أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - زيد نائل العدوان - حكمة الفلسفة الرواقية في تنظيم المشاعر البشرية















المزيد.....

حكمة الفلسفة الرواقية في تنظيم المشاعر البشرية


زيد نائل العدوان

الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 14:35
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


منذ قديم الزمان وغابرها، وُجِدَت الحكمة مع وجود البشر، وتميز البشر دون غيرهم من الكائنات بالتفكير المنطقي والاستدلالات العقلية المختلفة، وعملوا منذ القدم على ترسيخ هذه الحكمة من خلال كتابتها في سطور.
ومن هذه الحكمة هي حكمة الرواقيين، وهي حكمة رومانية قديمة تعلمنا كيف نتعامل مع المشاعر الإنسانية المختلفة مثل الغضب والقلق والتوتر والخوف...الخ، فهذه الحكمة أوجدها البشر كي يستطيعوا التعامل مع أمور حياتهم المختلفة؛ إذ أنه لا يكفي فقط للبشر أن يجيدوا التعامل مع الأمور المادية، بل كذلك يجب عليهم أن يتعاملوا مع الأمور المعنوية المختلفة كالقلق والحزن، فالبشري لا يكفيه أن يعيش عيشة هنية، بل عليه كذلك أن يعلم كيف يدبر أمور مشاعره وغرائزه بحيث لا تتعارض مع مصالح الأشخاص الآخرين ولا تكون سببًا في إثارة النزاعات.
أوضح كلامي الذي قلته في الفقرة أعلاه فأقول أن البشر لا يجب عليهم أن يقصروا نطاق تفكيرهم في الأمور المادية، بل يجب أن يسمو فكرهم للتفكر في الكون والوجود والمسائل المعنوية -الغير مادية- الأخرى، فلا يكفي شراء سيارة أو بناء منزل للإنسان، فما فائدة المنزل والسيارة والمناصب إن كان الإنسان قلقًا خائفًا طوال الوقت، ولذلك، أتت الفلسفة الرواقية كي تخلصنا من القلق والتوتر والغضب وكافة المشاعر الإنسانية السلبية المختلفة؛ وذلك عن طريق التأمل.
فالتأمل في هذه المشاعر عادةً ما يكون شيء إيجابي؛ ذلك أنه يعطي للإنسان فرصة التفكر في نفسه والتدبر في أمره، فلا تعود تتملكه المشاعر السلبية والتي تقض مضجعه من كثر التفكير بها، فالتأمل يكون من خلال خطوات ثلاثة حسب الفلسفة الرواقية:
1. بدايةً، يجب على الإنسان أن يتفكر في هذه الأمور، ويدرك أنها سيئة ولا تليق بالطبيعة الإنسانية المعتدلة والمتزنة، فمثلًا، الغضب لا يليق بالإنسان، فنحن إذا نظرنا للإنسان الغضوب حين لحظة غضبه رأيناه بهيئة لا تليق بالطبيعة الإنسانية المتزنة، وكذا الأمر بالنسبة للحزين والقلق والمتوتر وغيرها من المشاعر الإنسانية السلبية.
2. ومن ثم يجب على الإنسان أن يتفكر بطريق التخلص من هذه المشاعر والأشياء السلبية، فيعمل على أن يبعد نفسه عن هذه الأمور، فمن الطرق التي تمكننا من الابتعاد عن الأمور السلبية هي التدرب على تركها، ومن الأمور التي كذلك تعين الإنسان على ترك المشاعر السلبية هي تخيل الذات الإنسانية في موقف مشابه للموقف الذي يمتلأ به الإنسان طاقةً سلبية، فيعمل على كبت هذه المشاعر والتخلص منها.
ولكي أوضح الأمر، أقول مثلًا أن الإنسان إذا كان غضوبًا، وجب عليه أن يتخيل نفسه في موقف يغضبه، وأن يدرب نفسه على ألا يغضب وألا يحزن أو ينفعل، فبهذه الطريقة يستطيع الإنسان التخلص من المشاعر السلبية.
3. وبعد ذلك، تصير الخطوة الأساسية في ترك الإنسان للغضب وللمشاعر السلبية المختلفة هي التدريب، فمن خلال التدريب يصبح الإنسان قادرًا على ترك المشاعر السلبية، ويكون التدريب من خلال التخيل كما أسلفتُ سابقًا، بالإضافة إلى أن التدريب كذلك يكون من خلال وضع الإنسان نفسه في مواقف تتطلب صبرًا وهدوءً، فلا يكفي للإنسان أن يقرأ كتب الحكمة وكتب الفلسفة الرواقية القديمة، بل عليه أن يمارسها ويدرب نفسه عليها من خلال إقحام نفسه في مواقف تتطلب الانضباط الذاتي والصبر.
فعبر هذه الخطوات الثلاث، والتي تعلمتها أنا من الفلسفة الرواقية، يتمكن الإنسان من ضبط جميع مشاعره السلبية والتخلص منها والابتعاد عنها؛ إذ أن المشاعر السلبية تستهلك من الإنسان وتأخذ من وقته وعقله، لذلك وجب التخلص منها بأسرع وقت وفترة ممكنة.
ومن الكتب التي تعين على تدريب الإنسان لنفسه للتخلص من المشاعر السلبية، هي كتب الفلسفة الرواقية، والتي كتبها الفلاسفة الرواقيون الثلاث وهم (ماركوس أوريليوس/ لوكيوس سينيكا/ ابكتيتوس)، فهؤلاء الفلاسفة الثلاثة كتبوا الكثير في كيفية التخلص من المشاعر السلبية، وكان جل اهتمامهم في تنقية نفس الإنسان من هذه المشاعر، وهذا برأيي هو قمة الحكمة، فالحكمة لا تكمن في جدالات فلسفية معقدة وطويلة وصعبة لا يفهمها إلا قلة من الناس الذين درسوها أكاديميًا، بل الحكمة تكمن في الاقتراب من الواقع الإنساني وتناول القضايا التي تؤرق الإنسان وتتعبه والعمل على حل لإيجادها.
فبالنسبة للفلسفة الرواقية، فهي دائمًا تقدم حلًا عمليًا وتطبيقيًا لحل جميع مشاكل الإنسان، دون محاولة تخويفه وترهيبه كما تفعل بعض الأديان؛ بحيث تكون هذه الحلول منسجمة مع واقع الإنسان، غير بعيدة عنه ولا أنها "مثالية جدًا"، فيكتسب الإنسان خبرة وفائدة من التعامل مع هذه الفلسفة.
ويجدر القول، أنه عند قراءة الفلسفة الرواقية، فإنه يجب التنبه إلى أن الفلاسفة الرواقيون أحيانًا قد يسبغون صفتهم الشخصية على كتاباتهم، وهذا أمر طبيعي؛ ذلك ان الكتابة هي وليدة الشخصية ومن الطبيعي أن يطبع الكاتب شخصيته على كتاباته، فمثلًا، نجد أن سينيكا أكثر تشاؤمًا من ماركوس أوريليوس، ونجد أن أوريليوس أكثر هدوءً من باقي الفلاسفة الرواقيين، ولكن هذا الأمر طبيعي ولا يسبب أي ضرر، فما دام الإنسان يعمل على انتقاء ما يناسبه من الفلسفة الرواقية وتطبيقه على حياته، فهذا لن يضيره بشيء.
كما ينبغي القول، أنه من أراد أن يقرأ الفلسفة الرواقية عليه بالكتب القديمة؛ أي كتب الفلاسفة الثلاثة المذكورين سابقًا وهم (أوريليوس، سينيكا، ابكتيتوس)؛ فكتب هؤلاء الثلاثة تعطي وصفات للتخلص من المشاعر السلبية والسيئة، أما الكتب الحديثة فتعمل على تعريف الفلسفة الرواقية تعريفًا أكاديميًا؛ بحيث تضيّع من النكهة العملية والواقعية لهذه الفلسفة وتملأها بافتراضات وجدالات أكاديمية لا طائل من ورائها بنظري، لذلك؛ إن أراد شخصٌ قراءة الفلسفة الرواقية، فأنا أنصحه بكتب القدماء لا كتب الحديثين، إلا ما كان بالطبع من الحديثين يتبع نزعة عملية وواقعية.
إذًا، من الممكن القول أن الفلسفة الرواقية وُجِدَت للتخلص من المشاعر السلبية، وأنها تلامس حياة الإنسان وتقترب من واقعه العملي، بالإضافة إلى أنه يجب التدرب عليها وعدم الاكتفاء بقراءتها فقط نظريًا، فهي موجهة إذًا لمن يرغب في تطوير نفسه بشكل إيجابي، بعيدًا عن التعقيدات التي تمتلأ بها فروع الفلسفة الأخرى.



#زيد_نائل_العدوان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اللينينية والجذور الفكرية للشيوعية في روسيا
- التزامات المشتري في اتفاقية البيع الدولي للبضائع
- تلخيص كتاب الفقه القانوني لمؤلفه ج.د.سالمون
- نظرة سريعة حول أغسطس قيصر
- محاولة البلاشفة لبناء ثقافة شيوعية بعد نجاح ثورة أكتوبر 1917
- نظرة سريعة حول المنهج البحثي العلمي
- محاولات نشر الشيوعيين للشيوعية في العالم
- قراءة سريعة لثورة أكتوبر الشيوعية
- الثعبان كرمز أسطوري في الحضارات القديمة
- الثغراث والمشكلات الموجودة في قانون حماية البيانات الشخصية ا ...
- قراءة سريعة في كتاب (فكرة القانون)
- العرف المجتمعي لا يعد قانونًا
- اللغة القانونية بين الوضوح والتعقيد
- الحرب العالمية الأولى ودورها في قيام الثورة الشيوعية الروسية
- مجهود لينين في إقامة الثورة الشيوعية الروسية
- أحوال روسيا قبيل الثورة الشيوعية
- الكتابة القانونية وأهميتها في مهنة المحاماة
- الماركسية بعد ماركس: تطور الحركة الاشتراكية بين الثورة والإص ...
- الثورة الشيوعية بين فكر ماركس وواقع القرن التاسع عشر
- كومونة باريس 1871: الثورة التي أصبحت نموذجًا للثورات الشيوعي ...


المزيد.....




- -لا يعرف ما يجب فعله-.. مسؤولة سابقة في الناتو تعلق على أحدث ...
- رغد صدام حسين توضح حقيقة وجود -ابنة سرية- لوالدها في اليمن
- سلام يهنئ الشعبين اللبناني والسوري باتفاق تشكيل لجنة لبنانية ...
- أوكرانية -تتنكر كرجل- وتتحول إلى أخطر هاربة في أوروبا بعد تف ...
- رويترز: طمعا في -رضا- ترامب.. روته بات مكلفا بأمور -الأسرة و ...
- مفاجأة سياسية في إسرائيل: نتنياهو يتفوق على حزبه في استطلاع ...
- بي بي سي ترصد سفناً محتجزة وصيادي أسماك قرش في مضيق هرمز مع ...
- ترامب يؤكد استمرار المفاوضات مع إيران.. والجيش الإسرائيلي يع ...
- رجال الإطفاء يواجهون حريق غابات ضخما في جنوب فرنسا
- استراتيجية جديدة في الجولان السوري: كيف يوظف الجيش الإسرائيل ...


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - زيد نائل العدوان - حكمة الفلسفة الرواقية في تنظيم المشاعر البشرية