أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد سعيدي - قراءة في كتاب -العقل السياسي العربي- للجابري -6















المزيد.....

قراءة في كتاب -العقل السياسي العربي- للجابري -6


محمد سعيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8786 - 2026 / 8 / 3 - 20:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الوعي الطبقي:

الجابري أخذ برأي بعض المفكرين (مثل لوكاتش) الذين قالوا بأن مجتمعات ما قبل الرأسمالية لم تعرف الصراع الطبقي، واحتجوا بغياب الوعي الطبقي. ولخص بعض اقتباساته كما يلي:
" ..إذا كان الانقسام الفعلي والواضح في المجتمع الرأسمالي بأوربا خلال القرن التاسع عشر هو الانقسام إلى طبقات، وإذا كان الوعي السياسي في هذه المجتمعات يرتبط فعلا بالانتماء الطبقي، فإن الواضح والسائد في المجتمعات السابقة على الرأسمالية هو الانقسام إلى جماعات ، ..، جماعات تحركها من وراء وفي الخفاء المصالح الاقتصادية نعم، ولكن بما أن الاقتصاد لم يكن قد تطور إلى درجة تجعل منه المحدد للعلاقات فإن الوعي الذي يحرك الصراع بين هذه الفئات والجماعات لم يكن الوعي الطبقي ، بل " الوعي الفئوي": العصبية القبلية، التعصب الطائفي، التضامن الحرفي…
.. الإيديولوجيا أو "العقيدة " مثلها مثل "القبيلة " أو "الطائفة " مثل " المصلحة الاقتصادية " معطيات متداخلة يصعب التمييز فيها بين ما هو قاعدة وما هو انعكاس لها." (ص 29)

بخصوص الوعي الطبقي، لا يمكن الجزم بغيابه عن الصراع في فترة ما قبل الرأسمالية لعدة أسباب منها أننا نتعامل مع فترة تاريخية من الماضي ولا نتوفر على رواية طرفي الصراع بشكل متوازن ، لأن التاريخ يكتبه المنتصر كما يقال. مثلاً، ما بقي لنا من أقوال الخوارج هي ما نقل عنهم من طرف أعدائهم، وإن كان الإباضية تفرعوا عنهم فهم لا يمثلون سوى رأي "مسالم " منهم. سبب آخر هو المعنى المقصود من الوعي الطبقي في كتابات الماركسيين؛ فالوعي المقصود هو وعي أفراد من المجتمع بانتمائهم لنفس الطبقة الاجتماعية بناء على مصلحة مشتركة تجمعهم. وهذا الوعي يتطور مع تحرك هؤلاء الأفراد للدفاع عن هذه المصلحة (مع ممارسة الفعل السياسي). إذا كان المطلوب هو حد أدنى من الوعي الطبقي، ويعبر عنه كتابة أو عبر التداول الشفهيّ، فكيف يستطيع مفكر في القرن العشرين أن يجزم بغياب هذا الوعي، علماً أنه يتوفر فقط على جزء من التراث المكتوب. هذا عن الوعي عند الطبقات المستغلة (بفتح الغين)، أما عند الطبقات المسيطرة، فلا يمكن القول إنها لم تكن واعية بانتمائها الطبقي. فعبر القوانين ( خاصة قسم المعاملات في الفقه الإسلامي) حصنت مصالحها الاقتصادية، وفي ما وصلنا من الأدب العربي، يبرز بشكل جلي مثلا الانقسام المجتمعي إلى أشراف (أسياد) يتوارثون السلطة والمال، وخدامهم (عبيد وأشباه عبيد)، والتقسيم بين أخلاق الأشراف وأخلاق العبيد (أو العامة، وتتركز حول الطاعة). وهناك أمثلة أخرى كثيرة من كتب تظهر أن الطبقة المسيطرة كان لها وعي بانتمائها وحرص على مصالحها الاقتصادية وطرق تنميتها. و من الأحداث المهمة التي جاءت في الكتاب في سياق آخر، نقتصر على بعضها التي تعد علامات دالة على وعي الطبقة المسيطر عليها. ذكر المؤلف أن المختار الثقفي كان ممن يعدون من أشراف العرب الذي خاض حروباً قاسية في العراق ضد جيوش الأمويين وضد جيش عبد الله بن الزبير (أعلن نفسه خليفة وبايعه أقوام من الحجاز والعراق وغيرهما). وذكر أيضا الشعارات الرئيسية التي رفعها في ثورته هذه (أو القضايا التي تبناها)؛ الثأر لدماء الحسين والانتصار لآل البيت، والانتصار لقضية العبيد وما كان يعرف بالموالي (الذين دخلوا في الإسلام من غير العرب). وهذه الشعارات فهمها جيدا المستهدفون منها، ويهمنا هنا العبيد والموالي ، والتحقوا بحركة المختار وقاتلوا معه. فلو كان العبيد والموالي لا يتوفرون على وعي طبقي في حده الأدنى، ما كان المختار الثقفي محتاجا لمخاطبتهم بشعارات خاصة. العبيد معروف دورهم في علاقات الإنتاج، أما الموالي، فهم في الغالب الفلاحون الذين انتزعت منهم ملكية الأرض أثناء غزو الدولة الإسلامية بالسيف، واعتبرت هذه الأرض أراضي خراج، وعلى عهد الأمويّين فرض عليهم- حتى بعد إسلامهم - أداء ما بين 25% و 50% من إنتاج الأرض، بينما كان يؤدي العرب المسلمون عشر إنتاج الأرض! ولم يكتف الخلفاء الأمويون بهذا، بل غالبهم كان يفرض على الموالي أداء الجزية (مبلغ مالي يؤدى على كل فرد سواء كان له دخل أم لا). قضية الموالي تبناها أيضاً المعتزلة (الذين اختاروا إسم أهل العدل والتوحيد)، الذين استطاعوا بشعاراتهم الداعية "للمساواة" توحيد المعارضة من مختلف الشعوب الخاضعة للسلطة الأموية، و هذا أغرى العباسيين للتحالف معهم في ثورتهم. فلما وصلوا للسلطة حققوا جزءا من مطالب الموالي في المساواة. وجود فتاوى منسوبة لأبي حنيفة (كان من الموالي، سُجِن و عُذّب على يد السلطة الأموية، وهرب بعدها إلى مكة حتى سقوط الأمويين ) وغيره من الفقهاء في هذا الموضوع، يعد علامة على وجود كلام شفوي كثير في المسألة ومعارك طاحنة خاضتها هذه القوى المنتجة (الفلاحون من الموالي) ضد من انتزع منهم أراضيهم و كان ينتزع منهم إنتاجهم بقوة السيف. وهنا، لا نتحدث عن وعي سياسي عالي وتنظيم مستقل لكل طبقة وصراع طبقي فيه اصطفاف "نظيف"!. هذا ليس مطلوبا وليس ضرورياً للحديث عن الصراع الطبقي. فالجابري لا ينفي الصراع الطبقي في عصر الرأسمالية الذي نعيشه، ويعرف أن الطبقة العاملة موزعة في انتماءاتها السياسية بين أحزاب شتى، ومنها التي تقودها نخبة رأسمالية تستطيع استمالة العمال ببعض الشعارات أو بعض المكاسب الإصلاحية. و يحصل أن يراهن العمال على هذا الحزب تارة ويخيب أملهم فيه ويراهنون على آخر ويحصل الأمر نفسه، ويراهنون على قادة نقابيين منهم ويخونونهم، و مع ذلك لا ننفي وجود الوعي الطبقي. لكن، يجوز أن نقول أن العمال وحلفاءهم الطبقيين يرتقون بوعيهم إلى مستوى أعلى مع الممارسة السياسية والنقابية وتجاربهم المختلفة.

خلاصة:

في تناولي لكتاب "العقل السياسي العربي "، ميزت بين مستويين. الأول أن الكتاب يتناول التجارب السياسية التاريخية للدولة "الإسلامية " بمناهج جديدة تستمد شرعيتها من البحث العلمي الحديث في ميادين السياسة والاقتصاد والاجتماع. وهذا يكسر قاعدة ظلت مسيطرة لقرون على "المفكرين الإسلاميين " في بلداننا؛ كان بمقتضاها الموقف من الدولة والمعارضة يكتسي شرعيته بالانتساب ل "النص الديني الإسلامي "! كان المفكر "الإسلامي " الذي يكتب عن تجربة دولة ما، إما أن يعتبرها "مسلمة" ويلزم من هذا أن معارضيها إما كفار أو مبتدعة، وإما أن يعتبر أن الدولة كافرة وحكامها إما كفار أو منافقون والمعارضة هم "المجاهدون " من أجل إقامة "الحكم الإلهي "! الجابري ناقش هذه التجارب في كتابه هذا باعتبارها تجارب سياسية لمسلمين، واعتبر الأحاديث النبوية السياسية تتأرجح بين الموضوع والضعيف، وبالتالي فالنص الديني لا يؤيد أي من هذه التجارب. والمسألة التي شغلت بحثه هي هل هذه التجربة أو تلك تؤسس للاستبداد بالسلطة السياسية أم لا. وخلص إلى أنها جميعاً تجارب مؤسسة للاستبداد الذي نعيشه اليوم. أما المستوى الثاني، فهو المنهج الذي اعتمده في الكتاب . وعلى هذا المستوى، يهمني أن أبيّن أن اختيار المفاهيم وآليات التحليل هو ما قاد المؤلف إلى خلاصات أو توصيات الكتاب بالصيغة التي خرجت بها. فكما أنه استبعد الصراع الطبقي وقلل من أهمية العامل الاقتصادي في الماضي، استبعده في الحاضر أيضاً؛ إذ خرجت التوصيات خالية من إجابة على هذه المسألة. وكما أنه استبعد تأثير نمط الإنتاج الاقتصاديّ السائد على النظام السياسي، خرجت التوصيات خالية من الإجابة على مسألة علاقة الأقلية الرأسمالية الحاكمة اليوم في بلداننا بالإمبريالية ودور التبعية في تأبيد الاستبداد السياسي ( أو دكتاتورية الأقلية). و اكتفيت في هذا المقال بما اعتبره أكثر أهمية، وإلا فالكتاب جاء بالكثير من المسائل التي تستدعي دراسة أكبر.

تمَّ.



#محمد_سعيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في كتاب -العقل السياسي العربي- للجابري—5
- قراءة في كتاب -العقل السياسي العربي- للجابري-4
- قراءة في كتاب -العقل السياسي العربي- للجابري- 3
- قراءة في كتاب -العقل السياسي العربي- للجابري- 2
- قراءة في كتاب -العقل السياسي العربي- للجابري—1
- في فنزويلا، المهمة القذرة لم تنته بعد !
- الأسواق المالية الأمريكية: بحث في أسباب الأزمة الأخيرة وتداع ...
- امتحان المحاماة: الكذب على النظام الكندي ومغالطات أخرى
- غيض من فيض من فكر جماعة -العدل والاحسان -
- -خلافة على منهاج النبوة -:هل هي الحل؟ الجزء الثاني
- -خلافة على منهاج النبوة -:هل هي الحل؟
- عن تطبيع المغرب/ تسهيل رحلة- العال- أم رحلة المال!
- ما يخفي شعاري-دولة الخلافة- -وشريعة الله-!
- من دروس أزمة الكورونا عند رئيس الحكومة
- على هامش الأزمة، غاب العلم وحضر -العلماء-.
- أين وصل برنامج حزب بنكيران و من معه ؟
- مهلا يا عقاوي.. مناضل الداخل
- السجون في المغرب شبيهة بجهنم
- محمد غلوط ..صرخة وصورة
- متى نهاية الربيع العربي في المغرب ؟


المزيد.....




- روسيا: مقتل 7 أشخاص بينهم 3 أطفال إثر غارة بمسيّرة أوكرانية ...
- مارين ترافيك: ناقلات نفط سعودية تلتف حول أفريقيا تفاديًا لمخ ...
- لماذا نشعر بأننا -قبيحات- في وقت معيّن من الشهر؟ وما دور اله ...
- بعد اتفاق يناير.. بارزاني في دمشق لمتابعة مسار دمج -قسد- في ...
- حماس لن تُقدم على -خطوة انتحارية-.. مصدر يشكّك في تنفيذ خطة ...
- روما تستعد لجولة من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية.. وبيروت ...
- بوتين يعين سفيرا جديدا لدى سوريا
- رويترز: 6 ناقلات نفط سعودية عملاقة تغير مسارها إلى رأس الرجا ...
- ترامب يتهم القيادة الإيرانية بـ-ازدواجية لا تُصدق- ويؤكد: لن ...
- بيان عربي حاد ضد إسرائيل


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد سعيدي - قراءة في كتاب -العقل السياسي العربي- للجابري -6