حسين حيدر محمد الجزائري
باحث اقتصادي
(Hussein.algazaeree)
الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 16:53
المحور:
الادارة و الاقتصاد
أولاً: المقدمة:
تأسست مجموعة العمل المالي (FATF) في عام 1989 ومقرها باريس ، وتتولى فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية (FATF) قيادة الجهود العالمية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار الأسلحة النووية، وتضع هذه الهيئة المؤلفة من 40 عضواً معايير دولية لضمان قدرة السلطات الوطنية على ملاحقة الأموال غير المشروعة المرتبطة بتجارة المخدرات والأسلحة غير المشروعة والاحتيال الإلكتروني وغيرها من الجرائم الخطيرة بفعالية، كما تُجري في هذه المجموعة أبحاثًا حول كيفية غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتُعزز المعايير العالمية للحد من المخاطر، وتقيّم مدى فعالية الإجراءات التي تتخذها الدول. وقد التزمت أكثر من 200 دولة وهيئة قضائية بتطبيق معايير مجموعة العمل المالي كجزء من استجابة عالمية منسقة لمنع الجريمة المنظمة والفساد والإرهاب. ويتم تقييم الدول والهيئات القضائية بمساعدة تسع منظمات أعضاء منتسبة في مجموعة العمل المالي، بالإضافة إلى شركاء عالميين آخرين، وهما صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وتجتمع الهيئة العامة لمجموعة العمل المالي (FATF) وهي الهيئة المسؤولة عن اتخاذ القرارات ثلاث مرات سنوياً، وتُحاسب الدول التي لا تلتزم بالمعايير إذا أخفقت دولة ما مراراً وتكراراً في تطبيق معايير مجموعة العمل المالي، فقد تُدرج ضمن قائمة الدول الخاضعة لمراقبة مشددة أو قائمة الدول عالية المخاطر. ويُشار إلى هاتين القائمتين عادةً باسم " القوائم الرمادية والسوداء".
وقد أثار إدراج العراق من قبل مجموعة العمل المالي الدولية (FATF) على القائمة الرمادية الخاصة بالدول الخاضعة للمراقبة المتزايدة في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بعد رصد أوجه قصور تتطلب اتخاذ إجراءات إصلاحية إضافية، مخاوف بشأن انعكاسات القرار على بيئة الأعمال وجاذبية الاستثمار الأجنبي في البلاد، ووفقاً لبيان رئيسة المجموعة (إليسا دي أندا مادرازو)قرر الاجتماع العام للمجموعة إضافة العراق إلى القائمة الرمادية، مشيرة إلى أن بغداد ما زالت بحاجة إلى اتخاذ خطوات لمعالجة المخاطر المرتبطة بالتعاملات النقدية، وزيادة التحقيقات المتعلقة بغسل الأموال وتمويل الإرهاب، فضلاً عن تعزيز استخدام المعلومات المالية في ملاحقة الجرائم المالية.
ووفقاً لذلك فإن إدراج العراق على القائمة الرمادية يعني إخضاعه لمراقبة معززة من مجموعة العمل المالي الدولية، مع التزامه بتنفيذ خطة عمل وإصلاحات محددة لمعالجة أوجه القصور في منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ثانياً: الأثر الاقتصادي لقرار (FATF) على العراق :
إن قرار مجموعة العمل المالي الدولية (FATF) بإدراج العراق مجدداً ضمن "القائمة الرمادية" (الدول الخاضعة للمراقبة المعززة في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب) يحمل أبعاداً وتداعيات اقتصادية مباشرة وهيكلية على بيئة المال والأعمال في البلاد، وعلى الرغم من أن الإدراج في القائمة الرمادية لا يعني فرض عقوبات مالية مباشرة أو مقاطعة دولية (على عكس القائمة السوداء). إلا أن الأثر الاقتصادي يمكن تلخيصه في المحاور التالية:
1. تشديد تدقيق "بنوك المراسلة" وارتفاع كلفة المعاملات: وذلك من خلال الاتي:
- العناية المشددة (الواجبة) على التحويلات المالية الصادرة والواردة في العراق: إذ ستلتزم المصارف الدولية والمؤسسات المالية العالمية بتطبيق إجراءات تدقيق صارمة ومطولة على كافة الحوالات المالية الصادرة من العراق أو الواردة إليه.
- ارتفاع الكلفة والزمن: يؤدي هذا التدقيق الإضافي مباشرة إلى تأخير زمن تنفيذ الحوالات التجارية الخارجية وزيادة "تكاليف الامتثال" التي تفرضها البنوك المراسلة، مما ينعكس كلفة إضافية يتحملها القطاع المصرفي والتجاري العراقي.
2. الضغط على أسعار الصرف في السوق الموازي:
- نظرًا للقيود المشددة على حركة الأموال والحوالات الرسمية، قد يواجه بعض التجار صعوبة أو تأخيراً في تمويل التجارة عبر القنوات المصرفية النظامية.
- يؤدي هذا إلى لجوء جزء من الطلب على العملة الأجنبية (الدولار) إلى السوق الموازية، مما يفرض ضغوطاً تصاعدية على أسعار الصرف غير الرسمية ويزيد من فجوة السعرين.
3. تراجع تدفقات رأس المال الأجنبي والاستثمار (FDI):
اذ تُعد تقارير (FATF) مؤشراً أساسياً تقيس على أساسه الشركات الكبرى والصناديق السيادية مستويات المخاطر السيادية والائتمانية.
كما تشير تقديرات صندوق النقد الدولي (IMF) تاريخياً إلى أن إدراج الدول في القائمة الرمادية قد يساهم في خفض تدفقات رأس المال الأجنبي الوافد بنسب متفاوتة، وهو ما قد يعيق جهود الحكومة في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة لتطوير البنى التحتية الكبرى والمشاريع الاستراتيجية (مثل قطاعات الطاقة، الموانئ، والنقل).
4.ارتفاع كلفة الاقتراض الدولي والائتمان:
اذ تتأثر التصنيفات الائتمانية للدولة سلباً بضعف مؤشرات الامتثال المالي. بناءً على ذلك، في حال رغبة العراق في إصدار سندات دولية أو الحصول على قروض خارجية من أسواق المال العالمية، فإن الجهات المقرضة ستطالب بـ "علاوة مخاطر" (Risk Premium) أعلى، مما يعني ارتفاع أسعار الفائدة وكلفة خدمة الدين العام.
5. زيادة الاعتماد على "الاقتصاد النقدي" (Cash Economy):
- اذ أشارت مجموعة العمل المالي إلى أن من أبرز نقاط القصور في البيئة المالية العراقية هي المخاطر المرتبطة بكثافة التعاملات النقدية (الكاش).
- وقد يؤدي تشديد الإجراءات المصرفية مؤقتاً إلى إحجام بعض الأنشطة الاقتصادية عن الدخول في المنظومة المصرفية الرسمية، والاعتماد بشكل أكبر على التداول النقدي الورقي، مما يعيق استراتيجيات "الشمول المالي" ويسهم في اتساع حجم الاقتصاد غير الرسمي.
ثالثاً: أهمية خطة العمل والتزام الاستجابة:
يمتلك العراق التزاماً سياسياً ومالياً رفيع المستوى (بالتنسيق بين البنك المركزي ومجلس مكافحة غسل الأموال) لتنفيذ خطة الإصلاح المتفق عليها مع الـ FATF، وتركز هذه الخطة على تعزيز التحقيقات المالية، وضبط قطاع العقارات، وتنظيم الأصول الافتراضية، والحد من التحويلات غير المشروعة، وأن سرعة تنفيذ هذه المتطلبات هي المفتاح الأساسي لتجنب مخاطر الانزلاق نحو "القائمة السوداء" (التي تعني العزلة المالية التامة) وضمان الخروج السريع من المنطقة الرمادية لاستعادة ثقة النظام المالي العالمي بالكامل.
ولتسريع الخروج من القائمة الرمادية، وضع البنك المركزي العراقي والمجلس الأعلى لمكافحة غسل الأموال، بالتنسيق مع مجموعة العمل المالي (FATF)، خطة عمل شاملة تركز على معالجة نقاط الضعف الهيكلية والتقنية في المنظومة المالية.
وتتلخص أبرز هذه المتطلبات والإجراءات التقنية في المحاور التالية:
1. تعزيز الرقابة المبنية على المخاطر (Risk-Based Supervision) وذلك من خلال:
- الانتقال من الرقابة التقليدية إلى الرقابة الحمائية:ويتمثل ذلك بإلزام البنك المركزي والجهات الرقابية (مثل هيئة الأوراق المالية والمديرية العامة للتسجيل العقاري) بتبني آليات تقييم وفحص تقوم على تصنيف المؤسسات حسب درجة مخاطرها، وتكثيف التدقيق الميداني والمكتبي على الجهات الأكثر عرضة للاستغلال.
- إلزام القطاع المصرفي وغير المصرفي: من خلال تطبيق تدابير "العناية الواجبة" المشددة على هوية المستفيد الحقيقي (Ultimate Beneficial Owner - UBO)، وخصوصاً في الحوالات الكبيرة وعمليات التجارة الخارجية.
2. تنظيم وتدقيق المهن والأعمال غير المالية المعينة (DNFBPs) إذ تتضمن:
- توسيع دائرة الرقابة: تشير تقارير FATF غالباً إلى أن القصور لا يقتصر على البنوك، بل يمتد إلى قطاعات أخرى تُستخدم كقنوات لغسل الأموال. لذلك تتضمن الخطة فرض رقابة صارمة وتسجيل دقيق لـ:
- قطاع العقارات والأراضي (عبر أتمتة التسجيل العقاري لمنع شراء العقارات بأموال مجهولة المصدر)
- تجار المعادن الثمينة والأحجار الكريمة (الذهب).
- المحامين، الكتاب العدول، والشركات الاستشارية عند قيامهم بتأسيس الشركات أو إدارة أموال نيابة عن عملائهم.
3. تقليص "الاقتصاد النقدي" وتعزيز ميكنة التحويلات من خلال :
- منصة الحوالات الإلكترونية: الاستمرار في تطوير وتوسيع نطاق المنصة الإلكترونية لتغطية كافة أشكال تمويل التجارة الخارجية، لضمان تتبع مسار الأموال من المشتري العراقي إلى المورد الأجنبي النهائي.
- الحد من التدفقات النقدية عبر الحدود: تفعيل أنظمة الإفصاح الجمركي الصارمة في المنافذ الحدودية والمطارات (الحدود البرية والبحرية والجوية) للأموال السائلة والمعادن الثمينة التي تتجاوز السقوف القانونية المسموح بها.
4. تطوير قدرات مكتب التحقيقات المالية (FIU) من خلال:
- رفع كفاءة التحليل المالي: تزويد "مكتب الإبلاغ عن غسل الأموال وتمويل الإرهاب" في البنك المركزي بأنظمة برمجية متطورة قادرة على رصد "الأنشطة المشبوهة" (STRs) تلقائياً، وتحليل الأنماط المالية المعقدة.
- سرعة الإحالة والتنسيق القضائي: تسريع آلية إرسال التقارير والملفات المشبوهة من مكتب التحقيقات إلى الجهات القضائية والادعاء العام، لضمان تحويل الشبهات المالية إلى قضايا جنائية وأحكام قضائية ناجزة.
5. تنظيم قطاع الأصول الافتراضية والعملات الرقمية:
من خلال وضع أطر قانونية وتنظيمية واضحة للتعامل مع "الأصول المشفرة" والعملات الرقمية، والتي باتت تشكل تحدياً متنامياً عالمياً وإقليمياً، وضمان عدم استخدامها كقنوات خلفية لنقل الأموال خارج النظام المصرفي الرسمي.
6. تعزيز التعاون الدولي والمساعدة القانونية المتبادلة (MLA): من خلال تفعيل وتسهيل آليات تبادل المعلومات المالية والأدلة الجنائية مع الوحدات النظيرة في الدول الأخرى والمنظمات الدولية بسرعة وكفاءة، وتسهيل إجراءات استرداد الأموال المهربة والأصول المجمدة.
رابعاً: الفرص والمكاسب غير المباشرة (الجانب الإيجابي):
على الرغم من صعوبة القرار، إلا أنه يمثل "قوة دفع إجبارية" لإصلاح المنظومة المالية، وتتجلى مكاسبه في:
1- تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي:
أن تطبيق متطلبات (FATF) يجبر المؤسسات على ميكنة العمليات، وتفعيل المنصات الإلكترونية للحوالات، وتقليل الاعتماد على "الاقتصاد النقدي" (Cash Economy) الذي طالما شكّل بيئة خصبة للمخاطر.
2- تنظيم وتحديث القطاعات غير المصرفية:
إذ يدفع القرار باتجاه أتمتة وتنظيم قطاعات حيوية ظلت بعيدة عن الرقابة المشددة لفترات طويلة، مثل قطاع العقارات، تجارة الذهب والمعادن الثمينة، وتنظيم قوانين الأصول الافتراضية والعملات المشفرة.
3- حماية المنظومة المالية من الانزلاق للمنطقة السوداء:
إن الالتزام بخطة العمل المشتركة وتوفير الدعم السياسي الرفيع لتنفيذ الإصلاحات يضمن بقاء العراق متصلاً بالنظام المالي العالمي، ويمنع تماماً خطر العزلة الشاملة (القائمة السوداء).
خامساً: الخاتمة:
مما تقدم يمكن القول بأن القرار لا يعني فرض عقوبات أو مقاطعة اقتصادية، بل يعني "تدقيقاً أكبر وكلفة أعلى" والعبرة تكمن في سرعة الاستجابة التقنية والسياسية فكلما كانت إجراءات البنك المركزي والجهات القضائية حازمة وسريعة في معالجة ثغرات الكاش والتحقيقات المالية قصرت مدة بقاء العراق في هذه القائمة وخرج منها باقتصاد أكثر رصانة وشفافية وموثوقية أمام المجتمع الدولي ، فضلاً عن أن استيفاء المتطلبات اللازمة لخطة العمل والإستجابة السريعة لا ينعكس فقط على رفع اسم العراق من القائمة الرمادية، بل يمثل حجر الأساس للتحول نحو "اقتصاد المعرفة الرقمي" والامتثال البيئي والمالي الشامل، مما يعزز الموثوقية الدولية في البنية التحتية للاقتصاد العراقي والمشاريع الاستراتيجية القادمة.
#حسين_حيدر_محمد_الجزائري (هاشتاغ)
Hussein.algazaeree#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟