محمد سعيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8589 - 2026 / 1 / 16 - 02:51
المحور:
السياسة والعلاقات الدولية
في فنزويلا، المهمة القذرة لم تنته بعد!
محمد سعيدي/6-1-2026
يوم السبت 3 يناير من هذه السنة ، هاجم الجيش الأمريكى القصر الرئاسي الفنزويلي، بعد حصار عسكري للبلد مازال مستمراً الآن ، وتشارك فيه حاملات طائرات وعشرات الآلاف من الجنود. وأعلن دان كين، رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، أن 150 طائرة شاركت في الهجوم إضافة إلى مروحيات. كما أعلن ترامب، الرئيس الأمريكي، عن اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته وتولي أمريكا لحكم فنزويلا، وفتح المجال أمام الشركات الأميركية الكبرى للعودة لاستغلال النفط في البلد!
واضح من سير العملية الهجومية أنها تطلبت تخطيطا مسبقاً ودقيقا، بما في ذلك الشكليات التي تستعمل للتحايل على القانون الأميركي. تم التركيز على نشر صور عناصر مكافحة المخدرات الأميركية التي تمسك بالرئيس مادورو حتى يتم تبرير عدم إخبار الكونغرس الأميركي بالعملية التي تعتبر إعلان حرب ضد دولة أجنبية بالنظر إلى حجم ونوعية الأسلحة المستخدمة. وقام مهندسو الإخراج بإطفاء الأضواء أمام جثت الشهداء والجرحى من المدنيين والعسكريين الفنزويليين الذين سقطوا نتيجة القصف التمهيدي والتدخل البربري للجيش الأميركي، وإشعال الكاميرات أمام اللقطات التي تظهر أن ما جرى هي عملية بوليسية وليست عسكرية ، وكأنها تقع داخل أحد أحياء العاصمة واشنطن وليس كراكاس! أتحدث عن القانون الأميركي الذي لم يطوّع بعد لصالح ترامب بشكل عام ، و لا داعي للتساؤل عن القانون الدولي و مجلس الأمن أو الأمم المتحدة ، لأن ترامب وإدارته دخلا طيلة السنة الماضية في سباق لوضع اليد على النزاعات الدولية تحديدا من أجل تهميش هذه المؤسسات وتسييد منطق الصفقات بدل مبادئ القانون الدولي لحل هذه النزاعات.
لكن ماذا بعد!
لا أشك أن هذه الضربة والحصار العسكري والاقتصادي له تأثير بالغ على مسيرة الشعب الفنزويلي في تنمية بلده واستقلاله عن الإمبرالية الأمريكية. لكن ما حدث والتصريحات الوقحة التي رافقته، حتماً له وجه إيجابي ؛ فهو أظهر مادورو كبطل قومي وزاد من شعبيته على مستوى العالم وجعل منه رمزاً للنضال ضد الإمبريالية وأحيى روح القتال عند الشعب الفنزويلي من أجل ثروة بلده وأضعف موقف المعارضة الليبرالية التي كانت تتغنى بالقيم الاستعمارية الأميركية والأوربية. وأكثر من هذا وضع إدارة ترامب أمام مأزق الخطوة التالية؛ فالنظام الفنزويلي مازال قائما! إن تقدم الجيش الأمريكى خطوة أخرى نحو الاجتياح البري، فالأوضاع ستسوء في فنزويلا وستسوء كذلك في أمريكا بفعل تزايد اللجوء والهجرة السرية- من أولويات الإدارة الحالية- وتوابيت الجنود الأمريكيين التي لا يمكن تفاديها أمام استعدادات المقاومة الشعبية، وسيجعل وضع اليد على النفط الفنزويلي هدفاً بعيد المنال! وهذا يتعارض مع خلصت إليه مراجعات الحركة التي يتزعمها ترامب في أمريكا التي لا تحبذ الحروب الطويلة. وهذه المراجعات تستند إلى تجربة سلبية معاصرة ومازالت أمريكا تعاني من تبعاتها، وخاصة الحرب العدوانية في العراق وأفغانستان بعد هجمات سبتمبر 2001م. هاتين الحربين كلفتا أمريكا مباشرة 6000 مليار دولار مع إضافة 2000 مليار دولار تؤدى للجنود ( ومنهم الجرحى) إلى حدود 2050م، دون الحديث عن القتلى لأن ما تحسبه الرأسمالية هو التعويضات التي تؤديها لذويهم. وانتهتا الحربين بانسحاب القوات الأمريكية دون نتائج حقيقية إذا قارناها بالتراكم في القوة الذي حققته الصين-الخصم- بالوسائل السلميّة.
إن النفط الفنزويلي ليس فقط هدفاً مكلفاً و بعيد المنال، بل أيضاً هو ليس عصا موسى أمام الأزمة البنيوية التي تواجهها الإمبريالية الأمريكية. فهذه الأخيرة، وإن كانت ما تزال تتصدر العالم كأكبر قوة اقتصادية بناتج داخلي خام يقدره 29 ألف مليار دولار في 2024م، لم تستطع أن تضع حداً لارتفاع الدين القومي المتواصل( 38 ألف مليار دولار في 2024م)، الذي أصبح يمثل 120٪ من الناتج الداخلي، بعد أن كان يمثل فقط 58% في 1999م -قبل انخراط أمريكا في الحروب الطويلة في الشرق الأوسط وأفغانستان-. قد يقول معترض ولما لا، فهذه النسبة في اليابان أكبر بكثير- حوالي 260%- ولا نسمع حديثا كثيرا عن الأزمة! والجواب أن الدين الياباني معظمه داخلي ولا يكلف خزينة الدولة بالنظر إلى نسبة الفائدة الذي يلامس الصفر. أما في أمريكا، فهذا الدين يكلف خزينة الدولة سنوياً حوالي 1100 مليار دولار مقارنة مع عجز سنوي في ميزانية الدولة يقدر ب 1800 مليار دولار. إنها مبالغ مالية كبيرة ؛ ولتقريب الصورة لتقارن مع الناتج الداخلي الإجمالي السنوي لأغنى بلدٍ خليجي -السعودية - الذي وصل 1200 مليار دولار في 2024م. العجز في ميزانية الدولة أعلى من الناتج القومي لأغنى بلدٍ خليجي!! والمزعج أكثر أمام هذا العجز والدين، هو القوى الصاعدة في الشرق بزعامة الصين التي استطاعت أن تنقل ناتجها الداخلي الخام من أقل من 2% من الناتج العالمي سنة 1990م إلى حوالي 17٪ سنة 2024م ، بينما بقيت هذه النسبة حوالي 26% بين هاتين السنتين عند أمريكا. أضف إلى هذا أن الصعود الصيني يترافق مع تراجع الطلب على الدولار الأمريكي بتطور العملات الالكترونية وفرض الصين على بعض البلدان التعامل بعملتها وعبر نظامها البنكي الخارج عن السيطرة الأمريكية. وفي أمريكا، هناك وعي بأن نهاية حقبة سيطرة الدولار بدأت ، وأن البلد الذي كان يحصل على الديون فقط بطرح أسهم الخزينة في السوق الدولية، سيواجه صعوبات جمة في تمويل عجزه في السنوات القادمة مالم يقدم على خطوات خارجة عن المألوف!!
حتى وإن كان من ضمن هذه الخطوات السيطرة على النفط الفنزويلي، فهذا الأخير الذي يقدر احتياطه بحوالي 300 مليار برميل، ليس كله أرباحاً ولن يذهب كله لخزينة الدولة ولن يستخرج في سنة أو سنتين، حتى وإن استولت عليه الشركات الأمريكية بالكامل. فجزء من ثمن البرميل (60 دولار) يذهب لكلفة الاستخراج (أرخصها في الخليج بحوالي 8 دولار وأغلاها في نيجيريا بحوالي 49 دولار)، يضاف إلى هذا كلفة النقل والتخزين و ضرائب لدولة المصدر. وإن كنت لا أقلل من قيمة هذه الثروة الطبيعية ، فلا يجب المبالغة في التوقعات، خاصة في بلد مرشح لأن يشهد مواجهات عسكرية إن سقطت الدولة وهذا يرفع أكثر من كلفة الإنتاج. وهذا قد يفسر تراجع حماس بعض الشركات النفطية الأمريكية التي تتخوف من مغامرة ترامب نظراً لحجم الاستثمارات الكبيرة المطلوبة في البداية (تقديرات أولية بحوالي 100 مليار دولار) . وهذا يشكّل عاملا لصالح تخفيف المواجهة والاكتفاء بالابتزاز للنظام الفنزويلي لتأمين عودة غير مكلفة لهذه الشركات.
أما العوامل التي تدفع نحو التصعيد في الموقف العسكري، فكما جاءت في استراتيجية الأمن القومي الامريكية (نشرت في 4 ديسمبر 2025م)، يمكن تلخيص أهمها في إحكام السيطرة على النصف الغربي من الكرة الأرضية، وإيجاد حكومات تابعة تنخرط في الحرب ضد التوغلات الأجنبية والتنظيمات العابرة للقارات المناهضة لأمريكا! وضمان الوصول للمصالح الحيوية. و هذه الصياغات الكلامية يمكن تفكيكها ، فيما يخص الحالة الفنزويلية ، بوضع اليد على النفط كمصدر استراتيجي للطاقة والذي تشتري منه الصين حوالي 80٪ وتؤدي ثمنه بالين الصيني أو بالعملات الإلكترونية بدل الدولار! وإسقاط حكومة تتحالف مع القوى الشرقية التي تهدد الريادة العالمية لأميركا وعلى رأسها الصين و روسيا وإيران والتنظيمات المسلحة التي تقاتل حليفاً استراتيجياً لأميركا في الشرق الأوسط (الكيان الصهيونى ). الاستراتيجية المذكورة تنتقد الحروب البعيدة التي خاضتها أمريكا، لكنها لا تمانع في خوض الحروب من أجل السيطرة على أمريكا الشمالية والجنوبية لأنها تعتبر "الحديقة الخلفية" أو ما يمكن وصفه ب "الحصن الأخير " قبل الانهيار. و مما هو واضح من الأخبار المنشورة طيلة السنة الماضية ، فإدارة ترامب تنسحب تدريجيا من ملفات النصف الشرقي؛ تخلت عن أوكرانيا في حربها ضد روسيا، وتولي أهمية أقل لملف تايوان الذي يهم الصين وقبلت عن مضض اتفاقية السعودية والصين ( كسرت اتفاقية نيكسون-فيصل التي امتدّت من 1974م إلى 2024م) ببيع البترول مقابل الين الصيني أو العملة الإلكترونية التي طورتها الصين وبدون المرور عبر نظام الأداء الأمريكي السويفت . ونسيت هذه الإدارة تماماً أن ترامب كان يضع على رأس اهتماماته في ولايته الأولى ملفا إسمه كوريا الشمالية!. وإذا قبلت بنصف الهزيمة في النصف الشرقي من الكرة الأرضية ، واستوعبت أن الحضور القوي عبر كل العالم مكلف جداً ويفاقم الأزمة المالية للبلد، فإن التركيز على النصف الغربي يحفّز على القتال بشراسة ضد كل ماتراه هذه الإدارة تهديدا للأمن القومي للبلد! وإن كنت قللت من قيمة النفط المالية أمام حجم الأزمة الأمريكية ، فإنني لا أنسى قيمته كمصدر استراتيجي للطاقة تعتمد عليه اقتصاديات كل بلدان العالم وبشكل كبير ، وقيمته في ارتباطه الوثيق بالدولار لحقبة طويلة ( حقبة البترودولار) . فمن شأن السيطرة عليه من طرف أميركا ، ضمان دورة اقتصادية سلسة في النصف الغربي من الكرة الأرضية حتى في حالة حدوث حروب كبرى. ومن شأن ربط مبيعات النفط بالدولار أن يحافظ علي الطلب الدولي على العملة الأميركية. ولا ننسى أن أمريكا تستعمل هذه المصادر في حصار الاقتصاديات المنافسة وتخريبها.
وإذا كان الكيان الصهيونى تكفل بالمهمة القذرة في الشرق الأوسط نيابة عن العالم الغربي ، كما جاء على لسان المستشار الألماني ، فإن أمريكا تكفلت بهذه المهمة بنفسها في أمريكا اللاتينية وذلك لمنع نهوض أي قوة عسكرية واقتصادية تخرج عن السيطرة الإمبريالية الغربية! إن أمريكا اليوم كمثل الأسد الجائع، لا يؤمن جواره ولا يتوقف إلا حيث توجد قوة ترهبه. حيث توجد مقاومة، فهو يتوقف، يناور أو ينسحب، وحيث يجد استسلاماً ، فهو يدوس على الأخضر واليابس. فنزويلا ليست بالقوة الكافية للقضاء عليه ، ولكنها مثل الشعوب الأخرى التي قاومته وصدته عن مجالها، قادرة على الدفاع عن وطنها وتكبيده خسائر لا يرغب فيها حالياً لمعرفته أن تراكم هذه الخسائر يقرّبه إلى نهايته.
#محمد_سعيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟