أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عدنان الصباح - ما قبل الدولة ... ما بعد الدولة















المزيد.....

ما قبل الدولة ... ما بعد الدولة


عدنان الصباح
(Adnan Alsabbah)


الحوار المتمدن-العدد: 8790 - 2026 / 8 / 7 - 14:54
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


نحو مشروع وطني فلسطيني جديد
لم يعد العالم يعيش مجرد مرحلة من التطور التقني، بل يعيش تحولًا حضاريًا يعيد تعريف الإنسان والدولة والمجتمع في آن واحد،فمنذ نشأة الدولة القومية الحديثة، ارتبطت السلطة بالأرض والحدود والمؤسسات المركزية، أما اليوم فإن ثورات الرقمنة والاتصالات والذكاء الاصطناعي تعيد توزيع مصادر القوة والمعرفة والشرعية خارج هذه الأطر التقليدية،لم تعد السلطة حكرًا على الدولة، ولا المعرفة حكرًا على الجامعات أو النخب، ولا تشكيل الوعي حكرًا على الأسرة أو المدرسة أو الحزب، بل أصبحت الشبكات الرقمية والمنصات العابرة للحدود فاعلًا رئيسيًا في تشكيل المجتمعات وإعادة إنتاجها.
لقد تجاوز العالم الثنائية التقليدية بين المادة والروح، ليدخل عصرًا تصبح فيه المعلومة هي المادة الخام للسلطة، وتصبح القدرة على إدارة المعرفة أهم من السيطرة على الجغرافيا، فالثورات السابقة، من ثورة العبيد الى الثورة الصناعية إلى حركات التحرر الوطني، أعادت تشكيل الاقتصاد والسياسة، أما الثورة الرقمية فإنها تعيد تشكيل الإنسان نفسه، وتعيد تعريف معنى الجماعة والانتماء والهوية.
ولهذا لم تعد الدولة القومية، بصيغتها التي عرفها القرن العشرون، الإطار الوحيد لتنظيم المجتمعات، ولم يعد السؤال السياسي مقتصرًا على من يحكم الأرض، بل امتد إلى من يصنع الوعي، ومن يمتلك المعرفة، ومن يدير الفضاء الذي تتشكل فيه إرادة البشر، إن الحدود ما زالت قائمة قانونيًا، لكنها فقدت كثيرًا من قدرتها على احتكار الأفكار والثقافات والهويات، بينما أصبحت المجتمعات أكثر انفتاحًا وأكثر تعددًا من أي وقت مضى.
وإذا كانت البشرية تقف على أعتاب مرحلة يمكن وصفها بأنها ”ما بعد الدولة”، فإن من المفارقات أن جزءًا كبيرًا من الخطاب السياسي في منطقتنا، وفي فلسطين على وجه الخصوص، لا يزال أسير الأسئلة التي أنتجها القرن الماضي،فما زلنا نختلف حول شكل الدولة وحدودها قبل أن نسأل عن طبيعة النظام الذي نريد، وعن العدالة التي ينبغي أن يؤسس لها، وعن الإنسان الذي يجب أن يكون غايته الأولى.
ربما لم يعد أكبر مأزق يواجه الفلسطينيين هو الاحتلال وحده، بل الطريقة التي أصبحوا يفكرون بها في مستقبلهم الوطني، فمنذ عقود طويلة، انشغل الخطاب السياسي بالسؤال: أي دولة نريد؟ بينما كان السؤال الأهم يضيع في الخلفية: أي عدالة نريد؟
لقد تحولت فلسطين، عبر الزمن، إلى جغرافيا مجزأة، لكن الأخطر من تجزئة الأرض كان تجزئة الشعب نفسه وكذا تجزأة قضاياه وابتعادخا عن ان تكون قضية واحدة متصلأة ومتماسكة،فقد أصبح الفلسطيني في غزة يعيش قضية تختلف عن الفلسطيني في الضفة، والمقدسي يخوض معركة مختلفة، والفلسطيني داخل دولة الاحتلال يناضل من أجل المساواة المدنية، بينما يعيش اللاجئ في الشتات على وعد العودة، الغائب، ويبحث كثير من الشباب عن مستقبل فردي في المنافي،وهكذا لم تعد فلسطين شعبًا واحدًا يعيش قضية واحدة، بل تحولت، بفعل الواقع السياسي، إلى قضايا فلسطينية متعددة، لكل منها أولوياتها ولغتها وأدواتها.
وجاءت الحرب على غزة لتكشف هذه الحقيقة بأقسى صورها.، فقد أصبح القطاع عنوانًا لمأساة إنسانية غير مسبوقة، حيث باتت الأولوية الأولى هي حماية الحياة نفسها، وتأمين الغذاء والدواء والمأوى، قبل أي حديث عن السياسة أو التنمية،وفي الضفة الغربية، تتصدر تحديات الحياة اليومية، والقيود، والتوسع الاستيطاني، والضغوط الاقتصادية. كل المشهد، بما في ذلك صورة الغد والمستقبل السياسي، أما القدس، فتواجه معركة الحفاظ على الوجود والهوية،وفي الداخل، يسعى الفلسطينيون إلى حماية حقوقهم المدنية ومكانتهم القانونية،وفي الشتات، تتباين أوضاع اللاجئين بين من يعيش ظروفًا قاسية ومن اندمج في مجتمعات جديدة، مع استمرار التمسك بالهوية والحقوق.
إن هذه الاختلافات حقيقية، لكنها لا تعني أن المشروع الوطني يجب أن يتجزأ تبعًا لها. فالسياسة التي تُبنى على تقسيم الشعب تنتهي إلى تكريس هذا التقسيم، بينما السياسة التي تبدأ من وحدة الشعب تستطيع أن تستوعب تنوع أوضاعه من دون أن تفقد وحدتها.
ومن هنا، فإن المشروع الوطني الفلسطيني يحتاج إلى إعادة تعريف،فلا تكون نقطة انطلاقه حدود عام بعينه، او مرحلة بعينها ولا التقسيمات الإدارية التي فرضتها الحروب والاتفاقيات، بل الإنسان الفلسطيني أينما وجد، فالوطن ليس مجرد مساحة جغرافية، بل هو أيضًا رابطة تاريخية وثقافية وسياسية وقانونية تجمع شعبًا واحدًا، مهما اختلفت أوضاعه القانونية أو أماكن إقامته.
وعلى هذا الأساس، تصبح غزة أولوية إنسانية ووطنية عاجلة، ليس لأنها أكثر فلسطينية من غيرها، بل لأن العدالة تقتضي أن يبدأ البناء من أكثر الأماكن ألمًا،وإغاثة غزة، وإعادة إعمارها، واستعادة مقومات الحياة فيها ليست قضية محلية، بل بداية لإعادة بناء المشروع الوطني بأسره، لأن المجتمع الذي يعجز عن حماية أكثر أجزائه معاناة لن يستطيع أن يبني مستقبلًا مشتركًا.
وفي الوقت نفسه، يجب أن يُنظر إلى الضفة الغربية، والقدس، وفلسطينيي الداخل، والشتات، بوصفهم مكونات متكاملة لشعب واحد، لا ملفات منفصلة، فلكل مكون احتياجاته الخاصة، لكن المرجعية الوطنية يجب أن تبقى واحدة، كما ينبغي أن يبقى الهدف الجامع واحدًا: صون الحقوق الوطنية والفردية، وتحقيق الحرية والكرامة والمساواة.
ومن هنا تنشأ فكرة مختلفة عن كثير من الطروحات التقليدية،فالقضية الفلسطينية ليست، في جوهرها، قضية اختيار بين دولة واحدة أو دولتين، لأن هذه النماذج ليست غايات في ذاتها، بل أدوات دستورية يمكن أن تختلف باختلاف الظروف والإرادات السياسية،أما الثابت فهو المبادئ التي يجب أن يحققها أي نظام: إنهاء الاحتلال، واحترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، والمساواة في الكرامة والحقوق، وسيادة القانون، ورفض التمييز، وضمان الأمن والحرية لجميع من يعيشون على هذه الأرض.
بهذا المعنى، لا يعود السؤال: كم دولة ستقوم؟ بل: أي نظام سياسي يستطيع أن يحقق العدالة ويحفظ الحقوق ويمنع إعادة إنتاج الظلم؟ فالأرض لا تُقاس بعدد الكيانات السياسية فوقها، بل بقدرة النظام الذي يحكمها على حماية الإنسان.
إن هذا التحول الفكري يلغي التقسيم الذي أصاب الوطن، لأنه ينظر إلى فلسطين باعتبارها فضاءً تاريخيًا واحدًا، ويلغي التقسيم الذي أصاب الشعب، لأنه يعيد تعريف الفلسطيني بوصفه عضوًا في جماعة وطنية واحدة، مهما اختلف مكان إقامته أو وضعه القانوني،وهكذا يصبح الانتماء الوطني هو نقطة البداية، لا الحدود التي فرضتها الوقائع السياسية.
ولذلك فإن المشروع الوطني الجديد ليس مشروع سلطة، ولا مشروع إدارة أزمة، بل مشروع إعادة بناء الإنسان الفلسطيني، ومؤسساته، واقتصاده، ووحدته، وإعادة تقديم قضيته بوصفها قضية حرية وعدالة وحقوق إنسان، لا مجرد نزاع على خطوط وحدود.
إن مستقبل فلسطين لن يُقاس بعدد الخرائط التي تُرسم، بل بقدرة الفلسطينيين على استعادة وحدتهم السياسية والأخلاقية، وبقدرة أي نظام سياسي مستقبلي على أن يجعل العدالة أساسًا للشرعية، والإنسان أساسًا للدولة، والحقوق أساسًا للسلام،فحين تستعاد وحدة الشعب وتصبح الأرض إطارًا جامعًا لا سببًا للانقسام، يغدو التحرر عملية بناء متواصلة، لا مجرد لحظة سياسية عابرة.
إن التحولات الكبرى التي يعيشها العالم لا تعلن نهاية الدولة، لكنها تعلن نهاية احتكارها للحقيقة والهوية والشرعية. فالدولة التي قامت على دين واحد، أو عرق واحد، أو طائفة واحدة، أو أيديولوجيا واحدة، لم تعد قادرة على التكيف مع عالم أصبحت فيه المعرفة عابرة للحدود، والهويات أكثر تركيبًا، والمواطنة أكثر اتساعًا من أي تعريف مغلق. إن شرعية الدولة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس بما تدعيه من قداسة، ولا بما تحرسه من حدود، بل بقدرتها على إدارة التعدد، وصيانة الحقوق، وتحقيق العدالة بين مواطنيها..
وحتى التجارب التي انطلقت من مرجعيات دينية، كما في التجربة التركية في إحدى مراحلها، وجدت نفسها مضطرة إلى العمل داخل إطار الدولة المدنية ومؤسساتها، لا إلى هدمها وإقامة دولة عقائدية مغلقة، ولم يكن ذلك تنازلًا عن الهوية بقدر ما كان اعترافًا بأن الدولة الحديثة لا تُدار بالعقيدة وحدها، بل بالقانون، والمؤسسات، والتعدد، والتداول السلمي للسلطة.
ومن هنا، فإن السؤال الفلسطيني لا ينبغي أن يبقى: هل نريد دولة واحدة أم دولتين؟ ولا: ما حدود الدولة المقبلة؟ بل: أي نظام سياسي يستطيع أن يضمن الحرية والعدالة والمساواة لكل من يعيش على هذه الأرض؟ لأن شكل الدولة يمكن أن يتغير بتغير التاريخ، أما قيمة العدالة فلا تتغير.
إن المستقبل لن يكون للدول الأكثر انغلاقًا، بل للأكثر قدرة على استيعاب التنوع، ولن يكون للأمم التي تبني شرعيتها على الامتياز، بل لتلك التي تبنيها على المواطنة، وحين تصبح العدالة هي نقطة البداية، تغدو الدولة وسيلة لا غاية، ويغدو الوطن فضاءً للإنسان قبل أن يكون حدودًا على الخريطة،وربما يكون هذا هو المعنى الحقيقي للانتقال من ”ما قبل الدولة”  إلى”ما بعد الدولة “.



#عدنان_الصباح (هاشتاغ)       Adnan_Alsabbah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تنتصر إيران بالثبات على مشروعها الأصيل
- أًمة، أم أًمتان، أم أَمَة؟
- البحر الميت يعود إلى الحياة
- فليصدق الرائدُ أهله يا طهران
- أدركوا هزيمتهم فهل ندرك نجاحنا
- جوزيف عون وشارل مالك... الحقيقة وحرية لبنان
- إمبريالية المعرفة 19
- طهران وواشنطن ... ثبات المقاتل هشاشة المقامر
- مذكرة تفاهم أم فخاخ وخدع
- هل تنجح امريكا في صنعة الخديعة من جديد
- غزة ... نزع الأرواح بحجة نزع السلاح
- مؤتمر فتح الثامن نفس الخطاب والأدوات لواقع مختلف
- ليكن جوعكِ سلاحكِ يا غزة
- اقرئي درس غزة جيدًا يا طهران
- إمبريالية المعرفة 18
- النصر للمقاومة… الوحدة لفتح… وطول العمر للرئيس
- إمبريالية المعرفة 17
- عصر الفطام العالمي وأفول الهيمنة
- حرب أيام أربعة أم آلاف اربعة؟
- موسكو، غزة، طهران، … إخذلوهم ولن ينجو منكم أحد


المزيد.....




- من نبتة متواضعة إلى ظاهرة عالمية.. هل سمعت عن شاي الروبيوس م ...
- ترامب يحاول مجددًا الحد من سياحة الولادة ومنح الجنسية بالولا ...
- أسرار الحفاظ على الملابس كأنها جديدة لسنوات.. منسقة أزياء تج ...
- السعودية وتركيا وباكستان توقع -اتفاقية مكة للدفاع المشترك-.. ...
- ترامب: زوجتي تقول لي تصرفاتك لا تليق برئيس (فيديو)
- مسؤول سابق في الموساد: لا توقفوا الضربات في لبنان.. وترامب ي ...
- -سياحة القنص- في سراييفو: تحقيقات أوروبية تبحث عن أدلة بعد ث ...
- -سياحة الولادة-.. ترامب يشن الحرب على حق اكتساب الجنسية بالو ...
- -لكنت سائق أجرة بمصر-.. جدل بسبب تصريحات لعبدول السياسي الأم ...
- بوتين يبحث مع مجلس الأمن الروسي تعزيز الحماية من الإرهاب لمن ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عدنان الصباح - ما قبل الدولة ... ما بعد الدولة