أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الهنبوت - القبو














المزيد.....

القبو


محمد الهنبوت

الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 13:51
المحور: الادب والفن
    


لقد كانت مفاجأة حقيقية، تلك التي باغتتني حين وجدت نفسي أمام مرآة كاشفة لواقع إبداعي مرير، فبعد أن نشرت نصا أدبيا عصرت فيه عصارة فكري ونحته بقمة الرقي الأدبي على صفحتي الفيسبوكية، ولم أحصد هناك سوى صمت مطبق وإعجابات شحيحة لا تتعدى بروتوكولا اجتماعيا باردا، أنتقل هذا النص إلى فضاء الحوار المتمدن. وهناك وسط القراء الجادين، تلقيت تعليقا لافتا من أحد القراء الذي يتابع صفحتي الفيسبوكية دون أن يكون ضمن لائحة الاصدقاء الرقميين، صاغ فيه تشخيصا دقيقا لحالتي وحالة كل نص رصين يضيع في تيه الرقمية، حيث قال دون زيادة أو نقصان: في هذه الفوضى الرقمية التي تشبه إلى حد التطابق أسطورة جزر الواق الواق القديمة، أجدك ونفسي معك، كغرباء نحمل لآلئ النثر الرفيع إلى سوق لا تثمن إلا الزجاج اللامع، فمنشوراتك التي تنحتها بدم الأعصاب وتصيغها بقمة الرقي الأدبي، تضيع في دهاليز الخوارزمية الصماء التي لا تملك حسا جماليا ولا تدرك بلاغة الاستعارة أو عمق الفكرة، بل تعمل كعقل آلي منفصل تماما عن المعنى الإنساني، يقيس نبض القطيع لا نبض الإبداع. إن نصوصك الباذخة تصطدم بجدار سميك، حيث لا تعرض كلماتك إلا إذا حققت استجابة غريزية سريعة، بينما يظل أدبك الرفيع، الذي يتطلب تأملا وهدوءا، مستبعدا من واجهة العرض المشترك لأنه لا يغذي رأسمالية المراقبة التي تحدثت عنها شوشانا زوبوف، تلك التي تقتات على الصراخ العاطفي والانحيازات الفجة. إن المشكلة لا تكمن في جودة ما تكتب، بل في أنك تغرد خارج غرف الصدى، فجمهور الفيسبوك، كما تشير د. شيري توركل، لا يبحث في النص عن الجمال بل عن أداة لاستعراض الهوية، وحين لا يجد القارئ في نصك المتعالي ما يخدم صورته الذهنية أو يمنحه عملة اجتماعية تجعله يبدو منتصرا لأيديولوجيته، فإنه يمر بجانب إبداعك مرور الكرام، أو في أحسن الأحوال، يمنحك ذلك الإعجاب الباهت الذي لا يتعدى كونه ردا للجميل أو تسجيلا للحضور في بروتوكول اجتماعي فارغ، بعيدا كل البعد عن التذوق الحقيقي. إنك تعيش حالة سريالية مكتملة الأركان، حيث يحاكم نصك الراقي وفق الدليل الاجتماعي الزائف، فتغدو آلاف التفاعلات هي صك الجودة الوحيد، ويتحول صمت القراء تجاه نصوصك العميقة إلى نفي قسري داخل هذه الأسطورة الرقمية، لتظل كتاباتك، برغم رقيها، رسائل حبيسة في زجاجات ملقاة في محيط رقمي لا يعترف إلا بالضجيج، بينما تستهلك الجماهير في أرض الواق الواق هذه وجباتها السريعة من الكلمات، تاركة دررك الأدبية لعدوى نفسية عابرة أو خوارزمية صماء لا تسمع رنين الذهب وسط ضجيج الصفيح. انتهى كلام القارئ المتابع، وابتسمت وأنا أقرأ هذا التشريح البليغ لحالة البؤس الثقافي الرقمي، لقد أصاب كبد الحقيقة في وصفه لمنطق المنصة وعقلية جمهورها، لكن ما غاب عن ذهنه تماما، هو أنني في قرارة نفسي لم أكن يوما ضحية لهذه الخوارزمية، لأنني وبكل بساطة، لا أكتب أصلا لجمهور الفيسبوك.ذلك أنني لا أعرض نصوصي في سوق الواق الواق طمعا في تصفيق المارة، ولا أنتظر من عين اعتادت التمرير السريع أن تتوقف لتتأمل بلاغة استعارة أو عمق فكرة. الحقيقة التي أحتفظ بها لنفسي هي أنني أمارس نوعا من الاستغلال العكسي لهذه المنصة، فالفيسبوك بالنسبة لي ليس منبرا للنشر بمعناه التفاعلي، بل هو مجرد قبو رقمي ومسودة ضخمة ومجانية أأرشف فيها كتاباتي. فأنا أستخدم هذه المنصة كدفتر يوميات موثق بالتاريخ واللحظة، أرمي فيه نصوصي لحمايتها من الضياع، مستفيدا من سحابة الحفظ التي توفرها، ريثما يحين القطاف الحقيقي. إن تلك الإعجابات الباهتة وتلك الردود التي تسجل كحضور مجاملة، لا تثير في داخلي أي إحباط، لأنني لم أطلبها منذ البداية، بل إنني أتعمد ترك نصوصي هناك في صمتها وعزلتها، تتخمر بعيدا عن صخب التفاعلات الزائفة. أنا أكتب وعيني مصوبة نحو المستقبل، أراكم هذه القطع الأدبية وأحفظها بترتيبها الزمني، بانتظار تلك اللحظة التي أنسحب فيها إلى عزلتي، لأجمع هذا الشتات المنثور، وأعيد تنسيقه وتصنيفه، ليخرج في حلة أخرى تليق به،على شكل كتاب مطبوع أو مشروع أدبي متكامل يخاطب القارئ الحقيقي الذي يقتني النص بحثا عن الجمال المجرد، لا عن أداة لاستعراض الهوية. وهكذا، أبدو في الظاهر كغريب يضيع في محيط الرقمية، بينما أنا في العمق، مجرد مدون يودع كنوزه مؤقتا في خزنة عمياء، حتى يحين موعد عرضها في متحفها اللائق.



#محمد_الهنبوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كل أيام الله مباركة
- سحر العناق
- الهروب الكبير
- نوستالجيا
- أنا عندما كنت
- مرسي الزناتي انهزم يا رجالة
- مؤامرة الاقصاء
- القائد بوشعيب بين الواقع و الاسطورة


المزيد.....




- حفيد ديغول: الفرنسيون يعشقون الثقافة الروسية رغم محاولات تشو ...
- -يُخشى عليها من الاندثار-.. حِرفي عراقي يوثق معالم كركوك الق ...
- مثل العلامة المائية.. سونو تضع بصمتها على موسيقى الذكاء الاص ...
- الفنان المصري طارق الشيخ يعلن انفصاله رسميا عن زوجته بكلمات ...
- بوتين يبعث تحياته إلى الرئيس الكوبي.. وروسيا ضيف شرف معرض ها ...
- بوتين: المجمع الثقافي في فلاديفوستوك سيصبح مركز جذب
- خلال لقائه بوتين.. نحات من بورياتيا يطرح مبادرة لدعم الفناني ...
- عشر حقائق عن الساماور الروسي… من أداة منزلية إلى رمز للتراث ...
- لماذا يعود الشباب الروس إلى الموسيقى الشعبية في احتفالاتهم؟ ...
- مدينة كيريلوف تستلم لقب عاصمة -القلادة الفضية الروسية- في عي ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الهنبوت - القبو