أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طلال كبده - البرزخ الإبستمولوجي: حوار المِعول والمِشرط مسرحية ذهنية تفكيكية من مشهدين متصلين















المزيد.....

البرزخ الإبستمولوجي: حوار المِعول والمِشرط مسرحية ذهنية تفكيكية من مشهدين متصلين


طلال كبده

الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 15:28
المحور: الادب والفن
    


الشخصيات:
عبد الله القصيمي (75 عاماً): يرتدي معطفاً أسود عتيقاً، شاحب الوجه، عيناه تلمعان ببريق غاضب وجودي، وصوته يخرج كالهدير المتعب. يمثل "راديكالية الهدم اللغوي".
عبد الله مطلق القحطاني (45 عاماً): يرتدي قميصاً أبيض بسيطاً، تبدو على معصميه آثار قيود قديمة، ملامحه هادئة وصارمة، ويمسك بيده مكشطة فيلولوجية ونسخة من مخطوط سرياني. يمثل "عقلانية التأسيس العلمي".
صوت حارس الهيكل (خلف الكواليس): صوت جهوري، آلي، حاد. يمثل سلطة الأرثوذكسية وسياجات الحماية التقليدية.
الفضاء المسرحي:
غرفة برزخية معلقة بين الظل والنور، جدرانها مشققة كبنى الفكر القروسطي. على الجانب الأيمن (جهة القصيمي) تتراكم أكوام من الحجارة والركام والكتب المهشمة. على الجانب الأيسر (جهة القحطاني) طاولة نسخ خشبية عليها قنديل زيت خافت، ولفائف من الرقاق والمخطوطات الجلدية العتيقة. في الخلفية، نافذة حديدية تطل على أفق واسع ومجهول، وبوابة حجرية ضخمة مغلقة بسلاسل حديدية.
المشهد الأول: حوار الأدوات والوجع
(القصيمي يتحرك في جهته الصاخبة، يلوّح بيديه في الفراغ كأنه يخاطب حشوداً غير مرئية، بينما القحطاني يجلس بهدوء ويدرس بتمعن سطور المخطوط أمامه)
القصيمي (يصرخ بنبرة تهكمية مريرة):
"كتبتُ لهم حتى جفّ حبر الروح! قلتُ لهم إن العالم ليس شقة مفروشة للأوهام، وإن العرب ظاهرة صوتية تقتات على صدى الماضي! لكنهم فضّلوا البقاء في أقفاصهم، يعبدون حراس السجون ويبكون على أطلال اليقين الدوغمائي!"
العالم (يرفع رأسه ببطء، ينظر إلى القصيمي بنظرة تجمع بين الاحترام والصرامة المعرفية):
"يا أبا محمد.. صراخك الوجودي كان ضرورياً لخلخلة التربة، لكنك هدمت السقف فوق رؤوس الجميع وتركتهم في عراء عدمي. المعول يهدم الجدران، نعم.. لكنه لا يبني وعياً جديداً".
القصيمي (التفت إليه بحدة، مقترباً من حدود طاولة المخطوطات):
"وعي جديد؟! عن أي وعي تتحدث يا عبد الله؟ إنك تحاول مداواة السرطان بمشرط فيلولوجي بارد! هؤلاء لا يحتاجون إلى قراءة حواشي المخطوطات السريانية أو تفكيك التلمود البابلي، إنهم بحاجة إلى زلزال لغوي يقتلع أوهامهم من جذورها اللاهوتية!"
القحطاني (يقف بثقة، يمسك بلفافة الرق ويتقدم خطوة نحو القصيمي):
"الزلزال يترك خلفه دماراً وخوفاً، والخوف يعيد إنتاج الأرثوذكسية بثوب أكثر انغلاقاً. إن تجربة الزنزانة والتعذيب السادي التي مررتُ بها لم تكن بسبب صراخ لغوي، بل لأنني اقتربتُ من بنية المعرفة ذاتها. حين نثبت فيلولوجياً وتاريخياً أن هذا المقدس المحاط بالسياجات هو نص زمني، بشري، تحكمت فيه مقصات الرقابة وأهواء النساخ عبر القرون، فإننا نسقط شرعيته من الداخل دون صخب. هذا هو التأسيس المعرفي الذي يمنع الجدار من الارتفاع مجدداً".
القصيمي (يضحك ضحكة ساخرة وموجعة، وينظر نحو النافذة):
"الزنزانة.. آه من الزنزانة. لقد طاردوني من بلد إلى بلد، وحاولوا اغتيالي معنوياً وجسدياً لأنني تجرأت على نزع الأقنعة عن إله المؤسسة. الوطن الذي يجلد أبناءه التنويريين يستحق الصدمة. ألم تقل أنت بنفسك في لحظة صدق مأساوية: عذراً يا وطن أنا ألعنك وأبغضك ؟ هذا هو نفَس القصيمي يسري في عروقك!"
القحطاني (بنبرة دافئة يملأها الشجن العميق):
"نعم.. قلتها في ذروة الألم والفاجعة، لكن بغضي كان الوجه الآخر لقمة الانتماء والرغبة في الأنسنة الشاملة. أنا لا ألعن لأجل العدمية يا أبا محمد، بل لأجل تحرير الإنسان، والدفاع عن حرية الضمير، والانتصار لحقوق المرأة التي كبلتها القراءات القروسطية الموروثة . تفكيكي للاهوت المقارن ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو محاولة لفتح النوافذ المغلقة ليتنفس هذا الوطن هواء العقلانية المفتوحة".
القصيمي (يهدأ قليلاً، يتأمل المشرط الفيلولوجي في يد القحطاني، ويضع يده على كتفه):
"ربما كنتُ أنا العاصفة التي اقتلعت الأشجار الميتة، وتأخرتَ أنت لتكون البشير المعرفي الذي يزرع في الأرض الصلبة. لكن احذر.. فحراس الجهل المقدس لا يفرقون بين معول يضرب الجدار، ومشرط يشرّح النص".
المشهد الثاني: ارتطام السياجات وفتح البوابة الكبرى
(فجأة، تهتز الجدران البرزخية بعنف. يسقط حجر من الركام جهة القصيمي. صوت قعقعة السلاسل الحديدية خلف البوابة الحجرية الكبرى يتصاعد. يدوي صوت حارس الهيكل مخترقاً الفضاء)
صوت حارس الهيكل (خلف الكواليس، بغضب آلي):
"أيها المارقون في البرزخ! تعبثون بالثوابت، وتنبشون في خطوط النساخ! ستبقى السياجات مغلقة، وستظل الزنازين مستقراً لكل من يسائل حواشي الكتب المطبوعة والمقدسة!"
(القصيمي يتراجع خطوة إلى الخلف، يمسك بحجر ثقيل من الركام ويوجّه خطابه نحو البوابة بصوت هادر كالرعد)
القصيمي (يصرخ متحدثاً للبوابة):
"اضربوا سلاسلكم كما شئتم! لقد حطمتُ تماثيلكم اللغوية في كبريات عواصم العرب، وجعلت من أوهامكم مادة للسخرية الوجودية! لن تعود عقولنا إلى حظيرة الطاعة، فالعاصفة إذا هبّت لا تستأذن الحراس!"
(القحطاني لا يتراجع. يتقدم بثبات وهدوء نادر نحو البوابة الحجرية، يرفع بيمينه لفافة المخطوط السرياني، ويسلط بيساره ضوء قنديل الزيت النحاسي مباشرة على شقوق الجدار والحجر الأسود الصامت)
القحطاني (بصوت رخيم، علمي، حاسم يخترق قعقعة السلاسل):
"يا حارس الهيكل.. السلاسل تصدأ، والجدران تتآكل بفعل الرطوبة التاريخية. إنك لا تحرس نصوصاً سماوية عابرة للزمان، بل تحرس اللامفكر فيه خشية الانكشاف. انظر إلى هذه النسخ المقارنة؛ هنا تداخل التلمود البابلي بالشريعة الموسوية، وهنا غيرت مقصات الرقابة السلطوية حرفاً لتصنع دوجما الاستبداد . لم تعد الفيلولوجيا مجرد أرشفة للتزيين، بل غدت مشرط التحرير الإبستمولوجي الذي يفكك قداستكم المصنوعة من الألياف والبشرية الضيقة ".
(القصيمي ينظر إلى ثبات القحطاني المعرفي أمام البوابة، ويسقط الحجر من يده ببطء. يبتسم القصيمي للمرة الأولى ابتسامة حكيمة وهادئة)
القصيمي (يهمس بتقدير):
"أنت لا تضرب الجدار يا عبد الله.. أنت تحلّل جزيئات الحجر حتى يستحيل تراباً تحت أقدام العابرين".
القحطاني (يلتفت إليه وعيناه تلمعان ببريق التنوير والحداثة الحقة):
"لأننا نطلب أنسنة هذا الشرق يا أبا محمد، نطلب حق المرأة في الانعتاق من زنازين القراءات الميتة، ونطلب حرية الضمير كأفق إجباري وحيد للنهضة . لم يعد الألم والتعذيب السادي فاجعة مخصية، بل صار وقوداً لمعركة العقل التاريخي النقدي".
(فجأة، وبفعل تسليط ضوء قنديل القحطاني وسياق الوثيقة الفيلولوجية، تتكسر السلاسل الحديدية تلقائياً دون تلامس مادي، وتنفتح البوابة الحجرية الكبرى ببطء شديد، لينبثق منها ضوء أبيض حداثي غامر يملأ الخشبة كلياً الشامل)
القحطاني (يخطو خطوته الأولى نحو الضوء):
"انتهى زمن الكشط والمحو.. اتركوا الحبر القديم والجديد يعانق الضوء".
القصيمي (يمشي بجانبه كتفاً بكتف نحو الأفق المفتوح):
"نعم.. فالبنية تصدعت بالفعل.. والتاريخ لا يعود إلى الوراء".
(يغمر الضوء الفضاء بالكامل، وتختفي الشخوص داخل أفق التنوير المشرق، بينما يتردد في العمق صدى صوت ترنيمة مشرقية عتيقة ممتزجة بإيقاع أنوار مستقبلي)
[إظلام تام - نهاية المسرحية].



#طلال_كبده (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيناريو مسرحي قصير: عَرُوض التريند
- سيناريو مسرحي قصير: إعراب العبث
- حفريات اللاهوت مقابل صدمة الشاشة: دراسة مقارنة بين عبدالله م ...
- اغتراب الأدلجة وأزمة الهوية: تفكيك ظاهرة -المتأسلم- في الفضا ...
- أقنعة الزيف: تفكيك ظاهرة -المتأسلم- وآليات المتاجرة بالدين و ...
- -زلزال يوليو الكوني: سقوط الباستيل الحجري وتفكيك المقاصل الم ...
- سيكولوجية الهتاف: صناعة القطيع بين صنم الكرة ووهم الخلافة
- أفيون الشعوب البديل: -المتأسلمون- وفصام الكأس المستديرة


المزيد.....




- الذكاء الاصطناعي باللغة العربية.. هل اقتربنا من نماذج تفهم ل ...
- رحيل بلاس جونسون عازف موسيقى سلسلة -النمر الوردي-
- جورجيا.. اعتداء وحشي على سائحة بسبب تحدثها باللغة الروسية (ف ...
- رحيل بلاس جونسون.. الساكسفون الذي منح -النمر الوردي- نغمته ا ...
- جورجيا.. اعتداء وحشي على سائحة بسبب تحدثها باللغة الروسية (ف ...
- مرضى بلا عيادات.. ماذا يحدث حين تتحول -المحنة- إلى -تروما-؟ ...
- 80 عاماً على تفجير فندق الملك داود: الجريمة التي هزت القدس و ...
- جسور بطرسبورغ تُرفع على أنغام الموسيقى البحرية احتفالا بيوم ...
- متحف النصر في موسكو يستضيف معرض -معركة القوقاز- في ذكراها ال ...
- ممثلة إيطالية شهيرة وابنتها تتقدمان بطلب للحصول على الجنسية ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طلال كبده - البرزخ الإبستمولوجي: حوار المِعول والمِشرط مسرحية ذهنية تفكيكية من مشهدين متصلين