أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد المومن - سبتة في الذاكرة الشعبية المغربية من خلال الأمثال العامية: قراءة تاريخية في المثل: - تطوان يا المهمولة والساكن فيها مشموت، سبتة تخلى وتعمار والرجال عليها تموت-















المزيد.....

سبتة في الذاكرة الشعبية المغربية من خلال الأمثال العامية: قراءة تاريخية في المثل: - تطوان يا المهمولة والساكن فيها مشموت، سبتة تخلى وتعمار والرجال عليها تموت-


محمد عبد المومن

الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 07:12
المحور: قضايا ثقافية
    


المقدمة
يمثل المثل الشعبي أحد أهم مكونات التراث اللامادي، إذ لا يقتصر دوره على كونه وسيلة للتعبير عن الحكمة الشعبية أو نقل التجارب الاجتماعية، بل يتجاوز ذلك ليشكل مستودعا للذاكرة الجماعية، يحتفظ في تراكيبه اللغوية بإشارات تاريخية وثقافية تعكس تصورات المجتمع للأحداث والأمكنة والأشخاص. وقد أولى الباحثون في التاريخ الاجتماعي والأنثروبولوجيا أهمية متزايدة للأمثال الشعبية باعتبارها نصوصا ثقافية قابلة للتحليل، يمكن أن تسهم في إعادة بناء بعض جوانب الماضي، خاصة عندما يتعلق الأمر بفترات لم توثقها المصادر المكتوبة إلا بصورة جزئية.
وتزخر مناطق شمال المغرب برصيد غني من الأمثال العامية التي ارتبطت بمدنها وقبائلها وأحداثها التاريخية، ومن بين هذه الأمثال الرباعية الشعبية المتداولة بتطوان، التي تقول : " تطوان يا المهمولة والساكن فيها مشموت، سبتة تخلى وتعمار والرجال عليها تموت". ويتميز هذا المثل بكونه من الأمثال القديمة مجهولة القائل(وإن كان ينسب إلى المجذوب)، التي تناقلتها الأجيال شفهيا حتى غدا جزءا من الذاكرة الجماعية لسكان المنطقة، مع احتفاظه ببنيته الإيقاعية التي يسهل حفظها وتداولها.
وعلى الرغم من احتفاظ الذاكرة الشعبية بهذا المثل، فإن تفسيره ظل في الغالب تفسيرا لغويا أو اجتماعيا، بينما لم يحظ بدراسة تاريخية تحاول ربط مضامينه بالسياق الذي أنتجه. فمن الوهلة الأولى قد يفهم المثل باعتباره مفاضلة بين مدينتي تطوان وسبتة، غير أن قراءة متأنية لألفاظه، في ضوء تاريخ شمال المغرب خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، تفتح الباب أمام تفسير مغاير؛ إذ يبدو أن المثل لا يقارن بين المدينتين بقدر ما يعكس ذاكرة مرحلة اتسمت بتخريب تطوان نتيجة الاعتداءات البرتغالية المتكررة، وباستمرار الصراع العسكري حول سبتة بعد احتلالها سنة 1415.
وبذلك يهدف هذا المقال إلى إبراز القيمة التاريخية للأمثال الشعبية باعتبارها مصدرا مكملا للوثائق المكتوبة، والكشف عن الكيفية التي احتفظت بها الذاكرة الشعبية بأحداث مفصلية من تاريخ شمال المغرب، عبر نصوص قصيرة كثيفة الدلالة، استطاعت أن تختزل في بضعة أشطار قرونا من الصراع والتحولات السياسية والعمرانية.
أولا: المثل الشعبي مصدرا لكتابة تاريخ شمال المغرب
أصبحت المصادر الشفوية تحتل مكانة متزايدة في الدراسات التاريخية المعاصرة، خاصة بعد أن اتسع مفهوم الوثيقة التاريخية ليشمل مختلف أشكال التعبير التي تنتجها الجماعات البشرية، سواء كانت مكتوبة أم شفوية أم مادية. وفي هذا الإطار، لم يعد المثل الشعبي مجرد تعبير لغوي أو وسيلة لتداول الحكمة، بل أضحى ينظر إليه بوصفه وثيقة ثقافية تختزن في بنيتها اللغوية عناصر من الذاكرة الجماعية، وتعكس تصورات المجتمع للأحداث والأماكن والعلاقات الاجتماعية. ومن ثم، فإن دراسة الأمثال الشعبية تتيح للمؤرخ الاقتراب من التاريخ المعيش كما أدركته الجماعات المحلية، لا كما سجلته المصادر الرسمية وحدها.
ويكتسب المثل الشعبي قيمته التاريخية من كونه نتاجا جماعيا مجهول المؤلف، تبلور عبر التراكم الزمني واستقر في الذاكرة الجماعية نتيجة تكرار تداوله بين الأجيال. فهو لا يعبر عن موقف فردي أو تجربة معزولة، وإنما يمثل خلاصة خبرات جماعية ارتبطت بأحداث أو تحولات تركت أثرا عميقا في المجتمع. ولهذا السبب يصعب تحديد تاريخ دقيق لظهور معظم الأمثال، إلا أن مضامينها وألفاظها والسياقات التي تشير إليها تتيح، في كثير من الأحيان، اقتراح إطار زمني تقريبي لنشأتها، وربطها بأحداث تاريخية معروفة.
ويعد شمال المغرب من أغنى المجالات المغربية من حيث التراث الشفهي، نظرا لما عرفته المنطقة من تفاعل مستمر بين الموروث الأمازيغي والعربي والأندلسي، فضلا عن احتكاكها المباشر بالقوى الإيبيرية منذ أواخر العصر الوسيط. وقد أفرز هذا التفاعل رصيدا مهما من الأمثال والحكايات والأزجال والأهازيج التي احتفظت بآثار التحولات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي عرفتها المنطقة. فكثير من الأمثال الشمالية لا تكتفي بوصف السلوك الاجتماعي، وإنما تستحضر أسماء المدن والقبائل والشخصيات والأحداث، مما يجعلها مدخلا لفهم الكيفية التي أعادت بها الذاكرة الشعبية صياغة التاريخ المحلي.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي التعامل مع المثل الشعبي بوصفه مصدرا بديلا عن الوثائق الأرشيفية أو الروايات التاريخية، بل باعتباره مصدرا مكملا لها. فالمؤرخ لا يستخلص من المثل الوقائع التاريخية بصورة مباشرة، وإنما يبحث في دلالاته وما يحمله من إشارات إلى واقع تاريخي معين، ثم يقارنها بما توفره المصادر المكتوبة من معطيات. وتزداد أهمية هذا المنهج عندما يتعلق الأمر بفترات عرفت ندرة في التوثيق المحلي، أو عندما يكون الهدف هو دراسة تمثلات المجتمع للأحداث، وليس مجرد إعادة سردها.
وفي هذا السياق، يبرز مفهوم الذاكرة الشعبية باعتباره عنصرا أساسيا في فهم الأمثال التاريخية. فالذاكرة لا تحتفظ بالأحداث كما وقعت، وإنما تعيد تشكيلها وفق ما تركته من أثر في الوعي الجمعي. ولهذا قد تختزل عقودا من الصراع في عبارة قصيرة، أو تحول حدثا تاريخيا إلى صورة رمزية يسهل تداولها. ومن هنا تأتي أهمية قراءة الأمثال قراءة تاريخية تتجاوز معناها الظاهر، بحثا عما تختزنه من دلالات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية.
وانطلاقا من هذه المقاربة، يمكن النظر إلى المثل موضوع هذه الدراسة بوصفه نصا من نصوص الذاكرة الشعبية لشمال المغرب، لا باعتباره وصفا مباشرا لواقع المدينتين اللتين يذكرهما، وإنما باعتباره خطابا رمزيا يحفظ صورة مرحلة تاريخية معينة. فالإشارات الواردة فيه إلى تطوان وسبتة لا تستمد أهميتها من بعدها الجغرافي فحسب، بل من الحمولة التاريخية التي اكتسبتها المدينتان خلال فترة اتسمت بالاحتلال البرتغالي، وتكرار الحملات العسكرية، وإعادة تشكيل المجال الحضري لشمال المغرب. ومن ثم، فإن فهم هذا المثل يقتضي وضعه في سياقه التاريخي، وربط ألفاظه بالتحولات التي عرفتها المنطقة، وهو ما سيشكل محور التحليل في الصفحات التالية.
ثانيا: السياق التاريخي لظهور المثل: تطوان المهدمة وسبتة المحاصرة
لفهم الدلالات التاريخية للمثل الشعبي موضوع هذه الدراسة، لا بد من استحضار التحولات العميقة التي عرفها شمال المغرب خلال القرن الخامس عشر، وهي مرحلة اتسمت بتصاعد التوسع البرتغالي على السواحل المغربية، وما ترتب عنه من تغيرات سياسية وعسكرية وعمرانية كان لها أثر بالغ في تشكيل الذاكرة الجماعية لسكان المنطقة.
وتعد سنة 1415 نقطة تحول مفصلية في تاريخ شمال المغرب، بعد نجاح البرتغاليين في احتلال مدينة سبتة، التي تحولت إلى أول موطئ قدم أوروبي دائم بالمغرب. ولم يكن هذا الاحتلال حدثا معزولا، بل شكل بداية مرحلة جديدة من الصراع بين الدولة البرتغالية والقوى المغربية، حيث أصبحت المدينة قاعدة عسكرية متقدمة تنطلق منها الحملات البحرية والبرية نحو السواحل والمراكز المجاورة، كما غدت هدفا دائما لمحاولات الاسترجاع والحصار التي قادها السلاطين المغاربة أو القبائل المجاورة.
وفي هذا السياق، عرفت مدينة تطوان وضعا مغايرا تماما. فقد تعرضت المدينة لسلسلة من الهجمات البرتغالية التي استهدفت القضاء على كل مركز يمكن أن يشكل قاعدة خلفية لمقاومة الوجود البرتغالي بسبتة أو لمهاجمة السفن الإيبيرية. وأسفرت هذه الهجمات عن تخريب المدينة في أكثر من مناسبة، الأمر الذي أدى إلى تراجع عمرانها وتشتت قسم مهم من سكانها، حتى أصبحت توصف في بعض المصادر بأنها مدينة مهدمة أو شبه خالية من السكان.
واستمر هذا الوضع إلى غاية العقود الأخيرة من القرن الخامس عشر، حين شهدت المنطقة تحولا جديدا عقب سقوط غرناطة سنة 1492، إذ استقر عدد من المهاجرين الأندلسيين بشمال المغرب، وكان من أبرزهم القائد أبو الحسن علي المنظري، الذي ارتبط اسمه بإعادة بناء تطوان وإحيائها، لتتحول تدريجيا إلى مركز عمراني وعسكري لعب دورا أساسيا في مقاومة التوسع الإيبيري وفي استقبال الوافدين الأندلسيين.
وفي المقابل، ظلت سبتة خلال القرن الخامس عشر فضاء عسكريا بامتياز. فلم تكن المدينة تعيش في ظروف استقرار كامل، بل خضعت لحالة من التوتر المستمر بسبب الحصار المتكرر، والمناوشات العسكرية، والغارات المتبادلة بين الحامية البرتغالية والقوى المغربية. وكانت هذه المواجهات تؤدي إلى خسائر بشرية متكررة، سواء داخل المدينة أو في محيطها، كما كانت تؤثر في حركة السكان والإمدادات، وهو ما جعل سبتة تعيش حالة من المد والجزر الديموغرافي والعسكري تبعا لظروف الحرب والسلم.
ومن المرجح أن تكون هذه الظروف مجتمعة قد تركت أثرا عميقا في الذاكرة الشعبية لسكان شمال المغرب، الذين عاشوا نتائج الصراع بصورة مباشرة. فالأحداث الكبرى لا تنتقل دائما عبر المؤلفات التاريخية وحدها، وإنما تجد طريقها أيضا إلى التراث الشفهي، حيث يعاد اختزالها في صور ورموز يسهل حفظها وتداولها. ومن هنا يمكن افتراض أن بعض الأمثال الشعبية المتداولة في المنطقة قد نشأت في هذا السياق المضطرب، معبرة عن رؤية المجتمع للأحداث أكثر من سعيها إلى تسجيلها وفق التسلسل الزمني الذي تعتمده المصادر التاريخية.
وعلى هذا الأساس، يمكن النظر إلى المثل موضوع هذه الدراسة باعتباره انعكاسا محتملا لهذه المرحلة التاريخية؛ مرحلة تميزت، من جهة، بتطوان التي عرفت التخريب والإهمال قبل إعادة إعمارها، ومن جهة أخرى، بسبتة التي تحولت إلى محور صراع عسكري طويل استنزف الرجال وأصبح جزءا راسخا من الذاكرة الجماعية لسكان المنطقة. ومن ثم، فإن فهم المثل لا ينفصل عن فهم هذا السياق التاريخي الذي أفرزه، وهو ما يمهد لتحليل بنيته اللغوية ودلالاته التاريخية في المحور الموالي.
ثالثا: قراءة تاريخية للمثل الشعبي: من تطوان المهملة إلى سبتة المحاصرة
يقتضي التعامل مع المثل الشعبي بوصفه مصدرا للذاكرة الجماعية تجاوز القراءة الحرفية لألفاظه، والبحث في السياق التاريخي الذي أفرز صوره ورموزه. فالمثل موضوع هذه الدراسة لا يبدو مجرد مقارنة بين مدينتي تطوان وسبتة، وإنما يمثل خطابا شعبيا مكثفا اختزل مرحلة طويلة من التحولات التي عرفها شمال المغرب خلال القرن الخامس عشر. ومن ثم، فإن تحليل أشطاره يكشف عن ترابط منطقي يجعل كل عبارة تحيل إلى واقعة أو وضع تاريخي معين.
1: تطوان يا المهمولة
يفتتح المثل بوصف تطوان بأنها "المهمولة"، وهو وصف لا يمكن فصله عن وضع المدينة خلال القسم الأكبر من القرن الخامس عشر. فبعد احتلال البرتغاليين لسبتة سنة 1415، أصبحت تطوان هدفا مباشرا للهجمات البرتغالية، نظرا لموقعها الاستراتيجي وقربها من المدينة المحتلة، ولإمكانية استغلالها قاعدة لشن الهجمات على المواقع البرتغالية.
وقد أدت الاعتداءات المتكررة إلى تدمير عمران المدينة وإضعاف دورها الاقتصادي والعسكري، مما جعلها تدخل مرحلة من التراجع امتدت عقودا، قبل أن يعاد بناؤها في أواخر القرن الخامس عشر على يد أبي الحسن علي المنظري والمهاجرين الأندلسيين. لذلك، فإن وصفها بـ"المهمولة" يبدو أقرب إلى تسجيل حالة تاريخية عاشتها المدينة، أكثر من كونه حكما قيميا على أهلها أو مكانتها.
ومن ثم، يمكن اعتبار هذا الشطر انعكاسا لذاكرة جماعية احتفظت بصورة تطوان المهدمة قبل نهضتها الأندلسية، وهي صورة استقرت في المخيال الشعبي حتى بعد أن استعادت المدينة عمرانها ودورها السياسي.
2: والساكن فيها مشموت
لا ينفصل هذا الشطر عن سابقه، إذ إن تراجع العمران وما رافقه من اضطراب أمني واقتصادي انعكس على حياة السكان. ويبدو أن لفظ "مشموت" في الاستعمال الدارج لا يقصد به معنى واحدا، وإنما يحيل إلى حالة من الشقاء والبؤس وسوء الحظ، وهي معان تنسجم مع الظروف التي عاشها سكان المدينة في مرحلة الحروب والخراب.
ولا ينبغي فهم هذا التعبير باعتباره انتقاصا من سكان تطوان، بل باعتباره وصفا لحياة فرضتها ظروف استثنائية، حيث أدى الصراع المستمر إلى اضطراب النشاط الاقتصادي، وهجرة عدد من السكان، وفقدان المدينة لمكانتها التي كانت تتمتع بها قبل موجة التدمير البرتغالي.
3: سبتة تخلى وتعمار
يعد هذا الشطر أكثر أجزاء المثل إثارة للتأويل، إذ قد يفهم للوهلة الأولى على أنه يشير إلى ازدهار مدينة سبتة أو إلى تعاقب فترات ازدهارها وركودها. غير أن وضع العبارة في سياق القرن الخامس عشر يقود إلى قراءة مختلفة.
فبعد الاحتلال البرتغالي، لم تعرف سبتة استقرارا طويلا، وإنما تحولت إلى ثكنة عسكرية تعيش على وقع الحصار والمواجهات المستمرة. وكانت أعداد سكانها وحاميتها تتغير تبعا لتطورات الحرب؛ فتضعف بفعل الحصار أو نقص المؤن، ثم تتعزز بوصول الإمدادات أو التعزيزات العسكرية القادمة من البرتغال. ومن ثم، يمكن أن يكون التعبير الشعبي "تخلى وتعمار" وصفا لحركة المدينة في زمن الحرب، حيث كانت تخلو من بعض سكانها أو جنودها في ظروف معينة، ثم تعود لتعمر بوصول قوات أو مستوطنين جدد.
وعلى هذا الأساس، لا يبدو أن المثل يحتفي بمدينة سبتة في ذاتها، بل يستحضرها باعتبارها فضاء للصراع المستمر، وهو ما يجعل هذا الشطر امتدادا منطقيا للحديث عن التحولات التي شهدها شمال المغرب خلال مرحلة الاحتلال البرتغالي.
4: والرجال عليها تموت
تمثل هذه العبارة مفتاح القراءة التاريخية للمثل بأكمله. فالظاهر اللغوي قد يوحي بأن المقصود هو تعلق الناس بمدينة سبتة أو استعدادهم للموت من أجلها، غير أن السياق التاريخي يرجح معنى آخر أكثر انسجاما مع ظروف القرن الخامس عشر.
فمنذ سقوط سبتة في يد البرتغاليين، لم تنقطع محاولات استرجاعها أو محاصرتها، كما لم تتوقف الغارات البرتغالية على السواحل والمراكز المجاورة، وهو ما جعل محيط المدينة يشهد مواجهات متكررة سقط خلالها عدد كبير من المقاتلين. ومن ثم، فإن عبارة "الرجال عليها تموت" تبدو وصفا لذاكرة الحرب، لا تعبيرا عن الإعجاب بالمدينة. فالموت هنا هو موت المقاتلين في ساحات القتال، و"عليها" تعني في سبيل استرجاعها أو أثناء الدفاع عن المجال المحيط بها، وليس حبا في الإقامة داخلها.
وبذلك يتحول المثل من مجرد نص شعبي إلى شهادة رمزية على مرحلة طويلة من الصراع المغربي البرتغالي، استطاعت الذاكرة الجماعية أن تختزلها في رباعية قصيرة تجمع بين صورة مدينة مهدمة، وأخرى محاصرة، وبين معاناة السكان وتضحيات المقاتلين.
على سبيل الختم
سعى هذا المقال إلى إعادة قراءة أحد الأمثال الشعبية المتداولة بشمال المغرب، وهو: " تطوان يا المهمولة والساكن فيها مشموت، سبتة تخلى وتعمار والرجال عليها تموت"، انطلاقا من فرضية مؤداها أن المثل لا يمثل مجرد تعبير عامي للمفاضلة بين مدينتي تطوان وسبتة، بل يحتفظ في بنيته اللغوية بآثار مرحلة تاريخية اتسمت بالصراع المغربي البرتغالي خلال القرن الخامس عشر.
وقد أظهرت القراءة التاريخية للمثل أن الشطر الأول يمكن ربطه بالوضع الذي عرفته تطوان بعد تعرضها لعمليات التدمير المتكررة التي استهدفتها عقب احتلال سبتة، قبل أن تستعيد مكانتها بإعادة إعمارها على يد أبي الحسن علي المنظري في أواخر القرن الخامس عشر. أما الشطر الثاني، فلا يبدو أنه يشيد بمدينة سبتة أو يصف ازدهارها، وإنما يستحضرها باعتبارها فضاء عسكريا ظل خاضعا للحصار والمواجهات المستمرة، وهو ما يجعل عبارة "تخلى وتعمار" أقرب إلى وصف التحولات التي فرضتها الحرب على المدينة وسكانها، في حين تشير عبارة «الرجال عليها تموت» إلى التضحيات البشرية التي ارتبطت بمحاولات استرجاع سبتة أو مقاومة الوجود البرتغالي في محيطها.
ولا تدعي هذه القراءة تقديم تفسير نهائي للمثل، إذ إن الطبيعة الشفوية للأمثال الشعبية، وغياب نصوص تؤرخ لبداية تداولها، يجعلان أي محاولة لتحديد زمن نشأتها أو معناها الأصلي تظل في نطاق الفرضية التاريخية القابلة للمناقشة والمراجعة. غير أن انسجام ألفاظ المثل مع معطيات القرن الخامس عشر، وتوافقها مع الأحداث التي شهدها شمال المغرب خلال تلك المرحلة، يمنح هذه الفرضية قدرا من الوجاهة العلمية يستحق مزيدا من البحث.
وتؤكد هذه الدراسة، في المقابل، أن الأمثال الشعبية ليست مجرد نتاج لغوي أو أدبي، وإنما تمثل وعاء للذاكرة الجماعية، احتفظت من خلاله المجتمعات المحلية بصور مكثفة عن الحروب والتحولات السياسية والعمرانية التي عاشتها. ومن ثم، فإن إعادة قراءة التراث الشفهي في ضوء الوثائق التاريخية تفتح آفاقا جديدة لكتابة تاريخ شمال المغرب، خاصة في الجوانب التي لم تنل حظها الكافي في المصادر التقليدية.
ولعل هذا المثل لا يمثل سوى نموذج من عشرات الأمثال الشمالية التي ما تزال تنتظر دراسة علمية تجمع بين التاريخ واللسانيات والأنثروبولوجيا، بما يسهم في الكشف عن الأبعاد التاريخية الكامنة في الذاكرة الشعبية، وإبراز دورها في حفظ أحداث وتحولات لم تصلنا دائما عبر الوثائق المكتوبة، وإنما بقيت حية في وجدان المجتمع ولغته اليومية.
إن قراءة أشطار المثل في ضوء السياق التاريخي تكشف عن وحدة دلالية متماسكة؛ فالشطران الأولان يصوران وضع تطوان بعد موجات التخريب البرتغالية، بينما ينتقل الشطران الأخيران إلى تصوير سبتة باعتبارها محورا للمواجهة العسكرية. وبهذا المعنى، لا يقدم المثل مفاضلة بين مدينتين، بل يرسم مشهدا تاريخيا متكاملا لشمال المغرب في القرن الخامس عشر، حيث يقابل بين مدينة أنهكها الخراب، وأخرى أصبحت عنوانا لحرب طويلة حصدت أرواح الرجال.
ومن هنا يمكن اعتبار هذا المثل نموذجا لكيفية احتفاظ الذاكرة الشعبية بأحداث تاريخية كبرى عبر لغة رمزية موجزة، وهو ما يمنحه قيمة خاصة بوصفه مصدرا مساعدا في دراسة التاريخ الاجتماعي والثقافي لشمال المغرب، شريطة قراءته في ضوء الوثائق التاريخية والسياق الذي يحتمل أنه نشأ فيه.



#محمد_عبد_المومن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أزمة الهوية في سبتة
- سبتة في كتابات خوسي ماريا كامبوس مارتينيز
- الرياضة كفضاء للهيمنة والمقاومة: رياضة الملاكمة في شمال المغ ...
- سبتة في الدراما الإسبانية: الحدود والتهريب وتمثل الآخر بين م ...
- الرموز البصرية والسردية الاستعمارية في سبتة: التماثيل وأسماء ...
- الحدود كحاجز واقعي ورمزي: جدار سبتة نموذجا
- سبتة والظاهرة الجهادية: تقاطعات الهوية والهشاشة في مجال حدود ...
- سبتة بين العزلة والانفتاح: نحو تصور لاتفاق أورو مغربي مستلهم ...


المزيد.....




- هكذا علق ممداني على فوز عبدالرحمن السيد بالانتخابات التمهيدي ...
- إيران وسلطنة عُمان تقتربان من اتفاق محتمل بشأن مضيق هرمز.. إ ...
- بمقولة منسوبة إلى عمر بن الخطاب.. علاء مبارك يعلّق على التعا ...
- كارلسون يصف أمريكا المثالية بـ10 نقاط
- وزير الداخلية الألماني حول حادث المسيرة في مطار لايبزيغ: سين ...
- اليابان تحيي ذكرى هيروشيما بدعوة إلى نزع السلاح النووي وتتجن ...
- دراسة: الحالة النفسية تؤثر على صحة الفم والأسنان
- هل يتم فتح مضيق هرمز قريبا جدا؟
- الناتو يوجّه الطائرات الأوكرانية المسيّرة
- مسرح صدام الإمبراطوريات.. حرب منسية لكنها تهدد البشر شرقا وغ ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد المومن - سبتة في الذاكرة الشعبية المغربية من خلال الأمثال العامية: قراءة تاريخية في المثل: - تطوان يا المهمولة والساكن فيها مشموت، سبتة تخلى وتعمار والرجال عليها تموت-