|
|
تقديم فصول كتابي عن السيرة الذاتية -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو
أحمد رباص
كاتب
(Ahmed Rabass)
الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 02:53
المحور:
الادب والفن
افتتحت قراءتي النقدية لكتاب "كنت اتحادياً" بالوقوف عند اللحظة المؤسسة للتجربة الإنسانية والسياسية لعبد الجليل باحدو، حيث لا يبدأ السرد من التنظيم السياسي، ولا من الأحداث الكبرى، وإنما من الإنسان نفسه، من البيئة التي تشكل فيها وعيه، ومن المحيط الاجتماعي والثقافي الذي صنع شخصيته. فالطفولة هنا ليست مجرد ذكرى شخصية، بل هي المدخل الطبيعي لفهم مسار كامل سيقود لاحقًا إلى الانخراط في واحدة من أهم التجارب السياسية التي عرفها المغرب المعاصر. في الفصل الأول، "مرافئ البداية"، اوضحت أن الهوية السياسية لا تولد فجأة، ولا تصنعها الكتب وحدها، وإنما تنشأ عبر تراكم طويل من التجارب اليومية، والعلاقات الإنسانية، والأسئلة الأولى حول العدالة والكرامة والمساواة. فالأسرة، والمدرسة، والحي، والأصدقاء، والقراءات الأولى، كلها عناصر أسهمت في تشكيل ذلك الوعي الذي سيصبح فيما بعد وعيًا اتحاديًا. إن أهمية هذه المرحلة لا تكمن في الأحداث التي ترويها فقط، وإنما في الطريقة التي يُعاد بها بناء الذاكرة. فالكاتب لا يكتب مذكرات شخصية بالمعنى التقليدي، بل يعيد تركيب زمن كامل عاشه جيل من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم في قلب التحولات التي عرفها المغرب بعد الاستقلال. ولذلك تصبح الذاكرة هنا ذاكرة جماعية بقدر ما هي ذاكرة فردية، ويتحول السرد من حكاية شخص إلى شهادة على مرحلة تاريخية بأكملها. كما ألفت الانتباه إلى أن باحدو يكتب بقدر كبير من الصراحة والهدوء، بعيدًا عن تمجيد الذات أو تصفية الحسابات. فهو لا يقدم نفسه بطلاً، بل إنسانًا يبحث عن الحقيقة، ويتعلم من أخطائه، ويعترف بتردداته وهواجسه. وهذه السمة تمنح النص قيمة إنسانية وفكرية كبيرة، لأنها تجعل التجربة قابلة للفهم والنقد في آن واحد. ويبرز ايضا، من خلال صفحات الفصل الاول، الحضور المبكر لفكرة الالتزام، ليس بوصفها انتماءً حزبياً، وإنما بوصفها موقفًا أخلاقيًا من المجتمع. فالسياسة تظهر في البداية باعتبارها امتدادًا لقيم العدالة والإنصاف، قبل أن تصبح انتماءً تنظيميًا أو اختيارًا إيديولوجيًا. ومن هنا نفهم كيف تشكلت العلاقة الأولى مع الفكر الوطني والتقدمي، وكيف بدأت الأسئلة الكبرى حول الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية تجد طريقها إلى عقل الشاب الذي سيصبح لاحقًا مناضلًا داخل الاتحاد الاشتراكي. يبدو أن هذه البداية ضرورية لفهم جميع التحولات اللاحقة. فمن دون معرفة الجذور الأولى للوعي، يصعب تفسير المراجعات الفكرية والسياسية التي سيعيشها الكاتب في ما بعد. ولذلك فإن هذا الفصل يؤدي وظيفة تأسيسية؛ فهو يرسم الخلفية النفسية والاجتماعية والفكرية التي ستفسر لاحقًا الانتقال من اليقين إلى الشك، ومن الحماس إلى النقد، ومن الانتماء المطلق إلى المراجعة الواعية. على المستوى الأدبي، لاحظت أن السرد يمتاز بلغة هادئة تستعيد الماضي دون حنين مفرط، وتوازن بين الوقائع والتأملات، بحيث يصبح الماضي مادة للتفكير أكثر منه مادة للبكاء على الزمن الجميل. فالذاكرة لا تستدعي الأحداث لتقديسها، بل لتفكيكها وإعادة فهمها في ضوء الحاضر. وهكذا ينتهي هذا الفصل وقد وضع القارئ أمام الأسئلة المؤسسة للتجربة كلها: كيف يولد الوعي السياسي؟ كيف تتحول القيم الإنسانية إلى مشروع نضالي؟ وكيف يصبح التاريخ الشخصي جزءًا من التاريخ الوطني؟ إنها أسئلة سترافق جميع الفصول اللاحقة، وتجعل من مرافئ البداية ليس مجرد مدخل زمني، بل المدخل الفكري والإنساني لفهم تجربة عبد الجليل باحدو كما قرأتها. يشكل الفصل الثاني، "التحول الكبير: من اليسار إلى الإسلام السياسي"، أحد أكثر الفصول أهمية وإثارة في هذه القراءة، لأنه يتناول المنعطف الفكري الذي غيّر مسار عبد الكريم مطيع، وأثار الكثير من التساؤلات لدى المتتبعين. فليس الحديث هنا عن انتقال تنظيمي بسيط من إطار سياسي إلى آخر، بل عن رحلة فكرية معقدة، انتقل فيها صاحبها من مرجعية يسارية تقدمية إلى مرجعية إسلامية، بعد سنوات من الالتزام داخل الحركة الاتحادية. ولهذا خصص الكاتب لهذه المرحلة عناية خاصة، محاولًا أن يظهر دوافعها الفكرية والإنسانية بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو التصنيفات الجاهزة. ومن الواضح أن التحول الإيديولوجي الذي يرويه باحدو لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه انقلابًا على الماضي أو خيانة لتاريخ النضال، بل بوصفه نتيجة لمسار طويل من الأسئلة والشكوك والمراجعات. فالإنسان لا يغيّر قناعاته الكبرى بين عشية وضحاها، وإنما يصل إليها عبر تراكم من التجارب والخيبات، وعبر احتكاكه بالواقع السياسي والاجتماعي الذي قد يفرض عليه إعادة النظر في كثير من المسلمات. ومن خلال قراءتي لهذا الجزء من الكتاب، حاولت أن أبين أن أزمة اليسار في تلك المرحلة لم تكن أزمة تنظيمية فقط، وإنما كانت أزمة فكرية أيضًا. فقد بدأت الشعارات الكبرى التي حملها جيل السبعينيات تفقد بريقها أمام تعقيدات الواقع، وأصبح كثير من المناضلين يشعرون بأن الخطاب الثوري لم يعد قادرًا وحده على تقديم أجوبة مقنعة عن أسئلة المجتمع والدولة والدين والهوية. ومن هنا بدأ البحث عن أفق فكري جديد، يفسر الواقع بطريقة مختلفة ويمنح المناضل معنى آخر لالتزامه. فضلا عن ذلك، أكدت أن باحدو لا يقدم هذا التحول باعتباره انتصارًا لفكر على آخر، وإنما يقدمه باعتباره تجربة شخصية صادقة، عاش فيها صراعًا داخليًا بين الوفاء للماضي والانفتاح على قناعات جديدة. وهذه الصراحة تمنح السرد بعدًا إنسانيًا عميقًا، لأن الكاتب لا يخفي لحظات التردد، ولا يحاول أن يجعل انتقاله يبدو وكأنه كان أمرًا بديهيًا أو سهلًا. بل يعترف بأن الطريق كان مليئًا بالحيرة، وأن مراجعة الذات كانت أصعب من مواجهة الخصوم. على المستوى الأدبي، لاحظت أن لغة الكاتب في هذا الحيز تصبح أكثر تأملًا وهدوءًا. فالسرد لا يكتفي بعرض الوقائع، بل يتوقف طويلًا عند الأسئلة الفكرية التي صاحبت التحول، مما يجعل النص أقرب إلى سيرة فكرية منه إلى مذكرات سياسية. ويمنح هذا الأسلوب للقارئ فرصة لفهم الدوافع العميقة للتجربة، بدل الاكتفاء بالحكم على نتائجها. يمثل هذا الفصل لحظة مفصلية في القراءة بأكملها؛ لأنه يكشف أن الثبات الحقيقي لا يكون في التمسك الأعمى بالأفكار، وإنما في الإخلاص الدائم للحقيقة كما يراها الإنسان بعد طول بحث وتأمل. ولذلك فإن «التحول الكبير: من اليسار إلى الإسلام السياسي» ليس عنوانًا لانتقال سياسي فحسب، بل عنوان لرحلة فكرية وإنسانية معقدة، تؤكد أن المراجعة ليست ضعفًا، بل قد تكون أحيانًا أعلى درجات الشجاعة الفكرية، لأنها تعني استعداد الإنسان لإعادة النظر في ذاته كلما تغيرت معارفه واختلفت تجربته. يمثل هذا الفصل، "سؤال الحقيقة داخل التنظيم"، محطة مفصلية في قراءة كتاب "كنت اتحادياً"، لأنه ينتقل بالقارئ من مرحلة التكوين والانتماء إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، وهي مرحلة مساءلة التنظيم من الداخل. فإذا كانت الفصلان السابقان قد انشغلا بتفسير كيف تشكل الوعي السياسي لعبد الجليل باحدو، فإن هذه الأجزاء تطرح سؤالًا آخر أكثر حساسية: ماذا يحدث عندما يبدأ المناضل في مساءلة التنظيم الذي آمن به، واكتشاف الفجوة بين المبادئ التي يحملها والخيارات التي يمارسها؟ تكمن قوة هذه المرحلة في كونها لا تقدم نقدًا خارجيًا للحزب أو للحركة الاتحادية، وإنما تقدم شهادة من داخل التجربة نفسها. فصاحب الكتاب لا يتحدث بلسان الخصوم، ولا يكتب بعد أن فقد كل صلة بماضيه، بل يراجع تجربته باعتباره أحد أبنائها. ولهذا يكتسب النقد مصداقية خاصة، لأنه نابع من الحرص على الحقيقة أكثر مما هو نابع من الرغبة في الإدانة أو تصفية الحسابات. قادتني القراءة إلى أن التنظيم السياسي، مهما بلغت قوة مبادئه، يبقى مؤسسة بشرية تخضع لما تخضع له كل المؤسسات من اختلافات في الرؤى، وصراعات في المصالح، وتباينات في أساليب التدبير. ومن هنا تبدأ الأسئلة التي يطرحها عبد الجليل باحدو حول طبيعة الممارسة الحزبية، وحدود الديمقراطية الداخلية، والعلاقة بين القيادة والقاعدة، وبين القرار الجماعي وطموحات الأفراد. ولا يقف الكاتب عند وصف هذه الإشكالات، بل يحاول فهم أسبابها. فالتجربة الاتحادية كانت تتحرك في سياق سياسي شديد التعقيد، حيث كانت المعارضة تواجه ضغوطًا كبيرة من الدولة، وتعيش في الوقت نفسه نقاشات داخلية حول وسائل النضال، وأولويات العمل السياسي، وكيفية التوفيق بين المبادئ والواقع. ولذلك فإن كثيرًا من التوترات التي عرفها التنظيم لم تكن ناتجة فقط عن أخطاء الأشخاص، بل أيضًا عن طبيعة المرحلة التاريخية التي عاشها المغرب. ومن خلال القراءة، يبدو أن السؤال المركزي في هذا الفصل هو سؤال الحقيقة. فهل يستطيع المناضل أن يعبر بحرية عن رأيه داخل التنظيم؟ وهل يظل النقد مقبولًا عندما يوجه إلى القيادات؟ وهل الولاء للحزب يعني الصمت عن الأخطاء، أم أن الوفاء الحقيقي يقتضي الجرأة على قول ما ينبغي قوله مهما كانت نتائجه؟ هذه الأسئلة لا يقدم لها الكتاب أجوبة نهائية، لكنه يضعها أمام القارئ باعتبارها جزءًا من التجربة السياسية نفسها. وقد لاحظت أن عبد الجليل باحدو لا يتعامل مع التنظيم باعتباره كيانًا مقدسًا، وإنما باعتباره تجربة بشرية قابلة للنجاح والإخفاق، وللتطور أيضًا. ومن هنا تأتي أهمية النقد الذاتي بوصفه وسيلة للإصلاح لا للهدم. توقفت في هذا الفصل كذلك عند العلاقة المعقدة بين الانضباط التنظيمي وحرية التفكير. فكل تنظيم يحتاج إلى قدر من الانسجام والانضباط ليستطيع مواصلة عمله، لكن هذا الانضباط قد يتحول أحيانًا إلى قيد يمنع النقاش الحر ويجعل الاختلاف يُفهم على أنه خروج عن الصف. كما أشرت إلى أن باحدو عاش هذه المفارقة عن قرب، فوجد نفسه أمام معادلة صعبة: كيف يكون وفيًا للتنظيم، وفي الوقت نفسه وفيًا لقناعاته الفكرية والأخلاقية؟ في ثنايا هذا الفصل، تبين أن النقاشات الداخلية لم تكن تدور فقط حول الأشخاص أو المواقع التنظيمية، بل كانت تدور أساسًا حول طبيعة المشروع السياسي نفسه. فقد كان الاتحاد الاشتراكي يعيش مرحلة مراجعات عميقة، تتعلق بمفهوم النضال، والعلاقة مع المجتمع، وآفاق التغيير، وحدود العمل الحزبي في ظل ميزان القوى القائم. ولذلك فإن الخلافات لم تكن مجرد صراعات تنظيمية، بل كانت تعبيرًا عن اختلاف في قراءة الواقع وفي تصور المستقبل. وفي اعتقادي أن أكثر ما يمنح هذا الفصل الثالث قيمته هو ابتعاده عن لغة الاتهام. فعبد الجليل باحدو لا يحاكم الأشخاص، ولا يختزل التجربة في أخطاء أفراد بعينهم، بل يحاول أن يفهم كيف يمكن لتنظيم يحمل مشروعًا ديمقراطيًا أن يقع أحيانًا في ممارسات تتناقض مع شعاراته. وهذه المقاربة تجعل النص أقرب إلى التأمل الفكري منه إلى المرافعة السياسية. وعلى المستوى الإنساني، يكشف هذا الفصل عن الثمن الذي يدفعه المناضل عندما يبدأ في طرح الأسئلة الصعبة. فالنقد الداخلي لا يكون دائمًا موضع ترحيب، وقد يؤدي إلى سوء الفهم أو العزلة أو التشكيك في النوايا. ومع ذلك، لم يفتني أن أدرك أن باحدو اختار الاستمرار في مساءلة تجربته، لأنه كان يعتبر أن الصمت عن الاختلالات لا يخدم المشروع الذي آمن به، بل يضعفه. كما لاحظت أن هذه المرحلة تمثل بداية التحول النفسي والفكري الذي سيقود لاحقًا إلى مراجعات أوسع. فالشك الذي بدأ داخل التنظيم لم يكن شكًا في قيمة النضال أو في مبادئ العدالة والحرية، وإنما كان شكًا في الوسائل، وفي الكيفية التي تُدار بها التجربة السياسية. ومن هنا تبدأ المسافة بين الانتماء المطلق والانتماء النقدي، وهي مسافة ستتسع في الفصول اللاحقة. أما من الناحية الأدبية، فإن لغة السرد تصبح أكثر هدوءًا وتأملًا، إذ تتراجع الحكاية لصالح التفكير والتحليل. فالكاتب لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يتوقف عند دلالاتها، ويعيد قراءتها في ضوء ما آل إليه مساره الشخصي. وهذا ما يجعل النص غنيًا بالأسئلة أكثر من الأجوبة، وبالتأمل أكثر من إصدار الأحكام. وما يفتأ أن يخرج القارئ بقناعة مفادها أن «سؤال الحقيقة داخل التنظيم» لا يتعلق بالاتحاد الاشتراكي وحده، بل هو سؤال يخص كل تجربة سياسية أو فكرية. فكل تنظيم معرض لأن يبتعد، بدرجات متفاوتة، عن المبادئ التي تأسس عليها، وكل مشروع يحتاج إلى أصوات من داخله تملك الشجاعة لممارسة النقد الذاتي. لذلك فإن القيمة الحقيقية لهذا الفصل لا تكمن فقط في توثيقه لمرحلة من تاريخ الحركة الاتحادية، وإنما في دعوته إلى جعل الحقيقة فوق الانتماء، والنقد فوق المجاملة، والإصلاح فوق المحافظة على الصور الجاهزة. وهكذا ينتهي هذا الفصل وقد انتقل القارئ من مرحلة الانتماء الواثق إلى مرحلة التفكير النقدي، ليتأكد أن النضال السياسي لا يكتمل بالإيمان بالمبادئ وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى القدرة على مراجعة الذات، ومساءلة التنظيم، والدفاع عن الحقيقة حتى عندما تكون مكلفة. وهذه هي البذور الأولى للمراجعات الكبرى التي ستتبلور في الفصول التالية من الكتاب. يمثل الفصل الرابع، "من يقين الانتماء إلى قلق المراجعة"، نقطة تحول حاسمة في المسار الذي يرويه عبد الجليل باحدو، كما قرأته. فبعد سنوات من الانخراط في العمل السياسي، والاقتناع بالمشروع الاتحادي، والإيمان بقدرته على تحقيق التغيير، تبدأ مرحلة جديدة تتراجع فيها الأجوبة الجاهزة لتحل محلها الأسئلة الكبرى. لم يعد الانتماء وحده كافيًا لإزالة الشكوك، ولم تعد الشعارات وحدها قادرة على تفسير ما يجري داخل التنظيم أو في الواقع السياسي المغربي. وهكذا ينتقل الكاتب من مرحلة اليقين إلى مرحلة المراجعة، دون أن يعني ذلك التخلي عن القيم التي آمن بها، بل إعادة التفكير في وسائل تحقيقها. لا يتحدث هذا الفصل عن أزمة فردية يعيشها صاحب السيرة، وإنما عن أزمة جيل كامل من المناضلين الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع أكثر تعقيدًا مما كانت تعد به الخطابات السياسية. فقد كان الاتحاد الاشتراكي، مثل غيره من القوى الوطنية، يعيش مرحلة دقيقة تتداخل فيها رهانات الإصلاح الديمقراطي مع ضغوط السلطة، والانقسامات الداخلية، وتغير موازين القوى. وفي مثل هذا السياق، يصبح من الطبيعي أن تتولد أسئلة جديدة حول جدوى بعض الخيارات، وحدود العمل الحزبي، ومستقبل المشروع الذي ناضلت من أجله أجيال كاملة. إن عبد الجليل باحدو لا يكتب عن هذه المرحلة بروح المنهزم أو الناقم، وإنما بروح الباحث عن الحقيقة. فهو لا يسعى إلى نسف تجربته السابقة، ولا إلى التنكر لها، بل يحاول فهم الأسباب التي جعلته ينتقل من حالة الاطمئنان الفكري إلى حالة الشك المنتج. وهذا ما يمنح النص عمقًا فكريًا، لأن المراجعة هنا ليست موقفًا عاطفيًا عابرًا، بل ممارسة عقلية وأخلاقية تستند إلى التجربة وإلى التأمل. كما أن المراجعة ليست دائمًا نتيجة هزيمة سياسية، بل قد تكون نتيجة نضج فكري. فالإنسان الذي يظل يكرر القناعات نفسها دون مساءلة قد يبدو ثابتًا، لكنه قد يكون عاجزًا عن رؤية التحولات التي تحدث حوله. أما الذي يراجع أفكاره باستمرار، فإنه يظل وفيًا للحقيقة أكثر من وفائه للأفكار الجامدة. ومن هذا المنطلق، يقدم الكاتب مراجعاته باعتبارها خطوة نحو فهم أعمق للواقع، لا باعتبارها انسحابًا من الالتزام. توقفت عند العلاقة بين التجربة الشخصية والتحولات الوطنية. فالمراجعة التي عاشها عبد الجليل باحدو لا تنفصل عن التحولات التي عرفها المغرب خلال تلك المرحلة، حيث بدأت تظهر بوادر تغير في طبيعة الصراع السياسي، وفي أساليب العمل الحزبي، وفي نظرة المجتمع إلى الأحزاب والنخب. لقد أصبح الواقع أكثر تعقيدًا، وأصبح من الضروري إعادة تقييم الأدوات التي كانت تُعتبر في الماضي صالحة لتحقيق التغيير. ومن الجوانب التي تم تسليط الضوء عليها أن باحدو لم يفرط في التمييز بين المبادئ والوسائل. فإيمانه بالعدالة الاجتماعية، والحرية، والديمقراطية، لم يتراجع، لكن اقتناعه بأن الوسائل المعتمدة داخل التنظيم هي الأفضل لتحقيق تلك الأهداف بدأ يهتز. وهذه نقطة أساسية، لأنها تؤكد أن الأزمة لم تكن أزمة قيم، بل أزمة ممارسة ورؤية سياسية. ناقش الكاتب أثر هذه المراجعات على المستوى الشخصي. فالانتقال من اليقين إلى الشك ليس أمرًا سهلًا، خاصة بالنسبة لمن قضى سنوات من عمره داخل تنظيم سياسي يعتبره جزءًا من هويته. لذلك، فإن هذه المرحلة كانت مليئة بالتردد، وبالصراع الداخلي بين الوفاء للماضي والرغبة في البحث عن طريق جديد. ولا يسعني إلا أن بأن باحدو نجح في نقل هذا الصراع بصدق كبير، دون أن يحاول إخفاء لحظات القلق أو التردد التي عاشها. يعكس هذا الفصل نضجًا واضحًا في أسلوب الكتابة. فالسرد يصبح أقل اهتمامًا بتفاصيل الأحداث وأكثر اهتمامًا بتحليل معانيها. لم تعد الوقائع تُذكر لذاتها، بل لأنها تثير سؤالًا فكريًا أو أخلاقيًا. وهكذا يتحول النص تدريجيًا من مذكرات سياسية إلى سيرة فكرية تبحث في معنى الالتزام، وحدود الانتماء، وأهمية النقد الذاتي. ومن الأفكار المهمة التي قمنا بستخلاصها تلك التي تعني أن الانتماء الحقيقي لا يعني إلغاء العقل. فالحزب، مهما كانت مكانته، ليس غاية في ذاته، وإنما وسيلة لخدمة المجتمع وتحقيق مشروع سياسي. وعندما تتحول الوسيلة إلى غاية، أو يصبح الدفاع عن التنظيم أهم من الدفاع عن المبادئ، فإن المراجعة تصبح ضرورة أخلاقية قبل أن تكون ضرورة سياسية. وهذا ما حاول عبد الجليل باحدو التعبير عنه من خلال تجربته، حيث ظل يعتبر أن الوفاء للمبادئ قد يفرض أحيانًا مراجعة الوسائل، وربما مراجعة الانتماءات نفسها. مهدت هذه المرحلة لكل التحولات اللاحقة في الكتاب. فهي تمثل الجسر الذي سينتقل عبره الكاتب من النقد الداخلي إلى مراجعات أشمل ستطال رؤيته للعمل السياسي وللمرجعيات الفكرية التي تبناها. لذلك، فإن هذا الفصل لا يمكن اعتباره مجرد محطة انتقالية، بل هو اللحظة التي بدأ فيها الوعي الجديد يتشكل، وإن كان لم يكتمل بعد. تفعيلا لأحد إمكانات التأويل، أرى أن عنوان الفصل الأخير «من يقين الانتماء إلى قلق المراجعة» ليس عنوانًا لأزمة، بل عنوانًا لنضج فكري وإنساني. فالشك الذي خبره الكاتب ليس شكًا هدّامًا، وإنما هو شك يفتح الباب أمام فهم أعمق للتجربة السياسية، ويجعل من المراجعة وسيلة لتصحيح المسار لا للتنصل من الماضي. ومن هنا تنبع أهمية هذه المرحلة، لأنها تؤكد أن التجارب الكبرى لا تقاس بقدرتها على إنتاج المناضلين فقط، بل أيضًا بقدرتها على إنتاج مفكرين يملكون شجاعة مراجعة أنفسهم عندما تفرض الحقيقة ذلك. يشكل الفصل الخامس، "المدينة لم تنم"، انتقالًا من التأمل في التجربة التنظيمية إلى معايشة الواقع المغربي بكل ما كان يعتمل فيه من توتر واحتقان. ففي هذا الفصل، يغادر عبد الجليل باحدو حدود التنظيم الحزبي ليتأمل المجتمع بأسره، حيث تصبح المدينة فضاءً للصراع السياسي والاجتماعي، وتتحول الحياة اليومية إلى مرآة للأزمة التي كانت تعيشها البلاد. ومن هنا جاء عنوان «المدينة لم تنم»، لأنه يعبر عن حالة من اليقظة الجماعية التي سبقت الانفجار، وعن مجتمع كان يعيش على إيقاع الخوف والانتظار والأمل في آن واحد. لا تقتصر هذه المرحلة من الكتاب على وصف أحداث سياسية، بل ترسم صورة دقيقة للمناخ العام الذي كان يطبع المغرب خلال سنوات الرصاص. فقد كانت الأزمة الاقتصادية تتفاقم، وتتزايد الفوارق الاجتماعية، بينما كانت المطالب الشعبية بالحرية والعدالة والعيش الكريم تجد نفسها أمام واقع سياسي مغلق. وهكذا أصبحت المدينة فضاءً يعكس تناقضات المجتمع، حيث يتجاور الأمل بالإحباط، والصمت بالغضب، والاستقرار الظاهري بالغليان الداخلي. فعلا، نجح عبد الجليل باحدو في تحويل المدينة إلى شخصية حية داخل السرد. فهي ليست مجرد مكان تدور فيه الأحداث، بل كائن نابض بالحركة، يحمل ذاكرة الناس، ويختزن أصواتهم وآمالهم وخيباتهم. الشوارع، والمقاهي، ومقرات الأحزاب، والمؤسسات التعليمية، والأسواق، كلها تتحول إلى فضاءات يتشكل فيها الوعي السياسي، وتتقاطع فيها هموم المواطن البسيط مع رهانات المناضل. ولا يمكن للقارئ ألا يفطن إلى ان الكاتب يربط بين الأزمة الاجتماعية والأزمة السياسية، مؤكدًا أن الاحتجاج لم يكن وليد لحظة عابرة، بل نتيجة تراكم طويل من الإحساس بالتهميش وغياب العدالة. ولذلك فإن ما كان يبدو هدوءًا في ظاهر المدينة لم يكن سوى هدوء هش يخفي تحت سطحه توترًا متزايدًا. كانت البلاد تعيش حالة انتظار، وكان الجميع يدرك أن استمرار الأوضاع على ما هي عليه لا يمكن أن يدوم طويلًا. وفي هذا السياق، يبرز دور الحركة الاتحادية والقوى الديمقراطية في مواكبة نبض الشارع، والدفاع عن المطالب الاجتماعية والسياسية. غير أن الكاتب لا يقدم صورة مثالية عن المعارضة، بل يشير إلى حجم التحديات التي كانت تواجهها، سواء بسبب الضغوط التي تمارسها السلطة، أو بسبب محدودية الإمكانات، أو نتيجة الخلافات الداخلية التي كانت تؤثر في قدرتها على الفعل. وهكذا تبدو المعارضة جزءًا من الأزمة بقدر ما هي جزء من البحث عن الحل. ما يميز هذا الفصل هو اتساع زاوية النظر. فبدل التركيز على التجربة الذاتية وحدها، يفتح عبد الجليل باحدو السرد على المجتمع، ويمنح مساحة أكبر للناس العاديين الذين كانوا يعيشون آثار الأزمة في تفاصيل حياتهم اليومية. فالسياسة هنا ليست شأنًا يخص الأحزاب فقط، وإنما هي واقع ينعكس على لقمة العيش، والعمل، والتعليم، والكرامة الإنسانية. ومن خلال هذا الربط، ينجح الكاتب في إظهار أن النضال السياسي كان مرتبطًا في جوهره بالدفاع عن الحقوق الاجتماعية، لا بمجرد التنافس على السلطة. عندما توقفت عند اللغة التي استعملها الكاتب في وصف هذه المرحلة، وجدت أنها لغة مشبعة بالإحساس ،بالقلق وبالترقب، لكنها لا تفقد توازنها أو موضوعيتها. فالسرد لا يبالغ في تصوير المأساة، ولا يختزل المرحلة في صور قاتمة فقط، بل يبرز أيضًا مظاهر التضامن بين الناس، واستمرار الأمل في إمكانية التغيير رغم كل الصعوبات. وهذا التوازن يمنح النص بعدًا إنسانيًا يجعله أقرب إلى شهادة تاريخية منه إلى خطاب سياسي. إن عنوان «المدينة لم تنم» يحمل دلالة رمزية عميقة. فهو لا يشير فقط إلى الليالي التي عاشها الناس في القلق، بل يعبر عن يقظة الضمير الجماعي، وعن مجتمع بدأ يدرك أن الصمت لم يعد كافيًا، وأن التغيير أصبح ضرورة لا يمكن تأجيلها. فالمدينة التي لا تنام هي مدينة تراقب، وتتساءل، وتنتظر اللحظة التي تتحول فيها المعاناة إلى فعل جماعي. ومن خلال هذه القراءة، بينت أن ما جاء في هذا الفصل يمثل تمهيدًا طبيعيًا لما سيأتي بعد ذلك من أحداث كبرى، وعلى رأسها انتفاضة 20 يونيو 1981. فالكاتب يرسم ملامح الأزمة قبل انفجارها، ويشرح الظروف التي جعلت الاحتجاج يبدو وكأنه نتيجة حتمية لتراكم طويل من الاحتقان السياسي والاجتماعي. لذلك، فإن هذا الفصل لا يروي الحدث نفسه، بل يروي مقدماته، ويكشف جذوره العميقة. وفي خاتمة هذا الفصل، خلصت إلى أن «المدينة لم تنم» ليست مجرد وصف لمرحلة تاريخية، بل قراءة في العلاقة بين المجتمع والسياسة، وبين الوعي الشعبي والتحولات الوطنية. فالمدينة هنا تختزل المغرب كله، بكل ما عاشه من آمال وآلام، وتكشف أن التاريخ لا تصنعه القرارات الرسمية وحدها، بل تصنعه أيضًا مشاعر الناس، وصبرهم، ورفضهم للاستسلام. وهكذا يصبح هذا الفصل حلقة أساسية في البناء العام للكتاب/القراءة، لأنه يفسر المناخ الذي ستولد منه واحدة من أكثر المحطات تأثيرًا في تاريخ الحركة الديمقراطية المغربية، والتي سيتناولها الفصل التالي تحت عنوان «حين تكلمت الشوارع وصمتت الصحف». في الفصل السادس، "حين تكلمت الشوارع وصمتت الصحف"، وصلت إلى واحدة من أكثر المحطات حساسية في قراءتتي لكتاب "كنت اتحادياً"، وهي محطة انتفاضة 20 يونيو 1981، التي شكلت منعطفًا حاسمًا في تاريخ المغرب الحديث، وفي مسار الحركة الاتحادية على وجه الخصوص. فالأحداث التي يتناولها عبد الجليل باحدو لا تُقرأ باعتبارها مجرد احتجاجات اجتماعية عابرة، بل باعتبارها لحظة انفجرت فيها التناقضات التي كانت تتراكم منذ سنوات، وأصبح الشارع هو اللغة الوحيدة التي استطاع المواطنون التعبير بها عن غضبهم، بعد أن ضاقت أمامهم كل قنوات التعبير الأخرى. إن اختيار عنوان «حين تكلمت الشوارع وصمتت الصحف» يلخص جوهر المرحلة. ففي الوقت الذي خرجت فيه الجماهير إلى الشوارع احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، تعرضت الصحافة المعارضة للتضييق، وأُغلقت المنابر التي كانت تنقل صوت المجتمع، وفي مقدمتها جريدة "المحرر". وهكذا أصبح الشارع يؤدي الدور الذي مُنعت الصحافة من القيام به، وأصبحت الهتافات تعوض المقالات، والتجمعات الشعبية تحل محل الكلمات التي مُنعت من الوصول إلى الناس. لا يتوقف عبد الجليل باحدو لا عند وصف الانتفاضة باعتبارها مواجهة بين السلطة والمحتجين، وإنما يحاول تفسير الظروف التي دفعت المجتمع إلى تلك اللحظة. فقد جاءت الأحداث نتيجة تراكم طويل من الأزمات الاقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة، واتساع الفوارق الاجتماعية، إلى جانب انسداد الأفق السياسي. لذلك فإن ما وقع في يونيو 1981 لم يكن حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من الاحتقان الذي سبق أن مهد له الكاتب في الفصل السابق. رأينا كيف أن تلك المرحلة كشفت حدود العلاقة بين الدولة والمعارضة. فبدل أن يُفتح باب الحوار مع المطالب الاجتماعية، اختارت السلطة المقاربة الأمنية، وهو ما أدى إلى سقوط عدد من الضحايا واعتقال المئات، وإلى تعميق حالة التوتر داخل المجتمع. ولم يكن الهدف من القمع، في نظر الكاتب، إنهاء الاحتجاج فقط، بل توجيه رسالة مفادها أن المجال السياسي ما يزال محكومًا بمنطق القوة أكثر من منطق التوافق. ومن بين الجوانب التي توقفت عندها بإسهاب، الدور الذي لعبته الصحافة في تلك المرحلة. فقد كانت الصحافة الحزبية، وعلى رأسها "المحرر"، تمثل صوت المعارضة، وتنقل وجهة نظر تختلف عن الرواية الرسمية. ولذلك كان إغلاقها حدثًا سياسيًا بامتياز، لأنه لم يكن يستهدف مؤسسة إعلامية فقط، بل كان يستهدف حق المجتمع في معرفة ما يجري، وفي الاطلاع على رواية أخرى للأحداث. وهنا يبرز المعنى العميق لعنوان هذا الفصل؛ فحين تُمنع الكلمة من النشر، تبحث عن طريق آخر، وقد وجدتها هذه المرة في الشارع. توفق عبد الجليل باحدو في تقديم قراءة متوازنة لهذه الأحداث، فهو لم يكتب بلغة التحريض أو الانفعال، وإنما بلغة الشاهد الذي يحاول أن يفهم ما جرى وأن يضعه في سياقه التاريخي. فلا يُحول الضحايا إلى أرقام، ولا الاحتجاجات إلى مجرد وقائع سياسية، بل يمنحها بعدها الإنساني، ويُذكر بأن وراء كل حدث أفرادًا وعائلات وتجارب إنسانية دفعت ثمن تلك المرحلة. كما جرى لفت الانتباه إلى أن انتفاضة يونيو لم تكن لحظة هزيمة فقط، بل كانت أيضًا لحظة كشفت قوة المجتمع المدني، وحيوية الحركة الديمقراطية، وقدرة المواطنين على الدفاع عن مطالبهم رغم المخاطر. فقد أظهرت الأحداث أن الوعي السياسي لم يعد حكرًا على الأحزاب، بل أصبح جزءًا من الوعي الشعبي، وأن الشارع تحول إلى فاعل سياسي لا يمكن تجاهله. من الناحية الفكرية، أشرت إلى أن هذه التجربة تركت أثرًا عميقًا في وعي عبد الجليل باحدو. فقد زادت قناعته بأن الديمقراطية لا يمكن أن تُبنى بالقوة، وأن العلاقة بين الدولة والمجتمع تحتاج إلى الحوار والاعتراف المتبادل، لا إلى المواجهة الدائمة. كما عمقت لديه الإحساس بأهمية حرية الصحافة، باعتبارها شرطًا أساسيًا لأي تحول ديمقراطي حقيقي، لأن إسكات الصحافة لا يلغي الحقيقة، وإنما يؤجل ظهورها. لاحظت أيضًا أن هذه المرحلة شكلت اختبارًا صعبًا للحركة الاتحادية نفسها. فقد وجدت نفسها أمام مسؤولية الدفاع عن المجتمع في ظروف بالغة التعقيد، وفي مواجهة تضييق سياسي وإعلامي واسع. ومع ذلك، فإن التجربة كشفت كذلك الحاجة إلى مراجعة أساليب العمل السياسي، وإلى البحث عن صيغ جديدة للنضال تستطيع أن تحقق الإصلاح دون أن تدفع البلاد نحو مزيد من المواجهة. ومن الناحية الأدبية، تميز هذه الجزء المقروء بإيقاع سريع ولغة مشحونة بالصور والدلالات. فالمدينة التي كانت «لا تنام» في الفصل السابق، أصبحت هنا تتكلم بصوت مرتفع، بينما يخيم الصمت على الصحف التي أُجبرت على التوقف. ويمنح هذا التوازي بين صوت الشارع وصمت الإعلام للنص قوة رمزية كبيرة، تجعل القارئ يشعر بأن معركة تلك المرحلة لم تكن معركة سياسية فقط، بل كانت أيضًا معركة حول الذاكرة، ومن يملك حق رواية التاريخ.
وقد لا أبالغ إذا قلت إن هذا الفصل الذي عنوانه «حين تكلمت الشوارع وصمتت الصحف» يمثل إحدى أكثر لحظات القراءة كثافةً وتأثيرًا، لأنه يوثق لمرحلة كشف فيها المجتمع المغربي عن قدرته على الاحتجاج، وكشفت فيها السلطة عن حدود مقاربتها الأمنية، كما كشفت المعارضة عن أهمية الكلمة الحرة في الدفاع عن الديمقراطية. إنها لحظة امتزج فيها الدم بالحبر، وارتفع فيها صوت الشارع عندما أُريد للكلمة أن تصمت، لتبقى شاهدًا على أن الذاكرة الجماعية لا تُمحى بإغلاق صحيفة، ولا تنتهي بإسكات صوت، بل تستمر في وجدان الناس حتى تتحول إلى جزء من تاريخ وطن بأكمله.
بعد المرحلة العصيبة التي أعقبت انتفاضة 20 يونيو 1981، ينتقل الفصل السابع، (عودة اليوسفي وظهور "الأحداث المغربية") إلى قراءة مرحلة جديدة من تاريخ المغرب، اتسمت بتحولات سياسية وإعلامية عميقة. وإذا كانت الفصول السابقة قد انشغلت بوصف سنوات المواجهة والاحتقان، فإن هذا الفصل يرصد ملامح الانفراج التدريجي الذي بدأ يتشكل داخل المشهد الوطني، من خلال حدثين يبدوان منفصلين في الظاهر، لكنهما يعكسان، في العمق، بداية إعادة تشكيل المجالين السياسي والإعلامي: عودة عبد الرحمن اليوسفي إلى أرض الوطن، وظهور جريدة "الأحداث المغربية". لم تكن عودة اليوسفي مجرد عودة شخصية لزعيم سياسي أنهى سنوات طويلة من المنفى، بل كانت حدثًا وطنيًا حمل دلالات سياسية ورمزية كبيرة. فقد كان اليوسفي أحد أبرز وجوه الحركة الوطنية والاتحاد الاشتراكي، ورمزًا للنضال الديمقراطي، ولذلك استقبلت عودته باعتبارها مؤشرًا على إمكانية فتح صفحة جديدة في العلاقة بين الدولة والمعارضة، بعد عقود من التوتر والصدام. لم يتعامل عبد الجليل باحدو مع هذه العودة بمنطق الاحتفال العاطفي، وإنما قرأها في سياقها التاريخي، باعتبارها نتيجة لتحولات داخلية وخارجية بدأت تفرض نفسها على المغرب. فقد كانت البلاد تدخل مرحلة جديدة، تتراجع فيها لغة القطيعة تدريجيًا، ويبدأ الحديث عن إمكانات الحوار، والإصلاح، والانتقال نحو ممارسة سياسية أكثر انفتاحًا. ومن هنا أصبحت عودة اليوسفي رمزًا لعودة الأمل في إمكانية التغيير من داخل المؤسسات، لا من خارجها فقط. في مقابل هذا التحول السياسي، تأملت في ظهور جريدة "الأحداث المغربية" باعتباره حدثًا إعلاميًا بالغ الأهمية. فالصحافة لم تكن مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبحت فضاءً جديدًا للنقاش العمومي، ولعرض مختلف وجهات النظر، ولمتابعة التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي. ورأيت أن ميلاد صحيفة جديدة في تلك المرحلة لم يكن مجرد إضافة إلى المشهد الإعلامي، بل كان دليلًا على أن المجتمع بدأ يبحث عن أصوات مختلفة، وعن إعلام أكثر قربًا من نبض الناس وقضاياهم. كما أوضحت أن الكاتب يربط بين السياسة والإعلام باعتبارهما وجهين لمسار واحد. فإذا كانت الأحزاب تسعى إلى توسيع هامش المشاركة السياسية، فإن الصحافة كانت تعمل على توسيع هامش حرية التعبير، وهو ما جعل المجالين يتكاملان في خدمة التحول الديمقراطي. لذلك فإن الحديث عن الأحداث المغربية لا يقتصر على المؤسسة الصحفية نفسها، بل يمتد إلى الدور الذي لعبه الإعلام المستقل في إعادة تشكيل الرأي العام، وفي كسر احتكار الرواية الواحدة. ومن خلال فعل القراءة، ادركت أن عبد الجليل باحدو يبتعد تدريجيًا عن لغة الصراع المباشر، ويتجه نحو تحليل ديناميات التغيير الهادئ. فبعد سنوات كان فيها الحديث يدور حول الاعتقالات والمحاكمات والقمع، أصبح النقاش ينصب على الإصلاح، والحوار، وإعادة بناء الثقة بين الفاعلين السياسيين. وهذا التحول في لغة السرد يعكس، في نظري، التحول الذي عرفه الواقع نفسه. كما توقفت عند الدور الذي لعبته الشخصيات الوطنية في هذه المرحلة، وعلى رأسها عبد الرحمن اليوسفي، الذي ظل بالنسبة لكثير من المناضلين نموذجًا للسياسي الذي جمع بين المبدئية والواقعية. فقد استطاع، رغم سنوات المنفى، أن يحافظ على مكانته الرمزية، وأن يعود وهو يحمل مشروعًا يقوم على المصالحة الوطنية، وعلى بناء توافق يسمح بفتح آفاق جديدة أمام البلاد. لم تكن هذه المرحلة خالية من التحديات. فالتحول الديمقراطي لم يكن قد تحقق بعد، وكانت هناك شكوك كثيرة حول حدود الانفتاح السياسي، وحول قدرة الدولة والأحزاب على تجاوز إرث سنوات الصدام. لذلك، فإن الكاتب لا يقدم صورة مثالية عن تلك المرحلة، بل يشير إلى أنها كانت بداية مسار طويل، لا نهاية له. فالعودة لم تكن تعني أن كل المشكلات قد حُلّت، كما أن ظهور صحف جديدة لم يكن يعني أن حرية التعبير أصبحت مكفولة بالكامل، وإنما كانا معًا علامتين على بداية تغير في المناخ العام. ولا داعي لإنكار كون عبد الجليل باحدو منح أهمية خاصة لدور الكلمة في صناعة التحولات. فإذا كانت الصحافة قد تعرضت في مراحل سابقة للتضييق والإغلاق، فإن عودتها القوية إلى المشهد تعني أن المجتمع بدأ يستعيد ثقته في الحوار وفي قوة الرأي العام. وهكذا يصبح الإعلام شريكًا في بناء المرحلة الجديدة، لا مجرد ناقل للأحداث. من الناحية الفكرية، يمثل هذا الفصل انتقالًا من ثقافة المقاومة إلى ثقافة البناء. فبعد أن انشغل السرد طويلًا بوصف مظاهر الأزمة، بدأ يلتفت إلى إمكانات الخروج منها. وهذا لا يعني التخلي عن المبادئ التي قامت عليها الحركة الاتحادية، وإنما البحث عن وسائل أكثر نجاعة لتحقيقها في ظل واقع سياسي متغير. وهنا، بدا لي أن عبد الجليل باحدو يقدم قراءة ناضجة للتاريخ، لا تنظر إلى السياسة بمنطق الانتصار والهزيمة، بل بمنطق التراكم، حيث تكون كل مرحلة امتدادًا لما سبقها، وتصحيحًا له في الوقت نفسه. في خاتمة هذا الفصل، تم الخلوص إلى أن «عودة اليوسفي وظهور "الأحداث المغربية"» تمثلان معًا بداية مرحلة جديدة في الحياة السياسية المغربية، مرحلة لم تعد تقوم على منطق المواجهة وحده، بل على إمكان الحوار، وتوسيع هامش الحرية، وإعادة بناء الثقة في العمل السياسي والإعلامي. ولذلك، فإن هذه الأجزاء لا تؤرخ لحدثين منفصلين، بل تؤرخ لبداية انتقال هادئ من زمن الصدام إلى زمن البحث عن التوافق، وهو المسار الذي سيزداد وضوحًا في الفصل الموالي، «التحول الذي أعاد رسم المسار»، حيث تتبلور المراجعات السياسية والفكرية، وتتضح معالم مرحلة جديدة في تاريخ الاتحاد الاشتراكي وفي تاريخ المغرب المعاصر. وصلنا في الفصل الثامن المشار إلى عنوانه قبل قليل إلى المرحلة التي نعتبرها من أكثر المراحل نضجًا في المسار الذي يرويه عبد الجليل باحدو، لأنها تمثل لحظة انتقال من المعارضة بوصفها موقفًا دائمًا، إلى التفكير في السياسة باعتبارها فنًا لإدارة الممكن. فبعد سنوات طويلة من الصراع، والمراجعات، والخيبات، يبدأ المشهد السياسي المغربي في التشكل وفق معادلات جديدة، وتبدأ الحركة الاتحادية نفسها في إعادة النظر في كثير من اختياراتها، استعدادًا لمرحلة مختلفة عنوانها الإصلاح والتوافق. لم يكن هذا التحول وليد قرار سياسي مفاجئ، ولا نتيجة ظرف عابر، بل كان حصيلة مسار طويل من التجارب المؤلمة، والمراجعات الفكرية، والتغيرات التي عرفها المغرب والمنطقة والعالم. فقد أثبتت سنوات المواجهة أن الصراع المفتوح، مهما كانت دوافعه مشروعة، لا يكفي وحده لبناء الديمقراطية، كما أثبتت أن استمرار القطيعة بين الدولة والمعارضة لا يخدم استقرار البلاد ولا يحقق تطلعات المجتمع. ومن هنا بدأ يتشكل وعي سياسي جديد يقوم على الحوار، والتدرج، والبحث عن نقاط الالتقاء بدل تعميق منطق الصدام. لا يقدم عبد المؤلف هذه المرحلة باعتبارها انتصارًا لطرف على آخر، وإنما باعتبارها انتصارًا لفكرة المراجعة نفسها. فالسياسة، في نظره، ليست مجالًا للثبات المطلق، بل هي قدرة دائمة على قراءة الواقع، وتعديل المواقف بما يحفظ المبادئ ويستجيب لمتطلبات المرحلة. ولذلك فإن التحول الذي يتحدث عنه الكتاب لا يعني التخلي عن قيم الاتحاد الاشتراكي، بل يعني البحث عن وسائل جديدة لتحقيقها. ومن خلال القراءة، يبرز كيف أن الاتحاد الاشتراكي دخل في هذه المرحلة مراجعة عميقة لخطابه وأدواته. فقد أصبح الحديث يدور حول المشاركة السياسية، والإصلاح من داخل المؤسسات، وتوسيع هامش الحريات، بدل الاقتصار على خطاب المواجهة. ولم يكن هذا التحول سهلًا، لأنه أثار نقاشات واسعة داخل الحزب نفسه، بين من رأى فيه تطورًا طبيعيًا يفرضه الواقع، ومن اعتبره تنازلًا عن جزء من المشروع التاريخي للحركة الاتحادية. غير أن الكاتب في هذا الجزء من كتابه وكما قرأناه، يميل إلى اعتبار أن قوة أي مشروع سياسي لا تقاس بقدرته على مقاومة التغيير، بل بقدرته على التكيف معه دون أن يفقد هويته. فالجمود قد يحافظ على الشعارات، لكنه قد يؤدي إلى فقدان التأثير في المجتمع. أما المراجعة الواعية، فإنها تمنح المشروع السياسي فرصة للاستمرار والتجدد. جرى الاهتمام بالتحولات التي عرفها المجتمع المغربي خلال هذه المرحلة. فقد أصبح المواطن أكثر حضورًا في النقاش العمومي، وبدأت الصحافة المستقلة توسع من دائرة الاهتمام بالشأن العام، كما ظهرت نخب جديدة تحمل رؤى مختلفة للإصلاح والديمقراطية. وفي هذا السياق، لم تعد الأحزاب وحدها هي التي تحدد اتجاه النقاش السياسي، بل أصبح المجتمع المدني، والإعلام، والجامعة، ومختلف الفاعلين يساهمون في صياغة أسئلة المرحلة. نظر الكاتب إلى هذه التحولات بعين المتفائل الحذر. فهو يدرك أن الطريق نحو الديمقراطية ما يزال طويلًا، وأن كثيرًا من الإشكالات لم تُحل بعد، لكنه يرى في هذه المرحلة بداية حقيقية لتغيير أسلوب التفكير في السياسة. فلم يعد الهدف هو الانتصار على الخصم، بل بناء فضاء سياسي يسمح للجميع بالمشاركة في صناعة المستقبل. ومن الأمور التي أحطتها باهتمام خاص، التحول الذي طرأ على مفهوم النضال نفسه. ففي المراحل السابقة كان النضال يقترن غالبًا بالتضحية، والاعتقال، والمواجهة، أما في هذه المرحلة فقد أصبح يقترن أيضًا بالحوار، وصياغة البرامج، وإدارة الاختلاف، والعمل داخل المؤسسات. وهذا لا يعني، في نظر الكاتب، أن النضال فقد روحه، وإنما يعني أنه اكتسب أدوات جديدة تتناسب مع واقع سياسي يتغير باستمرار. وعلى المستوى الفكري، يمكن القول إن هذا الفصل يتناول ذروة المراجعات التي بدأت إرهاصاتها في الفصول السابقة. فعبد الجليل باحدو لم يعد يكتفي بانتقاد التنظيم أو مراجعة تجربته الشخصية، بل أصبح يعيد النظر في مفهوم العمل السياسي نفسه، وفي العلاقة بين المبادئ والواقع، وبين المثال والإمكان. وهنا يتحول الكتاب من سيرة ذاتية إلى تأمل فكري في معنى الالتزام، وفي الشروط التي تجعل السياسة فعلًا أخلاقيًا لا مجرد صراع على المواقع. أما على المستوى الأدبي، فقد لاحظت أن لغة السرد تصبح أكثر هدوءًا وعمقًا. فالأحداث لم تعد تحتل مركز النص كما في الفصول السابقة، بل أصبحت وسيلة للتأمل واستخلاص الدروس. وتغلب على الكتابة نبرة المصالحة مع الماضي، دون أن تتحول إلى تبرير أو نسيان. فالكاتب لا يتخلى عن ذاكرته، لكنه يرفض أن يبقى أسيرها، ويختار أن يجعل منها مصدرًا للفهم لا للمرارة.
إن «التحول الذي أعاد رسم المسار» لا يصف تحولًا تنظيميًا أو سياسيًا فحسب، بل يصف تحولًا في الثقافة السياسية المغربية نفسها. إنها المرحلة التي بدأ فيها كثير من الفاعلين يدركون أن الديمقراطية لا تُبنى بالمواجهة وحدها، ولا بالتوافق وحده، وإنما بالموازنة بين المبدإ والواقعية، وبين الوفاء للتاريخ والاستعداد للمستقبل. ولهذا يمثل هذا الفصل خاتمة طبيعية للمسار الذي بدأ في «مرافئ البداية»؛ فمن شاب يبحث عن موقعه داخل الحركة الوطنية، إلى مناضل يراجع تجربته، ثم إلى مثقف يعيد التفكير في معنى السياسة، تتشكل أمام القارئ رحلة كاملة لا تتوقف عند سيرة عبد الجليل باحدو وحده، بل تعكس أيضًا رحلة جيل كامل من المناضلين المغاربة الذين عاشوا التحولات الكبرى، وشاركوا في صنعها، ثم وجدوا أنفسهم مطالبين بإعادة قراءتها بعين أكثر هدوءًا ونضجًا. وهكذا يصبح هذا الفصل تتويجًا لمسار طويل، لا ينتهي بإغلاق صفحة من الماضي، بل بفتح أفق جديد لفهم السياسة والذاكرة والتاريخ.
في الفصل التاسع، "الزمن السياسي وإعادة بناء المعنى"، تم الانتقال من متابعة التحولات السياسية الكبرى إلى مستوى أكثر عمقًا، حيث يصبح السؤال الأساسي ليس ما الذي وقع، بل ماذا بقي من كل ما وقع، وكيف يمكن إعادة فهم التجربة بعد أن هدأت المعارك وانقضت سنوات المواجهة. فالصفحات التي يتكون منها هذا الفصل لا تقدم مجرد امتداد زمني للأحداث السابقة، بل تشكل منعطفًا فكريًا ينتقل فيه السرد من وصف الوقائع إلى مساءلة معانيها، ومن متابعة التاريخ إلى إعادة تأويله في ضوء الخبرة المتراكمة. ينطلق الكاتب في هذه المرحلة من موقع مختلف عن ذلك الذي انطلق منه في بدايات الكتاب. فالرجل الذي عاش تجربة الانتماء الحزبي، واختبر الاعتقال، وشهد الانشقاقات، وواكب التحولات الكبرى التي عرفها المغرب، لم يعد ينظر إلى السياسة باعتبارها ساحة صراع بين أطراف متعارضة فقط، وإنما أصبح يتأملها باعتبارها تجربة إنسانية معقدة، تختلط فيها المبادئ بالمصالح، والأحلام بالإمكانات، والانتصارات بالخيبات. ومن هنا يكتسب مفهوم «الزمن السياسي» دلالة خاصة، لأنه لا يعني تعاقب الأحداث فقط، بل يعني أيضًا قدرة الزمن على إعادة ترتيب الأفكار، وإعادة تقييم المواقف، ومنح الوقائع معاني جديدة لم تكن ظاهرة في لحظة وقوعها. إن أهم ما يميز هذا الفصل هو ابتعاد الكاتب عن لغة الأحكام القطعية. ففي المراحل السابقة كان السرد يتحرك وسط أحداث ساخنة، وكانت اللغة مشدودة إلى إيقاع الصراع، أما هنا فإن المسافة الزمنية تسمح بنوع من الهدوء الفكري، الذي يجعل الكاتب أكثر استعدادًا لفهم الجميع، دون أن يتخلى عن حقه في النقد. ولذلك تبدو هذه الصفحات أقرب إلى مراجعة فكرية منها إلى مرافعة سياسية، حيث يصبح السؤال المركزي: ماذا تعلمنا من التجربة؟ لم أمر مرور الكرام على الطريقة التي يعيد بها عبد الجليل باحدو قراءة التاريخ الاتحادي. فهو لا يتعامل معه باعتباره تاريخًا من البطولات الخالصة أو الإخفاقات المطلقة، بل باعتباره مسارًا إنسانيًا عرف لحظات من الإبداع وأخرى من التعثر. فالحركة الاتحادية، كما يصورها الكاتب، كانت تعبيرًا عن طموح جيل كامل إلى بناء دولة ديمقراطية عادلة، لكنها كانت أيضًا جزءًا من واقع سياسي شديد التعقيد، فرض عليها اختيارات صعبة، وأدخلها في تناقضات لم يكن من السهل تجاوزها. تحول الزمن، في هذه المرحلة، إلى عنصر نقدي. فالأفكار التي كانت تبدو يقينية في الماضي أصبحت موضوعًا للمراجعة، والقرارات التي اتخذت في ظروف معينة يعاد النظر إليها في ضوء نتائجها اللاحقة. ولا يقصد الكاتب من ذلك محاكمة الماضي، وإنما فهم منطقه الداخلي، لأن فهم التاريخ، في نظره، لا يتحقق بإصدار الأحكام، بل بمحاولة إدراك الظروف التي أنتجت كل موقف وكل قرار. هنا، في هذا الفصل، استوطن نضج واضح في تصور المؤلف لمعنى الالتزام السياسي. فالالتزام لم يعد يقاس فقط بمدى التشبث بالمواقف القديمة، وإنما بقدرة الإنسان على مراجعة نفسه دون أن يفقد وفاءه للمبادئ الأساسية. ولذلك يرفض الكاتب أن يجعل من المراجعة مرادفًا للتراجع، كما يرفض أن يجعل من الثبات مرادفًا للجمود. فالفكر السياسي، في نظره، لا يعيش إلا إذا ظل قادرًا على مساءلة نفسه باستمرار. ما يمكن استفادته من هذا الفصل تلك العلاقة بين الذاكرة والمعنى. فالذاكرة، كما يقدمها الكاتب، ليست مجرد خزان للأحداث، وإنما أداة لإعادة فهم الذات والتاريخ. ولذلك فإن استحضار الماضي لا يهدف إلى تمجيده أو البكاء عليه، بل إلى استخلاص الدروس التي يمكن أن تنير الحاضر. ومن هنا يصبح الماضي حاضرًا بصورة مختلفة؛ لا لأنه يعود كما كان، بل لأنه يكتسب دلالات جديدة كلما تغيرت زاوية النظر إليه. في ثنايا الفصل التاسع، نلاحظ أن الكاتب يولي اهتمامًا متزايدًا للبعد الأخلاقي في العمل السياسي. فبعد أن كان النقاش في الفصول السابقة يدور حول التنظيم، والسلطة، والصراع، أصبح الحديث أكثر ارتباطًا بقيم المسؤولية، والصدق، والنزاهة الفكرية. فالسياسة لا تُقاس فقط بقدرتها على تحقيق المكاسب، وإنما أيضًا بقدرتها على الحفاظ على المعنى الأخلاقي للنضال. وهذا ما جعل الكاتب ينتقد بعض الممارسات التي أفرغت العمل السياسي من مضمونه القيمي، دون أن يسقط في خطاب التشاؤم أو فقدان الثقة. مرة أخرى، أعترف بنجاح الكاتب في الجمع بين السرد الشخصي والتحليل التاريخي. فهو لا يتحدث عن نفسه باعتباره بطلًا للأحداث، وإنما باعتباره شاهدًا عاش مرحلة معينة، ويحاول أن ينقل تجربته بأكبر قدر من الصدق. وهذا ما يمنح الكتاب قيمة توثيقية وأدبية في الوقت نفسه، لأنه يقدم التاريخ من خلال التجربة الإنسانية، لا من خلال الوثائق الجامدة وحدها. كما أبرز الفصل أن الزمن لا يغير الوقائع، لكنه يغير طريقة قراءتها. فما كان يبدو في لحظة معينة انتصارًا قد يكشف الزمن عن محدوديته، وما كان يُعد هزيمة قد يظهر لاحقًا أنه كان بداية لتحول أعمق. ومن هنا يدعو الكاتب إلى التحرر من القراءة الخطية للتاريخ، واعتماد رؤية أكثر تركيبًا، ترى في كل مرحلة عناصر النجاح والإخفاق معًا. ومن الناحية الأدبية، لاحظت أن لغة الكاتب أصبحت أكثر تأملًا وأقل انفعالًا. فالجمل تميل إلى العمق، والإيقاع السردي يصبح أبطأ، وكأن الكاتب يدعو القارئ إلى التوقف والتفكير أكثر من دعوته إلى متابعة الأحداث. وهذا التحول في الأسلوب يعكس التحول في المضمون؛ فحين يصبح المعنى هو موضوع الكتابة، تصبح اللغة نفسها أكثر ميلًا إلى الحكمة منها إلى الخطابة. يمثل فصل «الزمن السياسي وإعادة بناء المعنى» لحظة النضج الفكري في مسار "كنت اتحادياً". ففيه يتحرر الكاتب من أسر اللحظة، ويعيد النظر في تجربته وتاريخ جيله بعين أكثر هدوءًا واتزانًا، دون أن يفقد حرارة الالتزام أو صدق الانتماء. وهكذا تتحول السياسة من مجرد سجل للأحداث إلى تجربة إنسانية وأخلاقية، ويتحول الزمن من شاهد على الوقائع إلى شريك في إنتاج معناها. ولذلك يشكل هذا الفصل حلقة مفصلية في البناء العام للكتاب، لأنه ينقل القارئ من متابعة التاريخ إلى التفكير فيه، ومن استعادة الماضي إلى إعادة فهمه، وهي الخطوة التي تمهد للمرحلة الأخيرة من الرحلة، حيث يغدو السؤال لم يعد: ماذا حدث؟ بل: ماذا بقي من الحلم بعد كل هذه السنوات؟ يشكل الفصل العاشر، "جزيرة ليلى واليسار الإداري"، إحدى أكثر المحطات عمقًا في قراءتي لكتاب «كنت اتحادياً» لعبد الجليل باحدو، لأنه ينتقل بالقارئ من الحديث عن التحولات السياسية العامة إلى مساءلة التحولات التي أصابت اليسار نفسه بعد أن تغيرت شروط العمل السياسي. ففي هذا الفصل لم يعد السؤال منصبًا على الصراع التقليدي بين السلطة والمعارضة، بل أصبح السؤال أكثر تعقيدًا: ماذا يحدث حين يتحول اليسار من مشروع للتغيير إلى جزء من مؤسسات الدولة؟ وكيف يمكن المحافظة على المبادئ الأولى وسط إكراهات الإدارة، وموازين القوى، ومنطق التدبير اليومي؟ ومن خلال عنوان «جزيرة ليلى واليسار الإداري»، حاولت أن التقط البعد الرمزي الذي أراده المؤلف، حيث تتقاطع الحكاية الشخصية مع التأمل السياسي، ويصبح المكان رمزًا للعزلة الفكرية التي قد يعيشها المناضل حين يكتشف أن الواقع أكثر تعقيدًا من الشعارات التي حملها في شبابه. لم يكتب عبد الجليل باحدو عن هذه المرحلة بروح مختلفة عن المراحل السابقة. فإذا كان السرد في بدايات الكتاب مشحونًا بحرارة الالتزام، ثم انتقل إلى لغة المراجعة والنقد، فإنه هنا يبلغ درجة من التأمل الهادئ، حيث لا يعود الهدف الدفاع عن تجربة معينة أو إدانتها، وإنما محاولة فهم التحول الذي أصاب اليسار المغربي وهو ينتقل من موقع المعارضة إلى فضاء التدبير والمؤسسات. فالكاتب لا ينكر أهمية المشاركة السياسية، لكنه يتساءل عن الثمن الفكري والأخلاقي الذي قد تدفعه الأحزاب عندما تصبح الأولوية لتدبير الممكن بدل السعي إلى تغيير الواقع. تأملت مليا في الدلالة الرمزية لعنوان «جزيرة ليلى»، معتبرًا أنه لا يحيل إلى مكان فحسب، بل إلى حالة وجدانية وفكرية يعيشها الإنسان عندما يجد نفسه معزولًا وسط عالم تغيرت قواعده. فالجزيرة هنا ليست عزلة جغرافية، وإنما عزلة المثقف والمناضل الذي يرى المسافة تتسع بين الحلم الأول والواقع الذي آلت إليه التجربة. إنها فضاء للتأمل، ولمراجعة الذات، ولإعادة طرح الأسئلة الكبرى التي ظلت تؤرق الكاتب منذ بداية رحلته: ما معنى الالتزام؟ وهل تستطيع السياسة أن تحافظ على بعدها الأخلاقي حين تصبح جزءًا من السلطة؟ لا يوجه الكاتب نقده إلى الأشخاص بقدر ما يوجهه إلى التحولات البنيوية التي عرفها العمل السياسي. فقد أدى انتقال جزء من اليسار إلى مواقع المسؤولية إلى بروز نمط جديد من الممارسة، أصبحت فيه لغة الإدارة والتدبير أكثر حضورًا من لغة المشروع الفكري. وهكذا بدأ الحديث عن الملفات، والبرامج، والتوازنات، يحل محل النقاشات الإيديولوجية التي كانت تؤطر الحياة الحزبية في العقود السابقة. ولا يقدم الكاتب هذا التحول باعتباره خطأ مطلقًا، لكنه يتساءل عما إذا كانت السياسة قد فقدت، في خضم هذا المسار، جزءًا من روحها النقدية. ولا غرابة إن مثل مفهوم «اليسار الإداري» محور هذا الفصل. فالكاتب لم يستخدمه بوصفه وصفًا تنظيميًا فقط، وإنما باعتباره مفهومًا يختزل انتقال اليسار من ثقافة الاحتجاج إلى ثقافة التدبير. وهذا الانتقال، في نظره، كان يحمل فرصًا ومخاطر في آن واحد. فمن جهة، أتاح لليسار أن يشارك في صناعة القرار، وأن يختبر أفكاره داخل مؤسسات الدولة، لكنه من جهة أخرى عرضه لخطر الذوبان في منطق الإدارة، بحيث يصبح الحفاظ على الاستقرار أهم من الدفع نحو الإصلاح العميق. من خلال هذه القراءة، ظهر أن الكاتب لا يحن إلى الماضي ولا يدعو إلى العودة إلى زمن المواجهة، بل يدعو إلى التوازن بين الواقعية السياسية والوفاء للمبادئ. فالمشكلة ليست في المشاركة في الحكم، وإنما في أن تتحول المشاركة إلى غاية في ذاتها، وأن يفقد المشروع السياسي قدرته على إنتاج الأفكار وتجديد الرؤية. ولذلك فإن النقد الذي يقترحه الكاتب هو نقد من داخل التجربة، لا من خارجها، وهو أقرب إلى دعوة لاستعادة المعنى منه إلى إعلان القطيعة. يمنح هذا الفصل مكانة خاصة لدور المثقف داخل العمل السياسي. فالكاتب يميز بين السياسي الذي يكتفي بإدارة الواقع، والمثقف الذي يظل قادرًا على مساءلة هذا الواقع، حتى وهو يشارك في صنعه. ومن هنا تبدو الكتابة نفسها شكلًا من أشكال المقاومة الهادئة، لأنها تحفظ للتجربة ذاكرتها النقدية، وتمنعها من التحول إلى مجرد سرد رسمي للنجاحات والإخفاقات. خلال هذا الفصل، تم الوقوف عند العلاقة بين الزمن والإدارة. فالإدارة بطبيعتها تبحث عن الاستمرارية والاستقرار، بينما يقوم الفكر السياسي على النقد والتغيير. وعندما يلتقي العالمان، تنشأ مفارقة معقدة: كيف يمكن لمن يحمل مشروعًا تغييريًا أن يعمل داخل جهاز هدفه الأساسي ضمان انتظام المؤسسات؟ وبين الكاتب أن هذا السؤال لم يكن نظريًا، بل عاشه كثير من مناضلي اليسار الذين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى التوفيق بين المثال والواقع، وبين طموحات الأمس وإكراهات اليوم. أخيرا، تجدر الإشارة إلى أن فصل «جزيرة ليلى واليسار الإداري» يمثل لحظة تأمل في مصير اليسار أكثر مما يمثل سردًا لمحطة تاريخية بعينها. فهو يطرح أسئلة العلاقة بين السلطة والمبدأ، وبين الإدارة والفكرة، وبين الواقعية السياسية والوفاء للمشروع الديمقراطي. ومن خلال هذه الأسئلة، أكد الكاتب أن قيمة التجربة السياسية لا تقاس فقط بما حققته من مكاسب، بل أيضًا بقدرتها على الاحتفاظ بضميرها النقدي، وعلى مراجعة نفسها كلما ابتعدت عن المعنى الذي انطلقت منه. وهكذا يصبح هذا الفصل استمرارًا طبيعيًا لمسار بدأ بالانتماء، ومر بالمراجعة، وانتهى إلى التأمل في مصير الحلم الاتحادي، لا بوصفه ذكرى من الماضي، بل بوصفه سؤالًا مفتوحًا حول مستقبل السياسة والديمقراطية في المغرب. يمثل الفصل الحادي عشر، "النبش في ماضي الأموات... سلوك غير أخلاقي"، إحدى أكثر المحطات الفكرية والفلسفية عمقًا في قراءتنا لكتاب «كنت اتحادياً»، لأنه يغادر دائرة السرد السياسي المباشر إلى مساءلة أخلاق الكتابة التاريخية نفسها. ففي تضاعيف هذا الفصل لا يعود السؤال متعلقًا بمواقف الأحزاب أو بتحولات الدولة، وإنما يصبح سؤالًا أكثر حساسية: كيف نكتب عن الذين رحلوا؟ وهل يحق للمؤرخ أو لكاتب السيرة أن يستحضر حياة الموتى بالطريقة نفسها التي يتحدث بها عن الأحياء؟ وأين تنتهي حرية النقد، وأين تبدأ حرمة الذاكرة؟ رأيت أن الكاتب اختار هذا الموضوع لأنه يدرك أن كتابة المذكرات ليست مجرد استعادة للماضي، بل هي فعل أخلاقي قبل أن تكون فعلًا معرفيًا. فحين يكتب الإنسان عن رفاقه الذين غابوا، أو عن خصومه الذين لم يعودوا قادرين على الدفاع عن أنفسهم، يصبح مطالبًا بقدر مضاعف من الإنصاف والصدق. ولذلك فإن عنوان «النبش في ماضي الأموات... سلوك غير أخلاقي» لا يدعو إلى الصمت عن التاريخ، ولا إلى إخفاء الوقائع، وإنما يحذر من تحويل الذاكرة إلى وسيلة لتصفية الحسابات أو لتشويه صورة أشخاص لم يعد بإمكانهم تقديم روايتهم الخاصة. بالفعل، يميز الكاتب بوضوح بين كتابة التاريخ واستغلال التاريخ. فالأولى تقوم على البحث عن الحقيقة، والاعتماد على الوثائق والشهادات، واحترام السياق الذي جرت فيه الأحداث، بينما يقوم الاستغلال على انتقاء الوقائع بما يخدم موقفًا مسبقًا أو رغبة في الانتقام الرمزي. ومن هنا فإن الكاتب لا يعترض على إعادة قراءة الماضي، بل يعترض على القراءة التي تنزع الأحداث من سياقها، وتحاكم الأشخاص بمعايير زمن لم يعيشوه. في هذا الفصل، ثمة وقفة تأمل عند فكرة أساسية تتكرر في الصفحات المقروءة في الفصل الحادي عشر وهي أن الذاكرة ليست ملكًا لفرد واحد. فكل تجربة سياسية كبرى شارك فيها عشرات أو مئات الأشخاص، ولكل واحد منهم زاوية نظره الخاصة. ولذلك فإن تحويل شهادة فردية إلى حقيقة مطلقة يحمل خطرًا كبيرًا، لأنه يلغي تعددية الذاكرة ويختزل التاريخ في رواية واحدة. ولم يغب عن الكاتب أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الحقيقة التاريخية تبقى دائمًا مركبة، وأنها لا تُبنى إلا من خلال جمع الأصوات المختلفة، لا من خلال إقصائها. وجه الكاتب نقدًا غير مباشر إلى ظاهرة انتشرت في كتابة المذكرات السياسية، حيث يلجأ بعض الفاعلين، بعد رحيل خصومهم أو رفاقهم، إلى نشر روايات تقلل من شأنهم أو تحملهم وحدهم مسؤولية الإخفاقات. ويعتبر المؤلف أن مثل هذا السلوك لا يخدم الحقيقة، لأنه يستفيد من غياب الطرف الآخر ليقدم رواية أحادية لا تجد من يناقشها أو يصححها. ولذلك يدعو إلى نوع من الأخلاق في التوثيق، تجعل احترام الإنسان جزءًا من احترام التاريخ. هذا الموقف الأخلاقي لا يعني تبرئة الجميع أو الامتناع عن النقد. لم أدع إلى صناعة قديسين من الشخصيات التاريخية، ولا إلى إخفاء أخطائهم، وإنما طالبت بأن يكون النقد قائمًا على الوقائع، وأن يُمارس بالقدر نفسه من النزاهة الذي نطالب به في الحاضر. فاحترام الميت، في نظري، لا يتمثل في إخفاء الحقيقة، وإنما في تجنب التشهير، وفي عدم استغلال غيابه لتحقيق مكاسب سياسية أو شخصية. ومن الجوانب التي نالت منا أهمية خاصة، العلاقة بين الذاكرة والعدالة. فالكاتب يرى أن المجتمعات التي ترغب في بناء مستقبل ديمقراطي تحتاج إلى ذاكرة عادلة، لا إلى ذاكرة انتقامية. فالانتقام لا ينتج معرفة، كما أن تمجيد الماضي لا يساعد على فهمه. ولذلك تصبح الكتابة عن التاريخ نوعًا من المسؤولية المدنية، لأنها تساهم في تشكيل وعي الأجيال الجديدة، وفي رسم الصورة التي ستبقى عن الأشخاص والأحداث. يربط عبد الجليل باحدو هذه القضية بمسيرته الشخصية. فهو نفسه يكتب عن أشخاص عرفهم عن قرب، منهم من كان صديقًا، ومنهم من كان خصمًا، لكنه يحاول أن يمنح كل واحد منهم حقه في الفهم، حتى عندما يختلف معه. وهذا ما يمنح الكتاب مصداقية خاصة، لأن صاحبه لا يجعل من الذاكرة أداة لتبرير ذاته، وإنما يجعلها وسيلة لفهم مرحلة تاريخية كاملة، بكل تناقضاتها وتعقيداتها. لم يخرج عن دائرةاهتمامي البعد الفلسفي لهذه الأجزاء، حيث يصبح الموت نفسه عنصرًا في التفكير السياسي. فبرحيل الأشخاص، لا تنتهي مسؤوليتنا تجاههم، بل تبدأ مسؤولية أخرى، هي مسؤولية حفظ صورتهم من التشويه، دون أن يمنع ذلك من مناقشة أفكارهم أو تقييم أدوارهم. وهنا يلتقي التاريخ بالأخلاق، لأن كليهما يبحث عن العدالة، وإن اختلفت أدواته. مع ذلك، يقدم الكاتب في هذه الصفحات درسًا في التواضع الفكري. فهو يعترف بأن ذاكرته ليست معصومة من النسيان، وأن شهادته ليست سوى جزء من الحقيقة. ولذلك يترك للقارئ مساحة للتفكير، ولا يدعي امتلاك الرواية النهائية. وهذه الروح النقدية تجعل الكتاب أقرب إلى شهادة مفتوحة منها إلى بيان سياسي مغلق، وهو ما يزيد من قيمته الفكرية والأدبية. ومن الناحية الأسلوبية، لاحظت أن لغة الكاتب تبلغ في هذا الفصل درجة عالية من الهدوء والتأمل. فالنبرة الخطابية تكاد تختفي، لتحل محلها لغة أخلاقية رصينة، تعتمد على الحجاج أكثر من الانفعال، وعلى طرح الأسئلة أكثر من تقديم الإجابات الجاهزة. ويعكس هذا التحول نضجًا واضحًا في رؤية الكاتب، الذي لم يعد معنيًا بإثبات صحة مواقفه بقدر ما أصبح معنيًا بالدفاع عن قيمة الحقيقة نفسها. هذا وقد أشرت أيضًا إلى أن هذه الصفحات تحمل رسالة موجهة إلى الباحثين والمؤرخين وكتاب المذكرات، مفادها أن التاريخ لا يُكتب بروح الخصومة، وإنما بروح المسؤولية. فكل كلمة تُكتب عن الماضي يمكن أن تؤثر في صورة أشخاص، وفي فهم أجيال كاملة لتاريخها الوطني. ومن هنا تصبح الأمانة العلمية والإنصاف الأخلاقي شرطين لا غنى عنهما لكل كتابة جادة. إن عنوان «النبش في ماضي الأموات... سلوك غير أخلاقي» ليس دعوة إلى نسيان الماضي، بل هو دعوة إلى استحضاره بضمير حي. فالتاريخ لا ينبغي أن يكون محكمة يدين فيها الأحياء موتاهم، ولا منصة لتصفية الحسابات المؤجلة، بل فضاءً للفهم، والاعتراف، والإنصاف. وهكذا ينبغي الكتابة عن الذاكرة إلى ممارسة أخلاقية بقدر ما هي ممارسة معرفية، ويصبح احترام الإنسان، حيًا كان أو ميتًا، شرطًا من شروط احترام الحقيقة نفسها. وبهذا المعنى، يضيف هذا الفصل بعدًا فلسفيًا عميقًا إلى الكتاب، لأنه ينقل النقاش من السياسة إلى أخلاق السياسة، ومن الوقائع إلى الضمير الذي يرويها، ليؤكد أن قيمة الذاكرة لا تقاس بما تكشفه فقط، بل أيضًا بالطريقة التي تكشف بها. يمثل الفصل الثاني عشر، "زمن لشكر المؤثث بمحاكمات الفساد"،خاتمة الرحلة الفكرية والسياسية التي قمت بها في قراءتي للسيرة الذاتية «كنت اتحادياً» لعبد الجليل باحدو. وإذا كانت الفصول السابقة قد واكبت نشأة الوعي السياسي، وتحولات الاتحاد الاشتراكي، والمراجعات الفكرية التي عرفتها الحركة الاتحادية، فإن الفصل الأخير ينتقل إلى مرحلة أكثر حساسية، تتناول واقع الحزب في العقود الأخيرة، في ظل قيادة إدريس لشكر، وما رافق تلك المرحلة من نقاشات حول الإصلاح الداخلي، وأزمات الثقة، وملفات الفساد التي شغلت الرأي العام. وبينما أنا أتابع قراءة الكتاب، لم أجعل من هذه المرحلة مناسبة لإصدار الأحكام القطعية، بل اعتبرتها محطة لفهم التحولات العميقة التي عرفها العمل الحزبي المغربي، وللتأمل في مصير المشروع الاتحادي بعد أكثر من نصف قرن من النضال. وفي الحقيقة ، يكتب عبد الجليل باحدو هذه الصفحات بعين المناضل الذي يحمل ذاكرة طويلة، لا بعين الخصم السياسي. ولذلك فإن حديثه عن «زمن لشكر» لا ينحصر في تقييم شخص أو قيادة بعينها، وإنما يتجاوز ذلك إلى مساءلة مرحلة كاملة تغيرت فيها طبيعة السياسة، وتبدلت أولويات الأحزاب، وتراجعت المكانة الرمزية التي كانت تحتلها التنظيمات الوطنية في وجدان المجتمع. ومن هنا يصبح اسم إدريس لشكر عنوانًا لمرحلة سياسية أكثر منه موضوعًا لسيرة فردية، مرحلة اتسمت بتشابك رهانات الإصلاح مع أزمات التنظيم، وبصعوبة التوفيق بين الإرث التاريخي للحزب ومتطلبات واقع سياسي مختلف. ينظر الكاتب إلى هذه المرحلة باعتبارها استمرارًا لمسار طويل من التحولات، لا قطيعة معه. فالأسئلة التي طرحتها الحركة الاتحادية في بداياتها حول الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والشفافية، ظلت حاضرة، لكنها أصبحت تواجه تحديات جديدة فرضها تغير المجتمع، وصعود فاعلين سياسيين جدد، وتراجع الأطر الإيديولوجية التقليدية التي كانت تؤطر الحياة الحزبية في العقود السابقة. ولذلك فإن الأزمة، في نظر الكاتب، ليست أزمة أشخاص فقط، وإنما أزمة معنى، وأزمة قدرة على تجديد المشروع السياسي بما ينسجم مع تحولات الزمن. يرمز حضور محاكمات الفساد في هذه الفصل إلى كونه عنصرا كاشفًا لتحول كبير في علاقة المجتمع بالدولة وبالفاعلين السياسيين. فهذه المحاكمات، سواء تعلقت بمنتخبين أو مسؤولين أو شخصيات ذات نفوذ، تعكس تنامي مطلب المساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو مطلب ظل حاضرًا في الخطاب الديمقراطي المغربي لعقود طويلة. غير أن المؤلف لا يقرأ هذه الملفات بمنطق الإثارة أو التشهير، بل يدعو إلى احترام استقلال القضاء، وإلى التمييز بين المسار القانوني والمسار السياسي، محذرًا في الوقت نفسه من توظيف قضايا الفساد لتصفية الحسابات أو لإضعاف الثقة في المؤسسات. في هذا السياق، ربط الكاتب بين الفساد وبين التحولات التي أصابت الثقافة السياسية نفسها. فحين تضعف الحياة الحزبية، ويتراجع النقاش الفكري، وتصبح المنافسة مرتبطة بالمواقع أكثر من ارتباطها بالمشاريع، تتهيأ الأرضية لانتشار ممارسات تتناقض مع القيم التي تأسست عليها الحركة الوطنية. ومن هنا فإن مواجهة الفساد، في نظره، لا تكون بالمحاكمات وحدها، بل أيضًا بإعادة الاعتبار للعمل السياسي بوصفه خدمة للشأن العام، لا طريقًا لتحقيق المصالح الخاصة. لم ينزلق الكاتب إلى خطاب التشاؤم، رغم قسوة التقييم الذي يقدمه لبعض مظاهر المرحلة. فهو يذكر بأن تاريخ الاتحاد الاشتراكي لم يكن يومًا تاريخًا مستقيمًا يخلو من الأزمات، وإنما كان دائمًا تاريخ مراجعات وتصحيحات. ولذلك فإن ما يعيشه الحزب اليوم لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية المشروع الاتحادي، بل باعتباره امتحانًا جديدًا لقدرته على التجدد، واستعادة المبادئ التي صنعت مكانته في التاريخ السياسي المغربي. وقوفا عند البعد الأخلاقي الذي يطبع هذا الفصل الأخير، يصر الكاتب على أن الأزمة السياسية لا يمكن فصلها عن الأزمة الأخلاقية، وأن أي مشروع إصلاحي يفقد قيمته إذا انفصل عن مبادئ النزاهة، والشفافية، واحترام القانون. ولذلك فإن الحديث عن الفساد لا يأتي في سياق إدانة أفراد بعينهم، بقدر ما يأتي في سياق الدفاع عن فكرة الدولة التي لا تستقيم إلا بسيادة القانون، وعن العمل الحزبي الذي لا يحافظ على شرعيته إلا إذا ظل مرتبطًا بالمصلحة العامة. شهدت هذه المرحلة أيضًا تغيرًا في علاقة المواطن بالسياسة. فقد أصبحت الثقة في الأحزاب أكثر هشاشة، وتزايدت المطالب بالمحاسبة والشفافية، وأصبح الرأي العام أكثر قدرة على متابعة قضايا الشأن العام بفضل تطور وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي. وهذا التحول يفرض، في نظر الكاتب، إعادة التفكير في أساليب العمل الحزبي، وفي طرق التواصل مع المجتمع، لأن الشرعية لم تعد تُستمد من التاريخ وحده، وإنما من القدرة على الاستجابة لتطلعات الحاضر. من الناحية الفكرية، ندرك أن هذه الفصل يمثل ذروة المشروع النقدي الذي يميز كتاب «كنت اتحادياً». فالكاتب لا يكتفي برواية تجربته، ولا بالدفاع عن اختياراته، وإنما يطرح سؤالًا أوسع: كيف يمكن للحركات السياسية ذات التاريخ الطويل أن تحافظ على هويتها وهي تواجه تغيرات الزمن؟ وهل يكفي الإرث النضالي لضمان الاستمرار، أم أن كل جيل مطالب بإعادة إنتاج مشروعه وفق شروط عصره؟ أما على المستوى الأدبي، فتتميز هذه الصفحات بلغة يغلب عليها التأمل والحكمة. فبعد أن كان السرد في بدايات الكتاب يعتمد على استحضار الأحداث والشخصيات، أصبح في خاتمته أكثر ميلًا إلى استخلاص الدروس، وإلى بناء رؤية شاملة للتجربة. ويلاحظ أحمد رباص أن عبد الجليل باحدو يكتب من موقع من عاش التجربة كاملة، ولذلك فإن نبرته تخلو من الانفعال، وتقترب من هدوء المؤرخ الذي يعرف أن الزمن كفيل بإعادة ترتيب الوقائع، لكنه ليس كافيًا وحده لإنتاج المعنى، ما لم تتدخل الذاكرة النقدية لتفهم وتفسر. كما تمت الإشارة أيضًا إلى أن نهاية الكتاب لا تحمل روح القطيعة، بل روح الاستمرار. فبرغم كل ما يسجله الكاتب من ملاحظات وانتقادات، فإنه لا يفقد إيمانه بقيمة السياسة، ولا بإمكان الإصلاح، ولا بقدرة المجتمع المغربي على تطوير تجربته الديمقراطية. لذلك فإن خاتمة الرحلة ليست إعلانًا عن نهاية الحلم، بل دعوة إلى إعادة بنائه على أسس أكثر صلابة، مستفيدة من دروس الماضي ومن أخطاء التجربة. لا يمثل الفصل الأخير، «زمن لشكر المؤثث بمحاكمات الفساد»، قراءة لمرحلة تنظيمية داخل الاتحاد الاشتراكي، بل تأملًا في مصير السياسة المغربية نفسها. إنه فصل يجمع بين الذاكرة والنقد، وبين الوفاء للمشروع التاريخي والجرأة في مساءلته، ليؤكد أن الديمقراطية ليست إنجازًا نهائيًا، وإنما عملية متواصلة من المراجعة والإصلاح. وبهذا المعنى، تنتهي رحلة «كنت اتحادياً» كما بدأت: ليس بإجابات مغلقة، بل بأسئلة مفتوحة حول معنى الالتزام، وحدود السلطة، وأخلاق السياسة، ومسؤولية الأجيال الجديدة في حمل المشروع الديمقراطي إلى آفاق أرحب. فالتاريخ، كما اتضح أثناء القراءة في مرحلتها الأخيرة، لا يُختتم عند آخر صفحة، وإنما يظل مفتوحًا على المستقبل، بقدر ما يظل مفتوحًا على الضمير الذي يجرؤ دائمًا على إعادة قراءته.
#أحمد_رباص (هاشتاغ)
Ahmed_Rabass#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مقدمة كتابي المقبل حول السيرة الذاتية -كنت اتحاديا- لعبد الج
...
-
-لوموند” تجيب على أسئلة قرائها حول انقسام المجتمع الإسرائيلي
...
-
شهادة الاتحادي عبد الرحمن الغندور في كتاب عبد الجليل باحدو
-
قراءة ناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء ا
...
-
لماذا اليسار الجديد والمتجدد؟ وأين يمكن أن نجده؟
-
وجهة نظر: لماذا اليسار الجديد والمتجدد؟ وأين يمكن أن نجده؟
-
قراءة ناقدة في كتاب- كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء ا
...
-
قراءة ناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء ا
...
-
المجتمع الإسرائيلي منقسم بسبب الصراع مع الفلسطينيين.. “لومون
...
-
قراءة ناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء ا
...
-
قراءة ناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء ا
...
-
قراءة ناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء ا
...
-
قراءة ناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء ا
...
-
قراءة ناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء ا
...
-
قراءة ناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء ا
...
-
قراءة ناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء ا
...
-
قراءة ناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء ا
...
-
قراءة ناقدة في كتاب- كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء ا
...
-
قراءة ناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء ا
...
-
قراءة ناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء ا
...
المزيد.....
-
قداسة البابا يلتقي الممثلين القانونيين ومديري المدارس القبطي
...
-
توم هولاند يكشف عن نصائح آن هاثاوي له خلال الترويج لفيلم -Th
...
-
رايان غوسلينغ ينضم لعالم مارفل السينمائي بشخصية -غوست رايدر-
...
-
عالم السينما.. ظهور مفاجئ لرايان رينولدز يشعل تكهنات عن مشار
...
-
الجرح والتعديل في عصر البودكاست.. باحث يدعو إلى تدقيق الرواي
...
-
-ما وراء الإطار-.. انطلاق الدورة الـ 7 من مهرجان -عمّان السي
...
-
-أبو سوريا-.. ملحمة درامية تعيد فوزي القاوقجي إلى الواجهة وت
...
-
وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقاف
...
-
السيسي يتابع مشروع حماية أضخم -إرث ثقافي- من نوعه في الشرق ا
...
-
من “التحويشة” إلى الاستثمار.. عضو بـ”الشيوخ” يقترح استراتيجي
...
المزيد.....
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
المزيد.....
|