أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مهنا المهنا - صناعة التوحش الوظيفي: دراسة تفكيكية في أَمْنِيَّة الظاهرة ونقد الأدلجة الداعشية















المزيد.....

صناعة التوحش الوظيفي: دراسة تفكيكية في أَمْنِيَّة الظاهرة ونقد الأدلجة الداعشية


مهنا المهنا

الحوار المتمدن-العدد: 8786 - 2026 / 8 / 3 - 12:05
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقدمة: في جينالوجيا التوحش المصنوع
لا يمكن مقاربة ظاهرة تنظيم "داعش" الإرهابي من خلال اختزالها في بُعدها النصي العقدي وحده، كما لا يمكن فهمها باعتبارها مجرد اختراق مخابراتي أجوف لا رصيد له من الآيديولوجيا. إن الفهم الحقيقي يقتضي الغوص في مساحة "الالتحام الوظيفي" بين الأجهزة الأمنية الدولية والإقليمية من جهة، وبين تجليات "الأدلجة العنيفة" التي تتغذى على الفراغات السياسية والاضطرابات الجيوسياسية من جهة أخرى.
تحاول هذه الدراسة تفكيك البنية الفلسفية والمخابراتية للتنظيم، واستكشاف آليات إنتاج القسوة، وتفسير جغرافيا الظهور السياسي والتوقيتات المريبة، وصولاً إلى طرح "العلمانية المؤمنة" كبديل معرفي قادر على تقويض بنى الاستبداد وإستراتيجيات الهيمنة الدولية.
أولاً: جذور النشأة والتحول الوظيفي
لم تكن نشأة تنظيم "داعش" مجرد نبتة عفوية خرجت من رحم الأفكار المتطرفة، بل هي مسار تاريخي مركب تداخلت فيه السلفية الجهادية مع التوظيف المخابراتي الإقليمي والدولي. انطلق التنظيم من عباءة "جماعة التوحيد والجهاد" إبان الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وتطور لاحقاً إلى "دولة العراق الإسلامية".
إلا أن نقطة التحول الكبرى حدثت داخل المعتقلات السجنية (مثل سجن بوكا وسجن أبو غريب)، حيث التقت قيادات الآيديولوجية التكفيرية بضباط سابقين من الأجهزة الأمنية والبعثية المنحلة. هذا الالتقاء أنتج تنظيماً يمتلك عقلية مخابراتية محترفة في التخفي والاختراق وإدارة الشبكات السرية، مغلفة بشعارات جهادية جاذبة للشباب المحبط.
ومع اندلاع الفوضى في سوريا، استثمرت قوى متعددة هذا الكيان ليُعلن عن قيام ما يسمى "دولة الخلافة" عام 2014، ليتحول التنظيم من جماعة محليّة إلى أداة جيوسياسية عابرة للحدود، وساحة تصفية حسابات ووظائف تتقاطع فيها مصالح قوى دولية وإقليمية تحتاج لهذا البعبع لإعادة ضبط توازنات الطاقة والحدود وتبرير السياسات الأمنية القمعية.
ثانياً: هندسة القسوة وتشويه الإسلام وعقدة "الرجم والقطع"
يُثير مظهر التنظيم الفلكلوري المتشدد تساؤلات عميقة حول الهدف من وراء المبالغة في تطبيق الأحكام الحدية بطرق استعراضية. يستند التنظيم في سلوكه إلى أدبيات حركية مثل كتاب "إدارة التوحش"، وهي نظرية تقوم على بث الرعب المطلق لشل إرادة الخصوم وإجبار المجتمعات على الخضوع دون مقاومة.
إن تعمد إظهار التنظيم باللباس الأسود أو البرتقالي، واعتماد سكين الذبح بدلاً من الرصاص في تصفية الضحايا -خاصة من النصارى والأقليات الدينية في العراق وسوريا ومصر وليبيا- ليس سلوكاً بدائياً عفوياً، بل هو صناعة إعلامية هوليوودية فائقة الدقة تستهدف استدعاء أطروحات الحروب الصليبية وتدمير النسيج المجتمعي المشرقي.
من خلال هذه المشاهد، يخدم التنظيم وعن وعي أجندات "الإسلاموفوبيا" العالمية، حيث يمنح المبرر الأخلاقي والقانوني للقوى الدولية للاستمرار في التدخل العسكري وإعادة احتلال المنطقة. ويتجلى زيف الأدلجة في التركيز الهوسي على حدود قطع اليد والرجم لإعطاء شرعية وهمية أمام الأتباع المستقطبين، وتصوير عقيدته كـ "تطبيق نقي للشريعة"، بينما يتجاوز في المقابل عن كليات الشريعة الكبرى مثل حفظ النفس، وحرمة الدماء، والعدل.
ثالثاً: التوقيت المريب وتخريب الحراك الشعبي للحريات
من يراقب جينات حركة التنظيم يلاحظ ترابطاً شرطياً حتمياً بين صعود الخطاب الديمقراطي والمطالبات الشعبية بالحقوق، وبين ظهور "داعش" المفاجئ على مسرح الأحداث. فكلما تظاهر شعب عربي طلباً للحريات، والعدالة الاجتماعية، وسقوط الاستبداد، تظهر خلايا "داعش" فجأة لتسيد المشهد العسكري وتحول المعركة من مطالب سياسية مشروعة إلى مواجهة وجودية ضد الإرهاب.
يُقدّم التنظيم بذلك طوق النجاة الذهبي للأنظمة المستبدة، حيث تضع هذه الأنظمة شعوبها والمجتمع الدولي أمام معادلة صفرية: (إما القبول بالاستبداد الحالي، أو مواجهة السكين الداعشية). وبذلك يتم تصفية الحراك السلمي الساعي للحقوق، وينحرف مسار الصراع لتتحول المنظومات الأمنية العميقة والحاكم المستبد في نظر المجتمع الدولي من جهة قمعية تضطهد شعبها إلى شريك إستراتيجي في الحرب العالمية على الإرهاب.
رابعاً: جغرافية التدمير الممنهج في الفضاء السُنّي
تطرح جغرافيا عمليات التنظيم علامة استفهام كبرى؛ فلماذا تتركز خرائط الدمار الداعشية حصراً في حواضر ومناطق المكون السنّي في المشرق العربي؟ إن إقامة "دولة الخلافة" المزعومة في مدن مثل الموصل والرقة ودير الزور والأعظمية، لم يكن تشريفاً لهذه المناطق بل كان حكماً بالإعدام عليها ونزعاً لأهليتها السياسية والاستراتيجية.
لقد أدى ذلك إلى سحق البنية التحتية، وتدمير الحواضر التاريخية واقتصاداتها، وتحويل مدن كاملة إلى ركام بدعوى تحريرها من التنظيم. كما وفّر وجود داعش الغطاء المثالي لقوى إقليمية ودولية لممارسة عمليات تهجير قسري واسعة النطاق، وإعادة صياغة التركيبة السكانية والخرائط الديموغرافية، مما جعل المكون السنّي في حالة دفاع دائم عن النفس، غارقاً في محاولة نفي تهمة الإرهاب عن نفسه، وعاجزاً عن بناء أي مشروع سياسي أو وطني حقيقي يسترد به حقوقه المواطنية.
خامساً: هندسة الوعي الزائف وآليات غسيل الأدلجة
إن النجاح الذي يحققه التنظيم في استقطاب الأفراد لا يعود إلى قوة أطروحته الفكرية، بل إلى قدرته الفائقة على تزييف الوعي وصناعة "الاغتراب السلوكي" عبر رافعات نفسية ومعرفية محددة:
الانتزاع السياقي وتأميم النص: تمارس الأدلجة الداعشية نوعاً من القرصنة المعرفية على التراث، حيث تعمد إلى انتزاع الآيات والأحاديث من سياقاتها التاريخية ومقاصدها الكلية، لتتحول من فضاء الهداية إلى أداة استخدامية لشرعنة العنف، مع إلغاء مرتبة الاجتهاد والتأويل العقلاني لصالح تفسير أحادي متشنج.
ثنائية المانوية وصناعة المقدس البديل: تعتمد هندسة الوعي على تقسيم العالم تقسيماً حاداً (حق مطلق وباطل مطلق)، مما يلغي المساحات الرمادية والتعددية الفكرية، ويعفي العقل الكسول المستقطب من مشقة التفكير النقدي والموازنة الأخلاقية ويمنحه شعوراً زائفاً بالفوقية الروحية.
الاغتراب السيكولوجي وتصفير الهوية: يشتغل التنظيم على عزل الفرد شعورياً عن أسرته ومجتمعه عبر تصويرهما ككيانات جاهلية وطاغوتية، وبمجرد تصفير هويته الوطنية الأصلية يصبح وعاءً فارغاً يتم ملؤه بهوية هجينة متطرفة تحوله إلى كائن أداتي مستعد لتدمير مجتمعه.
البروليتاريا العقدية والتبعية العمياء: يتم تحويل المقاتلين الصغار إلى "عمال عنف" عبر ترسيخ ثقافة السمع والطاعة الأعمى وإلغاء العقل أمام "أمير الجماعة". هذا التعطيل المتعمد للوعي هو الثغرة الفلسفية التي تتيح لأجهزة المخابرات الدولية اختراق التنظيم وتوجيهه؛ فالقيادة المرتبطة بالوظائف الأمنية تحرك هؤلاء الأفراد المغيبين لضرب أهداف محددة، في حين يظن المقاتل البسيط أنه يموت في سبيل عقيدته، وهو التجسيد الأقصى للوعي الزائف حيث يخدم الضحية جلاده وهو يبتسم.
سادساً: "العلمانية المؤمنة" كأداة لتفكيك الأدلجة وتقويض التوحش
إن دحر ظاهرة داعش لا ينتهي بانتصار عسكري في الميدان، لأن الفضاء الأمني يمكنه دائماً إعادة إنتاج مسوخ جديدة طالما بقيت البيئة الفكرية مهيأة. وإذا كانت المقاربات العلمانية التقليدية الصلبة تصطدم بالبنية الروحية للمجتمعات وتستفز هويتها مما يمنح التنظيم مادة لإعادة إنتاج مظلوميته، فإن أطروحة "العلمانية المؤمنة" تبرز كبديل فلسفي قادر على سحب البساط من تحت أقدام الأدلجة عبر محاور رئيسية:
الفصل بين المقدس الإلهي والدنس السياسي: تقوم العلمانية المؤمنة بـ "تحرير المقدس" وإعادته إلى فضائه الروحي والأخلاقي النقي، ومنع تحويله إلى آيديولوجيا قتالية، وبذلك تقطع الطريق على أجهزة المخابرات التي تستغل النص الديني لإنتاج الوعي الزائف وتحريك الجماهير كأدوات لتدمير الأوطان.
نزع الشرعية عن الكهنوت المستحدث: تفكك العلمانية المؤمنة ادعاء التنظيم باحتكار الحديث باسم السماء لتبرير فظائعه، وذلك عبر التأكيد على أن الأحكام السياسية والتشريعات الإجرائية هي محض اجتهاد بشري مدني خاضع للمصلحة والمفسدة، مما يُسقط هالة القداسة عن قادة التنظيم ويحول نقاش "الخلافة" إلى تقييم عقلاني بين مشروع يبني الإنسان وتنظيم متوحش يخرب العمران.
المصالحة بين الإيمان والحداثة: تقدم العلمانية المؤمنة صيغة تصالحية تضمن للمجتمعات حق التدين الروحي الحر، وفي الوقت نفسه تتبنى العقلانية وحقوق الإنسان وقيم المواطنة، وهذا الدمج يحصن الشباب من الاستقطاب ومن حالة الاغتراب السيكولوجي؛ فالشاب الذي يمتلك وعياً نقدياً حداثياً واستقراراً روحياً لن يقع ضحية لثنائيات داعش الصفرية.
تأسيس الدولة الوطنية الحاضنة: بدلاً من مشروع داعش القائم على إبادة الآخر الديني وتدمير الفضاء المجتمعي، تطرح العلمانية المؤمنة نموذج الدولة المدنية الوطنية ذات المرجعية الأخلاقية الإنسانية، وهي دولة تقف على مسافة واحدة من جميع مواطنيهم، مما يسحب من التنظيم مبررات وجوده القائمة على إثارة الفتن الطائفية واستدعاء الحروب الصليبية.
خاتمة: تقويض الأدلجة كمدخل للمواجهة
إن المواجهة الحقيقية مع قوى التوحش المخابراتي تبدأ من نقد الأدلجة وتفكيك بنية الوعي الزائف، وعزل النص الديني عن التوظيف السياسي، بالتوازي مع إنهاء بيئات الاستبداد والإقصاء التي تمثل الأكسجين الحقيقي الذي تتنفسه هذه التنظيمات المصنوعة في غرف التخطيط المظلمة. إن الرهان المعرفي اليوم يكمن في قدرة النخب المثقفة على ترشيد الرأي العام وهدم سدنة الوعي المأزوم، لصالح فضاء تتصالح فيه الروح مع العقل، وتتحول فيه المواطنة الحرة إلى صمام الأمان الحقيقي لحماية الأوطان من الاختراق السيادي.



#مهنا_المهنا (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- زيف -التمكين- الممنهج: قراءة حادة في واقع انتهاكات حقوق المر ...
- رحيلٌ في المنافي البعيدة: المطران حكمت بيلوني والتحدي الحضار ...
- أسطورة -بابل الثانية-: مخاض النص بين مطرقة الحداثة وإكسير ال ...
- بين التدين الروحي والهيمنة الكهنوتية: قراءة فلسفية في العلما ...
- الجراحة المعرفية: دور المثقف التنويري في تفكيك -الأدلجة- بال ...
- تفكيك الإمبراطوريات الموازية: المراكز الإسلامية في الخارج من ...
- المسلم المؤدلج في الفضاء الغربي: تفكيك البنية السلوكية، خرائ ...
- ديمقراطية المشرط البارد: كيف يفكك العقل الغربي -مُعلّبات الع ...
- سدنة الوعي في مهب العاصفة: دور المثقف وترشيد الرأي العام وقت ...


المزيد.....




- تردد قناة طيور الجنة الجديد 2026.. كيف تعيد الفرحة والضحكة ل ...
- استطلاع يكشف تحولاً لافتاً بين اليهود الأميركيين الشباب: تأي ...
- لقطات توثق حريقا محدودا داخل الجامع الأموي الكبير بدمشق.. وا ...
- حزب المصريين الأحرار: فتح ملف الإخوان في الولايات المتحدة يؤ ...
- الاحتلال يصعد عدوانه.. جرحى بقصف إسرائيلي على شارع اتحاد الك ...
- -حياة يهودي بـ10 ملايين فلسطيني-.. تصريحات مستوطن تشعل الغضب ...
- المرسوم الأسود- الفرنسي هو الذي استعبد الإنسان لا الإسلام يا ...
- -كأننا عدنا لما بعد 11 سبتمبر -.. كير تكشف تصاعد الاعتداءات ...
- هل بدأت نهاية الملاذ الأوروبي لجماعة الإخوان المسلمين؟
- مقترح تركي لإنشاء قوة عربية إسلامية إقليمية لحماية الحدود بي ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مهنا المهنا - صناعة التوحش الوظيفي: دراسة تفكيكية في أَمْنِيَّة الظاهرة ونقد الأدلجة الداعشية