أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - حسين حيدر محمد الجزائري - نظرية الدولة الريعية للاقتصادي الايراني حسين مهدوي وإسقاطها على الوضع في العراق















المزيد.....

نظرية الدولة الريعية للاقتصادي الايراني حسين مهدوي وإسقاطها على الوضع في العراق


حسين حيدر محمد الجزائري
باحث اقتصادي

(Hussein.algazaeree)


الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 13:08
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


المقدمة:
أن الوضع في العراق هو إسقاط في غاية الدقة لتفسير الجذور الهيكلية للأزمات الحالية التي يمر بها البلد ، فمهدوي كان أول من صاغ واقترح مصطلح "الدولة الريعية" في بحثه الشهير عام 1970 (عندما درس حالة إيران قبل الثورة)، وجاء بعده اقتصاديون كُثُر ليعمقوا هذا المفهوم.
حسب رأي مهدوي، الدولة الريعية هي التي تعتمد بشكل شبه كلي على "ريع خارجي" (مثل عائدات النفط) يتأتى من الخارج دون الحاجة لجهد إنتاجي محلي أو فرض ضرائب حقيقية على المواطنين، وتكون الحكومة هي المتلقي والموزع الأساسي لهذا الريع.
فعند تطبيق هذه النظرية على العراق، نجد أن "الريع النفطي" هو الوقود والممول الرئيسي لظاهرتي الفساد المالي والمحاصصة الحزبية عبر الآليات التالية:
1- استقلال السلطة عن المجتمع (المال بلا ضرائب)
حسب مهدوي، عندما لا تعتمد الدولة على الضرائب التي تجبيها من المواطنين، فإنها تصبح "مستقلة سياسياً" عنهم؛ أي أنها لا تشعر بالحاجة لتقديم كشف حساب أو الخضوع للمساءلة والمراقبة الشعبية ("لا تمثيل بدون ضرائب").
وفي العراق بما أن أكثر من 90% من موازنة العراق تعتمد على بيع النفط، فإن القوى السياسية الحاكمة لا ترى نفسها مسؤولة أمام المواطن دافع الضرائب. هذا "الاستقلال المالي للطبقة الحاكمة" فتح الباب على مصراعيه للفساد المالي، لأن الموازنات الانفجارية تُعامل كغنائم خارجية يتم تقاسمها، وليست أموالاً عامة تم جمعها من عرق المواطنين.
2- تحول الدولة من "دولة إنتاج" إلى "دولة توزيع" (منشأ المحاصصة):
في الاقتصاد الطبيعي، تنتج الدولة وتجبي الضرائب لتسيير الأمور. في نظرية مهدوي، يتحول دور الدولة الريعية إلى "موزع" للمال.
وفي العراق هذا الدور التوزيعي أفرز نظام المحاصصة الحزبية والطائفية (السانت ليغو وتوزيع المغانم) الأحزاب السياسية لا تتنافس على تقديم برامج اقتصادية أو خطط تنموية، بل تتنافس على قضم الحصة الأكبر من "كعكة الريع" (الوزارات والمديريات العامة). الوزارة في العراق لا تُدار كجهة خدمية، بل كـ "إقطاعية ريعية" تابعة للحزب لتوليد الأموال وتوظيف الأتباع.
3- التوظيف السياسي وشراء الولاءات (البيروقراطية المتضخمّة)
أشار مهدوي وباحثو الدولة الريعية إلى أن هذه الدول تميل إلى تضخيم الجهاز الإداري والأمني لامتصاص البطالة وشراء السلم الاجتماعي والولاء السياسي.
وفي العراق تحولت الوظيفة الحكومية إلى أداة بيد أحزاب المحاصصة لشراء الولاءات الانتخابية. تضخم الجسد الوظيفي في العراق إلى ملايين الموظفين والمتقاعدين، مما يلتهم الجزء الأكبر من الموازنة التشغيلية. هذا التوظيف العشوائي (الفضائيون والتعيينات الحزبية) هو جوهر الفساد المالي المشرعن، حيث يُعطى المال مقابل الولاء لا مقابل الإنتاجية.
4- "العقلية الريعية" وغياب القطاع الخاص:
تفرز الدولة الريعية مجتمعاً يتكل على عطاءات الحكومة، ويموت فيه حافز الابتكار أو الإنتاج (الزراعي والصناعي) لأن استيراد كل شيء بالدولار النفطي أسهل وأرخص، وهو ما يُعرف اقتصادياً بـ "المرض الهولندي".
وفي العراق فأن غياب القطاع الخاص الحقيقي جعل الاقتصاد مكشوفاً تماماً. هذا الغياب متعمد من قبل قوى المحاصصة؛ لأن بقاء المواطن معتمداً على التعيين الحكومي أو العقود الحزبية يبقيه رهينة للطبقة السياسية الحاكمة، مما يضمن استمرار النظام الفاسد.
لو كان حسين مهدوي حياً اليوم وشاهد الوضع في العراق، لقال إن المحاصصة الحزبية هي "الآلية السياسية" لتقاسم الريع، وأن الفساد المالي هو "النتيجة الحتمية" لإدارة مال يتدفق من باطن الأرض دون رقابة شعبية، وأن النفط في العراق تحول من نعمة تنموية إلى أداة لتثبيت حكم القلة وإضعاف مؤسسات الدولة القانونية.

وأن سبل الخروج من مأزق الدولة الريعية هو تفكيك شبكات المحاصصة والفساد المرتبطة بها في العراق رغم أن ذلك ليس بالأمر الهين، لأن ريع النفط هو المغذي الأساسي للمنظومة السياسية الحالية. ومع ذلك، يجمع خبراء الاقتصاد على الحزم الهيكلية والسياسات الاصلاحية التي يمكنها كسر هذه الحلقة المفرغة وتحويل الاقتصاد العراقي إلى اقتصاد إنتاجي مستدام، ويمكن تلخيص هذه الإصلاحات في ثلاثة محاور متكاملة:

أولاً: الإصلاحات الهيكلية وإدارة الريع (تجفيف منابع الفساد)
لتقليص هيمنة السلطة السياسية على القرار المالي، يجب تغيير آلية التعامل مع التدفقات النقدية النفطية عبر خطوتين أساسيتين:
1- تفعيل "صندوق سيادي استثماري" حقيقي (صندوق الأجيال): عزل العائدات النفطية عن الموازنة التشغيلية اليومية. يُستقطع جزء ثابت من عائدات النفط ليُستثمر في أصول دولية ومحلية مدرّة للدخل، ولا يُسمح للحكومة بالمساس به لتمويل رواتب أو نفقات استهلاكية. هذا يحمي الاقتصاد من تذبذبات أسعار النفط العالمية ويمنع الأحزاب من التعامل مع الموازنة السنوية كـ "كعكة فورية".
2- التحول التدريجي نحو "موازنة البرامج والأداء": بدلاً من الموازنة البنود التقليدية (التي تخصص مبالغ جامدة للوزارات تبتلعها المحاصصة)، يتم الانتقال إلى موازنة تُربط فيها الأموال الممنوحة بأهداف ومشاريع محددة ونسب إنجاز فعلية، مما يسهل مراقبة أين تذهب الأموال ويقلل الهدر المالي.

ثانياً: الرقمنة الشاملة (أتمتة المؤسسات)
ان الفساد المالي في الدول الريعية يزدهر في البيئات البيروقراطية المعقدة والورقية، والرقمنة هي السلاح الأسرع لقطع دابر الرشاوى والمحاصصة الإدارية ويمكن تنفيذها من خلال:
1- تطبيق الحوكمة الإلكترونية والنظام المصرفي الشامل: أتمتة التعاملات في الدوائر السيادية (الجمارك، الضرائب، التسجيل العقاري، والبلديات). عندما يتحول دفع الرسوم والضرائب إلى نظام إلكتروني مشفر، يختفي دور "المعقبين" والشبكات الحزبية التي تبتز المستثمرين والمواطنين.
2- توطين الرواتب ونظام الهوية البيومترية الموحد: القضاء التام على ظاهرة "الفضائيين" (الموظفين الوهميين أو من يتقاضون أكثر من راتب بدون وجه حق) عبر ربط جميع الرواتب والمستحقات التقاعدية ببصمة العين أو الأصبع والهوية الوطنية الموحدة. هذا الإجراء وحده كفيل بتوفير مليارات الدولارات سنوياً للوقاية من الهدر الحزبي.

ثالثاً: تنويع الاقتصاد وإحياء القطاع الخاص (تفكيك احتكار الدولة)
الهدف هنا هو نقل المواطن من خانة "الاعتماد الكامل على الدولة" (التي تستغلها الأحزاب لشراء الولاءات) إلى خانة "الإنتاج المستقل" عن طريق:
1- إصلاح البيئة التشريعية والاستثمارية: تبسيط إجراءات تسجيل الشركات وحماية الملكية وتوفير بيئة آمنة للمستثمر المحلي والأجنبي. يحتاج العراق إلى تفعيل "قوانين الشراكة بين القطاعين العام والخاص" لإدارة المشاريع الكبرى كالموانئ، والمطارات، والطاقة المتجددة، بعيداً عن الروتين الحكومي.
2- تفعيل الصناديق التنموية لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة: تأسيس بنوك تنموية متخصصة تمنح قروضاً ميسرة للشباب والمبتكرين في قطاعات التكنولوجيا، الزراعة الحديثة، والصناعات التحويلية، لخلق فرص عمل حقيقية خارج الجسد الحكومي المتضخم.
3- استغلال الميزتين التنافسيتين (الموقع الجغرافي والطاقة): الاستثمار الكثيف في البنية التحتية اللوجستية والممرات التجارية الدولية (مثل استكمال مشروع ميناء الفاو الكبير وطريق التنمية وربط السكك الحديدية الدولي)، والتحول نحو الصناعات البتروكيماوية وتكرير النفط محلياً بدلاً من تصديره كمادة خام، لتحقيق قيمة مضافة عالية وخلق آلاف الوظائف.

لذلك فإن إنهاء أزمة الريع في العراق لا يتطلب فقط "مكافحة الفساد" بالوسائل القانونية والقضائية التقليدية، بل يتطلب تغيير قواعد اللعبة الاقتصادية فكلما اتسع حجم القطاع الخاص والإنتاج المحلي، صغر حجم "الكعكة الحكومية" التي تتنافس عليها قوى المحاصصة، وزادت قوة واستقلالية المواطن والمجتمع أمام السلطة.



#حسين_حيدر_محمد_الجزائري (هاشتاغ)       Hussein.algazaeree#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاتفاقية العراقية - التركية (التحدي المتوقع للحكومة العراقي ...
- مشروع انبوب النفط البصرة - العقبة
- التداعيات الاقتصادية لإغلاق مضيق هرمز(الواقع ، الحلول والتحد ...
- الناقلات النفطية واهميتها الاقتصادية للعراق
- -الناقلات النفطية ودورها في الإمدادات النفطية العالمية-
- العقود الآجلة وتأثيراتها على السوق النفطية في ظل جائحة كورون ...
- الموارد الاقتصادية المهدورة في العراق شركة ناقلات النفط العر ...
- ميناء المعقل ... الواقع الحالي ورؤية المستقبل
- قطاع النقل البحري للنفط في العراق وأبعاده الاقتصادية
- ميناء الفاو الكبير بين الطموح والتحديات


المزيد.....




- أسعار النفط تتماسك وسط آمال باتفاق أمريكي إيراني
- عمال -مرسيدس- يقودون احتجاجات واسعة في قطاع السيارات بألماني ...
- -رويترز-:خسائر النفط في الحرب الأمريكية على إيران دون مستويا ...
- -عقدة هرمز-.. معركة قانونية تغذيها الحسابات الاقتصادية
- من القطن إلى وادي السيليكون.. 250 عاما من انتقال مركز الثقل ...
- -بلومبرغ-:زيادة إنتاج النفط لدى دول -أوبك- خلال يونيو الماضي ...
- أدنى مستوى منذ 4 عقود.. لماذا لا تخشى واشنطن تراجع احتياطيها ...
- الرئاسة الإيرانية: بزشكيان شدد على وجود طاقات واسعة لتطوير ا ...
- بزشكيان: التفاعلات بين إيران وروسيا في إطار منظمة شنغهاي للت ...
- هل يرسم العراق خريطة جديدة لصادرات النفط؟


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - حسين حيدر محمد الجزائري - نظرية الدولة الريعية للاقتصادي الايراني حسين مهدوي وإسقاطها على الوضع في العراق