صفوت فوزى
الحوار المتمدن-العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 00:16
المحور:
الادب والفن
فى البلدة البعيدة ، والليل يجرجر أذياله السوداء ، والسماء لم تزل متلفعة ببقايا من ظلمة الليل ، رن جرس الهاتف الارضى ، فانقبض قلبى . أنهض فزعاً على الرنين المتواصل . صلصلة فى الظلام تروع الهدوء الذى يغمر المكان ، والنهار لم ُيسفر بعد . أنهض مثقل بالقلق ، مكروش النفس ، فى ذلك البكور المعتم . الصوت القادم من الطرف الآخر كان يحاول أن يبدو متماسكا ، غير أن مسحة من الحزن والأسى غلّفت نبرات صوته . قال : نبيل ، تعيش أنت . أغلقت سماعة الهاتف ، وبكيت كما لم أبكى من قبل .
بوجه مصفر ، وعينين زائغتين ، وعرق ممتزج بتراب السفر ، يسيل حبالاً رفيعة على وجهى المعروق ، والتراب الذى تحمله الريح يملأ عيناى ، أدخل الحارة الضيقة . الرجال جالسون على الكراسى يكسو ملامحهم الوجوم وكأنهم رسوم على الجدران . نفس الرجال الذين أراهم فى كل العزاءات ، بقاماتهم المديدة ، ووجوههم الطيبة الممتلئة بالأسى والحنين ، وقد لبسوا جلابيبهم القديمة الحائلة ، فبدوا فيها كجذوع أشجار قديمة جففتها الشمس . نفخ أبو سعد دخان السيجارة من فمه ومنخاريه سحباً طويلة ملتوية الذيل ، تتعثر فى شاربه الكث المتدلى ، وتنساب فى الهواء الراكد . لمحنى قادما متعجلا ، غمغم من بين شفتيه الداكنتين : الله يكون فى عونك ياإبنى .
دخلت من الباب العتيق ، الباب صاحب الأنين الرفيع والنقوش البارزة كنقوش التمائم . كانوا قد أنهوا تغسيله وتجهيزه للدفن . بأصابع مرتعشة ، أتلمّس كفنك يا رفيق ، ألقى نظرة وداع عليك ، وأنت تتهيأ للرحيل ، تغادر عالم ظلمك كثيرا وأسرف فى ايذاءك . بللت بدموعى جبينه الملفوف بالكفن . ترتجف اطرافى وينزف قلبى وأنا أتأمله ممدداً فى هدوء الموت ، وهو الذى كان يفيض نشاطاً وحركة وحباً للحياة ، أودع معه عمراً من صداقة ومودة وتذكارات بعمق الحنين .
●●●●
فى ليالى الشتاء ، نعود من تسكعنا الطويل فى الشوارع التى بللها المطر . نسير فى الطريق نتجنب برك المياه المتجمعة . رذاذ المطر يحمله الهواء ، ويلامس وجوهنا . احساس منعش يشيع فى الجو ويشملنا ، فتنتشى أرواحنا . نشعر بخفة وأنه لا مشاكل لدينا ، وان الحياة جميلة تستحق أن ُتعاش . أرواحنا مغسولة بالسعادة والنشوة . نهبط الدرجات القديمة التى تغوص فى الأرض وتفضى إلى شقته بالطابق الأرضى . تتسرب إلى أنوفنا رائحة رثة مكتومة من الجدران التى تنز منها الرطوبة . تساقط طلاؤها الجيرى فبان لحم الحيطان عارياً . يفاجىنا الصمت والسكون المطبق . نتسلل بخفة . صرير باب عتيق يفتح ، وتزحف على البلاط العتيق خطوات أقدام . من الداخل يأتينا صوت أبيه – العم جرجس – خافتاً مشروخاً بالعجز : مين ؟ نبيل .. غطينى . قامة طويلة وجسد ممتلئ يعلوه وجه لحيم قاسى ، وشارب مفتول . رأسه الحليق يبدو كقمة تمثال منحوت من الرخام ، يتمدد فوق سريره فى جلباب سابغ من الكستور الشعبى .
تحتوينا غرفته المطلة على الحارة الساكنة الآن . أقفرت الشوارع وخلت من المارة ، وفى صمت السكون ينساب صوت فيروز ناعماً رائقاً من مسجل قديم : رجعت الشتوية .
رشفات من أكواب الشاى الساخن ، وتبدأ نقاشات وحوارات لا تنتهى . نتفق كثيرا ونختلف كثيرا ، لكنها تجعلنا نحلق فى سماوات مفتوحة ، تفتح أمامنا طاقات من نور ، أمل فى غد أجمل ، أكثر عدلا ورحمة ، اكثر انسانية ، والليل يتسكع فى الدروب .
كانت جلساتنا تجلو صدأ الأيام ، تمنحنا القدرة على معافرة الحياة ومشقات الطريق . ننفلت من أسر البرارى القاحلة ، المليئة بالترقب والخذلان ، بحثا عن عالم أفضل قادر على احتواء أحلامنا وأمانينا . نبحر فى تيه من الأسئلة التى تعصف بطمأنينتنا . نشعر بفرح الانعتاق من ربقة الحاضر الكئيب ، من هجوم الهموم الكبير والصغيرة ، فرح يفعمنا بالخفة ، بالطرب الذى يدفعنا إلى دندنة لحن خفيف مرح يفيض بالحيوية : " طير بينا ياقلبى ولا تقوليش السكة منين ... دا حبيبى معايا ما تسألنيش رايحين على فين " . تنبت لنا أجنحة ملونة ، وتولد فى مقلنا الأحلام ، وترفرف عصافير البهجة . نبعثر توقيت الكون ونعيد ترتيبه كما يليق بأحلامنا . تعلمنا أن نرمم أرواحنا بمسامير الصبر ، أن نرتق جراحنا بخيوط الأمل ، وأن نزرع فى قلوبنا صمتا يغتى عن الف صرخة ، فنحن فى حضرة الحب والفن . يقرأ لنا أشعاره ، نتحاور حول فيلم أو مسرحية شاهدناها سويا ، يستعرض أحدنا كتابا قرأه وأعجبه . يمضى الوقت سريعا ولا نشعر بأنفسنا إلا ونور الفجر يتسلل ناعما من خصاص النافذة . نفترق على أمل اللقاء . رائحة المطر تغمر الشوارع ، والريح لا تنى تهب ، وفى السماء تخفق النجوم .
●●●●
فى غبشة الفجرقام . كانت النجوم لاتزال لامعة فى السماء . وجع نافذ فى القلب كسن الخنجر المسنون . أمسك صدره يستجدى أنفاسا شحيحة . ينظر إلى طفليه النائمين فى سكون . قامت امرأته مفزوعة . يتساند عليها ليخرج إلى الحارة الساكنة يلتمس عونا ونسمة هواء . أنفاسه تتلاشى ببطء . يرفع يده ، يتحسس عنقه ، ويرفع رأسه للسماء . يمد عنقه كالذبيحة وقد غرغر واتسعت عيناه وبدتا فى الضوء الشحيح منطفأتين ، مشدود بحبل الخوف الآسر . امرأته ذاهلة لاتصدق . رفعت صوتها بالعويل ، تصرخ مستغيثة . الحارة تغط فى نوم عميق كأنه الموت .
من زمن بعيد ، يتراءي لى كثيرا ، غافيا على تخوم الحلم ربما ، فى حكايا الكتب القديمة ، والصوت الذى يأتينى من حيث لا أعرف ، وذكريات تنساب فى رأسى كتدفق الينبوع . يقبل الليل ، فتدور الوطاويط ناشرة أجنحتها السوداء ، ينعق البوم ، وينبح كلب بلا مأوى . يخرج هو ملتحفا بثوبه الأسود يكفنه الظلام ، وجهه عجوز كالح به فم خال من الأسنان ، وله عينى ذئب جائع تبرقان فى الظلام . لا ينظر خلفه ولا يلقى السلام ، يحمل على كتفه خرجه ، وبيده يرفع منجله حاد النصل تتبعه ريح هوجاء تهب من ناحية المغارب ، مغبرة بالتراب القديم . فى قلبى شعلة تضطرم ، وأنا أحدق فى الظلام الذى يغيّب الأشياء ، ياتينى صوت رفيف أجنحة ضخمة لطيور لا تكف عن العويل .
الحارات والأزقة خلت من ناسها ، وبدت كامراة متوحدة ، مهجورة . زام الهواء فى قش السطوح ، نبح كلب من بعيد ، وبرقت عينا هرة فى الظلام ، ولم يصحو من الجيران احد . ارتفعت يد امرأته ترسم علامة الصليب ، تهمس بصوت مشحون مرتجف : ارحمنا ياالله وتحنن علينا .. لتكن مشيئتك .. لا تدخلنا فى التجربة .. لكن نجنا من الشرير . انهمرت دموعها وارتفع نحيبها . مد كلب رأسه متسائلا ، علا نباحه غاضبا حين لمح قطة تعبر بجوار الحائط ، ثم أحس بالملل ، فأدار وجهه وشتم الجميع بنبحة خافتة مبحوحة ، وانصرف .
الآن ، يشعر بمرارة الدخان الذى دخنه طويلا تقلب معدته . يتألم وهو يحس بجوفه يكاد يندلق من فمه ، فيما لا يخرج منه سوى سائل أصفر يميل للاخضرار شديد المرارة . يتشرب قلبه القلق والحسرة ، يرتعش والدموع تنهمر فى داخله ، شفتاه تلتويان فى ألم مبهم كظيم . سحابة كثيفة من الهدوء تشمله فجأة . تسترخى ملامح الوجه المجهد . تطفو فوق ركام افكاره صور ضبابية ، وجهى طفليه ، عينا امرأته التى تحدق فى وجهه ذاهلة متوسلة صارخة ، وجوه الجيران اللامبالية والناهضة بنعاسها ، صرامة وجهى أبيه ومديره فى العمل ، خذلان الأقارب والأصدقاء ، نفاق ومداهنة رجل الدين وجمود ملامحه حين راح يشكو له حاله . بدا فى صمته مسكونا بحزن مكين .
بالكاد يخرج الصوت من حنجرته مخنوقا لكنه عميق كأنه يخرج من باطن الأرض ، ساخن وملتهب ، ومليئ بالغضب : ياولاد الكاااااااالب .
سقط على الأرض ، ومات .
#صفوت_فوزى (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟