|
|
كرة القدم ملكنا، والمونديال ملكهم .
حزب الكادحين
الحوار المتمدن-العدد: 8750 - 2026 / 6 / 28 - 16:17
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
كرة القدم، الرياضة الأكثر شعبية في العالم، نشأت في الأحياء العمالية الأوروبية كشكل من أشكال الترفيه الجماعي والتنظيم الشعبي. واليوم، أصبحت كأس العالم لكرة القدم (فيفا) آلة لاستخراج القيمة، تعمل بتواطؤ الحكومات والشركات والأجهزة القمعية. ونسخة 2026، التي تستضيفها المكسيك والولايات المتحدة وكندا، ليست استثناءً، بل هي على الأرجح المثال الأكثر وضوحًا وقسوة، في خضم الصراع الطبقي، على الرياضة كجزء من البنية الفوقية في خدمة مصالح الطبقات المهيمنة. كم تساوي التذكرة؟ الملعب كفضاء طبقي أشار ماركس إلى أن السلعة تحمل في صورتها سر الاستغلال. وتذكرة مونديال 2026 سلعة تعبّر عن ذلك دون أي حياء. فالعامل المكسيكي، بأجر متوسط شهري يبلغ 9500 بيزو، يحتاج إلى ما بين ثلاثة وأربعة أشهر من دخله الكامل لشراء تذكرة واحدة لمشاهدة المنتخب المكسيكي. ويتجاوز السعر المتوسط لتذكرة مباريات المنتخب المكسيكي 31900 بيزو، بينما تنطلق أسعار تذاكر حفل الافتتاح في ملعب أزتيكا من 45000 بيزو في الفئة الأولى، متجاوزة 100000 بيزو في مناطق الضيافة. كما رفعت إعادة البيع في السوق هذه الأرقام أكثر؛ فوفقًا لبيانات "تيكيت داتا"، يصل السعر المتوسط لمشاهدة المكسيك إلى 2182 دولارًا، وهو رقم يعادل ثلاثة أضعاف القيمة المتوسطة لباقي مباريات الدور الأول. وتسجّل مباراة الافتتاح بين المكسيك وجنوب أفريقيا حدًا أدنى لإعادة البيع يبلغ 2813 دولارًا. فالملعب الذي بُني بعرق العمال المكسيكيين أصبح اليوم، في أهم مباراة في تاريخهم الحديث، بعيد المنال عنهم. تتحدث فيفا عن "أسعار متغيرة" و"فئات ميسّرة". ونظريًا تبدأ أرخص التذاكر من 60 دولارًا، لكنها شبه معدومة في الواقع. فالرأسمال، كما هو الحال دائمًا، يحجز العرض لمن يستطيع دفع ثمنه. المدينة الواجهة: إخفاء الفقر، وطرد الفقير الملاعب ليست جزرًا منعزلة. إنها أقاليم يعيد الرأسمال تنظيمها على صورته. في مكسيكو سيتي وغوادالاخارا ومونتيري، عانت الأحياء العمالية والشعبية المحيطة بمواقع المونديال من عملية تسميها الأكاديميا "التسييح السياحي"، ويسمّيها الفكر الماركسي بدقة أكبر: تثمين رأسمالي للمكان على حساب كرامة الطبقة العاملة، وخاصة القطاع الأكثر هشاشة والمتجه نحو "اللمبن"( البروليتاريا الرثة ) . ويشكو سكان محيط ملعب أزتيكا في تلالبان وهويبولكو من إغلاقات مرورية دائمة، وعمليات أمنية تفرض عليهم تقديم إثبات سكن لمجرد التحرك في حيّهم، وأعمال تجميل يصفها كل من "إنفوباي" والجامعة الوطنية المستقلة بأنها "تستجيب لصورة تتطلبها البطولة أكثر من استجابتها لحاجات سكان المنطقة". وقد نبّهت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان رسميًا إلى الأثر غير المتناسب للمونديال على كبار السن، والنساء ربات الأسر، والمجموعات الأصلية الحضرية. وأدى ارتفاع الإيجارات والمضاربة العقارية في المناطق القريبة من الملاعب إلى تهجير سكان تاريخيين، وهو ما احتج عليه سكان مكسيكو سيتي في مسيرات أمام وزارة السياحة المحلية. وتُظهر المنشآت غير القانونية التي تحمل أختام إغلاق رسمية، لكنها تستمر في العمل قرب ملعب بانورتي في غوادالاخارا، تسامح الدولة حين يحتاج الرأسمال إلى الفضاء في موسم المونديال. تتحول المدينة إلى واجهة، يُجمَّل فيها الفقر، ويُدفع الفقراء إلى الخلف، خلف الستار. خصخصة المشاهدة . حتى مشاهدة المونديال لم تعد حرة. تُقدّر فيفا إيراداتها الإجمالية بـ11 مليار دولار لدورة 2023-2026، ويأتي جزء كبير منها من بيع حقوق البث لشبكات خاصة ومنصات بث تتقاضى بعدها من المشجع. واستثمرت المنصات 3.925 مليار دولار في حقوق البث الرياضي، بزيادة 36% مقارنة بقطر 2022، وهي تسعى لتعويض ذلك عبر اشتراكات أعلى سعرًا. وفي المكسيك، أوضح المعهد المكسيكي للملكية الصناعية أن الحانات والمطاعم وأي منشأة تبثّ المباريات دون ترخيص قد تواجه غرامات تصل إلى 29 مليون بيزو. وفيفا، صاحبة الحقوق، ترصد بنشاط "أي استخدام غير مرخّص لأصولها". فكرة القدم، التي وُلدت في الشارع، تحتاج اليوم إلى دفع مقابل لمشاهدتها في حانة حيّ شعبي. الإمبريالية في الملعب. تُلعب دورة كأس العالم في بلد وزارة الخارجية ووزارة الأمن القومي الأمريكيتين. فمنتخب إيران، المتأهل بشكل شرعي للبطولة، لا يمكنه التمركز على الأراضي الأمريكية. فحكومة ترامب، بموجب أمر تنفيذي يقيّد السفر من اثني عشر بلدًا، رفضت منح تأشيرات لرئيس الاتحاد الإيراني والمدرب وتسعة من المسؤولين لحضور القرعة في ديسمبر. وفي وقت لاحق، رُفضت طلبات 15 من أفراد الطاقم المساعد. واضطر منتخب إيران إلى نقل معسكره إلى تيخوانا في المكسيك، يعبر الحدود فقط يوم كل مباراة ليعود في نفس الليلة. واحتجت إيران لدى فيفا على ما وصفته بـ"أسوء شكل ممكن من التدخل المنحاز سياسيًا في الرياضة". وتعرّض الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان، الذي كان سيصبح أول حكم صومالي في مونديال، للاعتقال في ميامي رغم حمله جواز سفر دبلوماسي. وقد دافع أندرو جولياني، رئيس فرقة عمل البيت الأبيض الخاصة بالمونديال، عن هذه التدابير باسم "الأمن القومي المتشدد". أما فيفا، تلك الهيئة التي عاقبت إندونيسيا لعدم سماحها بدخول إسرائيل في مونديال تحت 17 سنة، فقد التزمت صمتًا متواطئًا أمام تمييز الولايات المتحدة ضد بعثات بلدان عربية وشرق أوسطية. الهجرة واللاجئون في الملعب، والعمال في الشارع: التناقض مكشوفًا. في حين تحتفل فيفا وشركاؤها التجاريون بـ"عيد كرة القدم"، يتجلى التناقض الطبقي في شوارع المدن المستضيفة. في لوس أنجلوس، هدّد عمال ملعب "سوفاي" - وأغلبهم مهاجرون من أمريكا اللاتينية - بالإضراب قبل خمسة أيام من الافتتاح. ومطالبهم تتمحور حول أجور تتجاوز 30 دولارًا في الساعة (في مقابل زيادات بمقدار 25 سنتًا عرضتها عليهم شركة "ليجندز غلوبال")، وضمانات للحماية من تواجد دائرة الهجرة والجمارك (آيس) داخل الملعب. وكان رئيس النقابة المشارك واضحًا حين قال إن جناح الضيافة الخاص بفيفا، الذي يُباع بـ100 ألف دولار، لن يحظى في حال الإضراب إلا بماء معدني وبطاطا مقلية. وصرّح مدير دائرة الهجرة والجمارك، توم هومان، بأن الوكالة ستُعطي الأولوية لـ"الأمن القومي" على الترحيل خلال البطولة، لكنه أضاف أنه في حال وجود تهديد أمني "يضمّ شخصًا مهاجرًا غير شرعي، فسوف نتصرف بالطبع". فخوف العمال المهاجرين الذين يقيمون على أكتافهم هذا العرض الموجّه للمليونيرات يصبح، إذن، أداة لإدارة العمالة. وفي المكسيك، أعلنت "الهيئة التنسيقية الوطنية لعمال التعليم" في الأول من يونيو إضرابًا وطنيًا مفتوحًا، متجهة في مسيرة من نصب "الملاك" إلى ساحة "الزوكالو"، حيث كان "مهرجان مشجعي فيفا" يحتل الفضاء العام فعلًا. وتشمل مطالبهم زيادة أجور حقيقية، وإلغاء قانون "إيسستي" لعام 2007، ومراجعة الإصلاح التربوي. وعرضت الحكومة عليهم زيادة بنسبة 9%، وهي نسبة قدّر المعلمون أنها لا تتجاوز فعليًا 4.3% بعد التضخم، أي بالكاد تفوقه. وفي 9 يونيو، سار معلمون وطلاب من أيوتسينابا نحو ملعب أزتيكا، فتمت محاصرتهم بعمليات شرطية. وكتب على لافتة: "قاطعوا مونديال فيفا 2026!". ووعدت الرئيسة شينباوم بأن "حفل الافتتاح مضمون". معيار فيفا المزدوج في 2023، جرّدت فيفا إندونيسيا من استضافة مونديال تحت 20 سنة بعد أن طلب حاكم بالي، واين كوستر، استبعاد المنتخب الإسرائيلي تضامنًا مع الشعب الفلسطيني. وإندونيسيا، أكبر بلد مسلم في العالم من حيث السكان، لا تعترف بإسرائيل كدولة. وتصرفت فيفا في غضون ساعات بانتزاع الاستضافة والتهديد بفرض عقوبات على الاتحاد الإندونيسي. وتولت الأرجنتين تنظيم البطولة دون أي تردد. و فيفا هذه تأمر، في يونيو 2026، هايتي بتعديل قميصها الرسمي بسبب احتوائه على رسم لمعركة "فيرتيير" عام 1803، المعركة التي هزمت القوات النابليونية وفتحت الطريق لاستقلال هايتي. وقد أوضحت الشركة الكولومبية "سايتا" المصممة للقميص أن التصميم كان "تحية للرجال والنساء الذين يساهمون كل يوم في مستقبل هايتي". لكن فيفا اعتبرته "رسالة سياسية" وطالبت بتعديلات دون أن تحدد بالضبط أي عنصر يخالف اللائحة. وهايتي، التي لم تخض مونديالًا منذ 1974، رأت ذاكرتها المعادية للاستعمار تُمحى من قميصها بقرار بيروقراطي. والاتساق هنا تم من منطق الرأسمال الذي يعاقب التضامن مع الشعب الفلسطيني، ويعاقب ذكرى أول ثورة سوداء في العالم الحديث، بينما يحمي حق الولايات المتحدة في التمييز ضد بعثات كاملة بمنطق إمبريالي حربي. فيفا ليست محايدة سياسيًا: إنها سياسة الرأسمالية الإمبريالية بعينها.كرة القدم ملكنا، والمونديال ملكهم مونديال 2026 هو مرآة. يعكس بدقة لحظة الرأسمالية في طورها الإمبريالي: الإلحاق التام للرياضة بمنطق السلعة، وعسكرة الفضاءات العامة، وتجريم الاحتجاج، وإدارة اليد العاملة المهاجرة عبر الخوف. فقد استولى الرأسمال العالمي على لعبة الطبقة العاملة وحوّلها إلى أداة للاستخراج والاستبعاد والسيطرة. فالمعلمون المكسيكيون الذين يتظاهرون بينما يرتدي "الزوكالو" لباس فيفا، والعمال المهاجرون في ملعب "سوفاي" الذين يطالبون بأجور كريمة تحت تهديد دائرة الهجرة، وأبناء هايتي الذين تُمحى ثورتهم من على جلودهم، والإيرانيون الذين يعبرون الحدود كـ" متسللين سريين " ليلعبوا مونديالًا، وسكان تلالبان الذين يحتاجون إلى إظهار بطاقتهم للدخول إلى شارعهم؛ هؤلاء جميعًا طبقة واحدة، ونضالهم، المتشظي والمتباعد، يشير إلى عقدة واحدة: عقدة الرأسمال المنظَّم في شكل عرض استعراضي. كرة القدم، في أصلها، كانت ملكنا. واستعادتها ليست مجرد مسألة رياضية. موقع ثورة العمال
#حزب_الكادحين (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ايطاليا : اضراب عام من اجل فلسطين والطبقة العاملة وضد الحرب
...
-
* هيـدمــا * : الأغنية التي تهابها الرّجعيّة الهنديّة
-
في الذكرى 81 للانتصار على النازية
-
عيد العمّال العالمي، 1 ماي 2026: بيان مشترك
-
حول الحرب العادلة والحرب غير العادلة
-
جريمة أخرى في لبنان .
-
جريمة أخرى في لبنان .
-
حول العدوان على ايران .
-
كل جزء من كردستان سيكون قبراً للإمبريالية الأميركية.
-
مجازر ضد الكرد في سوريا.
-
حول اختطاف رئيس الجمهورية الفنزويلية البوليفارية
-
اِنْتِفَاضَــةُ 17 دِيسَمْبَــرَ: الذِّكْرَى وَالدُّرُوسُ
-
الذّكرى 25 لتأسيس جيش التحرير الشعبي الهندي
-
سوريا: بيت جن ترفع السّلاح وتهبّ إلى الكفاح
-
الحقيقة حول قتل هيدما ورفاقه
-
المجد الأبدي للرّفيق مافي هيدما !
-
أنباء حرب الشعب في الهند
-
فارافارا راو: رمز المثقّف الثوري المنتصر للكادحين وحرب الشعب
-
بيان حول السودان .
-
بيان حول خطة ترامب لتصفية القضية العربية الفلسطينية .
المزيد.....
-
زلزال سياسي يهدد مودي.. فضيحة فساد في معبد بناه على أنقاض مس
...
-
من الجو والبر.. هذه أبرز التهديدات الأمنية التي تواجه إيران
...
-
الجيش الإسرائيلي يحذّر: نقص حاد في القوى البشرية يهدد الجاهز
...
-
طهران تبدأ مراسم تشييع المرشد الراحل: هل يظهر مجتبى خامنئي ف
...
-
تشريعيات الجزائر تسجل أدنى نسبة مشاركة في تاريخ البلاد: لماذ
...
-
معرض -فلسطين المقتلعة- يشعل أزمة سياسية في كندا بعد انتقاد و
...
-
-اتفاق الإطار لا يشرّع الاحتلال-.. الرئيس اللبناني: إسقاط ال
...
-
محور بلا معاهدة! .. لماذا تخشى الولايات المتحدة تقارب خصومها
...
-
يوليان ناغلمسان.. سقوط مفاجئ لمدرب موهوب!
-
مدفيديف يصل إلى طهران ممثلا لروسيا إلى مراسم تشييع المرشد ال
...
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|