أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - سورية والأزمة الوطنية الجيليّة















المزيد.....

سورية والأزمة الوطنية الجيليّة


ياسين الحاج صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 17:36
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


يعرض تاريخ سورية وقوع أزمة جيليّة كبيرة، تحدث كل ثلاثة عقود تقريباً. كانت الثورة والصراع العنيف والمتعدد الأطراف الذي أعقبها الأزمة الكبرى الرابعة في تاريخ لا يتجاوز قرناً واحداً بغير بضع سنوات، وهي انحلت مبدئياً بسقوط الحكم الأسدي بعد 54 عاماً في الحكم. قبلها، وبين 1979 و1982، خبرنا أزمة وطنية واجتماعية كبيرة، انتهت بمذبحة حماة 1982 التي حلت المجتمع السوري ونعم الحكم الأسدي بالاستقرار بعدها لثلاثة عقود. وإثر استقلالها، وابتداء من عام 1949 عرفت سورية أزمة بلد مستقل فتي، حديث الظهور في التاريخ، تظاهرت في انقلابات عسكرية متوالية فكر فيها أصحابها كمعالجات وحلول بالأحرى. وعانت سورية من أزمة الولادة والتكوين إثر تفكك السلطنة العثمانية، وهي أزمة انحلت بالاحتلال الفرنسي عام 1920. يمكن أن نسمي هذه الأزمات الأربعة بأزمة التكوين (1918-1920)، ثم أزمة الاستقلال (1946-1949)، ثم أزمة التغيير الأولى (1979-1982)، فأزمة التغيير الثانية (1911-1924).
وعند التفكير في تاريخنا خلال نحو أربعة أجيال، يظهر كتاريخ تأزم مستمر، بفعل عدم ملاءمة الحلول المقدمة لها. الاحتلال الفرنسي ليس حلاً لمشكلة بلد ظهر للتو، ولم يكن معنيا بذلك. لكنه دام 26 عاماً، جيلاً كاملاً، خرجت سورية منه بقلق جغرافي يتصل بقضم مناطق منها و/ أو بتقسميها، وبقلق اجتماعي يتصل بالعلاقة بين الجماعات الأهلية المختلفة. انضاف قلقان جديدان بعد الاستقلال: قلق اجتماعي يحيل هذه المرة إلى المسألة الفلاحية التي كان حاكمو البلد من أعيان المدن قليلي الحساسية حيالها، فضلاً عن "الفقر والجهل والمرض"، بخاصة في الأرياف، وهو يجمع سورية بجميع البلدان المستقلة حديثاً؛ ثم قلق أمني- جيوسياسي بفعل ظهور الكيان الإسرائيل ومشاريع الدفاع الغربية عن الشرق الأوسط، وصراع المحاور العربية الناشئة وقتذاك. وبطبيعة الحال لم تكن الانقلابات المتوالية حلاً لأوجه القلق هذه، بل كانت أقرب إلى مظاهر للأزمة المستمرة التي كادت تتفجر في حرب أهلية قبل أواخر الخمسينات، درأتها الوحدة مع مصر. وفي النصف الثاني من السبعينات بدأت تتجمع نذر أزمة وطنية كبيرة تفجرت بالفعل في أواخر العقد في شكل احتجاجات اجتماعية وعنف طائفي، وحلها النظام بمذبحة كبيرة في حماه، سبقها وأعقبها تحطيم ما بقي من منظمات سياسية مستقلة، وتمخضت عن سيطرة شبه شمولية على المجتمع السوري. وبطبيعة الحال لم يكن هذا السحق الشامل حلاً للأزمة. لكن لزم انقضاء جيل كامل حتى تتفجر أزمة من جديد، وتأخذ هذه المرة شكلاً ثورياّ بفعل التقاطع بين الإيقاع الجيلي للأزمات السورية وبين "الربيع العربي".
ولوقت طويل بدا أن التغير الذي استعصى في الأزمة الثالثة أيام الأب يستعصي كذلك أيام الابن في الأزمة الرابعة. وكان من أهم التحولات الكبيرة التي ترتبت على الاستعصاء ظهور إسلامية عدمية، تجد نفسها في بيتها في مناخات العنف والانهيار الاجتماعي، ثم وضع النظام نفسه تحت حماية إيرانية روسية. وخلال سنواته الطوال تدوّل الصراع السوري وصارت مآلاته محكومة بمحصلات قوى الفاعلين الدوليين. وهو ما سمح في النهاية بسقوط النظام إثر إضعاف حماته الأقوى والأقرب، إيران وتابعيها اللبنانيين، على يد مسلحين إسلاميين سنيين.
سقوط الحكم الأسدي تحول كبير، الأكبر منذ الاستقلال. لكنه جرى بعد صراع مهول سقط ضحيته مئات الألوف، واستعرت أثنائه الانفعالات والضغائن الطائفية، وتحقق على يد فريق إسلامي سني، كان عدمياً قبل سنوات قليلة، ويثير مخاوف محقة في أوساط غير المسلمين السنيين، وبين غير قليل من المسلمين السنيين كذلك. وخلال ما لا يزيد عن سبعة أشهر من وصوله للحكم ارتكبت قواته وردائفها مجازر بحق علويين، ثم دروز، تشكل بطبيعة الحال تجارب تأسيسية للجماعتين، للدروز بخاصة لكونهم غير مثقلين بالعبء السياسي والأخلاقي الأسدي، ولأن العدوان على أوساطهم لم يسبق باستفزاز.
هذا للقول إن مجرد سقوط الحكم الأسدي ليس الحل، على أهميته العظيمة.
لكن ما هي المشكلة التي تتعثر معالجتها ويتعذر حلها مرة تلو الأخرى؟ إنها أزمة وطنية ومواطنة، وفي صلبها بناء دولة عامة لسكان متنوعين لم يعيشوا من قبل في كيان سياسي واحد يجمعهم. الانتداب الفرنسي لم يكن معنياً بذلك. نخبة الدولة الاستقلالية لم تملك رؤية لمواجهة تحديات الاستقلال والاستقرار. حافظ الأسد عالج المشكلة بالمجازر والتعذيب، ولبعض الوقت اعتمد ابنه معالجة مماثلة، فشلت في النهاية بأثر متعاضد من بداية ثورية وقاعدة اعتراض واسعة على نظامه، ثم من التعقد الكبير للصراع في السنوات اللاحقة، وتحول النظام إلى فصيل أو ما يقاربه. واليوم نبدو بعيدين بقدر ما كنا منذ الاستقلال عن بناء الدولة الوطنية التي تضمن المساواة الحقوقية والسياسية بين السوريين، وتمثيلهم العادل، بما يشجع قطاعات متسعة منهم على التماهي بها. بعض السوريين اليوم يتماهون بالحكم الحالي بقوة، بينما يشعر كثيرون غيرهم بالغربة، وهذا مثلما كان الأمر في الحقبة الأسدية الطويلة، وإن باختلاف المتماهين والمغتربين.
فهل الأزمة الخامسة قادمة، ربما في وقت ما من أربعينات القرن الحالي، بحسب ما يقضي الإيقاع الجيلي؟
هناك أكثر من عنصر عدم يقين في هذا الشأن. أولها أنه ليس لهذا الإيقاع، كل ثلاثة عقود تقريباً، قيمة تنبؤية. المقياس الجيلي لتعاقب الأزمات الوطنية الكبيرة إجراء منهجي، يساعد على النظر بطريقة معينة إلى تاريخ البلد، لكنه ليس قانوناً تاريخياً حتمياً، ولا يستبعد طرق نظر أخرى. هذا وإن كنا نعتقد أن هناك شيئاً أكثر من طريقة في النظر في هذا الإيقاع، شيء يتصل باستهلاك المعالجات لنفسها خلال جيل وتقاطع المشكلات مجدداً بفعل ظهور جيل جديد وإحساس جديد. حتى ابن حافظ الأسد عرض حساسية مغايرة لأبيه، ولم يتشبه بالأب الحقود إلا بعد أن قامت الثورة ضده. وما كان للثورة أن تحدث عام 2011 لولا ظهور جيل جديد، متخلص بقدر معقول من مواريث معارضة حقبة الأسد الأب.
وعنصر عدم اليقين الثاني يتمثل في أن الأزمة الوطنية الرابعة طالت كثيراً، نحو 14 عاماً، وكانت هائلة الكلفة البشرية والمادية. فهل، إذا التزمنا بالإيقاع الجيلي، نوجه الأزمة التالية بعد نحو 30 عاماً من عام 2011، أم من عام 2024؟ وثمة، بعدُ، عنصر عدم يقين مُكمِّل، يتمثل في أن الأزمة التي بدأت بالثورة لا يبدو أنها انتهت بسقوط الأسدية. فالسويداء خارج سلطة الدولة على أكثر من مستوى، والنظام الحالي يتركها بخفة وطيش لوحدها. ثم أن هذا الحكم الذي منح نفسه مرحلة انتقالية من خمس سنوات يبدو كمن يعمل لدنياه كأنه يعيش أبداً.
عناصر عدم اليقين هذه ربما تؤجل انفجار الأزمة القادمة، ولكنها ربما تسرعه كذلك.
ما يبدو لنا أكيداً على أي حال هو أن أزمة الوطنية والمواطنة مستمرة في سورية، وأن سورية اليوم ليست أمة مواطنين ولا دولة عامة تتوفر على آليات إصلاح ذاتي لمشكلاتها، وأننا لذلك بالذات سوف نواجه أزمة متفجرة في وقت لا نعلمه. وبعد التجربة الكاوية للثورة وسنوات الدم الطويلة بعدها، لا يبعد أن تأخذ الأزمة القادمة شكلاً ثورياً، يستعيد أو يستأنف ثورة 2011.
وليس لهذا التاريخ من التأزم المتواتر والمتزايد العنف غير واحدة من نهايتين. إما الوصول أخيراً إلى صيغة للسياسة والاجتماع تقوم على الشراكة والمساواة بين السوريين، وتتوفر على آليات إصلاح ذاتية، تُجنبها الانفجارات الدورية؛ أو انفراط البلد، وهو احتمال توفرت عناصر له في سنوات صراعنا الطويلة، ولا تزال هناك. التاريخ لا يعطي فرصاً لا تنتهي لمن لا يريدون التعلم منه.



#ياسين_الحاج_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قوى ثورية أم أوضاع ثورية: كيف تحدث الثورة؟
- أين الخطأ في كتاب بارتوف: -إسرائيل، أين الخطأ؟-؟
- الشرعية في مجتمع مُنقسِم
- السويداء والمصالحة الوطنية السورية
- التبعية العربية والعدمية الإسلامية
- لو كانوا بيننا اليوم: عن ممكن آخر!
- خواطر في المسألة العربية
- الدولة والأمة في سورية، أمس واليوم
- تعليقات على كتاب دانيال نيب: سورية، تاريخ حديث
- انتقال سوري: دكتاتورية أكثر، طائفية أقل
- من سورية إلى العالم: التمثل وحدوده
- جذور الإبادة: إسرائيل، الغرب، العرب
- حوار الفرد والسلطة والعائلة في المجتمع
- بين أمجد يوسف وسمير كعكة: العدالة والسياسة في سورية
- سميرة ورزان ووائل وناظم، القصة مرة أخرى
- سورية اليوم: أين كانت؟ أين هي الآن؟ وإلى أين تسير؟
- أساسيات سورية: متى يكون احتكار العنف شرعياً؟
- في الثورة الثقافية: مناقشة لتصور عبد الله العروي
- في العنف وعوالمه
- حرب جديدة في الشرق الأوسط القديم


المزيد.....




- الحوثيون يعلنون تنفيذ عملية عسكرية واسعة ضد -قوات سعودية- في ...
- إسرائيل توقف فتيات تسللن إلى جنوب لبنان لإقامة مستوطنات إسرا ...
- إسرائيل تتهم زوجين بالتجسس لصالح إيران.. و-العملات المشفرة- ...
- مصادر: إيران هددت بـ-إغراق الخليج في الظلام- وتحويل المنطقة ...
- الكاميرون.. مخاوف وانتقادات من المعارضة بعد مرور شهرين على ت ...
- السيسي وملك البحرين يؤكدان أهمية وقف الحرب وتجنب التصعيد في ...
- مجلس السلام يمنح أول عقد بناء في غزة لقاعدة عسكرية للقوات ال ...
- يحيى سريع: مستمرون في معادلة -الحصار بالحصار- حتى كسره عن ال ...
- خبير في الشؤون الأمريكية: ترامب يبحث عن -كبش فداء- لأزمة إير ...
- سوريا.. العثور على رفات عائلة تضم طفلا في العتيبة بريف دمشق ...


المزيد.....

- خواطر في المسألة العربية / ياسين الحاج صالح
- سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام ... / غازي الصوراني
- المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية / ياسين الحاج صالح
- قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي / رائد قاسم
- اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية / ياسين الحاج صالح
- جدل ألوطنية والشيوعية في العراق / لبيب سلطان
- حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة / لبيب سلطان
- موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي / لبيب سلطان
- الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق ... / علي أسعد وطفة
- في نقد العقلية العربية / علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - سورية والأزمة الوطنية الجيليّة