أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رائد الهاشمي - موازنة البرامج والنتائج... إصلاح مالي أم تحول في فلسفة الدولة؟














المزيد.....

موازنة البرامج والنتائج... إصلاح مالي أم تحول في فلسفة الدولة؟


رائد الهاشمي
(Raeed Alhashmy)


الحوار المتمدن-العدد: 8786 - 2026 / 8 / 3 - 11:55
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


باحث وخبير اقتصادي
ليس من المبالغة القول إن نجاح أي إصلاح اقتصادي يبدأ من الموازنة العامة، فهي ليست مجرد جداول للإيرادات والنفقات، وإنما هي التعبير الحقيقي عن أولويات الدولة وقدرتها على تحويل الموارد إلى تنمية وخدمات وفرص اقتصادية وهي ترجمة حقيقية لبرنامجها الحكومي. ومن هنا، فإن شروع الحكومة العراقية في اعتماد موازنة البرامج والنتائج يمثل خطوة إصلاحية تستحق الاهتمام، لأنها تعكس تحولاً في فلسفة إدارة المال العام، وليس مجرد تغيير في آليات إعداد الموازنة.
لقد ارتبطت الموازنات العراقية، لعقود طويلة، بمنهج موازنة البنود، وهو منهج يهتم بتوزيع التخصيصات المالية على أبواب الإنفاق المختلفة، دون أن يربط بين حجم الإنفاق ومستوى الإنجاز الفعلي. وكانت النتيجة أن تحولت الموازنة في كثير من الأحيان إلى أداة لتمويل النشاط الحكومي، لا لقياس كفاءته أو تقييم أثره الاقتصادي والاجتماعي. ومع تضخم الإنفاق العام، ولا سيما بعد عام 2003، بقي السؤال الذي يطرحه المواطن والخبير الاقتصادي على حد سواء بلا إجابة واضحة: لماذا لا ينعكس هذا الإنفاق الضخم على جودة الخدمات ومستوى التنمية؟
هنا تبرز أهمية موازنة البرامج والنتائج، التي تقوم على مبدأ بسيط لكنه عميق الأثر، وهو أن الأموال العامة لا ينبغي أن تُقاس بما يُصرف منها، بل بما تحققه من نتائج, فالوزارة أو المؤسسة الحكومية لم تعد مطالبة بتبرير إنفاقها فقط، وإنما بإثبات قدرتها على تحقيق أهداف محددة، وفق مؤشرات أداء قابلة للقياس والمراجعة,وهذا هو الفارق الجوهري بين إدارة تستهلك الموارد، وإدارة توظفها لتحقيق قيمة اقتصادية واجتماعية.
إن الاقتصاد العراقي، الذي لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، بحاجة ماسة إلى هذا التحول, فالتقلبات الحادة في أسعار النفط، والضغوط المتزايدة على الإنفاق التشغيلي، واتساع الالتزامات الاجتماعية، جميعها تجعل من رفع كفاءة الإنفاق العام أولوية وطنية لا تقل أهمية عن زيادة الإيرادات, فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ دائماً من البحث عن موارد جديدة، بل من تحسين إدارة الموارد المتاحة.
غير أن موازنة البرامج والنتائج ليست وصفة سحرية لحل جميع المشكلات المالية، فهي تتطلب بيئة مؤسسية متكاملة تقوم على التخطيط الاستراتيجي، وقواعد بيانات دقيقة، ونظم معلومات حديثة، ومؤشرات أداء واقعية، إضافة إلى كوادر تمتلك مهارات التحليل والمتابعة والتقييم, والأهم من ذلك، أنها تحتاج إلى إرادة سياسية وإدارية تؤمن بأن المساءلة يجب أن تكون عن النتائج، لا عن الالتزام بالإجراءات فقط.
وفي هذا السياق، ينبغي الحذر من اختزال الإصلاح في تغيير النماذج المحاسبية أو استبدال المسميات الإدارية. فالتجارب الدولية تؤكد أن موازنة البرامج والنتائج تنجح عندما تصبح جزءاً من ثقافة الإدارة الحكومية، وليس مجرد التزام شكلي. وإذا غابت الشفافية أو ضعفت منظومة قياس الأداء، فإنها قد تتحول إلى موازنة تقليدية بثوب جديد، دون أن تحقق أهدافها المرجوة.
كما أن نجاح هذا النهج يتطلب تكاملاً بين وزارة المالية ووزارة التخطيط والجهات الرقابية والسلطة التشريعية، لأن تقييم البرامج الحكومية لا يمكن أن يتم بمعزل عن الخطط التنموية والأهداف الوطنية. فالغاية النهائية ليست إعداد موازنة أكثر تعقيداً، بل بناء إدارة حكومية أكثر كفاءة وقدرة على تعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي لكل دينار من المال العام.
إن العراق يقف اليوم أمام فرصة حقيقية لإعادة تعريف مفهوم الموازنة العامة، بحيث تصبح أداة لقياس الأداء وصناعة السياسات، لا مجرد وسيلة لتوزيع الموارد, وإذا ما أُحسن تنفيذ هذا التحول، فإنه سيؤسس لمرحلة جديدة من الحوكمة المالية، يكون معيار النجاح فيها هو جودة الخدمات، وكفاءة الإنفاق، وتحقيق الأثر التنموي المستدام.
وفي النهاية، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعداد موازنة مختلفة، بل في بناء دولة تُدار بعقلية مختلفة؛ دولة تجعل من النتائج معياراً للنجاح، ومن كفاءة الإنفاق أساساً للسياسة المالية، ومن المساءلة ثقافة مؤسسية راسخة, عندها فقط يمكن القول إن العراق لم يغيّر شكل موازنته فحسب، بل بدأ فعلاً مسار الإصلاح الاقتصادي الذي طال انتظاره.



#رائد_الهاشمي (هاشتاغ)       Raeed_Alhashmy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التحديات الاقتصادية في العراق وآفاق الإصلاح
- اقتصاد السوق في العراق.. بين النظرية والتطبيق
- هل سينجح علي الزيدي في هدم قلاع الفساد ؟
- لماذا نتهرب من دفع الضرائب؟
- المواطن يدفع الثمن والإنفاق الحكومي بلا مساس
- حملة إزالة التجاوزات ..مالها وماعليها!
- العدالة المفقودة في توزيع ثروات العراق
- لماذا أقاطع الانتخابات ؟
- قراءة في الانتقال الى اقتصاد السوق
- غلق مضيق هرمزوالتداعيات الاقتصادية المحتملة على العراق
- لماذا نعتزّ بلغتنا العربية؟ مقاربة لغوية وفكرية في هوية الأم ...
- قرارات ترامب الكمركية وتأثيرها على الاقتصاد العراقي
- أسباب ارتفاع أسعار الذهب والقراءة المستقبلية
- تأثير قرارات أوبك على الاقتصاد العراقي
- الإزدحام يقضّ مضاجع البغداديين
- منتدى دافوس 2025
- دعوة لاعادة النظر بقرار البنك المركزي
- مخرجات الغاء مزاد العملة
- دعوة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الحكومية
- مقترحات لحل ازمة السكن في العراق


المزيد.....




- تدخل أمريكي نادر لدعم الين الياباني.. وترامب يكشف الأسباب
- لقطات من طائرة ركاب لحريق هائل يلتهم مستودعًا في الصين.. شاه ...
- ترامب يعلن استئناف المفاوضات مع إيران الاثنين بعد إلغاء -هجو ...
- حرائق غابات تجبر على إجلاء السكان في جزيرة كيفالونيا اليونان ...
- الصراع الإسلامي-المدني وتداعياته على الحريات والمشهد السياسي ...
- الابتزاز الإلكتروني .. جريمة تودي بحياة عراقيات فأين القانون ...
- ترامب يعلن عن مفاوضات جديدة مع إيران دون تحديد موعد نهائي
- ناج إسرائيلي من هجوم 7 أكتوبر ينتحر عند قبر صديقته التي قتلت ...
- الخارجية الروسية: كييف والغرب يرعيان تسريب أسلحة أوكرانيا إل ...
- باتروشيف يصل في زيارة إلى البرازيل


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رائد الهاشمي - موازنة البرامج والنتائج... إصلاح مالي أم تحول في فلسفة الدولة؟