|
|
التناص في المسرح الأوروبي : أنتيجون الإغريقية بين جان انوي وبريخت ..القسم الثاني تطبيقات
أحمد صقر
الحوار المتمدن-العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 14:53
المحور:
الادب والفن
القسم الثاني " تطبيقات " علي بنية النص المسرحي : آليات رصد التناص في مسرحية ( أنتيجونة ) " بريخت " مع " أنوي " : الآلية الأولى: تناص العنوان وغلاف النص : يُعَدّ عنوان النص دالا من الدلالات التي ترافق معاني ودلالات المسرحية عامة، منذ قراءة القارئ لعنوان المسرحية، عندها يستحضر المؤشر الأول لسيميائية المعاني الواردة فيه، فمثلا عندما نقرأ مسرحية "أنتيجونة " للكاتب الألماني " بريخت " يعمد أفق التوقعات وتوافق سيمياء العنوان ليتوافق بما يحمل من دلالات مع أفق القارئ ونستحضر ليس فقط أسطورة " أوديب " وبناته " أنتيجونة " و " إسمينة " ، بل نستحضر تجارب " جان أنوي " و " حان كوكتو " وكا من تناص مع النص الغائب ، هنا نستطيع القول إن سيمياء عنوان المسرحية تحمل كثيرًا من الدلالات والإيحالات للقارئ حول استنطاق عنوان المسرحية بما يؤكد التناص المباشر مع نص "أنتيجونة سوفوكليس "، بل أكثر من ذلك يردّ المؤلف ويجيب على أن " أنتيجونة " سقطت لأنها حافظت علي القوانين الآلهية الداعية لضرورة دفن الموتي ، وقد ووردت إجابتها في سيمياء العنوان للتدليل الأكيد على كون سيمياء العنوان تضمن المفاتيح الأساسية لقراءتنا للمسرحية وقدرتنا على الغوص للبحث عن مدى توافق سيمياء العنوان تناصيًا مع سيمياء عنوان مسرحية " أنتيجونة جان أنوي" ، بل ويظل نص " سوفوكليس " حاضرا بصفته أحد النصوص الغائبة . يؤكد الباحث أن سيمياء العنوان جاء مقصودًا ومتعمدًا من قبل المؤلف ولم يأت اعتباطًا، بل جاء ليكون هو المفتاح الأساسي الذي يدخل من خلاله القارئ إلى أجواء النص، فهو يمدنا بكثير من المعاني التي سوف تستمر ولن تنقطع لأننا استحضرنا دلالات العنوان، ومن هنا سوف نبني دلالاتنا اللاحقة التي سوف تتوافق مع الدالة الكبرى للنص المسرحي. إن العنوان يضيء فضاء النص ويكشف عن مكنوناته، فهو يجعل القارئ محملا بهذه الدلالات المنبعثة عن سيمياء العنوان، وهو ما يساهم في تأويل العنوان ومن بعده باقي دلالات النص. يحمل العنوان في المسرحية الكثير من المهام التي يتلقاها القارئ ويرصدها من خلاله، وهو ما يساهم في فهم دلالات النص، وتتحدد هذه المهام في: أولا: التعريف بالمسرحية ومضمونها ودلالتها. ثانيًا: هي مرجعية تساهم في تلقي المتلقي المحتوى العام للنص. ثالثًا: تحقيق التشويق عند المتلفي من خلال الدلالات الإيحائية. رابعًا: تحقيق هوية النص من خلال "أنتيجون بريخت " و" أنتيجون جان أنوي"، ومن هنا يكون التناص سبيلا لرصد ذلك. خامسا: تحقيق أفق التوقع للمتلقي حول التناص الجديد (النص الحاضر) أو صدمة وزلزلة مفاهيم المتلقي السالفة حول " أنتيجونة أنوي وسوفوكليس" النصوص الغائبة. يفتتح " بريخت " مسرحيته بمدخل عصري يضئ به تناصه مع " أنتيجونة " " أنوي وسوفوكليس " وذلك من خلال عقد محاسبة للطاغية الذي دمر طغيانه الأمس المدن والبشر ممثلا في " كريون" وطاغية اليوم ممن أشعلوا الحربين العالميتين الأولي والثانية ممثلة في طاغية العصر ، الذي دمر المدن وقتل البشر ، حتي لو رفضوا المشاركة في الحرب ، كما ورد في المدخل وقد تمثل في رقض " بريخت " الحرب ، وما تلا ذلك من دمار ، مما يجعل الكاتب لا يحدد أسم الجندي الذي ظنت الأختين أنه شارك في الحرب ، فيطلق عليه : الأخت الثانية : ........ أختي لقد عاد أخونا ! ص 46 . يكشف " بريخت " من خلال المدخل حالة الحرب التي عاشتها أوروبا عامة وألمانيا خاصة ، وثقة الأختين أنه شارك في الحرب ، وقد عاد وعلق ثوبه العسكري علي " القوس " في غرفته ، ويكتشفون أنه لم يشارك في الحرب ، فلا زال الجنود في لباسهم العسكري : الثانية : آخرون ما زالوا في لباسهم العسكري ، أما هو فلا . ص 47 . يختتم " بريخت " هذا المدخل بلقاء الفتاتين ضابط الأمن عند الباب الذي يعلن تصفية أخوهما لرفضه المشاركة في الحرب وخيانة بلده .يقدم " بريخت " مسرحيته في معالجة عصرية يركز علي الطغيان والظلم وعن الجوانب السياسية والأخلاقية والفلسفية التي شكلت ملامح عصره ، مثلما شكلت عصر " جان أنوي " ، في تفكيك أسطورة ونص مسرحية " سوفوكليس " و" جان أنوي " ليطرح قضايا عصرية عن الحرب والطغيان والدمار ، ومتي يوصف الحاكم بالطغيان ومتي يقف الفرد في المجتمع ضد الظلم ويرفضه . وعلى ذلك فإن الآلية الأولى تحفّز القارئ نحو التعرّف على مقاصد المؤلف من وراء التمسك بنفس دالة عنون المسرحية الأصلي عند " سوفوكليس " وعند " جان أنوي " والمعاني التي من الممكن أن تتولّد عند المتلقي من دلالات العنوان وسيميائته المتضمنة، وهو ما يحيل القارئ إلى استنطاق عنوان المسرحية بما يؤكد أن " بريخت " أقدم على التناص المباشر مع " أنتيجون " لـ " جان أنوي" ، بل ويتضمّن العنوان قبول المؤلف بأن يكون تناصه مطابقًا لأصل مسرحية " أنتيجونة " ، لذلك سرعان ما بعلن نصه الحاضر معنونًا بـ " أنتيجونة "؛ أي أن نصه المسرحي الجديد الذي أبدعه معولا على تقنية التناص المباشر، هو نص لا يكرر المؤلف فيه ما ورد عند " أنوي " ، بل يبتكر نصًا يختلف عن النص الغائب، وهو ما يحيل القارئ إلى ضرورة توقّع ما لم يرد عند " بريخت "، وأن أفق توقعاته سوف يصطدم ويختلف، وعليه فإن سيمياء العنوان ودلالاته على الرغم من دفعها للمتلقي أن يبحر إلى " أنتيجونة "، إلا أنه على يقين أنه أمام نص غير النص الغائب، بعد أن حدّث الكاتب مضمون الحاضر واحتفظ بفكرة النص الغائب وهي الطغيان والظلم والجبروت . أكّد الباحث أن سيمياء عنوان المسرحية جاء مقصودًا ومتعمّدًا من قِبَل المؤلف وليس اعتباطيًا، بل إنه كتبه لكي يُمِدّ القارئ المتلقي بكثير من المعاني والدلالات التي تبحر به لكي يتيقن من إقدام المؤلف على تغيير كثير من أجواء المسرحية . إن توجّه " بريخت " قصد من ورائه أن يجعل سيمياء عنوان المسرحية دالة كبرى تحقق التوافق مع باقي دلالات النص تباعًا، لذلك فإن العنوان أضاء للمتلقّي مقاصد المؤلف ومكنونات النص مما سوف يجعل المتلقي لا يُصدم في كل جديد من تغيير في أدوار الشخصيات وحوارها، كما ورد في " أنتيجونة " " بريخت " بدءا من المدخل عبورا باقي أجزاء النص : أنتيجونة : أسمعي : لقد جرفت حرب الطاغية كريون ضد آرجوس البعيدة – حرب مناجم الحديد- أخوينا فمات كلاهما ، لكن لن يدفنا معا تحت التراب .ص 51 . وعليه رأى الباحث أن إعمال " بريخت " هذا العنوان وتقصّده ذلك، إنما حقق جانبًا مهمًا من جوانب التحليل والتفسير وهو الإحالة بعد الاختلاف في المضمون والتناول مع العنوان السابق، إلى دلالات يودّ المؤلف أن تؤكد عليها، وذلك حين أمتص نص " أنتيجونة أنوي ومن قبله سوفوكليس " وأستحداثه لأجواء الحرب العالمية وما بعدها، وهو ما صدم المتلقي في مرجعيته التي ترفض وجود شخصية " كريون " في القرن العشرين بوصفها شخصية رئيسة في النص، غير أنه يعود ويقبل ذلك، خاصة حين يُحدّث المؤلف في فكرة الطاغية ويجري نقاشات هي من صميم بنية النظرية الملحمية .. إن دلالة عنوان المسرحية " أنتيجون " تُعد هي المفتاح الأول والعتبة الأساسية في تفسير دلالات النص، وهو ما يجعل المتلقي يؤوّل النص الغائب في نص حاضر يوازي النص الغائب ويسهم في استمرار المتلقي في تفكيك شفرات العنوان، ذلك أن عدم وجود " أنتيجون " في العنوان وإلغاء وجودها، دالة على ابتعاد المؤلف عن التركيز على شخصيتها، حتى إنها لا تصبح المحركة الأساسية لأحداث المسرحية، وإن بقيت حكايتها قابعة في كل الأحداث، مؤثرة على القارئ المتلقي العارف بالنص الغائب. الآلية الثانية: تناص شخصيات " أنتيجونة " مع شخصيات " أنتيجونة " ل" بريخت " : استحضر " بريخت " شخصيات مسرحية " أنتيجونة " لـ " جان أنوي " في تناص أعلن بداية ابفائه علي شخصية " أنتيجونة " الشخصية الرئيسة وعلي شخصية العراف " تيرزياس " وشخصية " الشيوخ " التي تعادل " الكورس "، وصاغ أحداث مسرحيته في تناول اختلف مع النص الغائب، إذ تعرض أحداث مسرحيته منذ بدايتها ليعلم المتلقي كيف حدث الطغيان والظلم في مقابل الوفاء والصدق والتضحية بالروح من أجل تنفيذ القوانين الآلهية الداعية إلي دفن الموتي : أنتيجونة :لا تهتمي لأمري ، ص 53. كريون : تعترفين أم تنكرين ؟ ص ص 60 : 61 . كريون : يا قوم لا يهمنا أن تبقي طيبة ممزقة يتحكم بسيادتها الغرباء . ص ص 63 : 64 . كريون : تكلم ، قل ما تشاء ودون مساومة . العرافون لا يرفضون المال . ص 81 . الشيوخ : للأخت دون شك حق دفن أخيها . ص ص 84 : 85 . الشيوخ : تهددنا بمحاربينا ؟ تنوي أن تحرض رجالنا ضدنا ؟ ص 85 . كريون : هايمون ، ابني الأصغر ، النجدة ، كل شيء انهار ، انس ما قلت ، كنت في أوج قوتي ولم أكن أعي ما أقول . ص 87 . كريون : انظروا ماذا أحمل ، الملابس ، كنت أعتقد أنني سأحمل سيفا ، ابني مات ، تركني بسرعة ص 90 . جدد " بريخت " في شخصيات " أنتيجونة " و" العراف تيرزياس " و" الشيوخ " وجعل لهم مساحات من النقاش تأتي معظمها ضد ظلم وطغيان " كريون " ، إلي حد تملك " أنتيجونة " قوة موقفها واصرارها علي الأعتراف بقتل أخاها ، ومواجهة " كريون " الذي كاد أن يستعطفها لتغير موقفا ، والأمر يتكرر مع ابنه " هايمون " ومع " العراف " تيرزياس " الذي يرفض مال " كريون " ويكشف له عما سوف تؤول إليه أحواله وماله وسلطانه وأولاده ، ويؤكد أن الطغاة تعرض المال ليشترون من حولهم ، لكنه يرفضه ، كما يصور " بريخت " تحول في موقف الشيوخ " الكورس " من الموقف المحايد إلي مهاجمة " كريون " لدرجة رفضهم لشرع " كريون " الجديد الذي يسقي بالحروب ويولد الدمار والسقوط في هاويتها ، ويأخذ موقفه في التحول بعد مقتل ولده " هايمون " واستجابته لينقذ " أنتيجونة " من الموت ، غير أن الموت يأخذ " هايمون " و" أنتيجونة " وتموت " طيبة " بموته هو . تناص شخصيات " أنتيجونة " " بريخت " مع " أنتيجونة " لـ " أنوي " : ضمن " بريخت " مسرحيته " أنتيجونة " " النص الحاضر " كثير من الشخصيات التي وردت في النص الغائب ، حيث تضمن النص الغائب ل " أنوي " الشخصيات التالية : أولا : الأخت الأولي ... تأتي في المدخل وتكاد تقترب من شخصية " أنتيجونة في سلوكها ، ولم ترد في النص الغائب . ثانيا : الأخت الثانية ...تأتي في المدخل وتكاد تقترب من شخصية "إسمينة " في نهجها ، وليس لها وجود في النص الغائب . رجال الأمن السري ..شخصيات جديدة لا يقابها شخصيات مثلها في النص الغائب. أنتيجونة ...صاغ ملامحها وجدد علي دورها لتحقق ليس مواحهة " كريون " بل مجادلته وكشف ضعفه ، لتغير من حالة الاستسلام لشخصية "أنتيجونة " كما وردت من قبل . إسمينة ... تكاد تتطابق شخصيتها مع النص الغائب . الشيوخ ... طور " بريخت " في دورهم ، بعد أن غير اسمهم، وكذا دورهم ، فلم يلتزموا الحياد ، بل رفضوا سياسة " كريون " ومواقفه ليصل به الأمر إلي تحول في مولقفه وسياسته بخلاف النص الغائب . كريون ... صوره المؤل " بريخت " كما كان في النص الغائب ، غير أنه طور في شخصيته في مراحل لاحقة بأن قبل النقاش والرأي الآخر ، ليصل في النهاية إلي سعيه لإنقاذ " أنتيجونة " من الموت . الحارس ...شخصية جدد الكاتب في دورها ومشاركتها ، فهو يتسم بكثرة الحديث ، وروح المرح ، والثرثرة ، فقد خصه " بريخت " بمساحة في الأحداث ، ليقوم بنقل الأخبار مثال: اكتشاف دفن الميت وإلقاء القبض علي " أنتيجونة " واحضارها أمام " كريون " ، هايمون ...ابن " كريون " وجد في النص الغائب ، أحب " أنتيجونة " ودافع عنها أمام والده الذي اتهمه بالضعف ،وأنه عبدا لأمرأة ، ويثير حالة من النقاش مع والده ، لم تتضمن في النص الغائب بنفس الدرجة والجرأة ، وهو ما جعل الوالد يقول : كريون : ابعدوا عني هذه الحشرة فورا . ص 73 . تيرزياس ...استدعي " بريخت " العراف " تيرزياس " من النص الغائب في مساحة ليست كبيرة ، وهو ما جعله في ظل هذه المساحة يأتي معارضا مناقشا ومجادلا لسياسة " كريون "، وحمله الكاتب بمهام لم ترد في النص الغائب ، فهو الذي يمثل ناقوس الخطر الذي يدق لكي ينتبه " تيرزياس " ويتراجع عن عناده وكبريائه ، ويتهمه " كريون " بحب المال ، ويرد عليه بأن الطغاة يعرضون المال علي الدوام ، الرسول ...شخصية قادمة من ساحة المعركة، وردت في النص الغائب تحمل دورا محدودا تمثل في حمل أخبار النصر قبل الأوان ، ويسقط ويموت : الرسول : ...أعتقد أنك انتصرت قبل الأوان ! قواتك ضربت ، قواتك تاهت عند أبواب آرجوس . ص 86 . الرسولة ... شخصية تحمل سقوط " هايمون " بيده قتل نفسه ، كما تعلن مراسم دفن " بولينيس " في وجود " كريون " وخدمه ، كما تصف مشهد " أنتيجونة " وقد تدلت من السقف وقد ربطت حبل صوف حول عنقها ، تنقل أيضا حزن " هايمون " علي خطيبته ، ودعوة والده له بالخروج من المغارة ، غير أنه يستل سيفه وغمده في خاصرته وسقط ميتا . شخصيات " أنتيجونة " ل " جان أنوي " : عاد " أنوي " إلي مسرحية " أنتيجونة " ل " سوفوكليس " ، كما عاد لمسرحية " أنتيحونة " ل "يوربيديس " وقد حرص علي التجديد في معالجته الفنية والدرامية ، لدرجة أنه سبق عصره ، وضمن المعالجة بعضا من تقنيات المسرح الملحمي – كما سبق وأن ذكرنا - ، هنا نرصد شخصياته علي النحو التالي : أولا : شخصية " المقدم " الذي يقدم شخصيات المسرحية وذواتها قبل أن تقوم لتشارك في العرض ويمثلون مسرحية " أنتيجونة " ، وهو هنا يعادل دوره ، دور الراوي في المسرح الملحمي ، حيث كشف اللعبة وأعلن عنها وعن الشخصيات التي ستمثلها بوصفهم أشخاص حاضرين جالسين ، ثم يقومون بالاتفاق مع الجمهور علي تأدية اللعبة التي من الممكن أن تختلف سبل تقديمها وفقا لرأي الجمهور ، خاصة وأن " بريخت " أول من نادي بدور المتلقي في تلقي النص والعرض . ثانيا : شخصية " أنتيجونة " ...وردت في النص الغائب ، هي الفتاة النحيفة المنطوية السمراء ..مع بداية الأحداث ومنذ رفع الستارة وهي تحس أنها تتباعد في سرعة تثير الدوار ، عن أختها. ثالث : " شخصية إسمينة ": وردت في النص الغائب ، وهي التي تثرثر وتضحك مع شاب هناك ، وتتباعد عنا جميعا ، وتكاد تحتفظ بملامحها التي وردت في النص الغائب ، وزاد عليها " أنوي " بعدا جديدا تمثل في تعاطفها مع أختها واصرارها علي الموت معها . رابعا : شخصية "كريون" : وردت في النص الغائب أيضا ، وهو هذا الرجل المفتول ، بشعره الأشيب ، الذي يتأمل هناك بجوار وصيفة ، هو كريون الملك . بوحهه تجاعيد ، وهو تعب . إنه يلعب لعبة صعبة : هي قيادة الرجال. خامسا : شخصية " أيروديكا " : وردت في النص الغائب ، لكنها لم تحتل المساحة الكبيرة كما ورد وصفها وبقائها طوال أحداث المسرحية ، وهي السيدة العجوز ، التي تشتغل بالابرة – بجوار المرضعة التي ربت الصغيرتين – هي " أيروديكا " ، زوجة " كريون " ، وستظل تشتغل بالابرة طوال المأساة ، حتي يحين دورها لتنهض وتموت .إنها طيبة ، كريمة ، محبة ، وليس بوسعها اطلاقا أن تمد لكريون يد العون . سادسا : " شخصية وصيف كريون " : لم يرد في النص الغائب ، هو صبي صغير جدا ولا يستطيع هو الآخر أن يفعل من أجله شيئا . سابعا : " شخصية الرسول " : وردت في النص الغائب ، هذا الصبي الذي جلس في آخر المسرح وحيدا ، يحلم وقد استند إلي الجدار ، الذي سوف يأتي حالا ليعلن موت " هايمون " . ولذلك ليست به رغبة في الثرثرة أو الاختلاط بالآخرين لأنه قد عرف . ثامنا : " شخصيات الحراس الثلاثة " : وردت في النص الغائب عند " أنوي " ، غير أنه جعلهم متفرقين ، الحارس الأول ، الثاني ، والثالث ، " بوجوههم الحمراء ، ويلعبون الورق وقبعاتهم مدفوعة خلف رؤوسهم .إنهم ليسوا من الأشرار .. فلهم زوجات وأطفال وهموم صغيرة كالناس جميعا تاسعا : " شخصية الحارس " : وردت في النص الغائب عند " سوفوكليس " و" أنوي " ، وقد قام تقريبا بالمهام التي قام بها في النصين الغائبين من قبل . عاشرا : " شخصية المرضعة " لم ترد في النصين الغائبين ل " سوفوكليس " و" أنوي " ، هي تقوم بدور المربية والدادة والراعية ل" أنتيجون " ، تربيها تربية بنات القصور ، وتسعي للمحافظة علي التقاليد الملكىة والأسرية لبنات الأمراء والملوك ، دللتها ، ومنعتها من أن تتجاوز في سلوكها . الآلية الثالثة: دلالات التناص الفكري بين النص الحاضر والنص الغائب : حقق نص مسرحية " أنتيجونة " ل " سوفوكليس " ومن تناولوه بعده من كتاب المسرح مكانة عالمية متميزة بين الجمهور والمهتمين بالمسرح، حيث قُدِّم النص بلغات عدة ما بين الفرنسية والألمانية ، بل وتُرجم وعُرّب وتم التناص معه عند كثير من الكتاب، ولعل النص " أنتيجون " الذي قابل النص الغائب في كثير من المعالجات التناصية بما يحمله من مضمون فكري تم رصده بين النصوص ليكون: أولا: إما تناص فكري يكون الغلبة فيه للنص الغائب. ثانيا: أو أن يكون تدخّل النص الغائب محدودًا بحيث يمثل وجوده إعطاء الأجواء والخلفيات الدلالية التي يتحرك فيها النص الحاضر. تأسيسا علي ذلك يرصد الباحث من خلال تناص " بريخت " ل " أنتيجونة " مع " أنتيجونة " " أنوي " وممن جاءت تجربة تناصهم مع المسرحية "، ما يؤكد أن المعالجات جاءت محققة للتطلعات الدرامية للمتناص ، ساهم وحقق إثراءا في تجربتة التناصية فكريا وثقافيًا، خاصة وأن بعضهم يعلن رغبته في أن يكون لديه " أنتيجونة " بمواصفات عصرية ، مثلما فعل " أنوي " و " بريخت " و" جان كوكتو " ليحملها بكثيرً من الأفكار السياسية والاجتماعية والفلسفية ، و إلى مجابهة الطغاة الظالمين ، ومواجهة لكل أفكار الطغاة، بل وإجبارهم علي التراجع عن عنادهم ، مهما جاءت النتيجة ، حتي لو جاءت كما حدث مع " كريون " في النصين الغائبين . يحمل النص " أنتيجونة " ل " بريخت " وكذا النص الغائب ل " أنوي " و" سوفوكليس " ، قضايا فكرية ذات طبيعة اجتماعية وأخلاقية وسياسية : القضايا الفكرية عند " سوفوكليس " : تتمثل في قضية أساسية وهي : أين ينتهي حق الحاكم ومن أين يبدأ حق الشعب ؟ أي عند أي نقطة يكون عصيان أمر الحاكم أو القوة المهيمنة شيئا لا مفر منه حتي وإن كان العقاب بالدفن حيا في قبر صخري بين الأموات هو العقاب ؟ القضايا الفكرية عند " أنوي " : تتمركز قضايا " أنوي " الفكرية حول صراع الإنسان ضد ثوي السلطة العلمانية التي تتسم بالنفاق والكبرياء ، مقدما الصراع كمعركة خاسرة بين الفرد والواقع المرير ، هنا نوجز القضايا الفكرية فيما يلي : أولا : صراع الفرد ضد السلطة ، حيث يري " أنوي " أن الصراع بوصفه صراعا بشريا خالصا بين " أنتيجونة " التي تمثل ضمير الفرد ، وبين " كريون " الذي يمثل السلطة ، يصورها " أنوي " معركة خاسرة ، حيث القوي التي تواحهها " أنتيجونة " هي النفاق ، الأنانية و الكبرياء . ثانيا : رمزية العصر ، حيث كتب هذا النص المسرحي في ظل الاحتلال النازي ، مما جعل الحراس يرتدون ملابس تشبه ملابس " الجستابو " ، مما جعل الصراع الصراع بين القانون الأخلاقي الذي تمثله " أنتيجونة " ، والقانون الوضعي الظالم الذي يمثله " كريون " ، يكتسب دلالة معاصرة قوية ، تؤكد تمرد الإنسان علي القهر . ثالثا : تأليه الإنسانية ، جاءت قضايا " سوفوكليس " الفكرية لتؤكد ارتباط الصراع بالآلهة ، بخلاف " أنوي " الذي جعله صراعا بشريا بين الأبطال ، ليؤكد علي قيمة التضحية من أجل المبادئ حتي ولو كانت التهاية مأساوية . القضايا الفكرية عند " بريخت " : أولا : القانون الإلهي مقابل القانون الوضعي : حيث يواجه الصراع بين القوانين غير المكتوبة للضمير والدين ، وقوانين الدولة الصارمة ، يتوافق " أنوي " و" بريخت " . ثانيا : العدالة والواجب : هنا يعرض الكاتب كيفية مواجهة الفرد الطالم بالقانون ؟ وما هو الواجب الحقيقي : الطاعة العمياء أم التمرد من أجل المبادئ ؟ يتوافق " أنوي " و" بريخت " . السلطة والقوة : استكشاف طبيعة السلطة ، حدودها ، وكيفية استخدامها ، سواء من خلال قمع الدولة " عند أنوي " ، ومن خلال آليات الديكتاتورية عند " بريخت " . يتوافق " أنوي " و " بريخت". الآلية الرابعة: التناص الفنّي والدرامي للنص الحاضر والغائب : يرصد الباحث من خلال هذه الآلية أي التناص الفني والدرامي بين النص الحاضر " أنتيجونة" ل " بريخت "وبين النص الغائب " أنتيجونة " ل " جان أنوي " للوصول إلى تأويل وتفسير وتحليل لما بين النص الحاضر والغائب، ذلك أن " بريخت " عندما عاد إلى نص " أنتيجونة " ل " أنوي" قصد أن يتناص معه وينطلق منه ليقدم معالجة جديدة لنصه ، كونه يعتقد ويرى أن في إمكانه أن يجعل من " أنتيجونة " الألمانية " النص الحاضر " معالجة تتخطي ما قدمه " سوفوكليس " و" أنوي " ، وفد تناول " بريخت " في معالجتة ما حاء مختلفة قليلا من حيث المصمون مع " أنوي "، وما توافق معه من حيث النقاط الأساسية في التناص الغائب والحاضر ، وخالفه في بعض النقاط المتعلقة ببعض الشخصيات التي غابت في النص الحاضر ، أـوما قدمه " أنوي " في نصه بتقنية " المقدم " التي تتطابق مع نهج المسرح الملحمي. يؤكد الباحث أن نص " بريخت " يحمل روح نص " أنوي " و" سوفوكليس " ، وهو ما جعل الأول يؤسس نصه الذي يحمل روح النص الغائب لـ" أنوي "، وذلك في امتصاص درامي للنص الغائب لإنتاج النص الحاضر الذي يراه الباحث مكتمل البنية الفنية والدرامية بعيدًا عن الاستنساخ وهو ما يتوافق مع ما أكده محمد مفتاح عن درجات التناص بقوله "إن أي نص هو نتيجة تفاعل مع نصوص أخرى تنتمي إلى آفاق ثقافية مختلفة، تكون درجات وجودها بحسب نوع النص المنقول إليه، وأهداف الكاتب ومقاصده" ، ولعل هذا ما تحقق في نص " بريخت " الذي أنتجه نتيجة تفاعله مع نصوص أخرى عاد إليها وضمنها من خلال نصه، فقد تجسد ذلك في استدعاء أسطورة " أوديب " وحكاية " أنتيجونة "، كما أنه عاد إلى التاريخ المعاصر وضمّن مسرحيته ونصه الحاضر يذكر بالحرب العالمية الثانية ، وأجواء الحرب النازية واحتلال ألمانيا لفرنسا. شيّد " بريخت " البينة الدرامية للنص الحاضر في توافق عام مع بنية " أنوي " الدرامية لنص " أنتيجون "، حقيقي أن النص الحاضر ل " بريخت " لم يتجاوز البنية الفنية والدرامية مع نص " أنوي "، بل حدث نوع من التوافق ، والاختلاف ، خاصة في تضمين بنية نص " أنوي " ما بشابه المشهد الإفتتاحي ، أو تظيف تقنية " بريخت " المتمثلة في وجود المقدم الذي يطابق الرواي في وظائفه ، ليكشف اللعبة المسرحية ، ويمنع الإندماج والمعايشة للنتلقي وكذا الممثلين، ذلك أن " بريخت " أعاد بناء نصه في تناص يحقق هدفه، هذا من ناحية، من ناحية أخرى، فقد راعى تحقيق التفاعل مع النص الغائب. جاءت البنية المكانية للنص " أنتيجون " ل " أنوي " متحققة على النحو التالي: ( مشهد تمثيلي تدور أحداثه من بداية المسرحية حتي نهايتها – أسوة بنص " سوفوكليس " ، وعلي المتلقي – قارئا كان أم مشاهدا – أن يتوقف عند القراءة عند نهاية حدث وبداية حدث آخر ، وهو ما جعلنا نقوم بالتقسيمات التالية بصفتها نوعا من التقسيم المكاني للأحداث اقترحه الباحث : المشهد الأول : المقدم يعرض لكل الشخصيات ويكشف أبعاد اللعبة . خروج الأشخاص واحدا اثر الآخر ، يخرج المقدم ويختفي. المشهد الثاني : تتغير الإضاءة وتفتح " أنتيجونة " الباب قليلا وتدخل علي أطراف أصابعها وتراها المرضعة ، ويدور بينهما حوار. تدخل " إسمينة " ويدور حوار مع " أنتيجونة " والمرضعة . المشهد الثالث : لقاء بين " أنتيجونة " و "إسمينة " ويدور حوار حول دفن " أخاهم ، وعن رغبة " أنتيجونة " في الحياة ، وعدم قبولها الحياة بهذه الطريقة السلبية ، بخلاف " إسمينة " التي تستسلم للأمر، تنضم المرضعة لهم ، وقد أحضرت ل " أنتيجونة " القهوة وشطائر الخبز، وتحذر المرضعة " أنتيجونة " من كلبتها " سكرة " إذا ما بالت علي السجاجيد . المشهد الرابع : يدخل " هايمون" ويجري حوار مع " إسمينة "و " أنتيجونة " ، تقارن " أنتيجونة " بينها لأنها سمراء نحيفة ،و بين " إسمينة " الموردة المذهبة كالفاكهة . المشهد الخامس : يدخل كريون من باب آخر مع وصيفه ، ويدخل الحارس " جونا " من الفرقة الثانية ، يبلغ " كريون " بأن شخصا ما دفن الجثة . يدخل الكورس ، ويحضرون ب" أنتيجونة " المذنبة ، ويعلق الكورس علي كون " أنتيجونة " ستصبح سيدة نفسها لأول مرة .يدور حوار بين الحارس الأول والثاني والثالث و" أنتيجونة " . المشهد السادس : : يدخل " كريون " ويدور حوار مع " أنتيجونة " والحارس ويسأل أين قبضوا عليك ،" "كريون " و" أنتيجونة " وحدهما نعلم من خلال المشهد اصرارها علي موقفها واستعدادها لتكرار ما فعلته من دفن أخاها . المشهد السابع : تدخل " إسمينة " صارخة علي " أنتيجونة " وتبلغ والدهم : إسمينة : إذا حكمت عليها بالموت فيجب أن تحكم علي بالموت معها ! المشهد الثامن : يبقي " كريون " وحده يدخل الكورس ويراحع " كريون " فيما أقدم عليه من قرار بقتل " أنتيجونة " ، يدخل " هايمون " صارخا علي والده الذي قرر أن يقتل خطيبته " أنتيجونة". المشهد التاسع : تدخل " أنتيجونة " ويخرج الحارسان والكورس وتبقي هي مع حارسها الأول ، يدور حوار عن الحارس وعمره وحياته الأسرية . يفتح الباب ويظهر الحارسان الآخران ، تنهض " أنتيجونة " وتنظر إليهما ، وتذهب دون كلمة نحو الحارسين ويخرجون جميعا المشهد العاشر: الكورس يدخل فجأة ويظهر الرسول ويخبرها بأن " أنتيجون " شنقت نفسها ، وأن " هايمون "دفن السيف في صدره ، وتقرر بعدها " الزوجة الملكة " أن تنهي حياتها فتقطع عنقها وتموت ، يبقي " كريون " وحيدا ومعه وصيفه .. شيد " بريخت " مسرحيته " أنتيجونة " – كما وردت عند " سوفوكليس " و" أنوي –من مشهد واحد يمثل كل أحداث المسرحية ، وكما قدمنا للبنية المكانية لمسرحية " أنوي " نقوم بها أيضا هنا مع نص" بريخت" ليصبح النص مجموعة من اللوحات والمشاهد والأحداثا تمثل في مجملها لوحات متعاقبة: اللوحة الأولي : منزل في مدينة برلين من شهر أبريل عام 1945 اللوحة الثانية : أمام قصر أوديب ميدان طيبة . اللوحة الثالثة : داخل قصر " كريون " في مكانه الخاص . اللوحة الرابعة :" أنتيجونة " في محبسها في درب موحش . اللوحة الخامسة : داخل القصر اللوحة السادسة : في القصر في جناح الملكة " أيروديكا " . اللوحة السابعة : في باحة القصر . يرصد الباجث من خلال النصين الحاليين " الغائب والحاضر " بعضا من نقاط الاتفاق والاختلاف بين النصين في التناص الفني والدرامي : النص الغائب النص الحاضر م1 :الديكور غير محدد.المكان القصر. ل1:منزل في برلين، شهر ابريل 1945 . ثلاثة أبواب متشابهةالشخصيات كلها ل2 : أمام قصر أوديب . مدينة طيبة . موجودة في المنظر عند رفع الستارة. ل3 : داخل قصر " كريون " في مكانه الخاص. م2:المكان داخل القصر، جناح ل4: أنتيجونة في محبسها في درب موحش. " أنتيجونة " . ل5 : داخب القصر . م3 : نفس المشهد السابق. ل6 : في القصر داخل جناح الملكة " إيروديكا" م4 : نفس المشهد السابق . ل7 : في باحة القصر . م5 : باحة القصر. م6 : نفس المشهد السابق . م7 : نفس المشهد السابق . م8 : داخل القصر " كريون " وحده . م9 : محبس أنتيجونة في القصر . م10 : في القصر في جناح الملكة " أيروديكا " زوجة " كريون " . يرصد الباحث من خلال النصين الغائب والحاضر الأماكن محل الاتفاق والاختلاف والتي يعدها الباحثمعادلا مرئيا للمناظر المسرحية على النحو التالي: النص الغائب : المشهد الأول : المكان محايد ، حيث يوجد ثلاثة أبواب متشابهة ، نجد جميع شخصيات المسرحية وهم يجلسون في استعداد لبداية العرض ، وكل شخصية مشغولة بنفسها ، ينفص عنها المقدم لكي يكشف اللعبة المسرحية . المشهد الثاني : جناح " أنتيجونة داخل القصر وقد عادت من جولة عند الفجر خارج القصر ، وهو ما يدل علي حالة إما حب وعشق وسهر أو قلق وترقب لأمر جلل ، وهو ما تجلي من غضب المربية لخروجها وحدها في هذا الوقت . المشهد الثالث : داخل جناح " أنتيجونة" وحوار خاص عن موقف كليهما من أمر دفن جثة أخاهم ، وإصرار " أنتيحونة " علي الدفن ، وخوف ورفض " إسمينة " . المشهد الرابع : نفس المنظر السابق ، يدخل " هايمون " جناح " أنتيجونة " ويدور حوار بعضه يخص المقارنة بين الأختين ، وجمالهن ، إصرار " أنتيجونة " علي انتزاع رأي " هايمون " فيها وتفضيله لهاعن غيرها من الفتيات ، خاصة أختها " إسمينة " . المشهد الخامس : تجري الأحداث في باحة القصر ، حيث يدخل " كريون " ووصيفه ، ويدخل الحارس ليبلغه بدفن الجثة ،ويتم القبض علي " أنتيجونة" وتنتظر مصيرها . المشهد السادس : تجري الأحداث في نفس المنظر السابق ، يكشف المنظر الذي جمع بين " كريون " و " أنتيجون " عن نوع من النقاش ، الذي يكشف عن إصرارها علي موقفا ، بل وتكرر الأمر دون تردد. المشهد السابع : تدور الأحداث في نفس المنظر السابق ، وتنضم " إسمينة " التي جاءت لإنقاذ " أنتيجونة " ، وإلا علي الملك الخال " كريون " أن يقتلها معها . المشهد الثامن : داخل قصر الملك " كريون " وحده يفكر فيما آلت إليه الأمور ، يدخل الكورس ليشاركه الرأي ويغضب من موقف " كريون " وينصحونه بغير ذلك ، عندها يدخل ابنه " هايمون " الذي يهاجم والده الملك ويرفض سياسته وقراره غير الصائب . المشهد التاسع : في حبس " أنتيجونة " ، يدور حوار بينها وبين الحارس عن أسرته وأولاده ، فيما يؤكد عدم خوفها من الموت . المشهد العاشر : في جناح الملكة " إيروديكا " زوجة كريون ، حيث تضيق الدنيا وتقترب نهاية أبناء وبنات " أوديب " فبعد قتل الأخوين لبعضهما ، تقتل " أنتيحونة " وخطيبها " هايمون " ، وتنتهي بأن تقطع " إيروديكا عنقها " وتموت ، لتنتهي المأساة . النص الحاضر : اللوحة الأولي : تدور الأحداث داخل منزل في مدينة " برلين " في شهر أبريل لعام 1945 ، حيث نرصد أختين وقد اختبئا في داخل المنزل خوفا من الحرب ، وتسمعان أصوات القنابل وتضئ ألسنة اللهب المنازل ، دلالة علي عنف القذائف وهو ما يخقق للمنظر أجواء الخرب ، أثناء احتلال " ألمانيا " لفرنسا ، ولعل " بريخت " قصد من وراء هذه اللوحة إعطاء حالة من المقارنة بين طغيان " هتللر " وبين طغيان " كريون". اللوحة الثانية : تنتقل الأحداث إلي أجواء النص الغائب عند " سوفوكليس " و" أنوي " ، حيث تجري الأحداث أمام قصر " كريون " في مدينة " طيبة " الإغريقية ، ويدور حوار عن دفن جثة أخاهم ، حيث تكوم " أنتيجونة" التراب دلالة علي قناعتها بدفن جثة " بولينيس " ، تغادر " أنتيجونة" المنظر وبيدها إبريق، وتدخل " إسمينة " البيت ويدخل الشيوخ . اللوحة الثالثة : تجري الأحداث داخل قصر " كريون " ، حيث مكانه الخاص ويدور حوار مع الشيوخ الذين يوافقون في البداية علي اقتراحاته ، في هذه الأجواء يصل الحارس ويبلغ " كريون " بدفن جثة " بولينيس " ولا يدرون من فعلها ، يغضب " كريون " ويتركهم إلي قصره . اللوحة الرابعة : " أنتيجونة" في محبسها ، ويتعجب الشيوخ من آل " أوديب " الشقي ومن ابنته " أنتيجونة " الشقية ، يحضرها الحارس ،وعندها يخرج " كريون " من بيته ، وتعترف بفعلتها ، ولا تنكر ، بل وتتجرأ علي القوانين ، يأمر " كريون " بحبسها واختها " إسمينة " في مغارة موحشة ، خارج المدينة ، انتظارا للقتل . في هذا الوقت يدخل " هايمون " ابن " كريون " رافضا قتل حبيبته ، ويدور حوار قوي صادم بينهما يرفض الأب الانصياع لرجاء ابنه .يخرج " كريون " باتجاه المدينة اللوحة الخامسة : تجري الأحداث داخل القصر يصل " تيرزياس " ويدور حوار مع " كريون " ، الذي ينصحه بعدم الغرور وإلا واجه الصعاب ،يسخر منه " كريون " ، ويكشف له لعبة الطغاة الذين يقدون الرشاوي لرجال الدين ليتصفوا إلي جوارهم ، يخرج " تيرزياس " يقوده الطفل ، يجدث خلاف بين الشيوخ وبين " كريون" الذي يهددهم بالمحاربين ليحرضهم علي رجال الدين ، يصل الرسول ليبلغ " كريون " بسقوط ابنه " ميجاريس " ، هنا يخشي " كريون " علي عرشه وأسرته من كلام العراف ، فيسارع إلي إبلاغهم بتنازله عن قتلها ، ويأمرهم باطلاق سرح " أنتيجونة " ، ويطلب منهم دعمهم له . اللوحة السادسة : تجري الأحداث في القصر في جناح الملكة " ايروديكا " زوجة " كريون " ، تدخل الرسولة تحمل رسالة من " هايمون " قائد فصائل النخبة ، يبلغها بعثورهم علي جسد " بولينيس " وقد مزقته الكلاب ، وكوموا عليه التراب ، وكرموه قبل ذلك ، ويكتشف " هايمون " جثة " أنتيجونة " معلقة من حبل بالسقف. اللوحة السابعة : في باحة القصر يحمل ملابس ابنه " هايمون " الملطخة بالدماء ، ويعلن نهاية "طيبة" بموته ، ستفني " طيبة " ، يتجه " كريون " نحو المدينة ، ليعلن ندمه في كلمات تكشف خطأ ما ارتكبت يداه وعقليته العنيدة المتكبرة الطاغية . الآلية الخامسة: دلالات التناص المكاني للنصين: يمثل المكان دالًّا مهما وأساسيًا للكاتب المسرحي، كما يمثل أيضًا للمتلقي نفس الأهمية وزيادة، ذلك أن المكان يساعد الكاتب في تحقيق رؤاه الفنية والفكرية، فالمكان ليس إطارًا للأحداث والشخصيات، بل يحمل المكان قصد المؤلف المسرحي سواء أكان ثقافيًا أم أيديولوجيا، أم دينيا، وعليه يُعد المكان هو العمود الفقري للنص، ذلك أنه دون المكان في النص يصبح النص بلا وجود، فيتغير المكان من مشهد إلى آخر أو من فصل إلى آخر وهو ما يثبت أهميته ودلالاته التي دونها لا يتمكن المؤلف من تحقيق رؤاه. تحدث "الدليمي" عن المكان وبنيته في النص المسرحي بقوله: هو "نظام من العلاقات المكانية المتصفة بحدّين، الأول يتسم بالملموسية الواضحة التي يحددها المؤلف بوصفه جهة أو سطحًا أو شكلا من معمارية المكان الكلي المتعدد الجهات، وهذه الجهة تمثل وعاءً للشخصات والأحداث والصراع واللغة.. أما الحد الثاني فهو يشكل امتدادًا لآنات المكان الخارجية لا في جهة، وإنما في كل جهات المكان التي تتشكل مستوياته المختلفة والمنسكبة والمتفاعلة مع الحد الأول له من خلال فاعلية الشخصيات والأبطال والأفعال" . وعليه تظهر أهمية المكان في المساهمة في تكثيف الدلالة وتوضيح رؤية المؤلف والتعبير عن العلاقات والتوترات التي تحدث عند اتصال الشخصيات بأماكن الحدث، وقد تنعكس هذه المتناقضات وواقعها المادي على المستوى النفسي، وفى ذلك يقول "جاستون باشلار": "كلما كان المكان ضيقا يشعر الإنسان بمعانٍ غير مستحبة؛ لأن الضيق والانغلاق يوحي عادةً بالاختناق واليأس، في حين الانفتاح يوحي بالحرية والانطلاق" . يشير الباحث إلى دلالات المكان في النص المسرحي، وإلى أي مدى تتوافق دلالات التناص في نصين مثلا كما هو الحال في مسرحية " أنتيجونة " لـ" بريخت " أنتيجونة " ل " جان أنوي " ذلك أن المكان ليس مجرد خلفية جمالية يجسّد من خلالها المؤلف أحداث المسرحية، بل يعد ركيزة أساسية ودرامية وضرورة فنية تحمل العديد من الدلالات الدرامية للنص. تحمل دلالات مسرحية " أنتيحونة " " أنوي " الكثير من الدلالات التي تتوقف عندها في نص مسرحية " أنتيجونة " " بريخت "، ذلك أن المؤلف اختزل التناص المكاني ولم يصرّح به طوال المشاهد، حيث اكتفى المؤلف بالتصريح بالمكان الجديد في النص الحاضر وه " منزل في مدينة برلين " ليجعله مفتتح مسرحيته هنا، وهو تناص مكاني يعطي الأثر المطلوب لساحة تتم فيها أحداث الحرب الطاغية التي لا تقل عن طغيان " كريون "، وبعد أن يهدد الشيوخ " كريون " في النص الحاضر ، يغير موقفه ليطلق صراح " أنتيجونة " ، غير أن القدر يسبقه فتموت هي ويقتل ابنه نفسه بالسيف ، وتنتحرالأم الملكة ، لتنتهي المسرحية . تنتقل البيئة المكانية في نص " بريخت " إلي " برلين " ، حيث آثار الحرب والدمار ، علي أثر الغارات الجوية ، مما يجعل المكان يحترق ويصبح الصباح رمادي ، وألسنة اللهب تضئ المنزل ، وهنا ينقلنا " بريخت " إلي بيئة مكانية مغايرة للنص الغائب ، حيث نشهد المراحل الأخيرة من الحرب العالمية الثانية وتحديد في شهر أبريل لعام 1945 ، في تناص مكاني مغاير جسد في نص " أنوي " أجواء مدينة " طيبة ، حيث قصر الملك " كريون " ، وهكذا يختزل " بريخت "تناص المكان في النص الغائب إلى حوار ونقاش في مكان يصلح أن يحقق دلالات الحوار في النص الحاضر، ذلك أن " بريخت " تخطى تناص المكان في نصه الحاضر ليصل إلى تناصه الفكري مع نص " أنتيجون " ل " أنوي " ، ليستحضر ما تعانيه بلاده من دمار في أعقار الحرب العالمية وسطوة الديكتانور والطاغي الذي دمر ما شيدته حضار الإنسان ، مما جعل العبث والوجودية تطفوا علي سطح المعاناة، وفي تداخل المعاني بين " بريخت " و" أنوي" يمتزج النص بأجواء الدمار والقتل والرعب . يشير " بريخت " صراحة إلى مكان جريان الأحداث في المدخل وتصوير معاناة الناس من دمار الحرب وطغاة العصر، بل ويتحول المكان إلى أجواء قصر " كريون " عند الفجر ، بما تحمل من دلالات تضمنها النص الغائب أيضا في مثل هذا المشهد ، بل وتتساءل " إسمينة " وتتعجب من إصرار " أنتيجونة " علي دفن جثة " بولينيس " ، وهو ما ترفضه وتخشي علي نفسها من عقاب " كريون " . يخالف " أنوي" تناص المكان في نصه الغائب ليوجه " المقدم " حديثه إلى الجمهور جاعلا أجواء المكان مسرح تجلس الشخصيات في انتظار انتهاء" المقدم " من عرض الشخصيات الذين سيقدمون مسرحية " أنتيجون " ويتوالي " المقدم " في توصيف ملامح كل شخصية ، مع التركيز علي شخصية : أنتيجونة" التي يعادل دورها " كريون " ، فقد وقفت وحدها ضد العالم ، وضد خالها الملك " كريون " ، مع تقديم " إسمينة " أختها ، " هايمون " خطيب " أنتيجونة" ، وزوج المستقبل ، مع تقديم الرجل المفتول ، بشعره الأشيب ، بجوار وصيفه ، هو " كريون " الملك ، وتظهر السيدة العجوز " أوريديكا " زوجة " كريون " وهي تشتغل بالابرة ، كما يصف شخصية الصبي الشاحب ، هو الرسول الذي يأتي ليعلن موت " هايمون " ، منتهيا بتقديم الرجال الثلاثة " الحراس " وهم يلعبون الورق وفي أجواء هذا المكان الذي يصفه " المقدم "نكون قد دخلنا منذ بدايات المسرحية في أجواء القصر، بخلاف النص الحاضر الذي مر بمرحلة المنزل في " برلين " ، لينقلنا بعدها " بريخت " في نصه الحاضر إلي قصر " كريون " في مدينة طيبة في اللوحة الثانية . يعود " بريخت " إلى التناص المكاني المباشر في حفل اللوحة الثانية ويحافظ طوال المسرحية علي جل التناص المكاني الذي ورد في النصوص الغائبة ل " سوفوكليس " و" أنوي " مع تغيرات طفيفة لا تذكر ، فقد ظل القصر بأجنحته سواء جناح " أنتيجونة " و" إسمينة " ، وجناح " كريون " ، وجناح " أوريديكا " ، وكذا المغارة ، وغرفة المحبس ، في النص الحاضر ، تكاد تتوافق مع نفس الأماكن في النص الغائب . تنتقل أحداث المسرحية في النص الحاضر من بيت الأختين في برلين ، إلي قصر " كريون " عند الفجر ، وأمام القصر، حيث الأختين يتناقشا حول مصير الأخوين ، وتعلما بموتهما ، وقرار " كريون " بعدم دفن " بولينيس " ، وتقرر " أنتيجونة " دفنه ، مخالفة لقرار "كريون " ، بينما يقابل هذا المشهد في النص الغائب ، ما يخالفه ، حيث سضم " أنتيجونة " و" إسمينة " ومعهما " المرضعة " والكلبة " سكرة "، يضيف " أنوي " كذلك القهوة ووشطائر الخبز لفطور " أنتيجونة" وهو ما لم يرد في النص الحاضر . أصر " بريخت " على تحقيق تناص كامل لبعضٍ من أحداث مسرحية " أنتيجونة "ل " أنوي " ، وقصد إلى تطابق الأماكن باستثناء مشهد " المقدم " في النص الغائب ، لكي يتطابق التناص المكاني طوال المسرحية، إلا من بعض التفاصيل الصغيرة مثال : المرضعة ، و القهوة وشطائر الخبز ، والكلبة في النص الغائب ، وتصوير معاناة الناس في " برلين " في أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية . ...بروفيسور / أحمد صقر ..جامعة الإسكندرية,
#أحمد_صقر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المسرح المدرسي
-
البيئة العربية في مسرح لوركا ..دراسة في النقد المقارن
-
قراءة في المسرح اليهودي
-
المسرح العبري الحديث
-
الاتجاهات المضادة للواقعية ..أ- الرمزية
-
الاتجاهات المضادة للواقعية ..ب - التعبيرية
-
مقرر تاريخ الدراما الحديثة والمعاصرة (تاريخ المسرح الأوروبي
...
-
كتاب مسرحيين بين الواقعية والطبيعية (من تاريخ الدراما الحديث
...
-
الطبيعية في القرن التاسع عشر ( من تاريخ الدراما الحديثة والم
...
-
المسرح في عصر النهضة ( من مقرر تاريخ الدراما في عصر النهضة )
-
المسرح المصري بعد ثورة 1952 وصولا إلي التسعينيات
-
الخصائص الفنية لمرحلة نشأة المسرح العربي واقراره 2/1
-
الخصائص الفنية لمرحلة نشأة المسرح العربي 1/1
-
سلسلة محاضرات المسرح العربي .. المسرح في سوريا
-
رواد المسرح العربي في القرن التاسع عشر
-
المسرح في لبنان
-
السيرة الذاتية ومشروع جودة التعليم العالي في الجامعات المصري
...
-
قراءة في مناهج النقد المعاصر ... المنهج السوسيولوجي
-
الجامعات المصرية وتقلد المناصب
-
الخيال العلمي في المسرح
المزيد.....
-
Iran-s Cafe Culture Faces Political And Economic Pressure
-
-على ضفاف الذاكرة- : غسان كنفاني: من أدب المنفى إلى ذاكرة ال
...
-
من دوستويفسكي إلى الحكايات الشعبية.. الأدب الروسي يفتح صفحات
...
-
روائع -المتحف الروسي- تحل ضيفة في قاعات غاليري -تريتياكوف- ب
...
-
متحف الإرميتاج يعتمد نظاما مرنا لأسعار التذاكر حسب وقت الزيا
...
-
فيكتور بوريسوف-موساتوف يعود إلى تريتياكوف بمعرض يكشف عالمه ا
...
-
من -مزادات البلاشفة- إلى -سوذبيز-.. رحلة كنوز القيصرات الروس
...
-
من مسرح القياصرة إلى حدائق بيترغوف.. يوم مسرحي في رحاب ألكسن
...
-
عُمان: استمرار المفاوضات الفنية والسياسية مع إيران بشأن مضيق
...
-
وفاة فنان كردي في ظروف غامضة بمركز للشرطة في اليابان
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|