أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - زيد نائل العدوان - قراءة في كتاب (فيورباخ: جذور الفلسفة الاشتراكية)














المزيد.....

قراءة في كتاب (فيورباخ: جذور الفلسفة الاشتراكية)


زيد نائل العدوان
كاتب

(Zaid Aladwan)


الحوار المتمدن-العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 09:51
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


يُعد كتاب (فويرباخ: جذور الفلسفة الاشتراكية)، الذي ألّفه فريدريك إنجلز عام 1888 من أهم النصوص الفلسفية التي تشرح التطور الفكري الذي قاد إلى نشوء الماركسية؛ إذ لا يقتصر الكتاب على كونه دراسة لفلسفة لودفيغ فويرباخ، بل يمثل أيضاً مراجعة نقدية لمسار الفلسفة الألمانية منذ إيمانويل كانط مروراً بجورج فيلهلم فريدريش هيغل وصولاً إلى فويرباخ، مع بيان الكيفية التي تجاوز بها ماركس وإنجلز أفكار سابقيهم من الفلاسفة.
ويهدف إنجلز إلى توضيح أن الاشتراكية العلمية لم تنشأ بصورة مفاجئة، وإنما كانت نتيجة تطور طويل في الفكر الفلسفي، ولا سيما في الجدل بين المثالية والمادية، ومن هنا اكتسب هذا الكتاب مكانة بارزة في تاريخ الفلسفة الحديثة؛ إذ يربط بين الفكر الفلسفي والنظرية الاجتماعية والسياسية في إطار تاريخي متكامل.
يبدأ إنجلز بتحليل الفلسفة الألمانية الكلاسيكية معتبراً أن هيغل بلغ الذروة في الفكر المثالي من خلال منهجه الجدلي الذي نظر إلى الواقع بوصفه عملية مستمرة من التغير والتطور، ويثني إنجلز على ذكاء هيغل في اكتشافه للطابع الحركي للتاريخ، إلا أنه ينتقده؛ بسبب اعتقاده بأن الفكرة أو العقل المطلق هو الأصل الذي تنبثق عنه المادة والواقع، فبحسب إنجلز، جعل هيغل العالم المادي تابعاً للفكر، في حين أن العلاقة الحقيقية تسير في الاتجاه المعاكس.
بعد ذلك ينتقل إلى لودفيغ فويرباخ، الذي مثّل نقطة تحول مهمة في الفكر الأوروبي عندما رفض المثالية الهيغلية وأعاد الاعتبار للطبيعة والإنسان باعتبارهما أساس الوجود، وقد اشتهر فويرباخ بنقده للمسلمات، إذ رأى أن الإنسان هو الذي ينشأ المسلمات، لا العكس، وبذلك حاول إعادة الإنسان إلى مركز التفكير الفلسفي، معتبراً أن المسلمات المجتمعية تعكس حاجات الإنسان النفسية والاجتماعية أكثر مما تعكس حقيقة موضوعية مستقلة.
ويرى إنجلز أن هذا التحول كان خطوة تقدمية كبيرة، لأنه حرر الفلسفة من كثير من التصورات الميتافيزيقية، إلا أنه لم يكن كافياً لتفسير المجتمع والتاريخ، ففويرباخ في رأي إنجلز بقي ينظر إلى الإنسان بوصفه فرداً مجرداً، ولم يربطه بالظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يعيش فيها، كما أن ماديته بقيت مادية تأملية لا تتناول حركة المجتمع ولا تفسر أسباب التغير التاريخي.
ومن هنا يوضح إنجلز أن ماركس وإنجلز تجاوزا فويرباخ عبر تطوير مفهوم جديد للمادية، عُرف لاحقاً بالمادية التاريخية، ففي هذا التصور لا يُفسَّر التاريخ بالأفكار المجردة ولا بالإرادة الفردية، وإنما بالبنية الاقتصادية وعلاقات الإنتاج والصراع بين الطبقات الاجتماعية، فالأفكار السياسية والدينية والقانونية ليست -في المنظور الماركسي- سوى انعكاس للظروف المادية التي يعيشها الناس، وتتغير بتغير هذه الظروف.
ويخصص إنجلز جانباً مهماً من الكتاب لشرح العلاقة بين الجدل الهيغلي والمادية الماركسية، فهو يرى أن ماركس لم يرفض منهج هيغل الجدلي، بل احتفظ به بعد أن "أوقفه على قدميه" بدلاً من بقائه "واقفاً على رأسه"، في إشارة إلى تحويل الجدل من إطار مثالي إلى إطار مادي، فالجدل عند ماركس أصبح وسيلة لفهم حركة الطبيعة والمجتمع والتاريخ من خلال التناقضات الواقعية، وليس من خلال تطور الأفكار وحدها.
كما يناقش إنجلز تطور الفلسفة الأوروبية في القرن التاسع عشر، مبيناً أن التقدم العلمي ولا سيما في علوم الطبيعة؛ أسهم في ترسيخ الاتجاه المادي؛ فقد كشفت الاكتشافات العلمية عن أن العالم يخضع لقوانين طبيعية يمكن تفسيرها دون الحاجة إلى افتراضات ميتافيزيقية، ولذلك؛ أصبحت الفلسفة مطالبة بالانسجام مع نتائج العلوم الحديثة، بدلاً من الاكتفاء بالتأملات المجردة.
ويتناول الكتاب أيضاً مفهوم الحرية من منظور مادي، حيث يرفض إنجلز الفكرة التي ترى الحرية انفصالًا عن قوانين الطبيعة، فالحرية الحقيقية، في رأيه، تتحقق عندما يفهم الإنسان القوانين التي تحكم الطبيعة والمجتمع ويستطيع توظيفها بوعي لتحقيق أهدافه، ومن ثم فإن المعرفة العلمية تصبح شرطاً أساسياً لممارسة الحرية، وليس قيداً عليها.
وتبرز في الكتاب أهمية الربط بين الفلسفة والممارسة العملية، فالفلسفة -بحسب إنجلز- لا ينبغي أن تبقى مجرد تفسير للعالم، وإنما يجب أن تسهم في تغييره، ولهذا السبب أصبحت الماركسية فلسفة مرتبطة بالنشاط الاجتماعي والسياسي، وليست مجرد نظرية معرفية، ويعكس هذا التوجه انتقال الفكر الاشتراكي من مرحلة النقد الفلسفي إلى مرحلة التحليل العلمي للمجتمع الرأسمالي.
وتتجلى القيمة الفكرية للكتاب في أنه يقدم عرضاً مكثفاً لتطور الفكر الأوروبي خلال قرن كامل، ويبين الصلات الفكرية بين كانط وهيغل وفويرباخ وماركس، كما يكشف أن الفلسفات الكبرى لا تظهر بمعزل عن الظروف التاريخية، بل تنشأ استجابة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية التي يشهدها المجتمع.
إذًا، يمثل كتاب "فويرباخ: جذور الفلسفة الاشتراكية" نصاً محورياً لفهم الخلفية الفلسفية التي قامت عليها الماركسية؛ فقد نجح إنجلز في بيان فضل فويرباخ في إعادة الاعتبار للمادية ونقد الدين، مع توضيح حدود مشروعه الفكري، ثم شرح الكيفية التي طوّر بها ماركس وإنجلز هذا الإرث إلى نظرية أشمل تقوم على المادية التاريخية والجدلية.
وبذلك لا يُعد الكتاب مجرد دراسة لفيلسوف واحد، بل يمثل تفسيراً لمسار الفكر الأوروبي الحديث وانتقاله من المثالية إلى المادية، ومن التأمل الفلسفي إلى التحليل الاجتماعي، ولا تزال أهمية هذا العمل قائمة حتى اليوم؛ لإنه يساعد على فهم جذور الفكر الاشتراكي، ويكشف العلاقة الوثيقة بين الفلسفة والتاريخ والاقتصاد في تشكيل النظريات السياسية والاجتماعية الحديثة.



#زيد_نائل_العدوان (هاشتاغ)       Zaid_Aladwan#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مكانة المستخدم في قوانين حق المؤلف المعاصرة
- لينين والفكر الماركسي في ثورة اكتوبر 1917
- حكمة الفلسفة الرواقية في تنظيم المشاعر البشرية
- اللينينية والجذور الفكرية للشيوعية في روسيا
- التزامات المشتري في اتفاقية البيع الدولي للبضائع
- تلخيص كتاب الفقه القانوني لمؤلفه ج.د.سالمون
- نظرة سريعة حول أغسطس قيصر
- محاولة البلاشفة لبناء ثقافة شيوعية بعد نجاح ثورة أكتوبر 1917
- نظرة سريعة حول المنهج البحثي العلمي
- محاولات نشر الشيوعيين للشيوعية في العالم
- قراءة سريعة لثورة أكتوبر الشيوعية
- الثعبان كرمز أسطوري في الحضارات القديمة
- الثغراث والمشكلات الموجودة في قانون حماية البيانات الشخصية ا ...
- قراءة سريعة في كتاب (فكرة القانون)
- العرف المجتمعي لا يعد قانونًا
- اللغة القانونية بين الوضوح والتعقيد
- الحرب العالمية الأولى ودورها في قيام الثورة الشيوعية الروسية
- مجهود لينين في إقامة الثورة الشيوعية الروسية
- أحوال روسيا قبيل الثورة الشيوعية
- الكتابة القانونية وأهميتها في مهنة المحاماة


المزيد.....




- وفد حزب الله لجنازة خامنئي يتلقى رسالة دعم إيرانية وتأكيد عل ...
- -منذ 23 عاما وأنتم تحاولون قتلي-.. تصريحات نارية لرونالدو قب ...
- تفاهم طهران واشنطن.. تل أبيب تعرقل بلبنان
- ما هي الثقافات التي بدأت بالمقارنة بين الآلهة والديانات ولما ...
- سرب من سفن أسطول المحيط الهادئ تصل إلى ميناء تشينغداو للمشار ...
- لقطات لإطلاق صواريخ مجنحة من على متن المدمرة الكورية الشمالي ...
- فرنسا.. غرق سفينتين جراء حريق هائل بميناء مرسيليا
- فرنسا.. نشوب نحو 20 حريقا كبيرا على خلفية موجة الحر
- ترامب يعتزم الاتصال ببوتين بعد لقائه زيلينسكي في تركيا
- تصعيد جديد في لبنان يشعل غضب الجامعة العربية


المزيد.....

- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن / محمد الأزرقي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - زيد نائل العدوان - قراءة في كتاب (فيورباخ: جذور الفلسفة الاشتراكية)