أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حياة البدري - الهجرة الجماعية في شمال المغرب: قراءة في ضوء سيكولوجية الجماهير والهوية الاجتماعية والحرمان النسبي














المزيد.....

الهجرة الجماعية في شمال المغرب: قراءة في ضوء سيكولوجية الجماهير والهوية الاجتماعية والحرمان النسبي


حياة البدري

الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 16:47
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لم تعد الهجرة غير النظامية مجرد قرار فردي يتخذه شخص يبحث عن فرصة عمل أو تحسين مستوى عيشه، بل أصبحت في كثير من الأحيان ظاهرة جماعية تتكرر على شكل موجات تضم مئات أو آلاف الأشخاص، كما حدث في عدد من مناطق شمال المغرب خلال السنوات الأخيرة. وما يثير الانتباه في هذه الأحداث ليس فقط العدد الكبير للمشاركين، بل أيضا استعداد كثير منهم للمجازفة بحياتهم رغم إدراكهم للمخاطر القانونية والإنسانية. وهذا يدفعنا إلى التساؤل: كيف يمكن تفسير هذا السلوك الجماعي؟ وهل يكفي العامل الاقتصادي وحده لفهمه؟

يرى عالم النفس الاجتماعي الفرنسي "غوستاف لوبون" في كتابه سيكولوجية الجماهير (1895) أن الفرد عندما يصبح جزءا من حشد كبير يتغير نمط تفكيره وسلوكه. فداخل الجماعة تضعف الرقابة الذاتية، ويشعر الفرد بأنه أقل مسؤولية عن أفعاله، بينما تنتقل المشاعر والأفكار بسرعة بين أفراد الحشد فيما يعرف بـ"العدوى النفسية". وفي سياق الهجرة الجماعية، قد يبدأ الأمر بعدد محدود من الأشخاص، ثم تنتقل الحماسة والأمل والجرأة إلى الآخرين، فيتحول القرار الفردي إلى حركة جماعية واسعة، حيث يصبح الحشد مصدرا للشعور بالقوة والأمان.
ورغم أهمية تفسير "لوبون"، فإن علم النفس الاجتماعي الحديث يرى أن أفراد الحشود لا يفقدون عقولهم كما كان يُعتقد، بل يتصرفون وفق هوية جماعية مشتركة. وتؤكد "نظرية الهوية الاجتماعية*، التي طورها "هنري تاجفيل" ثم وسعها "جون تيرنر"، أن الإنسان يعرّف نفسه من خلال انتمائه إلى جماعات معينة. وعندما يشعر عدد كبير من الشباب بأنهم يشتركون في الظروف نفسها من بطالة أو تهميش أو غياب الفرص، تتكون بينهم هوية جماعية تجعلهم يرون الهجرة مشروعا مشتركا، وليس مجرد قرار شخصي. لذلك، فإن المشاركة في موجة جماعية تمنح الفرد إحساسا بالانتماء والتضامن، وتخفف لديه الشعور بالخوف.

ومن جهة أخرى، تقدم "ظرية الحرمان النسبي" تفسيرا لا يقل أهمية. فالمشكلة لا تكمن دائما في الفقر المطلق، بل في شعور الفرد بأنه محروم مقارنة بغيره. فبفضل وسائل التواصل الاجتماعي، يشاهد الشباب يوميا صورا لحياة الرفاهية في أوروبا، أو نجاح أشخاص تمكنوا من الهجرة، فينشأ لديهم شعور بأنهم أقل حظا، وأن الفرص المتاحة لهم داخل وطنهم محدودة. وهذا الشعور قد يكون أكثر تأثيرا من الوضع الاقتصادي نفسه، لأنه يولد الإحباط وفقدان الثقة في المستقبل.

كما تلعب شبكات التواصل الاجتماعي دورا محوريا في تضخيم الظاهرة. فهي لا تنقل الأخبار فقط، بل تصنع أيضا حالة من التعبئة الجماعية. فقد تنتشر خلال ساعات دعوات للتجمع أو إشاعات عن إمكانية العبور، فيتفاعل معها آلاف الأشخاص دون التحقق من صحتها. وهنا تتداخل العدوى النفسية مع التأثير الرقمي، ليصبح القرار الجماعي أسرع وأكثر اندفاعا.
ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن أبعادها السياسية. فالتفاوت الكبير في التنمية بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، واستمرار النزاعات في بعض الدول الإفريقية، وتشديد أو تخفيف سياسات الهجرة الأوروبية في فترات معينة، كلها عوامل تؤثر في حجم موجات الهجرة. كما أن بعض المهاجرين ينظرون إلى المغرب باعتباره محطة عبور نحو أوروبا، مما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل الظاهرة ذات أبعاد إقليمية ودولية.
أما من الناحية الاجتماعية، فإن البطالة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف الحراك الاجتماعي، والشعور بانسداد الأفق، تدفع كثيرا من الشباب إلى الاعتقاد بأن مستقبلهم يوجد خارج حدود الوطن. ويزداد هذا الاعتقاد عندما يسمعون قصص النجاح، بينما تغيب عنهم قصص الفشل والغرق والاستغلال التي يتعرض لها كثير من المهاجرين غير النظاميين.
ومن منظور نفسي، يمكن القول إن الهجرة الجماعية ليست مجرد بحث عن فرصة اقتصادية، بل هي أيضا تعبير عن الحاجة إلى الكرامة، وتحقيق الذات، والشعور بالأمل. فعندما تتراجع هذه الاحتياجات داخل المجتمع، يصبح الفرد أكثر استعدادا للمخاطرة، خاصة إذا وجد نفسه محاطا بحشد يشجعه ويشاركه المشاعر نفسها.
إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب رؤية شاملة لا تقتصر على المقاربة الأمنية، بل تشمل أيضا الاستثمار في الشباب، وتحسين جودة التعليم والتكوين، وخلق فرص الشغل، وتعزيز العدالة المجالية، إلى جانب توفير خدمات للدعم النفسي والإرشاد المهني، وترسيخ ثقافة التفكير النقدي في التعامل مع الأخبار والإشاعات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وبالتالي، فالهجرة الجماعية ليست مجرد حركة انتقال من مكان إلى آخر، بل هي مؤشر اجتماعي ونفسي وسياسي يعكس مستوى الأمل الذي يشعر به الشباب في مجتمعاتهم. وكلما نجحت الدول في بناء الثقة، وتوسيع فرص المشاركة والتنمية، تراجعت الحاجة إلى البحث عن مستقبل مجهول عبر البحر، لأن الإنسان، في النهاية، لا يهاجر فقط من الفقر، بل يهاجر أيضا من فقدان الأمل.



#حياة_البدري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- متى سيرفع “مضيق هرمز” شناقة المغرب شِباكه عن جيوب المغاربة؟! ...
- مراكش.. محكمة النساء الرمزية 23 تحاكم العنف الرقمي وتدعو إلى ...
- اتحاد العمل النسائي ينظم محكمة النساء الرمزية في دورتها 22
- جمعيتي ملتقى الاسرة ومساندة الاسرة.. التأكيد على استحضار الو ...
- اتحاد العمل النسائي.. قانون أسرة عربي موحد
- الطفل يجب ان يكون أولوية الاولويات بمؤسسة الزواج وبالمدونة
- هرج وسعار اكبر... عند كل تغيير للمودنة... السبب الحقيقي
- سقطت أقنعتكم وظهر زيفكم ..وعنصريتكم وجرائمكم
- نجاحك.. رهين بفهم نفسك واكتشاف ذاتك
- سيكولوجية الخوف الفيروسي.. مولود الزمن الكوروني
- اتحاد العمل النسائي يجعل المدرسة شريكا فعالا لمحاربة العنف ض ...
- محكمة النساء 18 صرخة تعري واقع التمييز وتكشف معاناة النساء
- لطيفة اجبابدي:المساواة والعدل هما مقاصد الدين الجوهرية
- أي دور للإعلام حول الهجرة واللجوء
- اتحاد العمل النسائي يحث الاعلام للنهوض بالحقوق الانسانية للن ...
- البيضاء: العدالة، الطب الشرعي ومناهضة التعذيب
- نزيف العنف النسائي.. إلى أين وإلى متى؟؟؟ !!
- تعدد الزوجات ورم خبيث يجب استئصاله
- كلما تقدم العالم درجات تأخرنا سنوات ضوئية...
- محكمة النساء 17 تحاكم تأنيت الفقر


المزيد.....




- البرادعي: العقل الجمعي العربي يكاد يكون -خارج نطاق الخدمة- ح ...
- -تهديد مكة-.. ابنة صدام حسين توجه رسالتين للعرب وإيران بعد م ...
- الحوثيون ليسوا وكلاء لإيران
- ترامب يترك السعوديين في مأزق
- الهند تُشرع أبوابها أمام النووي الروسي
- علماء المناخ يرصدون اتساعا حادا مفاجئا في ثقب الأوزون فوق أن ...
- لماذا لا يملك كوكب الزهرة قمرا؟.. نظرية جديدة تجيب
- أربع عادات لمدة 30 ثانية تساعد في تحسين حالتك النفسية
- طائرة -غيران- الروسية النفّاثة المسيّرة تُغيّر طبيعة الحرب: ...
- الحوثيون يتحولون إلى قوة يُحسب لها ألف حساب في السياسة والتج ...


المزيد.....

- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حياة البدري - الهجرة الجماعية في شمال المغرب: قراءة في ضوء سيكولوجية الجماهير والهوية الاجتماعية والحرمان النسبي