أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد صقر - تلقي مسرحية - الأيام السعيدة - للكاتب الأيرلندي الفرنسي - صمويل باركلي بيكيت -















المزيد.....



تلقي مسرحية - الأيام السعيدة - للكاتب الأيرلندي الفرنسي - صمويل باركلي بيكيت -


أحمد صقر

الحوار المتمدن-العدد: 8767 - 2026 / 7 / 15 - 23:12
المحور: الادب والفن
    


تلقي مسرحية " الأيام السعيدة " للكاتب الأيرلندي الفرنسي " صمويل باركلي بيكيت" بآليات " ياوس " .... أ.د أحمد صقر ...... جامعة الإسكندرية
مقدمة في نظرية مسرح العبث / اللامعقول:
في ضوء نظرية مسرح العبث واللامعقول والطليعى نقول أن هناك من الآراء ما قررت أن هذه المصطلحات الثلاثة إنما هي ثلاثة مسميات لمدلول واحد ، ذلك أن هذا المسرح – أقصد اللامعقول – قد أطلقت عليه تسميات مختلفة منها "مسرح الابسيرد" وتعنى الشئ المضحك المنافي للعقل، وأطلق آخرون – و هم قليلون اسم "مسرح النزوة" عليه، هذا إلى جانب تسميته بمسرح المتناقضات أو مسرح المفارقة المضحكة، ذلك لأن مسرح اللامعقول قد جمع حقيقة كل هذه المعاني والعناصر داخل مسرحياته وأعماله .
كل هذا يؤكد حقيقة تتضح تدريجيا وهي أن هذا المسرح وأقصد "مسرح الطليعة" قد أطلق عليه برونكو L.Pronko هذه التسمية بينما أطلق مارتن ايلسن تسمية مسرح العبث أو اللامعقول، و ج سيروه G.Serreau اسم المسرح الجديد ، على أننا إذا قبلنا هذه المسميات المختلفة نعود و ندرك أنها تتفق جمعيا – إلى حد كبير – في المعنى وإذا سلمنا جدلا بهذا الرأى، فعلينا قبل أن نقبله نهائيا أن نتعرف على الطبيعة و معنى مسرح اللامعقول، إذ أن الكلمة توضح ودون أى غموض أنه " الشئ المنافى ببعقل شكلا أو موضوعا أو بهما معا .
وهنا نتبين أن هذا المسرح لا يقر التقاليد المسرحية السابقة عليه ويأتى ببعض الخصائص الجوهرية التى تميزه ومن أهمها " حرية التأليف المسرحى سواء في المضمون والشكل وثانيهما أن المؤلف عند كتاب اللامعقول لا يقيم وزنا لما تعلمناه في الدراما من ناحية الصراع الدرامى التقليدي القديم وهو لا يعترف أيضا بالحوار المسرحي أو التطور الدرامى بمفهومه (الارسطوطإلى)، كما لا يفكر أو يجهد نفسه كثيرا في خاتمة المسرحية، والصورة التراجيدية المأساوية أو الكوميدية الملهاة التى يجب أن تأتى عليها، حتى يصل التأثير إلى ذروته و قمته وثالثهما حرية المؤلف في أنه يكتب متى أراد لكنه يكتب حيئنذ في فكرة ثورية غريبة، غالبا لم يتطرق إليها أحد قبله ليس في الشكل فقط، لكنها في المضمون بصفة أساسية . وهنا نجد أن أدباء اللامعقول يبحثون كذلك لأدبهم عن دور جديد يقوم به، بعد أن أدركوا أن الأدب حتى وقتهم هذا لم يحقق ما استجد وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية وما أصاب الناس من تمزق نتيجة وحشية هذه الحرب واندثار القيم السالفة، لذا أصبح التشرد والضياع وعدم الاندماج والتلاقي بين الإنسان وعصره هي من ضمن سمات هذه الفترة وسعى هؤلاء الكتاب إلى أن يجدوا " للغة وظيفة ثانية "، ألا وهى استخدامها في التعبير عن النقد الشديد الساخر لحياة الطبقة البرجوازية، التى كانت ولا تزال في البلدان الغربية تعيش على أجساد البطالات التى نسمع عنها تعيش داخل القصور والحفلات ومظاهر الترف الساذج الرخيص ويمكنا وفق هذه المهمات التى تقوم بها وتعمل على إنجازها ، وهنا يتبين لنا ان اللغة قد فقدت وظائفها السابقة المتعارف عليها من أنها وسيلة للتواصل وأصبحت مجرد أداة غير مفيدة مجردة من المعنى ومن أية قيمة حقيقية وأصبح الأشخاص يتحدثون كل في عالمه الخاص.
وهنا نتذكر قول مارتن ايسلن Martin Esslin حين يقول أنه من أول هذه التقاليد العنصر المسرحى الخاص في اللامعقول سمة من سمات موقفه المناقض للأدب ورفضه الكلام كوسيلة عميقة للتعبير عن معانى الحياة وتجاربها . في تكاثر الأشياء عند " يونيسكو " وفي مشهد القبعات المستوحى من السيرك في مسرحية " في انتظار جودو " في محاولات " تارديو " لخلق مسرح يقوم على الحركة والصوت، وفي الباليه الصامت عند "بيكيت" و "يونيسكو" نجد عودة إلى الأشكال القديمة للمسرح، تلك الأشكال التى لا تقوم على الكلمة .
أما عن مسرح العبث Theatre of the Absurd فقد سبق أن قلنا أن هذه التسمية ترجع إلى " البيركامى " أول من استخدم كلمة " اللامعقول " أو "العبث" في مقالته " أسطورة سيزيف " 1942 لوصف حال الإنسان، والتعبير عن فراغية وجوده . وهنا لنا البداية أن تسمية " الأبسيرد" إنما قدمت دون أن يبدى أى اختلاف بين العبث أو اللامعقول، وإنما جمعت بينهما في مصطلح واحد، بل إننا نجد أن مسرح العبث " يتحدى المسرح التقليدي، فهو لا يقص قصة، ولا حكاية ولا يسعى للربط أو الحبك فالحبكة تكاد تكون معدومة، والموضوع لا يتكون من حوادث تتابع في الزمن، بل من حوادث قليلة تافهة تقع في أن واحد، كما أنه لا يتكون من سلسلة أحاديث تعبر عن أفكار مترابطة لأنه ليس هناك حوادث تتسلسل فتتعقد وتنفرج حينا آخر . إذا كان لابد من ألفاظ لادارة الحوار، فهى ليست ألفاظا مستمدة من اللغة التى نستعملها لتوصيل المعاني إلى الآخرين، وإذا كان لابد من أن تعبر عن شئ ما فليس هو الشئ العادي أو المألوف الذي يجد قوالب اللغة مهيأة للتعبير عنه .
كل هذا يؤكد أن مسرح العبث أو اللامعقول إنما هما مسميان لمضمون واحد هو مسرح " الابسيرد " أنه نظرا لعبثية الحياة ولا معقوليتها ونظرا لأن موضوعات مسرحياتهما لم تعد الموضوعات التقليدية الخالدة إنما يتناولون الإنسان في حيرته وقلقه وعدم إتفاقه مع الواقع المحيط به، عليه فالأفكار مسموح لها أن تشارك مثلما هو الحال بالنسبة للمضمون . من ناحية اخرى لم تعد هناك رسالة محددة يسعى المؤلف لتوصيلها إلى الناس، إذ ليس لديه ما يقوله لهذا العالم .
ويري كمال عيد – فى هذا الصدد – أن الجديد الذى أتى به مسرح اللامعقول فيما يختص بعنصر العبث وأنه انصرف عن الوعى بالعبث اليونانى القديم الذى تحكمت فيه آلهة لا ترحم، كما تشير بذلك التراجيديات اليونانية المعروفة . محملا هذا العنصر طابع المهزلة والشكل الهزلى الساخر. بمعنى انه عبث يثير السخرية ويبعث بمشاهده ورواد رواياته على الضحك فى أقوى وأحزم مواقف الجد والتراجيدية . وهذا يجعلنا لا نرى النهاية الحاسمة القاسية التى كانت تنتاب كل من يثور ويرفض ويحطم التقاليد المتوارثة – وكانت دينية فى اغلبها – بل نجد أن هذه الأعمال تظهر الإنسان يثور على التقاليد التى حوله بعد أن أدرك عبثية ولامعقولية الحياة وبعد أن فقد ثقته فى وجوده وحاضره ومستقبله وهذا ما يؤكده لطفى فام نقلا عن يوجين يوينسكو بقول، "إن مسرح اللامعقول من حقه أن يذهب إلى القول بأن العالم الذى نعيش فيه يبدو غير معقول وأن عقله أو تفكيره لا يمكنه أن يفهم هذا العالم ".
ومما سبق نستنتج أن ماهية مسرح العبث واللامعقول تعطينا بعض الخطوط الأساسية التى تتمثل فى أن المسرحية تغوص لتبتعد عن النواحى النفسية والاجتماعية والأخلاقية التى تسعى الدراما التقليدية لمناقشتها وعرضها لتصل إلى القوى الميتافيزيقية فى هذا الوجود وعلاقة الإنسان بها، من ناحية أخرى فإن مسرح العبث واللامعقول لا يثير قضية ولا يحاول الدخول فى جدل حول أيديولوجية معينة، وإنما هو مسرح موقف مثلما هو ضد مسرح الأحداث المتتابعة، والمتصلة الحلقات، على أساس سببى ".
وإن دل هذا على شئ فإنما يدل على أن طبيعة وماهية مسرح العبث واللامعقول تأتى مختلفة فى كثير من جوانبها عن المسرحية التقليدية وكذا الملحمية وبالقطع المسرحية الفكرية. ذلك أنها لا تكتفى بما سبق ذكره – فى تحديد إبراهيم حمادة لماهيتها – بل نصل إلى أنها تقدم " الفعل لا يروى قصته بالمعنى المعتاد، وإنما يقدم هيكلا من الصور المصممة على أساس أداء المهمة النشاط البدنى، إلا انه نشاط مزيف ومفتعل لأنه – بالنسبة الينا – لا يشكل فعلا فى واقعنا . كذلك تنبذ المسرحية العبثية (واقعية) المكان والزمان والمعنى التقليدى (للنظام) الاجتماعى – والسمات المميزة للشخصيات وكل أحكام الممكن والمعقول، لتعبر بواسائلها الخاصة عن أشياء يشعر بها المشاهد ولكنه يعجز عن التعبير عنها ".
وإن كنا نرى فى ماهية هذه المسرحية ما يباعد بينها وبين المسرحية التقليدية فى ابتعادها عن أن تقدم الواقعية فى رسم الشخصيات مما يترتب عليه أن صراعها لن يكون الصراع المعتاد عليه فى مجال المسرح بل أكثر من ذلك فإن اللغة المتعارف عليها فى المسرح نجدها فى المسرحية العبثية – وكذا مسرح اللامعقول تأتى بدور جديد لتتقلص إلى مجرد ثرثرة لا معنى لها، كى تؤكد لا جدوية الاتصال أو تبادل الأفكار بين الناس، ولهذا لم تعد اللغة تصور ما هو جوهرى وحى فى باطن الإنسان، بل أصبحت غطاء يحجب خلجات الفكر، وخفايا العواطف، بدلا من الافصاح عنها ".
وهنا نصل إلى ما سبق أن افترضناه من أن ماهية نظرية مسرح العبث واللامعقول واحدة من حيث الشكل والمضمون وإن جاءت بعض الاختلافات الطفيفة، إلا أنها لا تجعلهما اتجاهين متباينين . وتؤكد أن المسرحية لها بناؤها الدرامى الذى يختلف كلية عن المسرح التقليدى والملحمى بل حتى مسرح الفكر عند "شو" إذ أنه لا توجد أحداث بالمعنى المتعارف عليه فى المسرح، ولا يوجد صراع نتمثله من خلال الشخصيات أو حتى الأفكار، إذ أن العمل ليس به بداية ووسط ونهاية، وليس هناك هدف محدد – كما سبق أن قلنا – من قبل المؤلف أكثر من قوله انظروا: ها هو الإنسان يتخبط لذا علينا ألا نفهم ما يحدث بل أن نعيشه على ما هو عليه.
أما عن المسرح الطليعى A Vant-Grade Theatre، فأرى أن هذا المصطلح كما هو واضح من تسميته مصطلح فرنسى وقد استخدم هذا المصطلح فى كل من انجلترا وفرنسا ليعبر عن اتجاه مسرحى محدد، ففى فرنسا " يدل التقليديات المسرحية وذلك فى النصف الأول من هذا القرن. أما فى انجلترا فيطلق على الحركة الواقعية الانجليزية فى النصف الأخير من القرن الحالي .
وهنا ندرك أن الاتجاه قد استخدم فى كل من انجلترا وفرنسا، بل أكثر من ذلك فإن هذا المصطلح قد استخدم ليطلق على كل ما هو جديد – من ناحية الشكل والمضمون – فى مجال المسرح، وبالتإلى فإننى أرى أن هذا المصطلح يتسع ليشمل أيضا المسرح التجريبي . Experimental Theatre الذى "يحاول أن يقدم فى مجال الإخراج أو النص الدرامى، أو الاضاءة أو الديكور ... الخ . أسلوبا جديدا بغية الوصول إلى الحقيقة الفنية، وعادة ما يتحقق هذا التجاوز عن طريق معارضة الواقع، والخروج إلى منطقة الخيال، بل المبالغة فى ذلك الخروج فى بعض الأحيان .
وهنا ندرك أن هذا المصطلح سواء الطليعى أو التجريبي إنما هما مصطلحان يجيئان متفقين فى الغاية والهدف والمعنى، ولا أرى أن بينهما من الاختلاف أو التباين فى المعنى ما يجعل كلا منهما يقدم مستقلا عن الآخر، ذلك أرى أننا إذا ما استخدمنا مثلا مصطلح مسرح العبث أو اللامعقول، الطليعى أو التجريبي نقصد من وراء ذلك أن نقدم جديدا يأتى مختلفا عما هو موجود من خلال أدوات جديدة لم تستخدم من قبل فى المسرح وإن حدث فإنها ليست بهذه الكيفية وهذا الأسلوب. ذلك أن هدف المسرح الطليعى – وكما يرى "ليونارد كابل برونكو" – هو إيقاظ المتفرج ليحس بأن هناك ما هو عجيب وما هو غير مألوف و ما هو خارق للعادة ضمن حياتنا اليومية، ومن ناحية أخرى فإن هدفه ما يرى " أرنو" ألا يحل المشكلات الاجتماعية والنفسية أو أن يكون مساحة قتال للنزعات الأخلاقية، بل أن يعبر تعبيرا موضوعيا عن حقائق خفية وأن يجلو في النور عن طريق ايحاءات فعالة، ذلك القسم من الحقيقة الذي انطوى تحت الأشكال في مختلف أحوال التقائها بالمصير ".
وبذلك نقول إن هذا المسرح نظرا لأنه يقدر عبثية الحياة و لا معقوليتها وانعدام التواصل بين إنسان القرن العشرين والحياة المحيطة به، هذا إلى جانب تشاؤمه مما احدثه الحرب العالمية الثانية من إحباط وانكسار زلزل كيانه، ولم يعد أمامه إلا أن يثور على كل ما حوله، وهذه الثورة ولدت لديه القسوة و الرفض لذا أعتبر اسلوب التجريب أحد ركائزه الأساسية في الحياة بشكل عام وفي المسرح بشكل خاص لذا وجدناه يجرب هذا الجديد بعد أن رفضه ماضيه وحاضره ومن ثم جاءت لفظة التجريبية متوافقة مع لفظة الطليعية . وبذلك نرى أن ماهية مسرح الفكر تأتى متفقة مع ماهية نظرية مسرح العبث واللامعقول والطليعي والتجريبي نظرا لما سبق قوله عن ماهية النظرية السابقة وما اتضح وسيتضح عن ماهية مسرح الفكر الذي يركز على مشاكل الانسان الاجتماعية والأخلاقية والدينية والسياسية في محاولة مناقشتها والتعرف على عجز هذه القوانين والأعراف السابقة في مسايرة تطور الحياة.

حول مسرحية " الأيام السعيدة " للكاتب الأيرلندي / المقيم في فرنسا " صويل بيكيت " :
تقع هذه المسرحية في فصلين والفصل الأول تظهر "ويني" مدفونة في وسطها في تلة، بينما يظهر زوجها "ويلي" بشكل متقطع، وتتحدث باستمرار عن حياتها، ذكرياتها (غالبًا ما تكون جنسية)، وأدواتها اليومية (مرآة، فرشاة أسنان) التي تخرجها من حقيبة يدها ، وهو أطول وأكثر حركة مسرحية ومتعة من الفصل الثاني ، حيث تغوص ويني أكثر في التلة حتى عنقها، ويصبح ويلي أكثر خمولاً، مختفيًا بالكامل تقريبًا، بينما تواصل ويني ثرثرتها عن البقاء، وجمال الطبيعة، والتحديات، مع إدراك متزايد للعبثية والزوال. بالمسرحية شخصيتان فقط هما ويني التي لا تكف عن الكلام طوال فصلي المسرحية وويلي الذي لا نسمع منه سوى كلمات قليلة في الفصل الأول ويتوقف عن الكلام في الفصل الثاني بينما نراه فيه يزحف من وراء الربوة على يديه وقدميه والمكان الذي تحدث به المسرحية ربوة وترى ويني في الفصل الأول مدفونة فيها لوسطها وفي الفصل الثاني نراها مدفونة فيها حتى عنقها أما ويلي فيظهر على فترات من وراء الربوة زاحفا على يديه وقدميه .
لا نرى في هذه المسرحية الطويلة حدثا متصاعدا يعمل على إثارة التشويق لدى المشاهد ليترقب ما سيسفر عنه خط سيره بل هناك حديث متواصل خلال فصلي المسرحية من ويني عن ذكرياتها القديمة وعن أدواتها التي تخرجها من حقيبتها كفرشاة الأسنان والمرآة وهناك أيضا حديثها إلى ويلي الذي قلما يتجاوب مع حديثها معه. .
تبدو المسرحية – كما يقول علي خليفة - في أكثر أجزائها أقرب للمونودراما التي بها تجتر ويني ذكرياتها التي لا رابط بين أطرافها المختلفة ، وأرى أن عدم وجود خيط درامي في هذه المسرحية الطويلة قد جعل المشاهد - والقارئ لها - يشعر بقدر غير قليل من الملل - في حين كان يونسكو حريصا على أن يجعل في مسرحياته الطويلة خيطا دراميا ممزوجا بأثير العبث كما نرى في مسرحية الخرتيت ومسرحية ماكبت- وتقل حدة الملل في الفصل الأول من هذه المسرحية لأننا نتأمل حركة ويلي الطليقة الحركة برأسها ويديها وهي تخرج بعض أدواتها من حقيبتها وتحادثها وتستعيد بعض ذكرياتها معها وقد تنفعل عليها فتمزقها أو تكسرها كما نراها كسرت مرآتها وأشعلت النار في شمسيتها ، أما الفصل الثاني الذي دفنت فيه ويني حتى عنقها فقد غلت فيه حركتها تماما ولم نعد نرى غير حركة عينيها بالنظر فيما حولها خاصة ناحية ويلي ، وأظن أن هذا الملل الذي نستشعره ونحن نتابع هذه المسرحية خاصة في الفصل الثاني منها مقصود من المؤلف فهو تعبير منه عن عبث الحياة وسآمة الإنسان في العيش بها وعدم وجود أحداث مهمة بها وما العبارة التي تكررها ويني طوال المسرحية وهي يا له من يوم سعيد ! إلا مفارقة بالنظر للملل الذي تعيشه بطلة المسرحية وتعكس آثاره على النظارة . .
ولعل بيكيت قصد بجعل ويني مدفونة لوسطها في الفصل الأول من المسرحية أن الإنسان مقيد في حركته ويحاصره الملل من كل جانب وأنه مع مضي الزمن تزداد قيوده وإحساسه بالملل في هذه الحياة ولهذا رأينا ويني مدفونة في الربوة حتى عنقها في الفصل الثاني من المسرحية. لم تكن الأحداث التي تجترها ذاكرتها سوى أحداث تافهة ، فالماضي لا قيمة فيه والحاضر لا يحمل جديدا غير مزيد من الملل والقيود فماذا ننتظر من المستقبل ؟ إنها نظرة عبثية تشاؤمية من بيكيت في هذه المسرحية ، ويضاف لهذا أننا نرى ويني تتحدث لنفسها أكثر مما تتحدث إلى ويلي وعندما تتحدث إليه قلما يتجاوب معها وكل هذا يؤكد انعدام التواصل بين الناس مما يؤكد شعور الإنسان بعزلته ووحدته في الحياة كما يرى بيكيت وكتاب العبث عموما .

أن ما تعبّر عنه كتابات بيكيت في شكل عام إنما هو موقف ضد الوجود نفسه. وأكثر من هذا: ضد موقف الإنسان السلبي المتقاعس من هذا الوجود ،في هذه المسرحية ، واضح أن لحسرة ويني على الكلمات التي تتخلى عنا، ما يبررها تماماً ذلك أن الكلمات هي العلاقة الوحيدة التي تقيمها ويني مع العالم ومع الكون كله، حتى وإن كان جلّ الكلام موجهاً إلى ويلي، زوجها الذي شاركها تلك اللحظات والذكريات التي لا تفتأ ويني تتحدث عنها.ويني وويلي، هما الشخصيتان الوحيدتان وهما شخصيتان لا تتحركان تقريباً، إنهما ثابتتان تعيشان معاً ما يفترض أنها لحظات النهاية.
غير أن المسرحية ستنتهي علي نفس المشهد نفسه الذي بدأن به ، سيظل أمام اعيننا حتى نهاية الفصل الثاني الأخير في المسرحية: ويني مدفونة حتى أواسط صدرها في الأرض، وسط مكان تغمره الشمس. وثمة منذ البداية جرس منبّه يدق لينبه ويني إلى أن زمن واجباتها اليومية قد حل. تتكلم وهي توجّه الحديث إلى زوجها ويلي الذي يكاد لا يجد جواباً طوال الوقت، هو المدفون حتى نصفه بدوره في حفرة دافعة ويلي إلى أن يشاركها الضحك على مصير نملة مرت بينهما وإذ ينتهي الفصل الأول نجدنا عند بداية الفصل الثاني أمام ويني وقد غرقت في حفرتها أكثر: إنها الآن مطمورة حتى عنقها، و أن ذاكرة ويني بدأت تنضب وها هي تخلط الأمور في بعضها بعضاً. غير أن خيالها في المقابل لا ينضب، إذ ها هي تخترع الحكايات وتوجه الحديث في تواصل مدهش صوب ويلي الذي اختفى هذه المرة. إنه لم يعد هناك ولكن لأن ويني باتت عاجزة عن الالتفات نحوه. ها هي تواصل التحدث إليه غير مدركة أنه قد اختفى. أما ويلي، فإنه بعد فترة اختفائه تلك، يعود نحو آخر المسرحية إلى الظهور، مرتدياً هذه المرة ثياب الخروج الصباحي متوجهاً نحو ويني, وهذه ما أن تدرك وجوده حتى يغمرها سرور كبير وتبدأ بإنشاد مقاطع من أوبريت «الأرملة الطروب» في إيقاعات فالس شديدة السعادة وفيما يقترب ويلي منها أكثر وأكثر أو تعرف ويني ما إذا كان يقترب لكي يقبلها، أو لكي يتناول المسدس ليرديها به، أو يردي نفسه به .
الشخصيات في مسرحية أيام سعيدة :
شخصية " ويني " امرأة تبلغ من العمر حوالي خمسين عاما ، تقضي وقتها بين " جرس الاستيقاظ " و" جرس النوم " ، وتتبع الروتين اليومي بشكل دقيق للغاية .
شخصية " ويلي " رجل يبلغ من العمر حوالي ستين عاما ، تتميز ملامحه بالتناقض الملحوظ مع الثرثرة .
البنية الفكرية والدرامية لمسرح " بيكيت " العبثي :
تمحور أفكار العبث واللامعقول في نصوص صمويل بيكيت حول غياب المعنى والهدف في الحياة، وتجسيد حالة الاغتراب الإنساني عبر شخصيات تنتظر بلا جدوى وتكرر أفعالاً فارغة، مع استخدام بنية دائرية وغياب الحبكة التقليدية لتأكيد اللاجدوى والزمن الرتيب، وكشف عجز اللغةعن التواصل، مما يعكس قلق الإنسان المعاصر في عالم فوضوي لا يقدم إجابات.
آليات التلقي عند " ياوس " قراءة في مسرحية " الأيام السعيدة " :
الآلية الأولي : أفق الانتظار( التوقع ): من المسلمات المتعارف عليها في العملية الإبداعية أن المرسل " المؤلف " يرسل برسالة إلي المتلقي " القارئ " الذي يمتلك توقعات مسبقة للمسرحية قبل قرائتها ،المؤلف السابقة ، يستقبلها المتلقي وفقا أيضا لثقافاته ومعارفه ، وتحمل المسرحية مجموعات من المعارق والثقافات تتشكل من تجارب مع الأجناس الأدبية والأعمال السابقة، وأن العمل الفني يهدف إلى تحقيق هذا التوقع أو كسر/تغيير هذا الأفق، ليُحدث المتعة الجمالية ويُطور الذوق العام، مع التركيز على البعد التاريخي والاجتماعي لإنتاج المعنى. يركز ياوس على علاقة النص بالقارئ عبر التاريخ، وكيف أن النص الجديد يغير فهمنا للنصوص القديمة، مما يجعل القارئ عنصراً فعالاً في تشكيل المعنى وتطور الأدب، من خلال التفاعل بين النص والتجربة الجمالية للقارئ، ودمج مفاهيم مثل: أفق التوقع ، التغذية الراجعة ، كسر أفق التوقع ، تخييب التوقع والانتظار ، المسافة الجمالية وغيرها،كل هذه الآليات يفعلها القارئ المتلقي في قرائته للنص .
يحدثنا علي خلفية عن مسرحية " الأيام السعيدة " ل " صمويل بيكيت بقوله "لا نرى في هذه المسرحية الطويلة حدثا متصاعدا يعمل على إثارة التشويق لدى المشاهد ليترقب ما سيسفر عنه خط سيره بل هناك حديث متواصل خلال فصلي المسرحية من ويني عن ذكرياتها القديمة وعن أدواتها التي تخرجها من حقيبتها كفرشاة الأسنان والمرآة وهناك أيضا حديثها إلى ويلي الذي قلما يتجاوب مع حديثها معه .وتبدو المسرحية في أكثر أجزائها أقرب للمونودراما التي بها تجتر ويني ذكرياتها التي لا رابط بين أطرافها المختلفة " .. .
وأرى أن عدم وجود خيط درامي في هذه المسرحية الطويلة قد جعل المشاهد - والقارئ لها - يشعر بقدر غير قليل من الملل ، وتقل حدة الملل في الفصل الأول من هذه المسرحية لأننا نتأمل حركة ويلي الطليقة الحركة برأسها ويديها وهي تخرج بعض أدواتها من حقيبتها وتحادثها وتستعيد بعض ذكرياتها معها وقد تنفعل عليها فتمزقها أو تكسرها كما نراها كسرت مرآتها وأشعلت النار في شمسيتها . .
تعد مسرحية" الأيام السعيدة " نوعا من النصوص التي تحمل توجهات فكرية وإيديولوجية وفنية ودرامية ، وهو ما يتطلب من المتلقي التركيز علي دقائق الأمور في تلقي النص ، خاصة وأن النص يتضمن بنية درامية غير معتادة ، وبنية فكرية تحمل ما لم يعتاده من قبل ، لذا لابد من الوعي بهذا لكي يستقيم التلقي ، ويحقق للقارئ المتلقي جل العملية الإبداعية ، خاصة وأن " ياوس " وضع مجموعة من الأليات تطبق علي كافة أنواع النصوص من التراجيديا الإغريقية وصولا للنص في الوقت الراهن ، بل وتحقق آلياته أيضا علي مستوي العرض نفس النهج .
عند إعمال القارئ الآلية الأولي أفق التوقع والانتظار يواجه بعنوان النص الذي يعد بابا للولوج إلي عوالم النص وما يحمله من أفكار وقضايا قد تتحدد في واحدة أو تتعدي ذلك ، لكن القارئ سرعان ما يصطدم بما وراء هذا الباب من بنية نص غير تقليدية وصراعا يدور في دوائر يبدأ وينتهي حيث بدأ ، وحوار غير معبر وجمل متقطعة تعكس الانفصال وتقطع الأوصال ، وشخصيات ليست أكثر من دمي ومسخ ، وإن كانت تعكس حالات من التراجيكوميدي في القول والفعل ، إلا أنها لا تتطور ولا تتقدم بملامحها وبالحدث خطوات للأمام .
تمثل الآلية الأولي لتلقي النص أي" أفق التوقع " مجموعة من التوقعات والمعايير المسبقة التي يمتلكها القارئ بناءً رصيده السابق من القراءات للأجناس الأدبية من المسرحيات بتعدد بنيتها الفنية والفكرية ، و مجمل الأعمال السابقة التي يستحضرها عند قراءة عمل جديد مثل مسرحية " الأيام السعيدة " ، وهو ما يحدد استجابته الأولية ، ويتطلب نوعا من الإلمام ب " مسرح العبث واللامعقول" لكي يستطيع تلقي النص وفقا لثقافته . وتأسيسا علي ذلك لن يتمكن أي قارئ متلق أن يستقبل مسرحية ما دون خبرات وقراءات سابقة تسمي بالمخزون الثقافي والمعرفي والتراكمي يعرف ب " أفق التوقع " ، وما دمنا لا نلم بمسرح العبث ، فلن تكون استجاباتنا متحققة .
يبدأ القارئ بقراءة نص به فقط شخصيتان لا تتحركان ، إلا فيما ندر ، وهو ما يجعل القراءة لا تحرك وتثير القارئ المتلقي ، فالنص ينعدم فيه الحدث وهو ما يجعله يشعر بالملل ، خاصة وأن حوار " ويني " و " ويلي " لا يفضي إلي تطور في الصورة البصرية والسمعية مع جمود حركاتهما ، وندرة استجابة الزوج " ويلي " للزوجة " ويني " مما أفضي إلي صورة بصرية شبه متجمدة .
يتطلب نص مسرحية " الأيام السعيدة " أن يحقق ما سبق وأشار إليه " ياوس " من العناصر الثلاثة الأساسية وهي التجربة القبلية التي يملكها القارئ عن التجارب المتوافقة مع هذا النص ، وشكل الأعمال السابقة التي مرت بالقارئ و النص الذي يقرأه القارئ حاليا ، والمقابلة بين لغة النص واللغة اليومية للربط بينهما ، وعليه لا يمكن الحديث عن الآلية الأولي أي " أفق التوقع " دون وجود خبرة سابقة يستحضرها عند قراءة العمل لبناء افتراض مسبق يحققه أثناء قراءة النص .
إن إنعدام خبرات سابقة لقراءات نصية تتوافق مع توجه مثل هذا النص يذكرنا بمن تناول قصيدة من الشعر الجاهلي وحاول قراءتها ، وانتهي منها دون أي تعليق ، والسبب في ذلك عدم علمه بعوالم وأجواء ومداخل الشعر الجاهلي ، مما يتعذر معه إبداء الرأي ، إلا كما يسأل من لا يعرف اللغة الألمانية عن رأيه في فيلم شاهده دون ترجمة ، فلن يأتي الرد إلا محفوفا بالتحفظ لعدم وجود متشابهات سابقة وحالات مرت عليه ليبحث من خلالها عن أفق توقعه مما شاهده .
يحقق العنوان بوصفه العتبة الأولي التي يواجهها القارئ مساحة تجعله يدخل منها للوصول إلي إنتاج معني النص ، فالعنوان يعكس مجموعة من المعاني منها : أننا أمام حالة من السعادة تتذكرها شخصيات المسرحية ، فقد عاشوا أياما سعيدة ، وقد تتسع الدائرة لتصبح حالة عاشتها مجموعة من الناس اثر حادث سعيد ، أو غير ذلك مما يتوافق مع معني الأيام السعيدة ، فهذه التأويلات سواء كانت قريبة أو بعيدة عما يحمله النص وعن هدف الكاتب ، فهذا حق القارئ المتلقي يملأ مثل هذا الفراغ وفقا لثقافته ، كهكا بدا بعيد عن الاحتمال ، وهو ما يتوافق مع توجهات " ياوس " في آفاق توقعات القراء التي لابد وأن تخيب وينكسر لكي يشيد المتلقي أفقا جديدة ، لكي لا يصبح العمل نسخا متكررا يفتقد التأويل والتفسير .
قد يتوافق " أفق التوقع " مع عنوان النص وقد يختلف ، فمن خلال قراءة العنوان ينتج القارئ معاني تتوافق مع أفقه مثال : تحمل المسرحية أحداثا سعيدة ، والمسرحية تتناول قضية اجتماعية لأسرة مهما زاد عددها أو قل تحتفل بالأيام السعيدة التي عاشتها ، يأتي الأفق الجديد ليخالف أفق توقع القارئ ، وذلك بعد قراءة النص ليخيب أفق التوقع ويكتشف القارئ أنه أمام مسرحية عبثية تخالف في بنيتها أفق توقعاته ، علي الرغم من إلمامه المسبق ببنية النص .
الآلية الثانية : مستويات قراءة أفق الانتظار
إن قراءة أفق التوقع والانتظار للقارئ تبدأ منذ اللحظات الأولي لبدايات قراءة النص ، وهي قراءة أولية تستمر ولا تتوقف بتحقق أفق الانتظار منذ الساعات الأولي وصولا للقراءة النهائية للنص ، وتظل هناك مساحة من الفراغ ، وتبقي هنا مساحة وسؤال مهم يتعلق بدرجات ومستويات القراءة التي تستمر وصولا للسؤال الأساسي الذي يرسله المؤلف من وراء كتابة النص ورسالته ، ذلك أن كل مسرحية تطرح أسئلة وتتجدد الأجابات كما تتجدد الأسئلة ، هنا تصل القراءة إلي عنصر الإنصهار ، هنا يري الباحث أن قراءة مسرحية " الأيام السعيدة " لم تحقق أفق الانتظار والتوقع من العنوان والفصل الأول وظل هناك السؤال : ماذا يريد المؤلف " صمويل بيكيت " من هذه المسرحية ومن حكاية " ويني و " ويلي " " ، وتنساب المسرحية وينصهر أفق التوقع والانتظار ليتحقق هدف المؤلف طوال لوحات المسرحية ، بعد أن يكشف الفصل الأول والثاني تباعا ما في المسرحية من موضوع يتمحور حول صورة الإنسان في أعقاب الحرب العالمية الثانية وماذا أصابه ، في تمازج وتلاقح الفكر الفلسفي ل " نيتشة " و " هيدجر " و " البير كامي " وغيرهم ، وصولا إلي اكتمال مستويات القراءة ووصول رسالة المؤلف وتلقيها من قبل القراء .
يؤكد الباحث من خلال قراءة النص حرص المؤلف علي مرافقة وتحقيق أفق توقعات القراء في فترة كتابة النص ، نظرا لخلفياته التاريخية القابعة في ثقافته ، وهنا يكون السؤال - كما سيتكرر نفس السؤال تباعا - هل يمكن تمييز نوعين من أفق التوقع لنص المسرحية علي التحو التالي :
الأول : أفق توقع الجمهور وهو يتشكل من التجارب الجمالية السابقة لأولئك الذين يقرؤونه ، ذلك أن النص هنا له ما يميزه من تفسيرات خفية متعددة تسبق العمل ويكون لكل متلق مرجعياته الثقافية الماضية التي تميزه عن غيره .
الثاني : أفق توقع العمل والذي يبديه القارئ حين قراءة النص ويكاد يصبح قارئا موازيا للمؤلف في مواجهة نقاط خلافه مع ما صاغه .هنا ينشأ سوال عن المسؤول عن تكوين أفق التوقعات عند المتلقي ؟ وهو ما جعل " ياوس " يطرح مسألة ( السؤال / الجواب ) وعلاقتها بأفق التوقعات.

يرصد الباحث من خلال نص المسرحية مستويات قراءة أفق الانتظار التي لابد وأن تتعدد ، فمنذ بداية المسرحية يتلقي القارئ القراءة الأولي التي تحيلنا إلي قرائاتنا السابقة للأعمال التي عادت إلي نصوص مسرحية ل " بيكيت " مثل " في انتظار جودو " 1952 ، و المسرحية الصامتة " 1956 ، و" نهاية اللعبة " 1957 ، و " شريط كراب الأخير " 1958 ، و " الأيام السعيدة "1960 ، و " لعبة النهاية " 1963 ، و " الخطوات " 1975 ، و" الكارثة " 1982 ، و" ماذا ، وأين " 1983 ، وجاء الفصل الأول متوافق مع الفصل الثاني ، و متوافق لباقي الأحداث طوال المسرحية ، فمثلا تنتج قرائتنا هنا عدة مستويات علي النحو التالي :
القراءة الأولي : نص مسرحي يقدم نماذج للإنسان الأوروبي في أعقاب الحرب العالمية الثانية والصراع بين أطراف النزاع غير المحددة ماديا ، لكنها تتمحور حول صراع الأفكار المجردة واللاجدوي والانتظار ..
القراءة الثانية : نص مسرحية يشير ويؤكد فقدان المعني والهدف ، فالحياة تفتقر إلي غاية جوهرية ومحاولات الإنسان لإيجاد معني تفشل دوما .
القراءة الثالثة : نص مسرحي يقدم قراءة المؤلف لتحول حياة ومصير الإنتسان الأوروبي ، وما ترتب علي الحروب من دمار وفقدان الهدف من البناء ، ما دامت الحروب قادمة ، فما الهدف من الحياة ، ما دامت فقدة معناها .
القراءة الرابعة : نص مسرحي يقدم فقدان المهني والهدف من الحياة جنبا إلي جانب الإغتراب الذي يعيشه الإنسان الأوروبي عن نفسه وعن العالم ، وهي غربة وعزلة وجودية ترتب عليها انهيار اللغة ، مما جعل اللغة عائقا بدلا من أن تكون أداة للتواصل ، فهي غير مترابطة متقطعة ، فاقدة لهدفها في التواصل ، مما أوصل النص ليقدم للقراء عدمية الحياة ولا واقعيتها ، وليس هناك معني للحياة .
تأسيسا علي ذلك يؤكد الباحث أن تعدد مستويات قراءات النص تحقق عدت مستويات لأفق التلقي ، وهو ما يعدد درجات القبول أو الإنكسار وخيبة الأفق ، وإعادة بناء الأفق ، وكلها آليات تساهم في تعدد تلقي النص وتعدد تأويلاته وشروحات ، وهذا ما يميز نظرية التلقي وفقا للآليات " ياوس " والتلقي الجماعي للنص ، وتعددية تلقيه ، دون أن ننسي تعاقبية هذه القراءات والتلقيات.
الآلية الثالثة : تخييب الانتظار والاستجابة والتوقع :
علاقة التخيب ( خيبة الأفق ) :
يقصد بها كسر حاجز التوقع وهو في نظر " جماليات التلقي عند ياوس " شيئا ينم عن أن القراءة المنتجة تضيف للنص شيئا جديدا ، ذلك أن كسر الأفق أو خيبة الأفق ، عند قراءة نص " الأيام السعيدة " يحقق نجاحا باهرا للمتلقي ، لأن انسجام النص مع أفق توقعات القارئ وعد حدوث صدمه وتحييب لتوقعاته ، يعني التسليم بما قرأناه والموافقة عليه ويتكرر الأمر عند كل قراءة ، مما يجعلها قراءة استهلال-كية وليست قراءة منتجة لتلقي جديد ، ذلك أن إنزياح النص عن معايير المتلقي الجمالية يصبح بذلك ذا قيمة جمالية بخلاف توافقه مع أفق توقعاته .
يري الباحث أنه من درجات التلقي أن يخيب ظن القارئ المتلقي في مطابقة معاييره التي اكتسبها من إبداعات سابقة للكاتب نفسه الذي خيب ( أفق توقعه ) مع معايير النص الجديد ، وعليه فإنه وبسبب انزياح النص عن الأسلوب الذي تعود عليه القارئ في نصوصه ، يتحقق إنزياح النص عما تعوده أفق القارئ في قراءة مثل هذه الأعمال سواء لنصوص الكاتب " بيكيت " أو غيره ممن نهج نفس النهج في كتابات ما سمي ب " مسرح العبث " ، وعليه فإن خيبة الانتظار هي المرحلة التي تسبق مرحلة بناء الأفق الجديد ، أي يقوم القارئ المتلقي من خلال خيبة أفقه بقياس ما طرأ علي بنية التلقي عبر فترات تاريخية محددة . ومن خلال نص المسرحية – موضوع التحليل – فإننا عندما نمر بمرحلة تغيير أفقنا في تلقي هذا النص بعد حدوث خيبة التوقع ، ينتج عن ذلك :
تغيير سلوكنا وعاداتنا في القراءة والتلقي " نتيجة توجه الكاتب إلي كتابة النص الما بعد حداثي – مسرح العبث -بمقوماته الفنية والدرامية " ، مما يترتب عليه تغيير أفق التوقع نحو منظور جديد ومثال علي ذلك ما قدمه كتاب مسرح العبث غير بيكيت مثال " يونسكو " و أداموف " ، حيث تولد لدينا عنصر الدهشة والمفاجأة من بنية النص الفكرية والدرامية ، وهو ما نادي به صراحة مؤلف المسرحية ، وما جاء في البنية الدرامية عنده من خلال : شخوصه تحمل قلق " هيدجر " الوجودي وسكون " نيتشة " وتمرد " آلبير كامي " ووجدانية " سارتر " ، فالمكان والزمان ينعدمان فهما وجوديان ، والحكاية تسير في فعل دائري دون حبكة ، فالحدث يبدأ من حيث ينتهي في صراع ساكن مستسلم للسوداوية الكونية ، والنص كله يتم في لغة صامتة بعيدة عن لغة الجسد ، والحوار متكرر دون جدوي درامية .
يحدث عند قراءة النص صدمة وتخييب لأفق التوقع ، ذلك أن " بيكيت " ومن خلال النص لا يقترح حلولا ، بل يدفعنا إلي مواجهة المشكلة وكشف الذات وتعريتها ، هذا إلي جانب ما يسميه " هيدجر " العدم والسلب قد تحقق عند " بيكيت " ، فعنده : اللازمانية ، واللافعل ، واللاحركة ، وإنعدام الحياة وإنعدام الناس ، هو الموت والعدم الذي يسيطر علي شخوصه وأحداثه وصراعه ، إنه العدم الذي يدب في كل أعماله المأساوية الساخرة المصحوبة بأصوات الموسيقي والثرثرة واللغو ، إن إعمالع تعكس صمت الطبيعة ، حتي يصبح الصمت مصحوب علي شخصياته طوال المسرحية .من هنا تأتي خيبة التوقع وخيبة الأفق ، مما يدفع بالقارئ بالبحث عن أفق جديد يستطيع من خلاله الا ستمرار في تلقي العمل وتشييد أفق جديد .
يرصد الباحث في المسرحية ومنذ بدياتها التي تقربها من المونودراما ، حيث تنساب الكلمات علي لسان " ويني " ، وصولا إليمشاركة محدودة من " ويلي " علي النحو التالي :
ويلي : ( يقرأ ) ، صاحب النيافة ، الأب المبجل كارلوس – شاسبو – ، مات في حوض حمامه
برهة زمنية .
ويني : ( تنظر أمامها ، حاملة القبعة في يدها ، وبنبرة من يستعيد ذكريات حميمة ) شارلو-
شاسيبو ! ( برهة زمنية ) أغمض عيني – ( تخلع نظارتها ، وتغمض عينيها ، حاملة القبعة
بيد ، وباليد الأخرى النظارة ) وها أنا جالسة علي ركبتيه مجددا ، في الحديقة
بفوغاكس – إي – بارينوف ، خلف المنزل ، تحت شجرة الروبينية . ( برهة زمنية . تفتح
عينيها ، تلبس نظارتها ، تداعب القبعة ) أوه يا أيام الفرح الجميلة !
( برهة زمنية . ترفع القبعة باتجاه رأسها . يوقف حركتها صوت ويلي .)
ويلي : ( يقرأ ) مطلوب شاب مفعم بالحيوية .
( برهة زمنية .ترفع القبعة باتجاه رأسها ، توقف الحركة ، تخلع نظارتها ، تنظر أمامها ، حاملة
النظارة بيد ، وبالأخري القبعة .) ص ص 13 : 14 .
تتوالي المواقف التي يرصد فيها الباحث تحول أفق التوقع حيال " المفاجئة التي تصدم المتلقي من عدم وضوح الرؤية في الحوار والأحداث والشخصيات ، مما يخيب أفق تلقي القارئ ويجعله يراجع تفسه فيما قرأ ، لعله يبدل خيبة أفقه بأفق جديد . إن كسر أفق التوقع في " جماليات التلقي " شئ ينم عن أن القراءة المنتجة تضيف للنص شيئا جديدا ، وكذلك بعض الأعمال تكسر أفق توقع القارئ ، وتحقق نجاحا باهرا ، لأن انسجام العمل الأدبي مع أفق توقعات القارئ لا يصدمه ، ولكن خيبة أفق التوقع لدي القارئ تدفعه إلي الحوار مع العمل ، وكلما كان العمل منزاحا عن معايير التلقي الجمالية ، كان ذا قيمة جمالية أكبر، أما إذا ائتلف مع أفق توقعاته فهو عمل مبتذل .
يجري الحوار التالي بين " ويني " و" ويلي " في نقلة تزيد من عمق خيبة وإنكسار الأفق :
ويني : هل تسمعني من مكانك هناك ؟ ( برهة زمنية ) أرجوك يا ويلي ، قل فقط نعم أو لا،
فقط نعم أو لا شيء ؟
برهة زمنية .
ويلي : ( بنبرة تعكس مزاجا متكدرا ) نعم .
ويني : ( تعود إلي الواجهة ، وبنبرة الصوت الاعتيادية نفسها ) والآن ؟
ويلي : ( منزعجا ) نعم .
ويني : ( بصوت أخفض ) والآن ؟
ويلي : ( وقد زاد انزعاجه ) نعم !
ويني : ( وقد زادت من خفض صوتها ) والآن ؟ ( برهة زمنية . ثم صوت أعلي قليلا من
السابق ) والآن ؟
ويلي : ( بعنف ) نعم !
ويني : ( بالصوت نفسه ) فليبكوا يا إلهي ، فلنجعلهم يرتعدون خزيا ؟ ص ص 21 : 22 .
يرصد الباحث من الحوار السابق ما يصيب المتلقي بخيبة الأفق وتكسره ، نظرا لما قرأه وصدمه ، فكيف يتوقع أن يكون هذا حوار" ويني " و " ويلي " بما دار بينهما من حوار متقطع لا ينم إلا عن وجع وأحزان وقلق وتخبط ، في نبرات صوت ما بين الخوف والقلق والانزعاج وطبقات الصوت المنخفض ، ثم يعلو قليلا ، ثم تكون المفاجئة في قول " ويني " فليبكوا ولنجعلهم يرتعدوا ، دونما تغيير في الحدث وتطوره للأمام .
هنا يبحث المتلقي عن إنتاج معني جديد في تأويله الأدبي للنص ، الذي يعد محور اللذة الذي نادي به " ياوس " في نظريته ، وأطلق علي تغير الأفق أو بناء الأفق الجديد وأسماه بالمسافة الجمالية أي المسافة الفاصلة بين الانتظار الموجود سلفا والعمل الجديد ، حيث يمكن للتلقي أن يؤدي إلي تغيير الأفق بمعارضة الموجود في العمل المقدم مع التجارب السابقة المعهودة ، وهو ما تناوله " فهد رده الحارثي " في معالجته وجدد في مضمون مسرحيته ، وهو ما يؤدي إلي خيبة ظن المتلقي في مطابقة معاييره السابقة مع معايير العمل الجديد ، وهنا نؤكد علي تحقق عملية " الانزياح" وتحقق وبناء الأفق الجديد .
الآلية الرابعة : أندماج الأفق
تتحقق آلية " إندماج الأفق " وانصهاره من خلال القراءة التعاقبية للنص ، ولأن " إندماج الأفق " وانصهاره يرتبط بمفهوم " القراءة التعاقبية " لنص المسرحية ومدي استجابة القراء له ، فإن حدوث درجات التفسير والتأويل تأتي لكي تؤكد أن عملية انصهار الأفق وتلاحمها بين الماضي والحاضروصولا إلي النص موضوع النقاش ، حيث تتلاحم وتتقاطع وتتقابل المسرحية بمضمونها ومنطلقاتها الفكرية والفلسفية بما أفرزته الحرب العالمية من دمار هائل ، وهو ما جعل " بيكيت " يؤكد أن المسرحية وغيرها من نصوصه من بداية نصه " في انتظار جودو " مرورا بنصوصه الأخرى ، وصولا إلي نصه هذا ، أنما هي نصوص لا تنفصل عن سياقاتها الفكرية والفلسفية ، ولم يخالفها المؤلف ، بل عمقها وحملها بكل ما جاءت به الحروب من تحولات أيديولوجية وفلسفية وفكرية واجتماعية ونفسية ، وقد كان لهذه التوجهات بما حوت دورا بارزا في توجيه المتلقي القارئ أو المشاهد نحو مضامين نصوصه المسرحية بكل توافق وتلاقح ، وتوظيفها كنقطة تلقي تاريخية تساهم في ربط الماضي بالحاضر وصولا إلي اليوم الذي نقرر فيه أننا أضعنا السنين في أوهام الحروب ، وعلينا أن نتلقي النص وفقا لما أصاب مجتمعاتنا من تحولات كخيار لا بديل عنه ، خاصة وأن الحياة ككل استجابة لكل هذه التحولات ، كل هذا ساهم وساعد المتلقي ومكنه من تفاعل واندماج ظاهرة تراكم الفهم خلال مراحل التلقي المختلفة للحكاية وللنص ، وهو ما ولد تفاعل واندماج الآفاق وساهم في توليد معني جديد يستند إلي الماضي والحاضر معا لتطوير عملية فهم المتغير لكل النصوص من جيل لآخر عبر تاريخ التلقي زمنيا، وهو ما نرصده في نص المسرحية موضوع التحليل .
تأسيسا علي ذلك يحقق " مصطلح " اندماج الأفق " ويكشف العلاقة القائمة في نص " الأيام السعيدة و بين الانتظارات الأولي والانتظارات المعاصرة ومدي ما يحدث معها من تجاوب ، وهنا يقدم " بيكيت " نصا استمده من مرحلة الحروب العالمية وما تلاها ، ومن خلال أحداث عاشه هو وجيله ، تمت قراءتها عبر التاريخ وجاءت في الكتب الدراسية وتعامل معها المتلقين ، ف القارئ المؤل للنص يعي جيدا أن شخصيات نصوص " بيكيت " " " وغيرهم من أعمال " أداموف " و " يونيسكو" " تحمل كثير من آفاق الحروب العالمية ، التي لابد وأن ترتبط بما أصاب الأنسان في مرحلة ما بعد الحرب من أربعينيات القرن العشرين ، وهو ما يؤكد تفاعل المتلقي مع النصوص – مسرح العبث - علي مر التاريخ ، وذلك في علاقة تجعل المتلقي يسأل خلال تجربته عن كثير من الأسئلة التي تحقق انصهار الأفق واندماجه ما بين الماضي والحاضر أي تأسيس علاقة تفاعل تجمع بين الأفق التاريخي للعمل والأفق الجمالي الراهن للمتلقي .
إن فهم نص مسرحية " الأيام السعيدة " المستمد من تاريخ الحروب العالمية تؤكد إعادة بناء المؤلف علاقاته بقرائه المتعاقبين انطلاقا من الحاضر ، أي وضعه في سياق زمني يتيح التغلب علي المسافة التاريخية التي توجد بين الحاضر والماضي ، مما يؤكد دور القراءات السابقة في مد جسور التواصل بين الماضي والحاضر ودمجها في أفق المتلقي الخاصة ، دون أن نتذكر ابعاد التأثيير اللاوعي الذي تمارسه معايير الفهم المجتمعية عن الحكم الجمالي للعمل . تأسيسا علي ذلك يؤكد " ياوس " أن النص هو جواب عن سؤال القارئ ، فمثلا عند قراءة نص "مسرحية " الأيام السعيدة " ل " صمويل بيكيت " ، يكون هذا النص هو جواب المؤلف عما فهمه حول أحداث الحرب العالمي ، وهل من المنطقي والطبيعي أن تدوم الحرب العالمية الأولي والثانية عقدين متقطعين من الزمان ؟ ، ولماذا ؟ أمن أجل " خلافات الغرب والشرق أوروبي ، مع الغرب الأمريكي " ، هنا يتحرك المؤلف ليصل إلي مرحلة التلاقي الاجتماعي والفكري والفلسفي ، ويستنطق المؤلف النص – بعد تقويضه وهدمه – ليجيب عن سؤال يشغل القارئ ، وسوف يتكرر السؤال والجواب ما تكرر التلقي.

إن تطبيق ما سبق علي معالجة نص " الأيام السعيدة " ل " صمويل بيكيت " تجعل أفقي الماضي والحاضر عند المتلقي يلتقيان ولا يتباعدان وصولا إلي ما أسماه " ياوس " " اندماج الأفق " وتطابق آفاق أسئلة الماضي والحاضر التي يتم وضعها من قبل القراء في كل مرحلة تاريخية ، وقد أطلق الباحث في تحليلة لآلية " اندماج الأفق " مجموعة من الأسئلة التي من المفترض أن تكون قد سألت ولا تزال تسأل من قبل قراء كل مرحلة مثال :

أولا : هل تطرح المسرحية سؤالا حول القيم الأخلاقية والاجتماعية والفكرية والفلسفية التي جاءت في المسرحية ولا تزال محل ترقب في وقتنا الحاضر ، نظرا لتكرار نفس سيناريو أجواء الحرب العالمية من صدام معلن بين كتل الشرق ، والغرب الأوروبي وكتل المارد الأمريكي ، دون أن نغفل ما استجد علي خريطة العالم من كيان صهيوني كفيل بإشعال الحرب وتأجيدها ، مما يجعل تلقيها عبر تعددية الآفاق أمرا قائما ما بين الأمس واليوم مؤكدين ضرورة حدوث اندماج الآفاق جميعها بين الأمس واليوم ؟.
ثانيا : هل يشير المؤلف صراحة إلي أجواء الحرب وما تلاها من دمار وهزائم مادية اقتصادية ونفسية واجتماعية وفكرية التي حركت سخصيات امسرحيات " بيكيت " بالأمس ولا تزال حاضرة في وقتنا الحاضرعند البعض ، وهو ما يساهم في اندماج آفاق الأمس واليوم وحدوث حالة الانصهار والقبول ما بين قارئ الأمس واليوم ؟

الآلية الخامسة : المسافة الجمالية
يرتيط مصطلح المسافة الجمالية ارتباطا قويا بعملية التلقي علي مستويي النص والعرض المسرحي ، المسافة الجمالية هي الفجوة النفسية بين الواقع المتوقع للمتلقي (القارئ أو المشاهد) وبين الواقع الخيالي الذي يقدمه العمل الفني؛ وكلما كانت هذه الفجوة كبيرة ومفاجئة، زادت قيمة العمل الفني لأنه يتحدى التوقعات ويُغيّر أفق المتلقي، مما يُحفز حكمًا جماليًا وتقييمًا أعمق، على عكس الأعمال المألوفة التي تقل فيها المسافة وتصبح أقرب للاستهلاك المباشر. عندما تزداد المسافة: مثال "مسرحية الأيام السعيدة " يكون النص جديدًا، يصدم توقعات القارئ، ويُعدّل أفق انتظاره بخلاف نصوص " شكسبير " و" إبسن " و " برنارد شو " وغيرهم . عندما تتقلص المسافة: " عمل مستهلك ومتكرر " يكون النص مألوفًا، يندمج فيه القارئ بسهولة دون تحدٍ، ويُذكّر بأعمال تمت قرائتها من قبل ، وفي حالة مشاهدة عرض مسرحي تتيح المشاهدة رؤية العمل كفن وليس كواقع، مما يسمح بتفاعل بين المتلقي والعمل ، إذن المسافة الجمالية هي آلية وتقنية تتيح للمتلقي إعمال قدراته علي التلقي وعلى إثارة الدهشة والتفكير فيما بين يديه من نص أو عرض ، وأخيرا عند قراءة مثل هذه المسرحية أو مشاهدتها لابد وأن نعي جيدا أن " إنتهاك المسافة الجمالية " المتولدة عن تلقيه يؤدي إلي فشل تلقي العمل ، بمعني أن مثل مسرحية " الأيام السعيدة " لابد وأن نتلقاها بآليات وفكر مسرح العبث وليس بالمفهوم التقليدي للنص سواء كنا نقرأها أو نشاهدها.

يعد مصطلح المسافة الجمالية عنصرا ارتبط بعلاقة مباشرة مع المتلقي ، ويعرف مصطلح " المسافة الجمالية " "بأنه المسافة الفاصلة بين الانتظار الموجود سلفا والعمل الجديد ، حيث يمكن للمتلقي أن يؤدي إلي تغيير الأفق بالتعارض الموجود مع التجارب المعهودة " ، وعليه فهي عملية إنتقالية للمتلقي ليصل إلي الانزياح الجمالي ، الذي يقاس بردود فعل الجمهور وبأحكام النقاد ، ويعد نجاح فوري عن طريق الرفض أو الاستنكار أو الاستحسان من قبل الأفراد وصولا إلي التفهم التدريجي أو المؤجل للعمل المقدم ، وعليه تكون المسافة الجمالية هي الفرق بين أفق توقع القارئ تجاه العمل والذي يؤدي تلقيه إلي تغيير الأفق ، من خلال تجاهل الخبرات المألوفة أو من خلال رفع الخبرات الجديدة إلي مستوعي أعلي لدرجات الوعي .
تنبع المسافة الجمالية في نص مسرحية " الأيام السعيدة " من داخل النص وأثره علي المتلقي ، وعلي أفق توقعاته التي صاغتها تجاربه السابقة المتمثل في قراءاته للعديد من كتب التاريخ والمسرحيات المرتبطة بالحرب العالمية الثانية وما تلاها من دمار ، وهي أجواء باتت في عقول ونفوس المتلقي الغربي ، وعلي المتلقي العربي أن يعيشها ويعيش أجواء الحروب في منطقتنا العربية وعلي مستوي العالم بشكل أشمل ليصل إلي هذا الأثر وعلاقته بالمسافة الجمالية . هنا يترتب علي تلاقي أفق المتلقي وخبراته التراكمية بأفق نص مسرحية " الأيام السعيدة " حدوث تأثيرا يتمثل في تأكيد أفق التوقع أو خيبته ، ممثلا فيم يدركه المتلقي ويحسه مما أحدثته الحرب ، ويترتب علي التخيب حدوث مسافة جمالية فاصلة بين أفق التوقع وبين الأفق المستحدث في النص الجديد ، فعلي مستوي ردود أفعال المتلقي تقاس المسافة الجمالية ودرجة وجودة النص الذي أمامنا ، فنص المسرحية لا يوافق أفق توقعاتنا علي طول الخط ، نظرا لفظاعة ما أتت به الحروب من دمار نفسي واجتماعي وأخلاقي ، وهو ما يخالف بعضا من أفق توقعاتنا خاصة فيما يتعلق بمخالفة كثير من الأفكار التي وردت حول هول هذه الحروب ، وهو ما فتح الباب أمامنا وأعطي العمل والتلقي مسافة جمالية جديدة وأفق جديد في تلقي النص .
تثير المسرحية مجموعة من التساؤلات منها عامل الزمن المرتبط بالمسافة الجمالية ، وإلي أي مدي يكون الانزياح الجمالي محسوما عند المتلقي الأول وبما يشعر به من اندهاش وحيرة يأخذ في التراجع والتضائل عند الأجيال اللاحقة ، وهو ما نرصده في شخصيتي " ويني " و " ويلي" وتحولات أفعالها وتاريخها الذي عرفه المتلقي . .تتحقق الجمالية في قراءة النص بمدي حصول خيبة لأفق انتظار المتلقي كما في المسرحية ، ومن خلال مجموعة من المواقف التي يرصدها الباحث من خلالها المسافة الجمالية ، علي النحو التالي :
أولا : الاستجابة : وقد تحققت في بدايات النص في الفصل الأول ، حيث الإرشادات المسرحية تشير إلي ( بساط من العشب المحروق يرتفع عند مركزه في شكل تل ، منحدرات خفيفة عن يمين خشبة المسرح وشمالها ، وكذا في مقدمتها . وفي الخلف – علي مستوي المشهد – منخفض أشد انحدارا . وينبغي اعتماد أقصي درجة ممكنة من البساطة والتناسق " التماثل " ) ص 7 .
يترتب علي الإرشادات المسرحية رضي المتلقي وتحقق الارتياح ، لكون الفصل الأول تدور أحداثه في مكان قصد من ورائه توصيل طبيعة بيئة المكان التي من الممكن أن تكون لأحداث خاصة بمكان في الريف أو غيره ، لكنها لن تكشف عن التفاصيل إلا مع بدايات انطلاق تفاصيل أكثر لشخصيتي " ويني " و " ويلي " لأن العمل هنا يستجيب لأفق توقع القارئ وينسجم مع معاييره الجمالية ، وهو ما يتوقعه المتلقي من جديث " ويني " و " ويلي " وما قدمته هاتين الشخصيتين من حوار يفضي إلي ما أصابهما من بشاعة الحرب ، ففقدتا حتي الرغبة في الحياة بعد أن أصابتها الإعاقة مثال " ويني ":
ويني : ( المدفونة في كومة بداخل ربوة ) تستدير نحو الكيس ، تقلب فيه من دون أن تحركه من موضعه ، تخرج منه فرشاة أسنان ، تقلب فيه مرة أخري ، تخرج منه علبة معجون أسنان مدعوكة ، تعود إلي الواجهة ، تفتح غطاء الأنبوب ، تضع الغطاء علي الأرض ، تضع بشئ من الصعوبة قليلا من المعجون علي الفرشاة ، تضع الأنبوبة في يد وبالأخري تنظف أسنانها . تستدير بحشمة ، إذ تميل إلي الخلف من جهة اليمين ، كي تبصق خلف التل . بالتالي يكون ويلي في مرمي بصرها . تبصف . ثم تميل أكثر ) ص 8 ، كأنها تحيا حياة كاملة وتهتم بمظهرها رغم أنها مدفونة في كومة تراب ، والأكثر من ذلك أنها ترتدي قبعة تذكرنا بأيامها السعيدة التي بالطبع أنقضت ، أو بالأحري تعيش فيها في خيالها فقط أو في كلماتها المبعثرة التي لا تفضي إلي أي معني .
ثانيا : التغيب : وهو حدوث حالة من صدام أفق توقع القارئ مع النص المسرحي المقروؤ ، وهو ما يؤدي إلي خيبة أفق القارئ ، كون العمل خرج عن المألوف وتحول إلي ما لا يتوقعه القارئ ، حيث جاءت أحداث وأقوال جديدة خرجت عن المعتاد من قبل الشخصيات ، ولعلنا حين نتلقي الفصلين الأول والثاني من المسرحية تحدث حالة التغييب التي نحن بصدد رصدها من خلال النص :
الفصل الأول : تكشف الأحداث في مجملها ، حيق لا شيء يحدث وهن شخصيتي " ويني " و " ويلي " التان تفتقدتان لمعالم الشخصيات كما عهدناها في المسرح ، مع لغة حوار تفقد جل وظائفها وتزيد في البعد النفسي والاجتماعي واللغوي – كما اعتدنا – كل هذا يؤدي إلي حالة التغييب عند المتلقي و خيبة أفق التوقع من شخصيتي " ويني " و " ويلي " التي صدمت القارئ وجعلته يخرج بأفقه عن المألوف إلي الجديد غير المعتاد ، فكيف يتلقي القارئ موقفا يجمع بين زوجين ، أصبحت حياتهما كما نقرأ ونشاهد ، تفتقد كل ما عرفناه عن الحياة الأسرية " ، مما صدم المتلقي وأصابه بخيبة توقع وحالة من تغيب أفقه ، الذي رصده في الإرشادات المسرحية وفي الحوار.
ثالثا : التغيير : عندما يصاب المتلقي بخيبة أفق توقعه وغياب ما كان ينتظره من تلقيه للعمل ، يترتب عليه – كما نادي ياوس – بضرورة أن يعقب ذلك إبراز القيمة الجمالية المتولدة عن هذا التعارض بين الاستجابة والتغييب ، أي بين المسرحية وأفق التوقع ، وعدم قدرة المتلقي بسبب هذه المفارقة من تحقيق القيمة الجمالية للنص ، وهنا يرصد الباحث في حوار " ويني " و" ويلي " ما يؤكد ذلك:
ويلي : غني أغنيتك ، يا ويني . ( برهة زمنية ) كلا ( برهة زمنية ) صلي إذن . ( برهة زمنية )
صلي صلاتك يا ويني . ( برهة زمنية ) ويلي يقلب الصفحة . برهة زمنية . الجريدة تختفي.
ويني : صلي صلاتك القديمة يا ويني .
برهة زمنية طويلة ص 38 .
الآلية السادسة : المتعة الجمالبة ( بناء أفق جديد أي علاقة التغيير ) :
تعتمد المتعة الجمالية في تحققها علي ما يلي :
أولا : فعل الإبداع : أي المتعة الناجمة عن استخدام المرء لقدراته الإبداعية الخاصة .
ثانيا : الحس الجمالي : وتشير إلي اعتماد الإبداع علي التلقي .
ثالثا : التطهير : وهي الخبرة الجمالية الاتصالية التي تنتج لذة العواطف المثارة بواسطة البلاغة أو الشعر ، وهما القادران علي تعديل اقتناعات المتلقي وحركته " ..
تضمنت " نظرية جماليات التلقي " عند " ياوس " آلية أخري من آليات قراءة وشرح وتأويل النص الأدبي وهي " المتعة الجمالية " التي رفض من خلالها " ياوس " المبادئ التي قامت عليها " النظرية الجمالية " عند رواد " مدرسة فرنكفورت " ، لأنها ترفض وتنفي أن يكون للفن وظيفة اجتماعية ايجابية ، وبالتالي فهي " تقصي المجتمع وتلغي الدور التقدمي للآداب والفني في المجتمعات ، وهكذا لا يكون الفن أصيلا إلا إذا قطع صلته باللغة وبالصور العادية " ، وعليه تأتي معارضة " ياوس " لهذا التصور لأنه يفصل بين الفن والمتعة ، مع إغفال القيمة التوصيلية للثقافة الأصلية والتركيز علي القيمة الوظيفية ، وهو ما يراه " ياوس " يتجنب الوظيفة الأولية للفن عبر العصور ، وهو ما جعل " ياوس " يذهب إلي كتاب " لذة النص " ل " رولان بارت " الذي يري أن " النص الذي يرضي القارئ فيملئه قبولو يهبه الغبطة ، إنه النص الذي ينحدر من الثقافة ، فلا يحدث قطيعة معها ويرتبط بممارسة مريحة للقراءة ، أما نص المتعة فهو الذي يجعل من الضياع حالة ، وهو الذييحيل الراحة رهقا ، ولعله يكون مبعثا لنوع من الملل ، فينسف بذلك الأسس النفسية للقارئ نسفا ، ثم يأتي إلي قوة أذواقه ، وقيمه ، وذكرياته ، فيجعلها هباء منثور وأنه ليظل به كذلك ، حتي تصبح باللغة أزمة ".
تعد المتعة الجمالية تجربة نفسية إيجابية ومُرضية تنشأ من إدراك الجمال في الأشياء أو الظواهر، وتختلف عن المتعة الحسية المباشرة (كالأكل) بكونها غير مغرضة (غير مرتبطة بالمنفعة المباشرة) وتتسم بالعالمية (الرغبة في أن يستمتع بها الآخرون) وبالتأملية، وغالباً ما ترتبط بالشعور بالانسجام والتناغم والإدراك السلس للموضوع، كالانغماس في عمل فني أو طبيعة خلابة. وللمتعة واللذة الجمالية في مشاهدة مسرحية أو قرائتها أبعادا جمالية من أهمها أن المتلقي لا ينتظر من قراءة نص المسرحية أو مشاهدته عرضا منفعة مادية ، فهو مجرد متعة حسية جمالية مجردة من المنفعة،كما نرصد بعد شمولية المتعة لكل من يقرأ النص أو يشاهده ، كما أن من أبعاد المتعة الجمالية ما نسميه بالتأملية والموقف الجمالي الذي تتطلب تركيزاً ذهنياً وانفصالاً عن الهموم اليومية، والانغماس في خصائص الشيء المدرك .وأخيرا لابد أن يكون الطلاقة في المعالجة هو الشعور من قبل المتلقي بالسهولة والانسجام عند إدراك شكل معين " جمال النص مثلا " يولد شعوراً بالمتعة الجمالية. فالفرق بين المتعة الجمالية والمتع الأخرى:
المتعة الحسية: مرتبطة بالحواس المباشرة (طعام، لمس)، ويمكن أن تكون خاصة بالأفراد.
المتعة الفكرية: ترتبط بالمعرفة والمنطق المجرد.
المتعة الجمالية: تقع في منطقة وسطى، فهي تنشأ من الإدراك الحسي ولكن بطريقة عقلية تأملية غير نفعية، وتهدف إلى إثارة شعور بالسرور والتذوق لا يرتبط بالوجود المادي للشيء بل بـ"شكله".
باختصار، المتعة الجمالية هي "لذة تأملية، غير نفعية، تنشأ من إدراك الانسجام والتناسق في الأشياء أو الأفكار، وتُختبر كحالة إيجابية ومُرضية.
إن قراءة نص مسرحية " الأيام السعيدة " ل " صمويل بيكيت " يحيلنا بعد جولتنا في آليات التلقي التي مر بها القارئ لنصل إلي المتعة الجمالية التي حددها " ياوس " في لحظتين هما : الأولي التي يحدث فيها استسلام مباشر من المتلقي لقراءة نص المسرحية ، وهي قراءة لا تحدث المتعة الجمالية لانشغال المتلقي برصد كيفية معالجة " بيكيت " لمعاناة الزوجين وما أصابهما من تقطع العلاقات وجمود الحياة وافتقاد التواصل اللغوي والمادي والمعنوي وصولا إلي حياة تتكرر كل يوم ولا يأتي جديد ، إنه الموت والجمود والثبات، و نستكشف كل ذلك ، دون إعمال آلية المتعة الجمالة بقصد ، بل ننشغل عنها دون قصد ، و الثانية وهي تخص المتعة الجمالية ورغبتنا في الاستمتاع باستكشاف النص ووصولا إلي تحقق لذة النص التي تسمح للمتلقي بالتجاوب مع النص من خلال تاريخه المعرفي والثقافي .
وعليه نستطيع القول أن هذه المرحلة أي مرحلة " بناء أفق جديد " تعطي القارئ المتلقي شعورا يتولد لديه يجعله يشعر أنه مالك النص ، بل صانعه ، وهو ما يولد داخله نشوة الأنتصار علي المؤلف ، لأنه أصبح مبدعا للنص ولا يقل مكانة عن مبدعه الأول ، هنا تحدث أيضا المتعة الجمالية عند المتلقي . فمنذ المرحلة الأولي يستسلم المتلقي القارئ للنص ويقبل أن لا يعلن جهله وعدم قدرته علي مواصلة قراءة النص ، فينغمس وراء جديد المعالجة العبثية التي تصدم القارئ ، حتي وإن كان لديه من القراءات والتنظيرات حول تقنيات مسرح العبث واللامعقول ، فهنا يتسائل القارئ عما أصاب الإنسان الغربي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية من دمار وإنهيار للمجتمع وكل ما شيده من حضارة ، جاءت الحرب لتدمر وتقتل ملايين البشر دون مبرر ، ويأتي ما بعد الحرب من عبث حياتنا التي عشناها ، لكونها تدمر دون مبرر ، فلماذا نعيد بنائها مرة ثانية وسوف تدمر دون مبرر ، وعليه تصبح شخصيات " بيكيت " " ويني " و "ويلي " نموذجان للإنسان الأوروبي في مرحلة ما بعد الحرب ، هما نموذجان لإنسان يعاني الكثير من العبث في نظرته لكل ما حوله .
هنا يسعي المتلقي القارئ بعد صدمته ، نظرا لمخالفة النص أفق توقعاته في المعالجة الدرامية والفنية ، إلي الإنتصار علي المؤلف والدخول في عوالم النص وفكره وبنيته ، هنا تأتي نشوة الانتصار علي " بيكيت " وتتحقق مرحلة الإمساك بخبايا النص ، ويصبح النص متوافق معه ويسعي لبلوغ مرحلة بناء أفق جديد ، يحقق المتلقي القارئ من خلاله المتعة الجمالية بعد معرفته بالتاريخ المعرفي والثقافي للعبث ، ويبني علي ذلك متعته التي آليات التلقي سلفا والتي شيدت علي بنية فكرية ومعرفية ودرامية تخالف مسرح العبث ، هنا تصبح قضية " ويني " و " ويلي " قريبة من المتلقي القارئ ونفعل خبراتنا السابقة مع جديد التلقي ، مما يحقق للقارئ المتلقي أفق جديد يجعله يغير حالة الرفض وما أصابه من كسر آفاق توقعاته السابقة إلي أفق جديد يحقق له متعة القراءة والمتعة الجمالية بكافة مكوناتها الفنية والفكرية والحسية
الآلية السابعة : التغذية الراجعة Feed Back :
نوافق " ياوس" وشراحه علي أن عملية قراءة النص أو مشاهدة العرض تسمي بأفق التوقع أو الانتظار ، وتوافقوا علي أنها عملية تتم أثناء القراءة أو المشاهد يستحضر فيها المتلقي زخائر معارفه ومن خلالها تحدث حالات من القبول والتوافق أو الرفض والخيبة بين ما لديه من خبرات سابقة وبين ما يقرلأه أو يشاهده ، لذلك يستتبع هذه المرحلة مرحلة التغذية الراجعة التي تعد النتيجة المتوقعة من بعد اكتمال وتحصيل وقبول أو رفض الأولي ، وهي ما حصله القارئ أو المشاهد من قناعات فكلاية وحسية وفنية حيال ما سبق ، وغالبا ما تظهر بوادر العملية أثناء القراءة والمشاهدة ، لينتج منها ردود أفعال إيجابية أو سلبية حينها .
عند قراءة نص مسرحية " الأيام السعيدة " نقع عند مواجهة العنوان في حالة من القبول والرضا أننا أمام عنوان يحمل معاني تتوارد في ذهن القارئ من سعادة وفرح ، سرعان ما تحدث الصدمة الأولي التي ينتج عنها مجموعة من التساؤلات :
هل هذه سعادة ؟ وهل يطرح حقا بيكيت الأيام التي مرت ب" " ويني " و " ويلي " – ولا زالت – علي أنها أيام سعيدة ؟ عند إعمال خلفية الكاتب واستحضار فلسفته وأفكاره وأيديولوجيته وما يتحدث عنه في أعقاب المعاناة التي مرت بالمجتمع الأوروبي من حروب ودمار ، ندرك أن النص يعبر عن حالات من العبث والوجودية التي يعكسها فكر " صمويل بيكيت " و كيف يتعامل الإنسان مع عدم المعنى والحتمية الموت ؟ كيف تمثل " ويني " معاني الصمود والأمل والإصرار على التفاؤل والثرثرة كوسيلة للبقاء ؟ وكيف جعل العزلة والحب في العلاقة بين "ويني" و"ويلي" كرمز للزواج والعلاقات الإنسانية في مواجهة الفناء دال العجز والقطيعة في بنية النص الفكرية والفلسفية ؟
كيف عكس " بيكيت " من وراء دال جسد " ويني " المدفون الحالة النفسية لها ؟ ، وكيف تستدعي ذاكرتها "الأيام السعيدة" لخلق واقع بديل ؟.
إن النظر للإرشادات المسرحية منذ بداية المسرحية وكيف رسم المؤلف المشهد الذي جمع بين " ( ويني " مدفونة حتي خصرها في التل ، في مركزه تحديدا .في الخمسين من عمرها . بها أثر جمال . يفضل أن تكون شقراء ، ممتلئة الجسم ، عارية الذراعين والكتفين ، ترتدي صدارا مكشوفا جدا ، صدرها ممتلئ ، وتضع عقدا من اللؤلؤ . تنام واضعة ذراعيها علي التل ، ورأسها علي ذراعيها . بجانبها ، عن شمالها كيس أسود كبير ، من صنف أكياس التسوق ( قفة ) ، وعن يمينها مظلة مقبضها ملموم إلي الداخل ، فلا يري منه سوي قبضته التي هي علي شكل قفل الباب ) وخلفها إلي ، يرقد " ويلي " علي الأرض ، نائما ، يحجبه التل .) ص 7 .
بعد قراءة المتلقي التوصيف السابق للإرشادات المسرحية ومتابعة حالة اللا حركة والسكون والموت تتكون عند فكرة عن النص تدفعه لكي يواصل قراءة النص وفقا لمنطلقات الكاتب الفلسفية والفكرية ، وبعد قبول المتلقي ذلك وسواء حدثت حالات من توافق أو خيبة الأفق ، يتبع ذلك هنا حالات من التغذية الراجعة التي قد نجدها تتحقق في حالات من التململ في مقعده ، أو الاستسلام الكامل الذي قد يحدث في حالة من السعادة والضحك غير المسموع لكونه استرجع حاله وما مر به ، وقد يغادر المكان أثناء العرض ، أو يتوقف عن القراءة ويعود لأحد الأصدقاء ليسأله عن مسرح " بيكيت " ، خاصة إذا كان قد عرض عليه النص طوعا ، وهكذا تتنوع التغذية الراجعة لتصل إلي مرحلة ما بعد القراءة أو المشاهدة لنسمع ردود أفعال عن النص أو العرض الذي شاهده ، ذلك أن ما يحدث في أعقاب قراءة النص أو مشاهدة العرض يعد نوعا من التلقي الذى يحقق أفعال صادرة يمكن أن نسميها التغذية المرتجعة وذلك من خلال أعجابنا الذي نبديه لمن حولنا بطرق عدة أو التصفيق الحار أو الفاتر ، أو عدمهما ، وكذلك من خلال الحالة النفسية التي يغادر بيها الجمهور المسرح وما سوف يعقب ذلك من نقاشات حول العرض أو عكس ذلك ، فقد تطول أو تقصر النقاشات حول العرض فترة زمنية ما ، تتمثل في متابعة ما ينشر في الصحف أو النشرات الفنية اليومية ، خاصة إذا كان العرض يقدم من خلال مسرحي .
تتحقق التغذية الراجعة عند الجمهور المتلقي للعمل ، إما على مستوى النص أو من خلال تعليقات الجمهور والنقاد على صفحات الجرائد ، كما أن التغذية الراجعة تتحقق أيضا في أثناء العرض المسرحي وبعده ، وهذا يذكرنا بأنا دور الجمهمور المتلقي لا ينتهي بنزول الستارة على العالم المتخيل فوق الخشبة ، فالتغذية الراجعة " من قبل الجماهير من خلال التصفيق ، وكذلك ظهور الممثلين بعيدا عن شخصياتهم الدرامية ليتلقوا استحسان الناس أو أستهجانهم تمثل تقييدا مسرحيا هاما" .
أما عن مصادر التغذية الراجعة في النص والعرض المسرحي فهي تتعدد ما بين مصادر سمعية وأخرى بصرية أو كليهما أو غير ذلك من المؤثرات السمعية والبصرية أو قد يكون جسد الممثل مصدرا جليا في التغذية الراجعة ، كلها تدفع المتلقي لأن يصدر ردود أفعاله على ما قرأه شاهده أو سمعه .هنا نعود إلي ما سقناه من قبل عن الإرشادات المسرحية وعن التشكيل الحركي العاجز عن الحركة لشخصيتي " ويني " و " ويلي " – إلا فيما ندر – لتصبح مصادر للمتلقي القارئ أو المشاهد ، والتي تجبره علي قبولها والتسليم بها والتعامل معها لرصد جوانب الجمال والقبول في هذا الجمود والتحجر والعدم .
تأتي و تتشكل الحركة الثانية لعملية التغذية الراجعة التي تدعم الجوانب التي كانت فيها استجابة المتلقي إيجابية ، أو سلبية وتبلغ المبدع بالنواقص الأخري فيسعي إلي بنائها ، مثال التكوين الجمالي الثابت والمنعدم للحركة الجسدية والبصرية وأحيانا السمعية ، حين لا يستجيب " ويلي " ل " ويني " ، والإحجام أو التنافر هنا يصبح حالة من التنافر التي من الممكن أن تنتقل للمتلقي ويقود إلي إحباط المبدع ، وهذا ما يقصده " بيكيت " ، والحكم علي نتاجه بالصورة التي تتناسب عكسيا مع وعي المتلقي لها ، هنا نرصد التغذية الراجعة للموقف السابق الذي تحقق عند المتلقي ، وتشيد عليه تحولات في مواقف القارئ أو المشاهد ، وحضور التلقي الإيجابي لشخصيات "ويني" و " ويلي " ، بعد أن كسر أفق توقعات المتلقي حيالهم ، مما حمل جميع الشخصيات بتغذية إيجابية تظهر تباعا في المواقف التالية :
ويني : ( محدقة في سمت – رأسها ) يوم إلهي آخر . ( برهة زمنية ، ترفع رأسها إلي وضعه
العمودي ، وتنظر أمامها . برهة زمنية . تضم يديها ، ترفعها أمام صدرها ، وتغمض عينيها.
تحرك شفتيها بصلاة غير مسموعة ، خمس ثواني . تسكن شفتاها ، وتظل يداها مضمومتين.
ثلاث ثوان ، ثم بصوت خفيض ) ص8 .
تتحقق التغذية الراجعة للنص في الفصل الأول ومع تواصل قرائته ، يسود هذا المناخ اللامعقول والذي يصيب المتلقي بالملل والضجر في أسلوب يشوبه الفعل المقنع بمعطيات الدراما التي تعودناها ، في مخالفة لقواعد الحركة البدنية أو الفكرية المصحوبة بالتشويق ، وتستمر أجواء النص بين الحركة الثابتة مكانها واللافعل الباق مكانه ، وعلي المتلقي أن يوافق منطلقات مثل هذا النص ومسرح العبث ، فلابد أن نتفق أنه لا أحد يأتي ولا أحد يذهب ولا شيء يحدث ، إنما هي اجترار للماضي وجمود الفعل ، مما يجعل المسرحية تبدأ وتنتهي كما بدأت ، وليس هنا فعل ينمو ليطور الحدث وبطبيعة الحال ليس لدينا صراع بالمعطيات المتعارف عليها .

تتحقق التغذية الراجعة وتتكرر في مواقف كثيرة تؤكد تحول في تلقي شخصتي المسرحية عن الصورة السابقة لشخصية لما كانت عليها ، وتقبل سكونها ، بل وسعاتها بعالم اليوم الجديد الذي أصبحت تستقبل يوما جديدا :
( برهة زمنية . تتخذ وضعية الاستعداد لوضع النظارة أرضا )
ويلي : بيض .
ويني : ( وقد أوقفت حركتها ) ماذا ؟
برهة زمنية .
ويلي : بيض . ( برهة زمنية . تتخذ ويني وضعية الاستعداد لوضع النظارة أرضا ) تنميل .
ويني : ( وقد أوقفت حركتها ) ماذا ؟
برهة زمنية .
ويلي : تنميل .
برهة زمنية . تضع ويني النظارة أرضا ، وتنظر أمامها .
ويني : ( هامسة ) يا إلهي ! ( برهة زمنية . يضحك ويلي بهدوء . برهة زمنية . تضحك معه . يضحكان معا بهدوء . يكف ويلي عن الضحك . تواصل ويني الضحك بمفردها . برهة زمنية . يضحك ويلي معها . يضحكان معا . تكف هي عن الضحك . يواصل ويلي الضحك بمفرده . برهة زمنية .يكف ويلي عن الضحك . برهة زمنية . بنبرة صوتها الأعتيادية ) أخيرا يا لها من بهجة ، أن أسمعك تضحك من جديد ، علي الأقل هذا ، لقد كنت ( شبه ) مقتنعة بأن الأمر لن يحدث معي ، لن يحدث معك ، أبدا . ( برهة زمنية ) لا ريب في أنه سيكون ثمة أناس يحسبوننا غير مهذبين ، لكني لا أعتقد ذلك . هل من سبيل لنمجد القدير أفضل من أن نضحك معه علي طرائفه الصغيرة ، خاصة حين تكون طرائف واهنة ؟ ( برهة زمنية ) أحسب أنك ستوافقني تماما ؟ ( برهة زمنية ) ثم ، ما أهمية ذلك ، هذا ما أقوله دوما ، ما دام .. تعلم ... ما ذاك البيت الرائع ... يكفي هما ، يكفي ، لقد أضحكتني بما يكفي . ص ص 24 : 25 .
يحقق الحوار السابق بين " ويني " و " ويلي " حالة من التساؤل عند المتلقي الذي لم يعتاد نوعا من الحوار غير المترابط فكريا ولا يحقق – كما أعتاد – تطورا في بنية الفعل والحدث ، وعندما يفعل المتلقي تقنية نص مسرح العبث ويستدعي سبل تلقيه يدرك جيدا ، أن تلقي نوعية نصوص مسرح العبث لا تأتي إلا بالفهم الدقيق لمكونات نص مسرح العبث الدرامية والفكرية ، وهو ما تجسد في الحوار السابق الذي تتقطع فيه جوانب المنطق ، هنا تتكامل عند المتلقي تقنية التغذية الراجعة.
تأتي أحداث الفصل الثاني الذي دفنت فيه "ويني" حتى عنقها فقد غلت فيه حركتها تماما ولم نعد نرى غير حركة عينيها بالنظر فيما حولها خاصة ناحية " ويلي " ، هنا يزداد ملل المتلقي القارئ زيشعلر بما يود أن يؤكد عليه المؤلف وهدفه في تعبيره عن عبء الحياة وعبثيتها من خلال تكرار نمطها كل يوم ، فليس هناك ما يدعونا إلي عيشها ، فكيف تصبح الحياة مجرد لفظة نكررها وتكررها " ويني " : ياله من يوما سعيد ! ..في
وردت أحداث الفصل الثاني تجترها ذاكرت " ويني " وهي ليست سوى أحداث تافهة ، فالماضي لا قيمة فيه والحاضر لا يحمل جديدا غير مزيد من الملل والقيود فماذا ننتظر من المستقبل ؟ إنها نظرة عبثية تشاؤمية ، فهي تتحدث إلي نفسها أكثر مما تحدث زوجها ، هنا تكتمل آلية التغذية الراجعة في المسرحية ، ويدرك المتلقي ويفهم مقاصد " بيكيت " التي تحققت من خلال مسرحيته ، وهو ما أنعكس علي المتلقي وجعله يدرك مقاصده التي تصبح جزءا من قناعته التي جعلته يكمل قراءة النص ، بل ويعيد علي نفسه وعلي من حوله ما ورد بها ، وارتباط ذلك بنمط الحياة عندنا.
بروفيسور / أحمد صقر .. جامعة الإسكندرية



#أحمد_صقر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التناص في المسرح الأوروبي : أنتيجون الإغريقية بين جان انوي و ...
- التناص في المسرح الأوروبي : أنتيجون الإغريقية بين جان انوي و ...
- المسرح المدرسي
- البيئة العربية في مسرح لوركا ..دراسة في النقد المقارن
- قراءة في المسرح اليهودي
- المسرح العبري الحديث
- الاتجاهات المضادة للواقعية ..أ- الرمزية
- الاتجاهات المضادة للواقعية ..ب - التعبيرية
- مقرر تاريخ الدراما الحديثة والمعاصرة (تاريخ المسرح الأوروبي ...
- كتاب مسرحيين بين الواقعية والطبيعية (من تاريخ الدراما الحديث ...
- الطبيعية في القرن التاسع عشر ( من تاريخ الدراما الحديثة والم ...
- المسرح في عصر النهضة ( من مقرر تاريخ الدراما في عصر النهضة )
- المسرح المصري بعد ثورة 1952 وصولا إلي التسعينيات
- الخصائص الفنية لمرحلة نشأة المسرح العربي واقراره 2/1
- الخصائص الفنية لمرحلة نشأة المسرح العربي 1/1
- سلسلة محاضرات المسرح العربي .. المسرح في سوريا
- رواد المسرح العربي في القرن التاسع عشر
- المسرح في لبنان
- السيرة الذاتية ومشروع جودة التعليم العالي في الجامعات المصري ...
- قراءة في مناهج النقد المعاصر ... المنهج السوسيولوجي


المزيد.....




- في -روزا خوتور- بجبال سوتشي.. السياح العرب يكتشفون موسيقى ال ...
- شاهد.. فن الفسيفساء من ركام المنازل المدمرة في غزة
- فيلم -الغريبة- لغايا جيجي: فيلم يستكشف أبعاد الإغتراب في رحل ...
- أوكرانيا.. شجار بسبب موسيقى روسية يطيح بقاض من كييف
- لبنان.. المحكمة العسكرية ترفع قرار منع السفر عن فضل شاكر
- -شرفات بيروت لو روت حكايتها-.. فنان لبناني يحوّل التفاصيل ال ...
- أنتوني هوبكينز: الممثل المخضرم يطلق أول ألبوم في مسيرته المو ...
- حجر رشيد وأمثاله.. كيف فتحت النصوص ثنائية اللغة أبواب الحضار ...
- تركيا.. حكم بسجن الفنانة توبا أولو
- ميخائيل لومونوسوف.. -دافنشي الروسي- الذي خرج من قرية نائية إ ...


المزيد.....

- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد صقر - تلقي مسرحية - الأيام السعيدة - للكاتب الأيرلندي الفرنسي - صمويل باركلي بيكيت -