أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد ابراهيم عرفة - قصة قصيرة: سلاسل الكرامة















المزيد.....

قصة قصيرة: سلاسل الكرامة


محمد ابراهيم عرفة

الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 08:32
المحور: الادب والفن
    


شهدت جزيرةٌ معزولة في أحضان البحر طغيانًا خنق أنفاسها، حيث غدت أرضًا يُقسمها الظلم إلى عالمين متناقضين؛ قسمٌ يمتلك السلطة والثراء وينعم بكل ألوان الرفاهية تحت حكم الملك المستبد "رولان"، وقسمٌ آخر لا يملك مالًا ولا قوة، سُحقت كرامته وغدا عبيدًا يقتاتون على الفضلات، ينتظرون بفارغ الصبر من يغيثهم من هذه المأساة.
وسط هذا النعيم الزائف، كان هناك رجلٌ من الطبقة الثرية يُدعى "جان". في أحد الأيام، جُلب إليه عبدٌ اتُّهم بالأكل من شجرة التفاح الخاصة بحديقته.
سأله جان بصرامة: "لماذا أكلت من هذه الشجرة أيها العبد؟"
أجاب العبد بصوت يرتجف: "من الجوع يا سيدي... أنا لم أطعم شيئًا منذ الصباح."
فردّ جان بقسوة: "أنت مجرد عبد لا يحق لك شيء!" ثم أمر حراسه: "خذوه وعذبوه!"
كان "مارك"، ابن جان، يراقب ما يحدث. رأى التعذيب القاسي وسمع صرخات الرجل المسكين فلم يحتمل، وتدخل صائحًا بالحراس: "توقفوا عن تعذيبه الآن!"
التفت الحراس إلى جان، فأشار إليهم بترك العبد. تقدم العبد نحو الشاب وقال له ودموعه تتساقط: "شكرًا لك يا بني على تخليصي من أيديهم." فأمر مارك الحراس بإطعامه، ثم اتجه إلى أبيه يعاتبه على هذه المعاملة القاسية للمستضعفين، لكن والده نهاده بحزم عن الخوض في هذه الأمور مرة أخرى.
ولكن مارك، بعد موقف الأب مع العبد، قرر أنه في يوم من الأيام سيكون محرر هؤلاء العبيد؛ فكان ليلاً يقوم بإطعام العبيد الجوعى ويستمع إلى مشاكلهم، ويقول لهم إنه سيكون محررهم ما داموا سيمدون يد العون إليه. وبعد خمس سنوات مات جان، فورث مارك ثروته الكبيرة. وبعد فترة من موته، قرر إنشاء مجالس سرية بينه وبين حكماء المستضعفين ليدرسوا الخرائط وينظموا صفوفهم، مستغلاً أمواله في شراء السلاح وتدريب الرجال في الخفاء، حتى حانت اللحظة التي انتقلوا فيها من التخطيط إلى العمل، وأعلن بدء الغارات الخاطفة على حراس الملك وقوافله.
وفي إحدى هذه الغارات، تصادف وجود الملك رولان نفسه ضمن القافلة، فتمكن ثوار مارك من أسره.
حين علم وزراء القصر بأسره، سارعوا بتولية ابنه "هيلسون" ملكًا. وعلى الفور، كلف هيلسون قائدًا عسكريًا محنكًا لإعادة أبيه. وضع القائد خطة ذكية؛ فقسم جيشه إلى قسمين: قسم يقوده هو لإلهاء جيش مارك، وقسم آخر يتسلل لإعادة الملك رولان.
في الصباح التالي، أعلن قائد الهجوم بدء الخطة على جيش مارك. أثناء المعركة، تعجب مارك من قلة عدد القوات التي تهاجمهم طوال القتال، وفكر في أن هذا ربما يكون مجرد إلهاء. أرسل فرقة من جيشه لتفقد المحبس، ليكتشفوا أن أحدًا قد استطاع إخراج الملك بالفعل. وبمجرد عودة الفرقة بالأخبار، أعلن القائد العسكري الانسحاب، بينما عاد مارك بجيشه معلنًا أنه سيحارب الملك وجيشه حتى آخر قطرة دم.
تقدم أحد قادة جيش مارك، ويدعى "أندرو"، متخوفًا وقال لمارك إن جيش الملك يفوقهم عددًا وعتادًا وإن هذه المعركة ستكون عملية انتحارية.
رد عليه مارك بصلابة: "الموت أشرف لكم من أن تعيشوا عبيدًا!"
غضب أندرو من هذا القرار، واجتمع سرًا بقادة فرق الجيش وقال لهم: "نحن لا نستطيع مواجهة جيش الملك. إن هزمنا، فسيقوم بتعذيبنا ونسائنا وأطفالنا أو يحبسنا مدى الحياة. أرى أن نذهب معًا إلى الملك رولان لنتصالح معه ونعلن له الولاء."
قام أصغر قادة الفرق، وهو شاب يدعى "فيليب"، وقال بمبدأ: "كما قال القائد مارك: الموت من أجل الحرية أفضل من العيش كعبيد!"
رد عليه أندرو بسوداوية: "هناك بعض الناس لا يستطيعون العيش إلا كعبيد، هذا قدرهم ومصيرهم ولا يمكن الانفكاك عنه، ولو حاولوا لقوا سوء العذاب. التنازل والصلح سيخففان الأعباء عنا، ما رأيكم؟"
وافق جميع القادة على طرح أندرو ما عدا فيليب.
سارع فيليب للقاء مارك ليحذره، لكن الحراس منعوه قائلين إن القائد ينام ليستعد لمعركة الغد. وفي هذه الأثناء، تسلل أندرو مع قادة الفرق إلى الملك رولان للاتفاق على خيانة مارك، بشرط أن ينضموا لجيش الملك في المعركة مقابل العفو عنهم، فوافق الملك.
في صباح الغد، تواجه الجيشان في أرض المعركة. وقف مارك يسأل جنده إن كانوا مستعدين، وفي هذه اللحظة، أشار الملك رولان بيده إلى أندرو. انسحب أندرو مع باقي القادة وجنودهم من جيش مارك إلى صفوف الملك، باستثناء فيليب الذي ظل ثابتًا بجانب مارك.
لحق مارك بأندرو بضع خطوات وناداه بذهول: "أندرو! ما الذي تفعله؟! إلى أين تذهب بالجيش؟"
وقف أندرو بجواده وقال ببرود: "أذهب إلى المكان الصحيح يا مارك... إلى جانب الناصر والمالك الحقيقي لهذه الجزيرة!"
قال مارك بحرقة: "لماذا يا أندرو؟ كيف تبيع إخوتك ودماء من آمنوا بك في منتصف الطريق؟"
أجاب أندرو: "لأنني لست أحمق مثلك! أدركت أن بعض الناس يُولدون عبيدًا ويستمرون عبيدًا ولن يستطيعوا الانفكاك عن مصيرهم مهما حاولوا. جيش الملك هو المنتصر لا محالة، والنضال لن يجلب لنا سوى العذاب، بينما التنازل هو ما سيحفظ أجزاءنا ويضمن بقاءنا على قيد الحياة!"
رد مارك بأسى: "بل اخترتم العبودية بأيديكم... العبودية ليست مصيراً يا أندرو، بل هي خوفكم من ثمن الحرية!"
أمام هذه الخيانة، طلب الملك رولان من مارك الانضمام إليه ووعده بالصفح عن ثورته. طلب مارك مهلة قصيرة للتفكير.
دخل مارك خيمته يصارع الشكوك والحرارة في صدره، وسأل نفسه إن كان خطأً في قراره. دخل عليه فيليب ليواسيه، فقال له مارك: "أنجُ بحياتك يا فيليب... أنت ما زلت شابًا، اطلب العفو قبل أن تبدأ المجزرة."
فأجاب فيليب بثبات وابتسامة: "أنقذ نفسي وأترك الرجل الذي ترك ثروته وطبقته من أجل أن يفك أغلالنا؟ أبداً يا سيدي، أنت لم تُخطئ حين علمتنا كيف نرفع رؤوسنا. خضت المغامرة من أجلنا، ولن أتركك... سأقاتل معك حتى آخر نفس!"
خرج مارك من خيمته واستعد لمواجهة الجيشين. تقدم الملك رولان بجواده وقال باستعلاء: "انتهت المهلة يا مارك! ما القرار الذي اتخذته؟ هل ترجع إلى عقلك وتنضم إليّ، أم تختار الفناء؟"
سلّ مارك سيفه ونظر إلى الملك بثبات وسأل حافزه، ثم صرخ بصوت زلزل الميدان: "القرار هو... هُجُووووم!"
انطلق مارك وفيليب ومن أصرّ على البقاء معهما بكرامة وانقضاض لا يهاب الموت، فتفاجأ الملك رولان وتراجع خطوة للوراء بدهشة متسائلًا في نفسه كيف يحمل هؤلاء القلة كل هذه الشجاعة أمام جيش جرار.
دارت معركة طاحنة، استطاع مارك خلالها الوصول إلى الملك رولان وقتله بسيفه، لكن كثرة جيش الملك حسمت المعركة أخيراً؛ فقُتل مارك واستشهد فيليب وباقي جند الثورة الصامدين.
اعتلى الملك الشاب "هيلسون" العرش رسمياً بعد المعركة. وبدلاً من مكافأة أندرو والقادة الخائنين، أمر باقتيادهم فوراً إلى المشنقة، لاعتقاده الجازم بأنهم غدروا بأبيه وقتلوه في معمعة القتال بعد أن خضعوا للطرفين.
وقف أندرو وقادة الجيش مغلولين بالأغلال أمام منصة الإعدام، وصرح أندرو باكياً: "يا مولاي الملك هيلسون! نحن من فتحنا لكم أبواب النصر وانسحبنا بجيش مارك! نحن لم نقتل أباك!"
نظر إليهم الملك هيلسون بقرف وقال: "من خان سيده الذي ضحى بكل شيء لأجله سيسهل عليه أن يغرس الخنجر في ظهري غداً. أنتم أناس لا شرف لكم ولا أمان... أردتم أن تعيشوا عبيداً؟ سأمنحكم موتاً يليق بالخونة!"
التفت أحد القادة إلى أندرو يبكي: "هذا هو تدبيرك يا أندرو! بعنا مارك فنصحوتنا بالخيانة ووردتنا المشنقة!"
تساقطت دموع أندرو بندم جارف وهو يرى حبل المشنقة يُلف حول عنقه وقال بصوت خنقه الخوف والأسى: "كان مارك محقاً... ما أردنا إلا السلامة فخسرنا الشرف والكرامة، والآن نخسر حياتنا كأذل خلق الله. يا ليتنا قُتلنا أحراراً معه على أن نموت خائنين هاهنا!"



#محمد_ابراهيم_عرفة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مباحث الكليات والأحكام بين المنطق الإسلامي والفلسفة الحديثة
- قصيدة : رحلة بين النور والعدم
- فوائد الجنس الإلكتروني
- بين صحة النص وسعة الفهم: قراءة هادئة في أحاديث التشدد والتيس ...
- من هو الفليسوف جوردانو برونو ؟
- نهاية حدوتة آخر الزمان: حديث مدعي النبوة
- ترتليانوس: الأب الذي رفض الفلسفة ودافع عن الإيمان المسيحي
- قراءة نقدية عن فرضية النقاب في كتب التراث
- الباطنية كفرقة إصلاحية في الإسلام
- الحرية الجنسية في شبه الجزيرة العربية في العصر الجاهلي
- أهم المصطلحات والأفكار الواردة في كتاب السماع الطبيعي لأرسطو
- قصة قصيرة:بين العرش والقلب
- ابن هندو.. الفيلسوف المنسي الذي نقل حكمة اليونان إلى العربية
- حجج أرسطو الأربعة على قِدم العالم
- أبو الحسن العامري: سيرته وفلسفته وإسهاماته الفكرية
- قصة قصيرة:ثمن المعرفة المطلقةو رحلة السنة الأخيرة.
- الحسين بن محمد النجار: دراسة في حياته وآرائه الكلامية.
- قسطا بن لوقا: فيلسوف التفرقة بين النفس والروح
- ضرار بن عمرو: حياته وآراؤه الكلامية
- تأثير الفلسفة اليونانية في ظهور فكرة التجسيم في تاريخ الإسلا ...


المزيد.....




- الخارجية الروسية: الرواية الألمانية لتفجير -السيل الشمالي- ت ...
- ترامب ينقذ طفلا من السقوط على المسرح ويحول الموقف إلى نكتة ع ...
- خمسة انقلابات غيّرت وجه الإمبراطورية الروسية
- كاريليا في صدارة المناطق الروسية الأكثر ارتباطا بالسينما بفض ...
- فن الفسيفساء الجلدية.. حرفة قازانية عريقة في معرض بمدينة يكا ...
- كاتب يهودي يفكك الرواية الإسرائيلية ويوثق -هندسة الإبادة- في ...
- إطلاق حراك فني فلسفي عالمي من بغداد (مدرسة الأنطولوجيا الحيو ...
- مخرجة فرنسية سورية تروي قصة مهاجرة سورية في فيلم (الغريبة)
- تجربة في المشاهدة: المخرج الصيني تشانغ ييمو
- -ليلة العمى- التركية: موهبة سينمائية ومُنجز مُبهر


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد ابراهيم عرفة - قصة قصيرة: سلاسل الكرامة