أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد سعيدي - قراءة في كتاب -العقل السياسي العربي- للجابري- 2















المزيد.....

قراءة في كتاب -العقل السياسي العربي- للجابري- 2


محمد سعيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8781 - 2026 / 7 / 29 - 22:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



الإيديولوجيات التي دافعت عن "الاستبداد السياسي":

يرى الجابري أن النموذج الذي ظل يجذب العقل السياسي العربي حتى اليوم هو نموذج "المستبد العادل". ولا تختلف الفرق حول هذا النموذج، بل الاختلاف يقع حول هوية هذا "المستبد". يقول:
" إن هدفنا هنا ينحصر في تقديم نماذج دالة وكافية لإثبات الأطروحة التي نريد بلورتها وهي أن العقل السياسي العربي مسكون ببنية المماثلة بين الإله والأمير ..، البنية التي تؤسس على مستوى اللاشعور السياسي ذلك النموذج الأمثل للحكم الذي يجذب العقل السياسي العربي، منذ القدم إلى اليوم، نموذج "المستبد العادل"، لا فرق في ذلك بين شيعي وسني، بين حنبلي وأشعري ومعتزلي، بين متكلم وفيلسوف ( يمكن أن نضيف الاتجاهات الفكرية المعاصرة بمختلف أسمائها)…" (ص 355)
وإذا كان المؤلف لا يشيد بأي من الدول "الإسلامية" التاريخية التي درسها ولا يرى في أي منها نموذجا يحتذى به في عصرنا هذا، فكذلك يرى أن كل "الفرق الإسلامية " الكبرى دافعت عن الاستبداد بطريقة ما. في تفاصيل الدراسة قد يميل أحياناً إلى هذه الفرقة أو تلك في موقف ما، لكن الخلاصة العامة لا تتغير. مثلاً، يقرر أن الجماعة التي قاتلت مع علي ضد معاوية هي استمرارية ل "جماعة المسلمين" الأولى التي تأسست على العقيدة، وكانت هذه الرابطة هي الأقوى عندها واخترقت قبائل مختلفة ، بعكس جماعة معاوية التي كانت استمرارية لنفوذ بني أمية داخل مكة وداخل قريش، وعندها كانت رابطة القبيلة هي الأقوى مقارنة بالعقيدة ؛ فهي كانت قد دخلت الإسلام مرغمة وكانت قريبة عهد به لما تسلمت مراكز قيادية ابتداء من حروب "الردة". لكن، في مواقع أخرى، يعارض نظرية "الإمامة" التي تطورت داخل الأوساط المحسوبة على شيعة علي، ويميل إلى فكرة السنة التي تقول أن "الإمامة " مسألة "اجتهادية " تخضع ل "الشورى " بين المسلمين. وليست ب "الوصية". بعض المنتسبين لهذه الفرقة أو تلك الذين يبحثون عن انتصارات "تكتيكية " بتوظيف أسماء "كبيرة" كالجابري يجتزئون هذا الكلام عن خلاصاته ويستعملوه في سجالاتهم اليومية ضد من يعتبرونهم أعداء أو خصوم. أما المؤلف، فيكمل تحليله بالقول أن الرأي الذي ذهب إليه علي وأصحابه هو من "الإسلام"، وكذلك الرأي الذي ذهب إليه معاوية وأصحابه. وأما فقهاء السنة ، فيوظفون "كلام الشورى" فقط في معارضة الشيعة ، أما فقههم فيشهد أنهم يقرون تنصيب الإمام بوصية ممن كان قبله، ويقرون بشرعية الإمام "المتغلب" (الذي ينتزع السلطة بالسيف)؛ أي أن الثابت عندهم أنهم يقرون بشرعية الإمام ذي الشوكة والغلبة. يقول الجابري:
"… تلك هي المعالم الرئيسية للنموذج الذي يمكن استخلاصه من مرحلة الدعوة المحمدية عن " الحاكم" في الإسلام، إسلام عهد النبوة. إنه نموذج مفتوح ، بدون شك ، بمعنى أنه يقبل إضافات كثيرة مختلفة ومتباينة…" (ص 367)
" .. النظرية " الإسلامية " في الحكم، إذا كان لا بد من استعمال هذا التعبير ، هي نظرية هذا المسلم أو هذه الجماعة من المسلمين في هذا العصر أو ذاك، في هذا البلد أو ذاك، لدى هذه الفرقة أو تلك." (ص 359)
" ومع أنّ عثمان قد عاش المرحلة المكية كما عاشها عمار، فإن موقعه كأحد "رجال الدولة " الممولين لها زمن النبي، وكأحد المستشارين الكبار زمن أبي بكر وعمر، جعله يمارس نوعا آخر من "التأويل". وإذا جاز لنا أن نستعمل العبارات الشائعة في عصرنا أمكن القول إن عماراً كان يفكر ب "منطق الثورة".. بينما عثمان يفكر ب "منطق الدولة" هو ومعاوية ومن على شاكلتهما، … فالتأويلان معاً يشكلان إذن عنصرين من العناصر المؤسسة للعقل السياسي في الإسلام." (ص 226)
وهنا، يجب فهم "العقل السياسي في الإسلام " بالمعنى الوارد في الفقرة السابقة، وأما إذا فهمنا الإسلام بمعنى أضيق، فليس عند المؤلف أي لبس في أن الإسلام لا يتضمن أي نظرية سياسية في الحكم. يقول:
" أما القول بوجود "نظرية " في الحكم الإسلامي، في كتابات المتكلمين والفقهاء ، فهو قول لا يعبر إلا عن رغبة في وجود هذه النظرية، وهي لم توجد ولن توجد لأن الشرط الضروري في قيام نظرية إسلامية في الحكم غير متوفر، نعني بذلك وجود نص صريح من القرآن أوالسنة يشرع للمسألة السياسية…" (ص359)

" .. وبعد، فهل نحتاج إلى القول كخلاصة لهذا الفصل إن ما بقي "ثابتا" في الفكر السياسي السني هو الإيديولوجيا السلطانية. لقد انتهت سجالات المتكلمين وتكييفات الفقهاء إلى الاعتراف بشرعية الأمر الواقع :" من اشتدّت وطأته وجبت طاعته". " ( ص 362)

المؤلف أشاد بدور تاريخي قامت به "المعتزلة" وأطلق على الفرقة "الحركة التنويرية" خاصة على عهد الحكم الأموي، لكن هذا الدور انتهى مع وضع يدها في يد الحكم العباسي والدفاع عن الاستبداد. هذه الفرقة رفضت العقيدة الأموية " الجبرية " التي كانت تدافع عن الاستبداد الأموي ( بما صاحبه من ظلم وقهر وهضم لحقوق الناس) بإدعاء أن كل ما حدث هو من ليس من اختيار لا بني أمية ولا غيرهم؛ فهو من فعل الله وحدث عن " سابق علمه"، وليس لأحد القدرة على تغييره. المعتزلة - ومن قبلهم الحسن البصري- تصدوا لهذه الإيديولوجيا لما فيها من إحباط لعزيمة الناس في مقاومة الظلم والجهر بالحق. فكانوا (المعتزلة ) لا يأخذون بالحديث عموماً لأنهم عايشوا فترة كانت الدولة تشجع على وضع الحديث الذي يخدم مصالحها السياسية ، وكان جزء من المعارضة يفعل الشيء نفسه. وتصدى المعتزلة للرد في المسائل الكلامية التي تفرعت عن "الجبر الأموي". وفي هذا الصدد، قالوا إن الإنسان له اختيار في أفعاله وإلا فلا معنى لتكليفه ولا للحساب ولا للوعد والوعيد. ونفوا الصفات عن الله بتلك المعاني التي أطلقتها "الجبرية الأموية " تنزيها له، ولأن هذه المعاني فيها مشابهة لله بخلقه ولا تحقق معنى التوحيد الذي جاء به الإسلام. وفي نقاش "العقيدة الجبرية "، ميز المؤلف بين الأمويين وغيرهم من الفقهاء والمتكلمين كأبي حنيفة والجهم بن صفوان والجعد بن درهم. هؤلاء، كان يدافعون عن جبر من نوع خاص في إطار تعاطفهم مع حركات شعوب على الأطراف من غير العرب- كخراسان والعراق-. كان ينظر إلى هذه الشعوب ككفار أو أقرب من هذا، لأنهم كانوا يتبعون بعض الأعراف المحلية التي قد تتعارض مع "تعاليم الإسلام " ولم تكن لهم دراية كافية باللغة العربية لفهم هذه "التعاليم الدينية " الجديدة. من هنا كان جبر هؤلاء الفقهاء دفاعاً عن هاته الشعوب؛ أن الله هو الذي خلقهم بلغات أخرى وفي أماكن بعيدة عن شبه جزيرة العرب بأعراف مختلفة ، ولم يكن هذا بمحض اختيارهم. على عكس "الجبر الأموي"، كان هؤلاء الفقهاء والمتكلمون يقولون بالجهر بالحق والتحرك لرفع الظلم والقهر حتى بالسيف.

كان المعتزلة على عهد الأمويين ذووا تأثير كبير؛ اخترقوا قبائل كثيرة وفي مناطق جغرافية عديدة ، واستقطبوا أتباعاً من مختلف الفرق (نظرًا لنهجهم الوسطي)، وأثروا حتى في بعض أمراء الأمويين كمعاوية الثاني الذي تنازل عن الخلافة بعد مدة قصيرة لأن شرط الشورى كان ناقصاً فيها (كانوا ينادون بالشورى والمساواة)، وتعاونوا مع المعارضة وعلى رأسهم بني العباس. لذلك قربهم بني العباس لمّا وصلوا إلى السلطة. لكنهم لم يطوروا ردودا على الإيديولوجيا السلطانية التي تطورت في هذا العهد الجديد، مع بقائهم على أصلهم "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " الذي يجيز الخروج على الحاكم "الظالم "! بل كان بعض رموزهم من الأسماء البارزة في الدفاع عن هذه الإيديولوجيا. وهنا يذكر المؤلف إسم الجاحظ المعتزلي إلى جانب "الموظف التكنوقراط " إبن المقفع كأحد الأسماء المدافعة عن الإيديولوجيا السلطانية ، والتي تلتقي مع ما يرتكز عليه "فقه السياسة " وجوب نصب إمام (لم نتحدث عن تنصيب يقتضي تدخل من الأمة أو ممثليها)، ووجوب طاعة الإمام.
المؤلف خصّص حيزاً لا بأس به لدراسة ميثولوجيا الإمامة وتطورها، وكيف استفاد منها بنو العباس لإضفاء الشرعية على نظام حكمهم الاستبدادي. ف "نظرية الإمامة" تقوم على الوصية ، وهذا يلغي أي دور ل "الأمة" في تنصيب الإمام. كما تقوم على كذلك على مبدإ "العصمة"، وهذا يلغي أي دور ل "الأمة" في محاسبة الإمام أو عزله. إضافة لهذا، فالإمام يرث "العلم السري" الذي لا يتوفر لباقي البشر، وهذا يسقط قيمة أي رأي بشري في تقييم أقوال وأفعال الإمام! يقول الجابري :
" أما الخليفة في العصر العباسيّ فقد كان وضعه يختلف تماماً. .. وقد احتفظوا بصورة "الإمام " كما رسمتها ميتولوجيا الإمامة ، ولكن مع نزع الطابع الشيعي عنها وإحلال الطابع السني محله." ( ص 335)
أما الخوارج ، فصنفهم المؤلف ضمن التيارات "اللاعقلانية " ونقل بعض أقوالهم من كتب خصومهم -أو أعدائهم-. نقل موقفهم مثلا من الإمامة أنهم يرون جواز تنصيب أي إمام عادل من قريش ومن غيرها، ووجوب الخروج على الإمام الكافر وأنهم كفّروا من لم يخرج. واتهمهم بالغلو في التكفير بالكبائر ، الذي وإن كان أساسا موجها ضد الحكام الأمويين ، فقد كان يطبق حتى على عامة الناس. لم نلاحظ أي تحفظ أو تشكيك وترجيح - من طرف المؤلف- لما روي عن الخوارج، كما فعل في روايات أخرى.

إلى هنا تغاضيت قليلاً عما سماه الجابري مفاتيح استعملها لفهم ماضينا، وذلك من أجل توضيح الفكرة الرئيسية التي درسها في هذا الكتاب وهي نموذج " دولة الاستبداد" التي سادت من عهد الدعوة المحمدية إلى عصرنا هذا، والإيديولوجيا التي دافعت عنها. أما فيما يلي، فأقدم بعض من هذه المفاتيح وتوصيات الكتاب مع بعض الملاحظات السريعة حولها.

يتبع…



#محمد_سعيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في كتاب -العقل السياسي العربي- للجابري—1
- في فنزويلا، المهمة القذرة لم تنته بعد !
- الأسواق المالية الأمريكية: بحث في أسباب الأزمة الأخيرة وتداع ...
- امتحان المحاماة: الكذب على النظام الكندي ومغالطات أخرى
- غيض من فيض من فكر جماعة -العدل والاحسان -
- -خلافة على منهاج النبوة -:هل هي الحل؟ الجزء الثاني
- -خلافة على منهاج النبوة -:هل هي الحل؟
- عن تطبيع المغرب/ تسهيل رحلة- العال- أم رحلة المال!
- ما يخفي شعاري-دولة الخلافة- -وشريعة الله-!
- من دروس أزمة الكورونا عند رئيس الحكومة
- على هامش الأزمة، غاب العلم وحضر -العلماء-.
- أين وصل برنامج حزب بنكيران و من معه ؟
- مهلا يا عقاوي.. مناضل الداخل
- السجون في المغرب شبيهة بجهنم
- محمد غلوط ..صرخة وصورة
- متى نهاية الربيع العربي في المغرب ؟
- حركة 20 فبراير
- حقوق الانسان المتعارف عليها -عربيا- في المغرب
- البيان العام الصادر عن المؤتمر الوطني التاسع للجمعية المغربي ...
- الجمعية المغربية لحقوق الإنسان: الوضعية القانونية للفروع


المزيد.....




- كاميرا CNN ترصد مشاهد دمار هائلة بمركز تجاري انهار بعد زلزال ...
- اختبار إيراني مزدوج لإسرائيل من البحر الميت إلى جنوب لبنان
- نبيل بنعبد الله يعزي عائلة كرين في وفاة شقيقتهم المرحومة فاط ...
- مصر تبلغ الولايات المتحدة رفضها جميع الاعتداءات على الدول ال ...
- -القناة 13- العبرية: قرار شن هجوم على إيران يعود لترامب ونحن ...
- ليبيا.. قزيط بعد خسارته أمام تكالة: التيار المحافظ انتصر وأي ...
- من إيران لأوكرانيا.. خيارات ترامب تتشابك
- رئيس الأركان الإسرائيلي: مستعدون لكافة السيناريوهات ولن ننسح ...
- -أمبري-: تعرض ناقلة غاز طبيعي مسال يونانية ترفع علم برمودا ل ...
- التنمية المحلية: بروتوكول تعاون لدعم التنمية المجتمعية وتمكي ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد سعيدي - قراءة في كتاب -العقل السياسي العربي- للجابري- 2