أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - زيد نائل العدوان - الذكاء الاصطناعي وتشريعات حق المؤلف















المزيد.....

الذكاء الاصطناعي وتشريعات حق المؤلف


زيد نائل العدوان
كاتب

(Zaid Aladwan)


الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 09:01
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


شهد العالم خلال السنوات الأخيرة تطورًا غير مسبوق في تقنيات الذكاء الاصطناعي، ولا سيما الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي أصبح قادرًا على إنتاج النصوص، والرسوم الفنية، والموسيقى، والبرمجيات، وغيرها من المصنفات الإبداعية بجودة تقترب من الإنتاج البشري.
وقد أدى هذا التطور إلى طرح تساؤلات قانونية عميقة حول مدى قدرة قوانين حق المؤلف التقليدية على استيعاب هذا النوع الجديد من الإبداع؛ خاصة أن هذه القوانين بُنيت تاريخيًا على افتراض أن المؤلف شخص طبيعي يتمتع بالإرادة والوعي والإبداع، ومع انتقال الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة مساعدة للمبدعين إلى منتج مستقل للمحتوى، أصبح من الضروري إعادة النظر في العديد من المبادئ التي يقوم عليها قانون حق المؤلف، وفي مقدمتها مفهوم المؤلف، وشروط الحماية، والغاية الأساسية من النظام القانوني لحماية المصنفات.
اعتمدت قوانين حق المؤلف، منذ نشأتها، على فكرة أن الحماية تُمنح للمصنفات التي ينتجها الإنسان نتيجة نشاطه الذهني والإبداعي، إلا أن الذكاء الاصطناعي التوليدي غيّر هذه الفرضية بصورة جذرية؛ إذ أصبح قادرًا على إنتاج أعمال أدبية وفنية وموسيقية وبرمجية دون تدخل بشري مباشر، أو مع تدخل بشري محدود للغاية، ويعني ذلك أن عملية الإبداع لم تعد حكرًا على الإنسان، بل أصبحت الآلة قادرة على أداء الدور الذي كان يؤديه المؤلف التقليدي.
ويُميز الباحثون بين نوعين من الأعمال المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، الأول هو "الأعمال المعززة أو المساعدة بالذكاء الاصطناعي"؛ وهي التي يستخدم فيها الإنسان الذكاء الاصطناعي كأداة لتنفيذ أفكاره؛ بحيث يبقى العنصر الإبداعي الأساسي صادرًا عن الإنسان، أما النوع الثاني فهو الأعمال المولدة بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي؛ حيث لا يساهم الإنسان إلا بإعطاء أوامر أو تعليمات عامة، بينما يتولى النظام الذكي إنتاج المصنف بصورة مستقلة، ويكتسب هذا التمييز أهمية كبيرة لأن الأنظمة القانونية الحالية تمنح الحماية عادةً للأعمال التي يتجسد فيها الإبداع البشري، بينما ترفض حماية الأعمال التي يكون الذكاء الاصطناعي هو منشئها الفعلي.
ففي الولايات المتحدة، يشترط مكتب حقوق المؤلف وجود مؤلف بشري حتى يمكن تسجيل المصنف وحمايته، ولذلك تُرفض طلبات تسجيل الأعمال التي أُنتجت بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي، ويستند هذا الموقف إلى اجتهادات قضائية وممارسات إدارية طويلة تؤكد أن الإبداع الإنساني يمثل أساس الحماية القانونية.
في المقابل، اتجهت بعض الدول، مثل المملكة المتحدة، إلى منح حماية خاصة للأعمال المولدة بالحاسوب، مع اعتبار الشخص الذي اتخذ الترتيبات اللازمة لإنتاج العمل هو المؤلف القانوني، وهو ما يعكس نهجًا أكثر مرونة في التعامل مع التطور التكنولوجي.
ويطرح هذا الاختلاف التشريعي سؤالًا جوهريًا يتعلق بالغاية الأساسية من قانون حق المؤلف، فإذا كانت الحماية تهدف إلى مكافأة المؤلف باعتباره صاحب جهد فكري وشخصية إبداعية، فمن الصعب تبرير منح الحماية لعمل أنشأته آلة لا تمتلك إرادة أو شخصية قانونية، أما إذا كان الهدف الحقيقي للقانون هو تشجيع إنتاج المصنفات ونشرها بما يحقق المصلحة العامة، فإن حماية الأعمال التي ينتجها الذكاء الاصطناعي تصبح منطقية؛ لأنها تشجع الشركات والأفراد على الاستثمار في تطوير هذه التقنيات، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الإنتاج الثقافي والمعرفي وإتاحته للجمهور.
ومن هذا المنطلق، يجادل بعض الباحثين بأن منح الحماية للأعمال المولدة بالذكاء الاصطناعي لا يهدف إلى منح الآلات حقوقًا قانونية، وإنما إلى تحفيز الأشخاص الذين يقومون بتطوير هذه الأنظمة أو تشغيلها، فالحماية القانونية لن تكون حافزًا للذكاء الاصطناعي ذاته؛ لإنه لا يملك مصالح أو دوافع اقتصادية، وإنما ستكون حافزًا للمستثمرين والمطورين الذين ينفقون موارد مالية وبشرية كبيرة لتطوير تقنيات قادرة على إنتاج أعمال إبداعية جديدة، وبهذا المعنى، فإن حماية هذه الأعمال تحقق الوظيفة الاقتصادية لقانون حق المؤلف المتمثلة في تشجيع الابتكار والإبداع لصالح المجتمع.
ومن جهة أخرى، يثير الاعتراف بالأعمال المولدة بالذكاء الاصطناعي إشكاليات إضافية تتعلق بمفهوم المؤلف نفسه، فهل ينبغي اعتبار الذكاء الاصطناعي مؤلفًا؟ يرى بعض الفقه أن الاعتراف به كمؤلف لا يعني منحه شخصية قانونية أو حقوقًا مستقلة، وإنما يهدف إلى تحقيق الشفافية والدقة في تحديد مصدر العمل الإبداعي، ومنع نسب الأعمال التي أنتجتها الآلات إلى أشخاص لم يساهموا فعليًا في إنتاجها، كما أن ذلك يحافظ على التمييز بين الإبداع الإنساني الحقيقي والإنتاج الآلي، بما يضمن حماية القيمة الأدبية والمعنوية للإبداع البشري.
إلى جانب ذلك، يفرض الذكاء الاصطناعي تحديات أخرى على قانون حق المؤلف، مثل مدى مشروعية استخدام المصنفات المحمية لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وإمكانية اعتبار المخرجات الجديدة اعتداءً على حقوق المؤلفين الأصليين، فضلًا عن صعوبة التمييز بين التأثر بأسلوب فني معين وبين تقليده بصورة تشكل انتهاكًا لحقوق المؤلف، وتزداد أهمية هذه الإشكاليات مع التطور السريع للنماذج التوليدية، التي أصبحت قادرة على إنتاج محتوى يصعب تمييزه عن المحتوى الذي ينتجه الإنسان، الأمر الذي يتطلب إعادة تقييم العديد من المفاهيم التقليدية، مثل الأصالة، والنسخ، والاستخدام العادل، وحدود الحماية القانونية.
لا شك أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل نقطة تحول تاريخية في مجال الإبداع، وأن تأثيره لن يقتصر على المجالات التقنية، بل سيمتد إلى البنية الفكرية والقانونية التي يقوم عليها نظام حق المؤلف، فالقوانين الحالية وُضعت في زمن كان الإنسان هو المنتج الوحيد للإبداع، أما اليوم فقد أصبحت الآلات قادرة على إنتاج أعمال ذات قيمة اقتصادية وثقافية كبيرة، ومن ثم، فإن استمرار تطبيق المفاهيم التقليدية دون تطوير قد يؤدي إلى فجوة بين الواقع التكنولوجي والإطار القانوني، لذلك، يبدو أن المستقبل يتطلب إعادة صياغة قواعد حق المؤلف بما يحقق التوازن بين حماية الإبداع البشري، وتشجيع الابتكار التقني، وضمان تحقيق المصلحة العامة، بحيث يظل قانون حق المؤلف قادرًا على مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها عصر الذكاء الاصطناعي.



#زيد_نائل_العدوان (هاشتاغ)       Zaid_Aladwan#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الذكاء الاصطناعي ودوره في التحكيم القانوني
- دور لينين في الحزب البلشفي
- في ضرورة الوقوف ضد التعصب الديني
- نظرة سريعة حول الحزب البلشفي الروسي
- حال روسيا القيصرية قبل مجيء الثورة الشيوعية
- نظرة سريعة حول (علم الإجرام)
- نظرة سريعة حول الثورة الشيوعية الروسية
- قراءة في كتاب (فيورباخ: جذور الفلسفة الاشتراكية)
- مكانة المستخدم في قوانين حق المؤلف المعاصرة
- لينين والفكر الماركسي في ثورة اكتوبر 1917
- حكمة الفلسفة الرواقية في تنظيم المشاعر البشرية
- اللينينية والجذور الفكرية للشيوعية في روسيا
- التزامات المشتري في اتفاقية البيع الدولي للبضائع
- تلخيص كتاب الفقه القانوني لمؤلفه ج.د.سالمون
- نظرة سريعة حول أغسطس قيصر
- محاولة البلاشفة لبناء ثقافة شيوعية بعد نجاح ثورة أكتوبر 1917
- نظرة سريعة حول المنهج البحثي العلمي
- محاولات نشر الشيوعيين للشيوعية في العالم
- قراءة سريعة لثورة أكتوبر الشيوعية
- الثعبان كرمز أسطوري في الحضارات القديمة


المزيد.....




- السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني في رسالة ...
- إيران توجه رسالة إلى مجلس الأمن الدولي حول جرائم الحرب الأمر ...
- -طابور الموت-.. هل تدفع بريطانيا طالبي اللجوء لإنهاء حياتهم؟ ...
- مجلس النواب يدرج تقرير مكافحة الفساد وسبعة قوانين على جدول أ ...
- باكستان تصعد حملة ترحيل اللاجئين الأفغان بهدم المنازل وتشديد ...
- طريق العودة الشائك: مأساة اللاجئين السودانيين بين تعقيدات ال ...
- -ما وراء الخبر- يناقش وفاة عشرات الأسرى في سجون إسرائيل دون ...
- لماذا تمارس إسرائيل سادية واضحة ضد الأسرى الفلسطينيين؟
- مفوضية اللاجئين: عودة 829 سوريا من ليبيا إلى بلادهم ضمن برنا ...
- مدير الإغاثة الطبية في غزة: الاحتلال يكثف هجماته ويستهدف جنا ...


المزيد.....

- الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق / رابطة المرأة العراقية
- التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من ... / هيثم الفقى
- محاضرات في الترجمة القانونية / محمد عبد الكريم يوسف
- قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة ... / سعيد زيوش
- قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية ... / محمد أوبالاك
- الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات ... / محمد أوبالاك
- أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف ... / نجم الدين فارس
- قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه / القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / اكرم زاده الكوردي
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / أكرم زاده الكوردي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - زيد نائل العدوان - الذكاء الاصطناعي وتشريعات حق المؤلف