محمد سمير عبد السلام
الحوار المتمدن-العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 22:16
المحور:
الادب والفن
" الغواص" رواية تاريخية سيرية تجريبية للروائية المصرية المبدعة د. ريم بسيوني؛ وهي امتداد لمشروعها الروائي الذي يرتكز على نقاط التحول الإدراكية والباطنية داخل الشخصية، وانتقالها من الخبرات الحسية، أو صراعات القوى التاريخية، أو من تمثيلات تروما الماضي نحو حكمة المعرفة بالتناغم الداخلي، والأصالة الإيمانية، والسلام الكوني، واتساع خبرات الوعي البيئية والحلمية، والكونية.
تتناول ساردة ريم بسيوني – إذا – صيرورة الإمام الغزالي الإدراكية، والروحية من خلال منظور سردي تأويلي تعددي، يجمع بين تأثير القوى التاريخية، والفكرية على وعي الغزالي الذي يميل للتسامح والدينامية والتوفيق بين المذاهب المتباينة، وصعوده العلمي والاجتماعي وترأسه للمدرسة النظامية أيام نظام الملك، ودراسته للجدل، وعلوم الكلام، والفلسفة ثم التصوف، ومن ثم تحوله إلى أصالة الخبرات الحلمية، والظاهراتية الداخلية؛ والرواية تجريبية لأنها تتجاوز الزمن الخطي، وتكشف عن المفاهيم المعرفية والذاتية في صيرورة الغزالي؛ والتي تتوافق مع سياقنا الثقافي الراهن في القرن الواحد والعشرين عبر العلاقة بين الساردة، والمروي عليه في نموذج التواصل الإدراكي الأساسي المتضمن في الخطاب الروائي.
ولم تكن تحولات الغزالي الإدراكية، والروحية نتيجة لقراءاته، ودراسته لعلوم الكلام، والفلسفة، والتصوف فقط؛ ولكنها طبقا لخطاب الساردة التأويلي التعددي كانت نتيجة للصخب التاريخي اليومي، والعلاقات التنافسية بين الفقهاء أحيانا، وتأملات الغزالي اليومية التاريخية في علاقة الحلم بالواقع، وعلاقة التجسد بالوعي، والروح؛ فهو يدافع عن العجوز الغاضبة، ووعيه يتوسع وفق الانطباعات الذاتية لثريا زوجته، أو وفق تجارب الكواليا لديها، ويعيد التأمل في بعض العقوبات التي مثلت في وعيه ولاوعيه وذاكرته الضمنية اللاواعية العلاقة المعقدة بين التجسد، والفراغ، والتجدد، أو البعث (1)؛ وإعادة تفسير الخبرة الحدسية الفينومينولوجية التي تتجاوز صخب التغير التاريخي، وخبرات استنزاف التجسد باتجاه أسبقية الوعي وتجاوزه للزمكانية في حالات بينية أي تقع بين الحلم، واليقظة؛ ويمكننا تأويلها وفق دراسات الوعي في القرن الواحد والعشرين بأنها تجمع بين حالتين للوعي في نسيج خبرة ظاهراتية حلمية إيمانية متناغمة معقدة، وهجينة، وتمثل لدى الغزالي مستوى أعمق من مستوى المنطق التقليدي، أو الجدل الفلسفي للمتكلمين؛ وقد تجسدت هذه المحطات – ضمن صيرورته الروحية – في كتب مثل المنقذ من الضلال، وتهافت الفلاسفة، وإحياء علوم الدين.
والرحلة الروحية هي نموذج أساسي في كتابات كارل يونغ، وفي صيرورته الشخصية؛ وقد اختصها بكتاب سماه الكتاب الأحمر، ويرتكز على مواجهة يونغ نفسه لأحلامه، وخبرات الوعي الحلمية والظاهراتية التي تجسد مواجهة التيه، والظلال، والكائنات الحلمية الكابوسية، والوصول لحكم التحرر النوراني الرؤيوي؛ ونلاحظ أن الغزالي – وفق خطاب ريم بسيوني السردي التفسيري – يعاين صيرورته الروحية من الدراسة المتعمقة إلى الصخب اليومي ثم الصعود، واختيار العزلة وفق وعيه الشاهد؛ أي من خلال موقع المراقب لتمثيلات الرحلة الروحية الممكنة؛ هذا المراقب ينظر من موقع دائري متصل بالنور الإلهي، ويتصل بالحكايات الرمزية، والتمثيلات المستقبلية الممكنة والنماذج التي قد تتداخل معه في البحث، والحكمة، والإبداع في اللاوعي الجمعي، والذاكرة الجمعية التي تتجلى في بنية الحضور كأصداء، ونغمات فاعلة.
وأرى أن التضمين الأساسي الذي يقع فيما وراء خطاب ساردة ريم بسيوني هو اتصال رحلة الغزالي الروحية بالحكايات الرمزية مثل حكاية الثعلب الغواص الذي انتقل من الصعود إلى العزلة، والنماذج الأسبق، أو النماذج الآنية، والمستقبلية وفق مبدأ التكرار الدائري المختلف؛ فهو يجسد نغمة المعرفة بالوعي، والذات، ومستويات الوعي والخبرات الفينومينولوجية الفائقة وفق تأكيد للحضور الإيماني الدائري، ومنحه صيرورة سردية ذاتية مختلفة عبر وعي المراقب الذي يختار العزلة، وينفتح على الحلم، والكون، والوعي البيئي الموسع المشروط بالسلام الداخلي، والعبور الذي يتجاوز مركزية التجسد التاريخي من داخله.
وإذا قرأنا نموذج التواصل الأساسي بين الساردة والمروي عليه وفق مبدأ الصلة التداولي / الإدراكي عند دان سبيربر وديردري ويلسون، سنلاحظ انتخاب كل من الساردة، والمروي عليه للمؤشرات السياقية الثقافية الأقل جهدا، أو الأكثر اقتصادا، والأكثر صلة بموقف التواصل الواسع؛ والمؤشر السياقي الآني الأكثر صلة بينهما هنا هو تواتر تمثيلات الرحلة الروحية في سياقنا الراهن، وكذلك تضاعف تمثيلات الشخصية التاريخية، أو الشخصية الفنية وتأويلاتها التكرارية المختلفة في آن داخل حقل الوعي الجمعي الموسع، والذاكرة الجمعية؛ ويؤكد ذلك التوسع في دراسات الوعي الشاهد، والوعي الظاهراتي، والوعي البيئي، ودراسات الكواليا أو خصوصية انطباعات الوعي، وتجدد بنية الحضور، والتوسع في خبرات الوعي الظاهراتية الحلمية التأملية التي تجمع بين أكثر من حالتين من حالات الوعي؛ مثل حالة اليقظة بيتا وحالة التأمل بين ألفا وثيتا وفق دراسات الوعي الإدراكية المعاصرة التي ترتكز على دراسة الحالات الإدراكية الأساسية والبينية أو الحدية بين العوالم الإدراكية المتباينة، وكذلك توسع الوعي نحو العناصر البيئية والكونية، وفي العوالم الممكنة، والغزالي – وفق الخطاب التفسيري السيري لساردة ريم بسيوني – يتوافق مع أصالة خبرات الوعي الحدسية الداخلية والظاهراتية، والحوارية الممكنة المعقدة والممتدة بين نموذج الرحلة الروحية عند يونغ، والخيال الرؤيوي الرمزي الإبداعي عند نورثروب فراي في تشريح النقد؛ فضلا عن التوسع في الوعي البيئي داخل التجربة الصوفية، وتأكيد وفرة التمثيلات التصويرية، والحكايات أو المتواليات السردية الوجودية الممكنة، والأيقونات التي تعمل بطريقة دائرية داخل زمن آني موسع.
وتتوافق تجربة الغزالي الإدراكية الصوفية مع توجه الفينومينولوجيا البيئية في القرن الواحد والعشرين في سياق الحضور الدائري لمستوى الوعي، وأيقونات التجربة واتصاليتها الدائرية الكونية المتجاوزة للزمكانية في سياق التداخل، والتجاور، والاتصال بين الشخصيات، والنماذج الروحية المتشابهة والتي تتضمن الاختلاف النسبي الذاتي في آن.
ويرى كل من تشارلز س. براون، وتيد تودفين – في دراستهما مدخل إلى الفينومينولوجيا البيئية ضمن كتاب الفينومينولوجيا البيئية – أن الفينومينولوجيا البيئية تعمل على تجاوز انفصال الوعي عن العنصر البيئي، ومن ثم تجاوز الثنائية الديكارتية الكلاسيكية، والموضوعية التقليدية أيضا؛ فثمة اتصال ميتافيزيقي ظاهراتي ممكن بين الوعي والعناصر البيئية، دون أن يختزل أي منهما إلى الآخر. (2).
تؤكد الفينومينولوجيا البيئية – إذا – التوسع الممكن للوعي في الطبقة الأعمق من تكوينات العناصر البيئية والتي قد تكون حلمية أو خيالية أو تأملية، أو تجمع بين أكثر من مستوى معرفي من الوعي؛ ومن ثم تتداخل ضمنيا مع بحث الغزالي عن الحقيقة الداخلية، والحقيقة الكونية عبر الحدس والتوسع الممكن للوعي.
ويمكننا ملاحظة توسع الوعي البيئي الظاهراتي – في صيرورة الغزالي المعرفية الروحية كما هي في الخطاب السيري التفسيري لساردة ريم بسيوني – في الحالات البينية للوعي؛ فالساردة تكرر ذلك الحلم التأملي الذي يجمع الغزالي بأخيه أحمد ويسبحان وسط مجموعة من النجوم بينما يصير التجسد فضاء ممكنا لاستقبال الضوء في سياق سلام إيماني وكوني متناغم. (3)، ويتطور ذلك الحضور الظاهراتي للشخصية ويتصاعد في حلقات نسبية تعبر عن مستوى الوعي في لحظة الحضور الكوني الآني الواسع وتبلغ ذروتها فيما يشبه أعلى درجة من الكريشندو في نهايات فترة عزلته، وإيمانه بالخبرات الحدسية التأملية؛ وهو ما يتوافق مع فكرة التوسع البيئي الظاهراتي؛ فالذات تقع ضمن اتصالية بيئية كونية شفافة، ومتعمقة في البعد الحلمي الممكن مع علامات المياه الافتراضية الحلمية، والنجوم، والضوء؛ وهو تأمل يشبه بوابات للعبور الروحي والمعرفي الكوني العميق في صيرورة الشخصية، وبعدها الداخلي الإيماني الذي يعمل ضمن الذاكرة الجمعية الواسعة وفي السياقات الثقافية والمعرفية المشابهة.
وأرى أن خطاب الساردة السردي التفسيري يتضمن استعارة إدراكية تقوم على علاقة المشابهة بين فضاء الإدخال الأول؛ وهو الذات الداخلية، وفضاء الإدخال الثاني / نموذج الغواص الباحث الحالم المتأمل التجريدي؛ وهو نموذج رمزي يتجلى في تمثيلات نسبية متشابهة، ومختلفة؛ وتتشكل الروابط الدلالية التي تجمع بين الفضاءين الذهنيين في المراقبة الآنية الدائرية في سياق تناغم كوني دائري، والتوسع الظاهراتي للوعي المبدع، ومعاينة التوافقية الذاتية والبيئية والكونية في الحلم، والمستويات التأملية العليا للوعي؛ ومن ثم يتشكل فضاء المزج الإدراكي توليد الشخصية التي تستعيد نموذج الرحلة الروحية وتتصل بسياقات بحثية وثقافية وانطباعات نسبية متباينة داخل الوعي الجمعي.
*الهوامش/
(1) راجع، د. ريم بسيوني، الغواص، دار نهضة مصر بالقاهرة، 2024، ص 60 وما بعدها.
(2)Read, Charles S. Brown, and Ted Todvine, Eco-Phenomenology, State Unevirsity of New York Press, 2003, p.xix, xx
(3) راجع، د. ريم بسيوني، السابق، ص-ص 568، 569
#محمد_سمير_عبد_السلام (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟