أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مهنا المهنا - ديمقراطية المشرط البارد: كيف يفكك العقل الغربي -مُعلّبات العقيدة-؟!














المزيد.....

ديمقراطية المشرط البارد: كيف يفكك العقل الغربي -مُعلّبات العقيدة-؟!


مهنا المهنا

الحوار المتمدن-العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 16:09
المحور: قضايا ثقافية
    


لا يتعامل العقل الغربي مع "المسلم المؤدلج" بمنطق الصدمة الفكرية، ولا بنبرة الوعظ الأخلاقي النادب؛ بل يتعامل معه بمنطق المشرط المعملي البارد والجاف. فالغرب الحداثي الذي أسس دولته الحديثة على أنقاض الحروب الدينية والمذهبية الطاحنة، لا يرى في هذا المؤدلج القادم إليه محارباً مقدساً أو تهديداً ميتافيزيقياً عصياً على الفهم، بل يراه مجرد "ظاهرة صوتية" مأزومة، محملة بمركّبات نقص تاريخية وإحباطات حضارية مريرة. ومن هذا المنطلق البراغماتي النفعي، لا يسعى الغرب إلى هداية هذا النمط أو مجادلته، بل يعيد إنتاجه، وتفكيكه، وإعادة تدويره داخل الماكينة الرأسمالية والعلمانية الإجرائية حتى تفقد أفكاره الصدامية سمومها وتتحول إلى مادة مستهلكة.
إن أولى آليات هذا التفكيك البارد تتجلى فيما يمكن تسميته بـ "الإخصاء الأيديولوجي" تحت سقف التدجين الرأسمالي. يسحب الغرب مخالب المؤدلج عبر معادلة شديدة البساطة والذكاء: يمنحه حق الصراخ، والدعاء بالهلاك على الحضارة الغربية في ساحات برلماناتها وميادينها، شريطة أن يمتثل في نهاية اليوم لقوانين المرور، ويلتزم بآليات العمل، ويدفع ضرائبه بانتظام لدعم تلك الحضارة نفسها. هنا، يحشر الغرب "المقدس الثوري" في زاوية ضيقة، ليتحول الخطاب الراديكالي بمرور الوقت من مشروع لتغيير العالم إلى مجرد "طقس ترفيهي وفلكلور افتراضي" مستهلك. تبتلع البيروقراطية الغربية حمية المؤدلج، وتجبره على العيش بإنفصام حاد، حيث يتغذى جسدياً من رفاهية المنظومة التي يلعنها ليل نهار في فضاءات الإنترنت المعزولة.
أما على الصعيد الأمني، فإن العقل الغربي لا يندفع نحو الصدام الخشن إلا في أضيق الحدود، بل يفضل تحويل التجمعات المؤدلجة إلى معامل مكشوفة لجمع "الداتا الأمنية الحية". تُترك المساجد الراديكالية والمراكز المشبوهة مفتوحة عمداً وتحت المراقبة اللصيقة؛ ليس عجزاً من الأجهزة الاستخباراتية عن إغلاقها، بل لرصد شبكات التمويل، وتتبع خطوط التجنيد، وتحليل سيكولوجية المتطرفين. في هذه المعادلة، يصبح المؤدلج ــ بجهل مركب وغباء سياسي فاضح ــ واشياً على فكرته وجاسوساً مجانياً على تنظيمه لصالح الأمن الغربي. وفي الوقت ذاته، يُستغل وجود هذا النمط المتطرف كـ "فزاعة" مثالية في صناديق الاقتراع؛ يتغذى عليها اليمين المتطرف لترهيب الناخبين وصعود السلطة، ويستخدمها اليسار كورقة ابتزاز لإثبات تسامحه، بينما تستخدمها الحكومات كأوراق ضغط وتفاوض في علاقاتها الخارجية مع الدول العربية والإسلامية.
المسار الثالث والأكثر خبثاً هو سياسة "تفكيك المركزية" وصناعة حرب الوكالة الفكرية. يدرك الغرب تماماً أن الصدام المباشر بين "الأبيض الغربي" و"المسلم المؤدلج" قد يمنح الأخير شرعية المظلومية وبطولة زائفة. لذلك، يعمد الغرب إلى تمويل وصناعة واجهات إسلامية ليبرالية وحداثية مصممة داخل أروقة المعاهد الغربية، لتقوم بمهمة تفكيك الأطروحات المؤدلجة من داخل الدين نفسه. يترك الغرب ساحات الجاليات لتصفية حساباتها المعرفية والفقهية بنفسها، ليتحول الصراع إلى مواجهة "إسلامية-إسلامية" شرسة على أرض غربية. يجلس المخطط الغربي ببرود في مقاعد المتفرجين، يدير المشهد ويوجه الدعم، تاركاً المؤدلج يتآكل ذاتياً أمام وعي أبناء جلدته دون أن تضطر الدولة الغربية لتلويث يدها بصدام عقائدي مباشر.
تأتي النهاية الحتمية دائماً عند مقصلة العقد الاجتماعي الصارم، حيث تصطدم الأيديولوجيا بجدار الرفاهية المادية. يتعامل الغرب ببراغماتية قانونية جافة؛ عندما يتجاوز الأيديولوجي حدود اللفظ والخطابة إلى التهديد الفعلي والعملي للسلم المجتمعي، تتحرك الآلة القانونية فوراً ودون مواربة عبر الترحيل، وسحب الجنسيات، وتجميد الأرصدة. هنا يوضع المؤدلج أمام خيار وجودي حاد ومخزٍ: إما التضحية الحقيقية من أجل عقيدته المزعومة والعودة إلى البيئات التي فر منها، أو التمسك بمزايا الضمان الاجتماعي، وشيك المساعدات الشهري، والتأمين الصحي الغربي. وفي 99% من الحالات، تنهار الأيديولوجيا وتتوارى الشعارات الثورية صاغرة أمام إغراء الرفاهية الغربية، ليتضح في النهاية أن "روبوت العقيدة" لم يكن سوى ظاهرة صوتية تبحث عن لجوء مادي مريح تحت ظلال الحضارة التي يدّعي عداءها.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سدنة الوعي في مهب العاصفة: دور المثقف وترشيد الرأي العام وقت ...


المزيد.....




- تحليل: منها تصعيد ترامب وخفض سقف توقعاته.. 6 أسئلة حاسمة تحد ...
- لم تُعرض من قبل.. لقطات تكشف كواليس محاولات ليندسي غراهام لل ...
- طائرة نتنياهو تقلع لواشنطن من قاعدة بالنقب عقب اعتراض مسيرتي ...
- الجيش الأردني يعلن اعتراض وإسقاط مسيرتين
- الدفاع الروسية: تحرير بلدتين في دونيتسك ودنيبروبيتروفسك (فيد ...
- ترامب ووعود تحسين القدرة على تحمل التكاليف
- الذكاء الاصطناعي يخدع المستخدمين.. 42% من الروس وقعوا في فخ ...
- إسرائيل ستسمح بدخول قوة أمنية دولية إلى غزة
- بعد 13 يوما من القصف.. لماذا أوقف ترمب ضرباته ضد إيران؟
- رئيس التشيك يخطف الأنظار مصوِّرا في سباق الفورمولا 1


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مهنا المهنا - ديمقراطية المشرط البارد: كيف يفكك العقل الغربي -مُعلّبات العقيدة-؟!