدد وظيفتهما بتحدد شروط الواقع. لقد بين ماركس أن الناس يصنعون تاريخهم، ولكنهم لا يصنعونه في ظروف يختارونها بأنفسهم، بل في ظروف ورثوها من الماضي ومن هذا المنطلق، لا توجد وصفات تنظيمية صالحة لكل زمان ومكان، كما لا توجد أشكال تنظيمية تحمل قيمة ثورية بمعزل عن السياق الذي تعمل فيه. فالتنظيم، في المنظور الماركسي، ليس مبدأً مجردًا، وإنما تعبير عن حاجات موضوعية يفرضها تطور الصراع الطبقي. وانطلاقًا من هذا الفهم، لا يسعى هذا المقال إلى الانتصار للحزب على حساب الجبهة، أو للجبهة على حساب الحزب، وإنما يحاول إعادة صياغة السؤال في إطاره المنهجي الصحيح. ولهذا سيبدأ بعرض الإطار النظري الذي يحكم العلاقة بين الاستراتيجية والتكتيك في الفكر الماركسي اللينيني، ثم ينتقل إلى تطبيق هذا المنهج على التجربة التونسية، من خلال دراسة طبيعة التناقضات التي تحكم المجتمع التونسي، والتمييز بين التناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية، وصولًا إلى مناقشة موقع الحزب والجبهة ضمن المهام الثورية التي تفرضها هذه المرحلة التاريخية. "إن الخطأ لا يبدأ دائمًا من الإجابة الخاطئة، بل قد يبدأ من طرح السؤال بطريقة خاطئة. ومن هذا المنطلق، لا يسعى هذا المقال إلى ترجيح الحزب على الجبهة أو العكس، بل إلى مساءلة الإشكال نفسه من زاوية المنهج المادي الجدلي: هل يصح أصلًا فصل الشكل التنظيمي عن المهام التاريخية التي أفرزته؟" أولًا: الحزب والجبهة في النظرية الماركسية اللينينية لم تعرف الماركسية الحزب والجبهة باعتبارهما شكلين متعارضين من أشكال التنظيم السياسي، بل نظرت إليهما بوصفهما أداتين تختلف وظيفتهما باختلاف المهام التي يفرضها تطور الصراع الطبقي. ومن ثم فإن المفاضلة المجردة بينهما، بمعزل عن تحليل الواقع، لا تنتمي إلى المنهج المادي الجدلي، لأنها تنطلق من الأشكال التنظيمية بدل أن تنطلق من الشروط الموضوعية التي أفرزتها. لقد بيّن ماركس وإنجلز في «بيان الحزب الشيوعي» أن الطبقة العاملة لا تتحول إلى قوة قادرة على تغيير المجتمع بمجرد وجودها الاقتصادي، بل من خلال تنظيمها السياسي المستقل، القادر على التعبير عن مصالحها التاريخية في مواجهة الطبقات المسيطرة(1). فالرأسمالية تنتج البروليتاريا بوصفها طبقة، لكنها لا تنتج بصورة آلية الوعي الثوري الذي يؤهلها لقيادة عملية التغيير. ومن هنا تنبع الحاجة إلى الحزب، لا باعتباره غاية تنظيمية، بل باعتباره الأداة التي توحد النضالات الجزئية داخل مشروع سياسي شامل. وقد طور لينين هذا التصور في كتاب «ما العمل؟» حين خاض سجالًا مع أنصار العفوية، مؤكدًا أن الوعي الاشتراكي لا ينشأ تلقائيًا من النضال الاقتصادي، وإنما يتطلب تنظيمًا ثوريًا يمتلك برنامجًا واضحًا، وانضباطًا فكريًا وتنظيميًا، وقدرة على الربط بين المطالب اليومية والهدف التاريخي للثورة الاشتراكية(2). ولم يكن المقصود بالحزب، في هذا السياق، تنظيمًا منغلقًا على ذاته، بل طليعة سياسية تستمد شرعيتها من دورها في قيادة الصراع الطبقي، لا من حجمها العددي أو من حضورها الانتخابي. غير أن الاعتراف بالدور التاريخي للحزب لا يعني رفض أشكال العمل الوحدوي. فالماركسية لم تتعامل مع التحالفات باعتبارها تنازلًا عن المبادئ، بل باعتبارها ضرورة قد تفرضها موازين القوى وطبيعة المرحلة. ولذلك برز مفهوم الجبهة بوصفه شكلًا من أشكال العمل المشترك بين قوى تلتقي حول مهام محددة، مع احتفاظ كل طرف باستقلاله الفكري والسياسي والتنظيمي. وقد وجد هذا الفهم تعبيره الأكثر وضوحًا في التجربة الصينية، حيث اعتبر ماو تسي تونغ أن الجبهة المتحدة كانت ضرورة أملتها طبيعة الثورة الوطنية الديمقراطية في مجتمع شبه مستعمر وشبه إقطاعي. غير أن هذه الجبهة لم تكن، في أي مرحلة، بديلًا عن الحزب الشيوعي، بل كانت إحدى الأدوات التي استخدمها الحزب لتجميع القوى القادرة على إنجاز مهام الثورة، مع المحافظة على استقلال خطه السياسي وقيادته للعمل الثوري(3). وتؤكد هذه التجارب أن الحزب والجبهة لا يمثلان خيارين متقابلين، وإنما مستويين مختلفين من مستويات التنظيم السياسي. فالحزب يجسد وحدة الرؤية والبرنامج والقيادة، بينما تمثل الجبهة إطارًا لتجميع القوى التي تلتقي، كليًا أو جزئيًا، حول أهداف مرحلية يفرضها تطور الصراع. ومن هنا، فإن العلاقة بينهما ليست علاقة إلغاء، وإنما علاقة تكامل تحددها طبيعة المهمة الثورية في كل مرحلة. غير أن هذه النتيجة تطرح سؤالًا أكثر عمقًا: إذا كان الحزب والجبهة أداتين وليستا غايتين، فمن الذي يحدد وظيفة كل منهما؟ هل تحددها الإرادة السياسية للأحزاب، أم أن الواقع الموضوعي هو الذي يفرض المهام، ومن ثم يحدد الأداة التنظيمية القادرة على إنجازها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي الانتقال من دراسة الأشكال التنظيمية إلى دراسة المنهج الذي يحكم تحديد المهام الثورية، وهو ما سنتناوله في المحور التالي. ثانيًا: من يحدد المهام الثورية؟ الواقع أم الإرادة؟ إذا كان الحزب والجبهة أداتين من أدوات العمل السياسي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: من يحدد وظيفة كل منهما؟ هل يكفي أن تعلن قوة سياسية تمسكها بالحزب أو بالجبهة حتى يصبح خيارها ثوريًا؟ أم أن الشكل التنظيمي يكتسب مشروعيته من موقعه داخل الصراع الطبقي ومن المهام التي يفرضها الواقع؟ تجيب الماركسية عن هذا السؤال انطلاقًا من إحدى أهم مقدماتها المنهجية: ليس الوعي هو الذي يحدد الوجود الاجتماعي، بل الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي. ولا يعني ذلك التقليل من دور الإرادة أو القيادة السياسية، وإنما التأكيد على أن العمل الثوري لا يبدأ بالرغبة في التغيير، بل بفهم الشروط الموضوعية التي تجعل هذا التغيير ممكنًا، وتحدد اتجاهه وأدواته. ومن هذا المنطلق، لا تُبنى الاستراتيجية الثورية على الأمنيات، ولا على موازين القوى المتخيلة، وإنما على تحليل البنية الاقتصادية والاجتماعية، وطبيعة الطبقات المتصارعة، ومستوى تطور التناقضات داخل المجتمع. فالاستراتيجية هي التعبير السياسي عن المهام التاريخية التي تفرضها مرحلة معينة من تطور الصراع الطبقي، ولذلك فهي أكثر ثباتًا لأنها ترتبط بطبيعة الثورة نفسها وبهدفها العام. أما التكتيك، فهو المجال الذي تتجسد فيه مرونة السياسة الثورية. فالأشكال التنظيمية، والتحالفات، وأساليب النضال، والمواقف الظرفية، ليست سوى وسائل تتغير بتغير الواقع، شرط ألا تنفصل عن الهدف الاستراتيجي. ولهذا أكد لينين أن الثورة لا تسير وفق خط مستقيم، وأن الحزب الثوري مطالب بتعديل تكتيكاته كلما تغيرت الظروف الموضوعية، دون أن يتخلى عن مشروعه التاريخي(4). ويحذر ستالين من الخلط بين هذين المستويين؛ فحين تتحول الوسائل إلى غايات، يصبح التكتيك أسيرًا للحسابات الآنية، وتفقد الاستراتيجية قدرتها على توجيه العمل السياسي. وعندئذ قد يُختزل المشروع الثوري في النجاح الانتخابي، أو في توسيع النفوذ التنظيمي، أو في المحافظة على التحالفات مهما كان ثمنها السياسي، فتتراجع المهمة التاريخية للطبقة العاملة أمام اعتبارات ظرفية لا تلبث أن تتغير(5). ولذلك فإن السؤال: «حزب أم جبهة؟» لا يمكن أن يُجاب عنه في معزل عن تحديد المهام التي تفرضها المرحلة. فقد تقتضي مرحلة معينة إعطاء الأولوية لبناء الحزب وتعزيز وحدته الفكرية والتنظيمية، بينما تفرض مرحلة أخرى توسيع العمل الجبهوي لمواجهة عدو رئيسي أو لإنجاز مهمة وطنية ديمقراطية محددة. وليس في ذلك تناقض، لأن الثابت هو الاستراتيجية، أما التكتيك فيظل خاضعًا لحركة الواقع. وهنا تبرز أهمية ما أكده ماو تسي تونغ من أن السياسة الثورية لا تبدأ باختيار الوسائل، بل بتحديد التناقض الرئيسي الذي يحكم المرحلة. فبدون معرفة هذا التناقض، يصبح من المستحيل تحديد المهام، كما يصبح من المستحيل التمييز بين ما هو استراتيجي وما هو تكتيكي(6). ومن هنا، فإن الانتقال إلى دراسة التناقضات داخل المجتمع التونسي ليس انتقالًا من النظرية إلى التطبيق، بل هو استمرار للمنهج نفسه؛ لأن المهام الثورية لا تُستنبط من النصوص، وإنما من الواقع الذي تسعى الثورة إلى تغييره. ثالثًا: ما هي المهام الثورية التي يفرضها الواقع التونسي؟ إذا كانت الاستراتيجية والتكتيك لا يُحددان بإرادة القوى السياسية، وإنما بطبيعة الواقع الموضوعي، فإن أي حديث عن الحزب أو الجبهة في تونس يظل ناقصًا ما لم ينطلق أولًا من تحليل البنية الاجتماعية التي يتحركان داخلها. فالمادية الجدلية لا تبدأ بالتنظيم، بل بالمجتمع؛ لأن التنظيم ليس سوى انعكاس سياسي للتناقضات التي تحكمه. ويؤكد ماو تسي تونغ أن كل مجتمع تحكمه تناقضات متعددة، غير أن أحدها يحتل الموقع الحاسم في مرحلة تاريخية معينة، ويؤثر في تطور بقية التناقضات. ومن هنا فإن تحديد المهام الثورية يقتضي، قبل كل شيء، تحديد طبيعة المجتمع، والطبقات الأساسية المكونة له، والتناقض الرئيسي الذي يحرك تطوره. لقد عرف المجتمع التونسي، منذ الاستقلال، توسعًا للعلاقات الرأسمالية، إلا أن هذا التطور جرى في إطار اندماج متزايد في السوق الرأسمالية العالمية، مما جعل الاقتصاد الوطني مرتبطًا بدرجة كبيرة برأس المال الأجنبي، والمديونية، والمؤسسات المالية الدولية، واتفاقيات التبادل غير المتكافئ. ولم يؤد هذا الاندماج إلى بناء رأسمالية وطنية مستقلة، بل إلى ترسيخ نمط من التبعية أعاد إنتاج التفاوت الاجتماعي، ورسخ موقع شرائح من البرجوازية ارتبطت مصالحها باستمرار هذا الواقع أكثر من ارتباطها بمشروع تنمية وطنية مستقلة. وفي المقابل، عرفت الطبقة العاملة، إلى جانب الفئات الشعبية الأخرى، اتساعًا في حجمها وتنوعًا في مواقعها، لكنها ظلت تواجه تشتتًا سياسيًا وتنظيميًا، في ظل تراجع أدوات التأطير الثوري، وهيمنة الخطابات الإصلاحية أو الشعبوية على جزء مهم من المجال السياسي. ولم يكن هذا الوضع نتيجة لعوامل ذاتية فقط، بل جاء أيضًا انعكاسًا لموازين القوى التي فرضتها التحولات الاقتصادية والسياسية محليًا وعالميًا. وانطلاقًا من هذا التحليل، لا يبدو أن الإشكال المركزي الذي يواجه اليسار التونسي يتمثل في الاختيار بين الحزب والجبهة، بل في مدى دقة تشخيصه للتناقض الرئيسي الذي يحكم هذه المرحلة. فبدون هذا التشخيص، تتحول النقاشات التنظيمية إلى سجالات منفصلة عن الواقع، ويتحول الخلاف حول الوسائل إلى بديل عن الاتفاق على المهام. ومن هنا تكتسب مقولة ماو حول التناقض الرئيسي أهميتها المنهجية. فليس كل تناقض يستوجب المعالجة بالدرجة نفسها، وليس كل خلاف سياسي يرقى إلى مستوى التناقض المحدد لمسار المرحلة. فداخل المجتمع توجد تناقضات طبقية، وداخل الحركة الشعبية توجد تناقضات سياسية وفكرية وتنظيمية، لكن الخلط بينها يؤدي إلى اضطراب في ترتيب الأولويات، وقد يدفع الحركة الثورية إلى استنزاف طاقتها في معارك ثانوية، بينما تستمر البنية الأساسية للاستغلال والتبعية في إعادة إنتاج نفسها. وعليه، فإن أولى المهام الثورية ليست اختيار الصيغة التنظيمية، بل إنتاج تحليل طبقي ملموس للواقع التونسي، يحدد بدقة طبيعة التناقض الرئيسي، ويعيد ترتيب بقية التناقضات وفق موقعها الحقيقي داخل الصراع الاجتماعي. وعندها فقط يصبح بالإمكان الإجابة، بصورة علمية، عن سؤال الحزب والجبهة، لأن التنظيم لا يسبق المهمة، بل ينبثق منها. غير أن تحديد التناقض الرئيسي لا يكفي وحده، إذ يبقى السؤال المطروح: كيف تعامل اليسار التونسي مع هذه التناقضات في ممارسته السياسية؟ وهل نجح في جعل الحزب والجبهة أداتين لإنجاز المهام التي فرضها الواقع، أم أن الممارسة سارت في اتجاه آخر؟ وهو ما سنناقشه في المحور الأخير. الفرز الطبقي أم التجميع السياسي؟ إذا كانت الجبهة، في التصور الماركسي اللينيني، أداة لإنجاز مهام تاريخية محددة، فإن معيار نجاحها لا يقاس بعدد التنظيمات المنضوية تحت لوائها، ولا باتساع تمثيلها السياسي، وإنما بمدى قدرتها على توحيد القوى الاجتماعية والسياسية القادرة على إنجاز تلك المهام. ومن هنا، فإن كل نقاش حول توسيع الجبهة أو تضييقها يظل نقاشًا شكليًا ما لم يُحسم أولًا سؤال البرنامج وطبيعة المرحلة والطبقات المعنية بالتغيير. لقد أكد لينين أن السياسة الثورية لا تقوم على تجميع القوى بصورة ميكانيكية، بل على بناء التحالفات انطلاقًا من تحليل المصالح الطبقية والتناقضات الفعلية داخل المجتمع. فليس كل اتفاق سياسي تحالفًا ثوريًا، كما أن الاختلاف بين القوى لا يمنع دائمًا العمل المشترك إذا فرضت المرحلة مهامًا محددة تجمع بينها. غير أن هذا العمل المشترك يظل مشروطًا بوضوح الهدف، واستقلال الحزب الثوري، وعدم ذوبانه داخل الأطر الجبهوية. ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى الفرز الطبقي بوصفه نزعة انعزالية، بل باعتباره شرطًا لسلامة التحليل السياسي. فالفرز لا يعني رفض الحوار أو التعاون، وإنما يعني التمييز بين التناقضات التي يمكن إدارتها في إطار عمل مشترك، والتناقضات التي تمس جوهر المشروع السياسي. فالجبهة التي تعجز عن التمييز بين هذه المستويات معرضة لأن تتحول إلى إطار يجمع قوى متباينة في الرؤية والمصلحة، دون أن يمتلك القدرة على حسم اتجاهها السياسي. وفي المقابل، فإن تحويل الفرز الطبقي إلى ذريعة لرفض كل أشكال العمل الوحدوي لا يقل خطورة عن الدعوة إلى التجميع غير المشروط. فالماركسية اللينينية لم تطرح الحزب الثوري بوصفه تنظيمًا منعزلًا عن المجتمع، بل بوصفه قوة قائدة قادرة على بناء التحالفات الضرورية، شريطة ألا يكون ثمنها التخلي عن استقلاله الفكري والسياسي، أو تمييع برنامجه تحت ضغط التوافقات الظرفية. ومن هنا، فإن الجدل بين الفرز والتجميع ليس تناقضًا بين مبدئين متعارضين، بل هو جدل بين مستويين مختلفين من العمل السياسي. فالفرز يحدد هوية المشروع الثوري وحدوده الطبقية، بينما يحدد العمل الجبهوي نطاق التحالفات التي تخدم هذا المشروع في مرحلة بعينها. وكل محاولة لإلغاء أحد الطرفين لصالح الآخر تنتهي، إما إلى العزلة السياسية، وإما إلى الذوبان داخل مشاريع لا تعبر عن المصالح التاريخية للطبقات الشعبية. وعلى ضوء ذلك، يمكن إعادة صياغة سؤال المقال. فالمشكلة ليست: هل نبني الحزب أم الجبهة؟ وليست أيضًا: هل نعطي الأولوية للفرز أم للتجميع؟ بل السؤال الحقيقي هو: ما هي المهام التاريخية التي يفرضها الواقع التونسي، وما هي الأدوات التنظيمية والتحالفات القادرة على إنجازها؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي تمنح الحزب وظيفته، وتحدد دور الجبهة، وترسم حدود التحالفات الممكنة، بعيدًا عن الجمود التنظيمي أو البراغماتية السياسية. وبذلك يعود المنهج المادي الجدلي إلى موقعه الطبيعي: ليس باعتباره مجموعة من الشعارات أو النصوص المرجعية، بل باعتباره أداة لتحليل الواقع، وترتيب التناقضات، وتحديد المهام، واختيار الأشكال التنظيمية التي تخدمها. وعند هذه النقطة تحديدًا، يفقد سؤال «حزب أم جبهة؟» طابعه التجريدي، ويتحول إلى سؤال سياسي لا يمكن الإجابة عنه إلا داخل شروط كل مرحلة تاريخية. رابعًا: عندما يسبق التنظيم المهمة إذا كان المنهج المادي الجدلي يقتضي الانطلاق من تحليل الواقع لتحديد المهام الثورية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل سارت الحركة اليسارية في تونس وفق هذا المنهج، أم أنها، في بعض المحطات، قلبت العلاقة بين المهمة والتنظيم؟ إن مراجعة جانب من التجربة السياسية خلال العقود الأخيرة تكشف أن النقاش داخل اليسار انصرف، في كثير من الأحيان، إلى المفاضلة بين الحزب والجبهة، وإلى البحث عن الصيغة التنظيمية الأكثر نجاعة، قبل حسم سؤال أكثر جوهرية: ما هي المهام التي يفرضها الواقع التونسي في هذه المرحلة؟ وهكذا تحولت الأداة، في بعض اللحظات، إلى محور النقاش، بينما تراجع النقاش حول طبيعة المرحلة، والتناقض الرئيسي، والبرنامج المطلوب لإنجاز المهام الوطنية والديمقراطية والاجتماعية. ولا يعني ذلك أن الأشكال التنظيمية مسألة ثانوية أو عديمة الأهمية، فالحزب والجبهة يظلان من أهم أدوات العمل السياسي. غير أن قيمتهما لا تُستمد من اسميهما، بل من الوظيفة التي يؤديانها داخل الصراع الطبقي. وعندما يصبح الدفاع عن التنظيم هدفًا في ذاته، أو عندما يُختزل النجاح السياسي في توسيع النفوذ التنظيمي، تنقلب العلاقة الجدلية بين الوسيلة والغاية، ويصبح التنظيم معيارًا لتقييم الواقع بدل أن يكون الواقع هو المعيار الذي يُقيَّم به التنظيم. لقد نبه لينين إلى أن السياسة الثورية لا تعرف أشكالًا ثابتة للعمل، وأن الثبات الحقيقي يكون في الهدف الاستراتيجي، أما الوسائل فتتغير بتغير الظروف الموضوعية. ومن هذا المنطلق، فإن الإصرار على شكل تنظيمي معين، بمعزل عن تحليل المرحلة، لا يعبر عن صلابة مبدئية، بل قد يكون تعبيرًا عن نزعة شكلانية تجعل التنظيم سابقًا للمهمة، بدل أن يكون خادمًا لها. ولعل هذا الخلط هو الذي يفسر تحول بعض النقاشات داخل اليسار من نقاش حول كيفية تغيير الواقع إلى نقاش حول من يقود هذا التغيير، أو أي تنظيم يمتلك الشرعية التاريخية لتمثيله. ومع مرور الوقت، أصبحت الأسئلة التنظيمية تستنزف جزءًا مهمًا من الجهد السياسي، بينما ظل السؤال الأساسي، المتعلق بتحديد المهام الثورية وترتيب أولوياتها، مطروحًا دون معالجة نظرية وسياسية بالعمق نفسه. ومن هنا، فإن نقد هذه التجربة لا ينبغي أن ينطلق من إدانة الحزب أو الجبهة، بل من مساءلة المنهج الذي حكم العلاقة بينهما. فالمشكلة لا تكمن في وجود الحزب أو في وجود الجبهة، وإنما في اللحظة التي يصبح فيها التنظيم غاية مستقلة عن المهمة التاريخية التي وجد من أجلها. وعندئذ لا يعود الجدل بين الحزب والجبهة تعبيرًا عن اختلاف في التكتيك، بل يصبح مؤشرًا على اضطراب في تحديد المهام نفسها. ولعل أوضح مثال على هذا الاضطراب يتمثل في الطريقة التي فُهم بها العمل الجبهوي داخل جزء من اليسار التونسي، وهي مسألة تستحق وقفة خاصة، لأنها تكشف كيف يمكن لشكل تنظيمي أملته ضرورات مرحلة معينة أن يتحول، بفعل الممارسة، إلى ساحة تُسقط عليها الأحزاب تناقضاتها الداخلية، بدل أن يكون إطارًا لتوحيد النضال حول مهام مشتركة. الجبهة ليست سفينة نوح... وليست شماعة نعلّق عليها أخطاءنا لا يختلف اثنان على أن العمل الجبهوي يشكل، في ظروف تاريخية معينة، ضرورة سياسية تفرضها طبيعة المرحلة وموازين القوى. غير أن الاعتراف بهذه الضرورة لا يعني تحويل الجبهة إلى قيمة مطلقة، كما لا يبرر تحميلها مسؤولية كل ما يصيب الحركة الثورية من إخفاقات. فالجبهة، في المنظور الماركسي اللينيني، ليست مشروعًا قائمًا بذاته، وإنما أداة سياسية تتحدد وظيفتها بإنجاز مهام محددة، وتنتهي مبرراتها متى فقدت قدرتها على أداء تلك الوظيفة. ومن هذا المنطلق، لا يمكن أن تكون الجبهة إطارًا يستوعب جميع القوى السياسية دون تمييز، لأن التحالف الثوري لا يقوم على حسن النوايا، بل على وحدة المهام والحد الأدنى من الاتفاق حول طبيعة المرحلة والعدو الرئيسي والبرنامج السياسي. إن توسيع الجبهة على حساب وضوح مشروعها لا يعبر عن مرونة تكتيكية، وإنما قد يتحول إلى تنازل استراتيجي يفرغها من مضمونها الطبقي، ويجعلها مجرد فضاء لتجميع تناقضات لا يربط بينها مشروع تاريخي واحد. وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول الجبهة إلى المتهم الدائم كلما تعثرت تجربة من تجارب اليسار. فالجبهة لا تنتج سياساتها بمعزل عن الأحزاب التي تشكلها، ولا تفرض على مكوناتها خياراتها الفكرية والتنظيمية. فإذا غلبت الحسابات الحزبية الضيقة، أو طغى التنافس على المواقع، أو غابت وحدة الرؤية، فإن هذه الاختلالات تعكس أزمة القوى المكونة للجبهة بقدر ما تنعكس على الجبهة نفسها. ولعل إحدى المفارقات التي كشفتها التجربة التونسية تمثلت في التباعد بين الشعار والممارسة. فقد رفعت بعض مكونات الجبهة شعار «حزب في خدمة الجبهة، وجبهة في خدمة الشعب»، وهو شعار ينسجم، من حيث المبدأ، مع منطق العمل الوحدوي. غير أن الممارسة أظهرت، في محطات عديدة، ميلًا إلى جعل الجبهة مجالًا لتعزيز المواقع التنظيمية، من خلال توسيع قواعد كل حزب، أو تحسين موقعه في موازين القوى الداخلية، أو التفاوض انطلاقًا من الوزن العددي عند إعداد القائمات الانتخابية أو توزيع المسؤوليات. ولا يتعلق الأمر هنا بإدانة سعي أي حزب إلى تطوير حضوره التنظيمي، فذلك حق مشروع لكل تنظيم سياسي. غير أن الإشكال يبدأ عندما يصبح هذا الهدف هو المحدد الفعلي للعلاقة بالجبهة، فتتحول الأخيرة من وسيلة لتوحيد النضال الشعبي إلى ساحة لإعادة ترتيب موازين القوى بين مكوناتها. وعندئذ تنتقل المنافسة من خدمة المشروع المشترك إلى خدمة المصالح التنظيمية الخاصة، ويصبح نجاح الحزب معيارًا لنجاح الجبهة، بدل أن يكون نجاح الجبهة في إنجاز مهامها هو المعيار الذي تُقاس به قيمة العمل الحزبي داخلها. إن المادية الجدلية ترفض هذا القلب للعلاقة بين الوسيلة والغاية. فالجبهة لا تُبنى من أجل الأحزاب، كما أن الأحزاب لا تُبنى من أجل ذاتها، وإنما يوجد الاثنان لخدمة المهام التي يفرضها الصراع الطبقي في مرحلة تاريخية محددة. وكلما انفصل التنظيم عن هذه المهام، فقد تدريجيًا مبرر وجوده، مهما بلغت قوة شعاراته أو اتساع حضوره. وعليه، فإن تجاوز أزمة العمل الجبهوي لا يتحقق بإلغاء الجبهة، ولا بتحويلها إلى إطار مفتوح بلا ضوابط، وإنما بالعودة إلى السؤال الذي سبق كل ما تقدم: ما هي المهام الثورية التي يفرضها الواقع التونسي اليوم؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد من يلتقي داخل الجبهة، وعلى أي برنامج، وإلى أي مدى، وهي أيضًا التي تحدد وظيفة الحزب داخلها، وحدود استقلاله، ومتى يكون التوسع في التحالف ضرورة، ومتى يصبح تنازلًا عن مقتضيات الصراع الطبقي. ختاما إن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه اليسار التونسي اليوم ليس: حزب أم جبهة؟ وإنما: ما هي المهام التي يفرضها الواقع التونسي في هذه المرحلة؟ فعندما تتحدد المهام تحديدًا علميًا، يصبح النقاش حول الأشكال التنظيمية نقاشًا في الوسائل لا في الغايات، ويعود الحزب والجبهة إلى موقعهما الطبيعي: أداتين تاريخيتين تتغيران بتغير شروط الصراع، بينما تبقى بوصلة الثورة رهينة بالتحليل الملموس للواقع الملموس وبقاء هذا السؤال معلقاً دون إجابة عملية، فهل يتحمل اليسار التونسي مسؤولية بقائه خارج التاريخ؟" الهوامش : 1) كارل ماركس وفردريك إنجلز، بيان الحزب الشيوعي، صياغة عام 1848، (2) ف. إ. لينين، ما العمل؟ الأسئلة الملحّة لحركتنا، صدر عام 1902، (3) ماو تسي تونغ، في الجبهة المتحدة، مقتطفات من الأعمال المختارة، المجلد الثاني (4) ف. إ. لينين، مرض "اليسارية" الطفولي في الشيوعية، صدر عام 1920، (5) جوزيف ستالين، أسس اللينينية، سلسلة محاضرات ألقيت في جامعة سيفردلوف عام 1924، (6) ماو تسي تونغ، في التناقض، آب/ أغسطس 1937، الأعمال المختارة، المجلد الأول (حول التمييز بين التناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية، والجانب الرئيسي والجانب الثانوي للتناقض)
#أسامة_بن_مختار_العلوي (هاشتاغ)
Oussama_Aloui#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
نهاية التاريخ بين الدين والفلسفة والفيزياء
-
وهم التنمية البشرية: قراءة ماركسية في صناعة النجاح الفردي
-
صعب أن نكون ماركسيين وأصعب أن لا نكون: المادية التاريخية في
...
-
أنماط الإنتاج وطبيعة المجتمع التونسي منذ الاستقلال: قراءة جد
...
-
نظام الحكم المحلي ( اللامركزية ) في تونس كلمة حق يراد بها با
...
المزيد.....
-
الدفاعات الجوية الروسية تدمر 40 مسيرة كانت متجهة نحو موسكو خ
...
-
لقطات صادمة توثق شجارا جنونيا بين عمال تسقيف واستمرارهم في
...
-
لقطات مرعبة توثق لحظة اصطدام قطار بسيارة ودفعها مئات الأمتار
...
-
سفير روسيا في بريطانيا: موسكو تملك خيارات رد مؤلمة في حال اس
...
-
الكشف عن -فضيحة- كبرى في إسرائيل تتعلق بإيران
-
غيراسيموف يقدم لبوتين تقييما شاملا للعمليات.. تقدم واسع وضرب
...
-
القائم بأعمال حاكم بيلغورود: أضرار في البنية التحتية جراء هج
...
-
التحالف: تصريحات الحوثيين للتغطية على انتهاكاتهم وسنرد بحزم
...
-
من احتفال وطني إلى طابع شخصي.. ترمب يهيمن على الذكرى الـ250
...
-
القوات الروسية تحرر مدينة كونستانتينوفكا
المزيد.....
-
حوار الرفيق ع.الغني القباج مع جريدة -المناضل-ة-
/ عبد الغني القباج
-
عن الجامعة والعنف الطلابي وأسبابه الحقيقية
/ مصطفى بن صالح
-
بناء الأداة الثورية مهمة لا محيد عنها
/ وديع السرغيني
-
غلاء الأسعار: البرجوازيون ينهبون الشعب
/ المناضل-ة
-
دروس مصر2013 و تونس2021 : حول بعض القضايا السياسية
/ احمد المغربي
-
الكتاب الأول - دراسات في الاقتصاد والمجتمع وحالة حقوق الإنسا
...
/ كاظم حبيب
-
ردّا على انتقادات: -حيثما تكون الحريّة أكون-(1)
/ حمه الهمامي
-
برنامجنا : مضمون النضال النقابي الفلاحي بالمغرب
/ النقابة الوطنية للفلاحين الصغار والمهنيين الغابويين
-
المستعمرة المنسية: الصحراء الغربية المحتلة
/ سعاد الولي
-
حول النموذج “التنموي” المزعوم في المغرب
/ عبدالله الحريف
المزيد.....
|