أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسن مدن - الجماعة ليست المجتمع














المزيد.....

الجماعة ليست المجتمع


حسن مدن

الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 12:13
المحور: المجتمع المدني
    


في كتابه الموسوم "الجماعة، المجتمع، الثقافة: ثلاثة مفاتيح لفهم الهويات المتنازعة" (ترجمة مصطفى شقيب، دار الفارابي، بيروت، 2015)، يعالج الأنثروبولوجي الفرنسي موريس غودلييه الفرق بين الجماعة والمجتمع، فالجماعة تقوم على أسس قرابية أو دينية أو إثنية أو مهنية، ويسمها التشابه أكثر من الاختلاف، أمّا المجتمع فهو أكبر بكثير: منظومة شاملة من العلاقات والمؤسّسات والسلطات والقوانين والاقتصاد والرموز التي تسمح لجماعات متعدّدة ومختلفة بأن تعيش في إطار واحد، لذلك يمكن للمجتمع الواحد أن يحتوي عشرات الجماعات، ولا يصحّ اختزاله في أيّ جماعة مهما كانت قوية.

من التجارب التي وقف غودلييه أمامها في بحثه، تجربة قيام الدولة السعودية منطلقة من التقاء رجلين كانا يمثّلان قوّتَين اجتماعيتَين في العام 1742: رَجل الدين محمّد بن عبد الوهاب ومحمّد بن سعود، لينشأ نوع من التحالف بين الرَّجلَين وما يمثّلانه انتهى بعد مخاض طويل ومعقّد إلى قيام "المملكة العربية السعودية"، وهو أمر لم يكن ليحدث لولا أنّ الجماعة أنتجت مجتمعاً، وهذا الأخير مجموع العلاقات الاجتماعية التي عنها يمكن أن تنشأ الدولة جهازاً لتنظيم السلطة.

المجتمع أكثر تعقيداً من الجماعة؛ لا تختفي فيه الروابط الإنسانية، لكنّ طبيعتها تتغيّر، فالفرد في المجتمع الحديث يدخل في علاقات يومية واسعة مع أشخاص لا يعرفهم معرفة شخصية، ويخضع معهم للقانون نفسه، من دون أن تربطه بهم قرابة، فالناس مختلفون في آرائهم وأعمالهم، لكنّهم يعتمد بعضهم على بعض.
يمكن إيجاز هذا بالقول إنّ الجماعة تصنع الهُويّة، أمّا المجتمع فيصنع المواطنة، ومن هذه الأخيرة تنشأ الحاجة إلى بلورة هُويّة جمعية، هي نفسها التي تسمّى "قومية" أو "وطنية" في البلد أو المجتمع المعني، تتعايش وتتآلف في إطارها الهُويّات الفرعية التي تمثّل الجماعات، وغدت مجتمعاً قائماً على التنوّع والتعدّدية لا ينفيان المشتركات، والأمم التي لا تفلح في تحقيق ذلك تصبح عرضة للتمزّقات والنزاعات وكذلك الحروب الأهلية. وحولنا، في عالمنا العربي اليوم، الكثير من الأمثلة.

تقتضي المواطنة أن يصبح جميع الأفراد متساوين أمام القانون بصرف النظر عن أصولهم وانتماءاتهم الأولية، على نقيض ما يحكم الجماعة من اعتبارات، كأن تمنح هذه الجماعة امتيازاً للقريب أو ابن القبيلة أو ابن الطائفة، بينما يقتضي المجتمع الحديث أن يكون معيار الحقوق هو القانون وحده.
أظهرت التجارب خطأ التوقّعات التي راجت في بدايات الحداثة ومفادها أبنّ الجماعات التقليدية ستختفي تدريجياً أمام توسّع الدولة الحديثة والاقتصاد الصناعي، فالإنسان، رغم انخراطه في مجتمع واسع تحكمه المؤسّسات والقوانين، لا يزال يشعر بالانتماء إلى جماعات، ما حمل بعض المفكّرين على القول إنّه من الخطأ النظر إلى الجماعة والمجتمع باعتبارهما طرفَين متعارضَين. فالفرد يعيش داخلهما معاً، ربّما لأنّ الأولى تمنحه شعورَ الانتماء والهُويّة الأولية، بينما يمنحه المجتمع فضاءً أوسع للحرّية والعمل والإبداع والتفاعل مع المختلفين معه، وحين تحاول الجماعة أن تحلّ محلّ المجتمع، تغدو العصبية والانتماءات الضيّقة أعلى من القانون والمواطنة.

التحدّي الأكبر يتمثّل في بناء مجتمع حديث لا يقتلع جذور الجماعة، وفي الوقت نفسه يمنع الجماعة من أن تتحوّل إلى بديل عن القانون والدولة. فالمجتمعات الأكثر تماسكاً ليست تلك التي تذيب الأفراد في جماعات مغلقة، ولا التي تحوّلهم إلى ذوات منفصلة، وإنّما التي تنجح في الجمع بين الانتماء والمواطنة، وأيّ خلل في هذا التوازن قد يعيد الأمور إلى ما قبل الدولة التي بسببها نشأت المواطنة، أي إلى تغوّل الهُويّات الفرعية، قامعةً كانت أم مقموعةً، في الحالة الأولى يستخدمها القامعون أداةَ تسلّط، وفي الحالة الثانية يجعل منها المقموعون ملاذاً.

لا يصبح المجتمع مجتمعاً بمجرّد وجود القانون أو المؤسّسات، بل يحتاج أيضاً إلى المساواة الحقيقية في الحقوق والواجبات، وتأمين فضاء يستطيع فيه الناس أن يناقشوا شؤونهم المشتركة بوصفهم مواطنين، فالمجتمع الذي يفقد فضاءه العام لا يعود إلّا تجمّعاً كبيراً من الأفراد، أمّا المجتمع الحيّ فهو الذي تتحوّل فيه الاختلافات إلى حوار، لا إلى خصومات مغلقة بين الجماعات.



#حسن_مدن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ترامب يُفكّك النظام القديم
- دوغين الروسي.. يارفين الأمريكي
- قاعة شبه فارغة وجوقة تصفيق
- الجوهر والمظهر في صراع الهويّات
- عن التعليم في دول الخليج
- حزام الصدأ
- الصفيق والتصفيق
- التاريخ أم الإنسان؟
- سُلطة الخوارزميات
- أوروبا واللايقين
- طه حسين المتجدّد
- مسار الدولة ومصيرها
- (رجعوا التلامذة للجدّ تاني)
- الجنائية الدوليّة تضع الغرب على المحكّ
- تحوّلات المدينة في الخليج
- طُلّاب 1968 .. طُلّاب 2024
- باسم خندقجي
- الأول من مايو في البُعدين الوطني والأممي
- المانحون وسيادة الدول
- (خيوط المعازيب)


المزيد.....




- المحكمة الجنائية الدولية تستعد لعزل المدعي العام كريم خان
- رغم ضغوط إدارة ترامب.. محكمة أمريكية ترفض إعادة اعتقال باحث ...
- الاحتلال يفرج عن معتقلين سوريين بعد 7 أشهر من الاعتقال
- روسيا وإسرائيل تعارضان تمديد ولاية تورك كمفوض أممي لحقوق الإ ...
- سفير إيران لدى الأمم المتحدة: سنواصل الدفاع عن شعبنا وسيادتن ...
- المحكمة الجنائية الدولية: تصويت على المدعي العام السابق كريم ...
- هل ينتقل إنفانتينو من -فيفا- إلى رئاسة الأمم المتحدة؟.. البي ...
- مباشر: الأمم المتحدة تحذر من أن التصعيد بين إيران وواشنطن في ...
- نائب ممثل إيران بالأمم المتحدة: جميع إجراءاتنا دفاعية وضروري ...
- مناظرة في الأمم المتحدة لاختيار خليفة غوتيريس وسط أزمة عميقة ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسن مدن - الجماعة ليست المجتمع