|
|
ألكسندر دوغين - 22 حزيران يونيو... بين الأمس واليوم (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 13:36
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ألكسندر دوغين فيلسوف روسي معاصر
24 يونيو/حزيران 2026
إعداد وترجمة د. زياد الزبيدي بتصرف
سؤال - يصادف اليوم الثاني والعشرون من حزيران يونيو، وهو اليوم الأطول في السنة والليلة الأقصر. ومن اللافت أن هذه العبارات نفسها إرتبطت في الذاكرة الروسية بأحداث منتصف القرن الماضي. فمنذ خمسة وثمانين عاماً إندلعت الحرب الوطنية العظمى. وعلى مدى العقود الماضية أستُخدمت منها دروس كثيرة وقُدمت بشأنها إستنتاجات لا حصر لها. غير أن السنوات الأخيرة أظهرت أن كثيراً من تلك الدروس لم تكن راسخة أو محسومة كما إعتقد البعض، إذ إن الأحداث الجارية اليوم تدفعنا مجدداً إلى إستحضار تلك المرحلة وإعادة التفكير فيها. لذلك أقترح أن نبدأ حديثنا من هناك: أن نستعيد شيئاً من ذكريات عام 1941، وأن نبني جسور المقارنة بين ذلك العام في القرن العشرين وعام 2026 في القرن الحادي والعشرين.
ألكسندر دوغين - بالتأكيد نحن نتحدث عن حقبتين مختلفتين تماماً، لكن بعض الإستنتاجات وبعض ومضات الذاكرة المرتبطة بذلك الحدث المأساوي، أي هجوم ألمانيا الهتلرية على الإتحاد السوفياتي من دون إعلان حرب، لا تزال حاضرة بقوة. فقد رافق ذلك الهجوم إحتلال مساحات شاسعة من أراضينا، وخلال الأشهر الأولى، بل وربما خلال السنة الأولى من الحرب، كان الألمان هم الطرف المتقدم ميدانياً. لقد واصلوا هجومهم بصورة منهجية وكثيفة، بينما كنا نحن نتراجع.
في ذلك الوقت لم نكن مستعدين للحرب بالشكل الكافي. لم نتوقع إندلاعها، ولم نُعِدّ أنفسنا لها كما ينبغي، بل كنا نعتقد أنها أمر غير وارد.
وكما هو معروف، فإن ستالين، حسب بعض الروايات، ظل حتى اللحظات الأخيرة يثق بهتلر. وكان يعتقد أن الأخير يتعامل بجدية مع مفهوم «الإشتراكية» الوارد في تسمية «الإشتراكية القومية» أي النازية، وهي الأيديولوجيا الرسمية لألمانيا النازية آنذاك. وقد تصور ستالين أن هتلر سيختار التحالف مع دولة إشتراكية أخرى، أو على الأقل المحافظة على الحياد تجاهها، في مواجهة الرأسمالية الأنغلوسكسونية التي كان هتلر يبدي تجاهها عداءً واضحاً ويخوض ضدها صراعاً أيضاً.
فالحرب العالمية الثانية لم تبدأ بالنسبة إلى الإتحاد السوفياتي في الثاني والعشرين من يونيو، أي مع الهجوم الألماني عليه، بل بدأت عملياً عام 1939 مع إندلاع المواجهة بين ألمانيا وبريطانيا. ولهذا كان من الممكن توقع أي شيء من هتلر. وفي هذا الجانب يذكّرني إلى حد ما بدونالد ترامب، أو ربما العكس؛ فترامب يذكّر بهتلر من حيث تقلب المواقف وعدم الثبات على سياسة واحدة. فقد كان هتلر ينتقل أحياناً بين مهاجمة الإتحاد السوفياتي والشيوعية، وبين توجيه إنتقاداته إلى الغرب الليبرالي البرجوازي.
لقد كانت الإشتراكية القومية لدى هتلر أيديولوجيا تقدم نفسها بإعتبارها «طريقاً ثالثاً»، فهي في الوقت ذاته معادية للرأسمالية التقليدية ومعادية للإشتراكية الماركسية. ومن المرجح أن ستالين كان يأمل بأن تميل كفة هذا التوازن الفكري الوسيط نحو مواجهة الغرب الليبرالي والرأسمالية الأنغلوسكسونية، التي كان هتلر يبغضها بالفعل.
لكن الأحداث أثبتت أنه لم يكن يكره الغرب وحده، بل كان يكن العداء لنا أيضاً. وأعتقد أن الإتحاد السوفياتي حاول دفع هتلر نحو الصدام مع الغرب، في حين سعى الغرب إلى دفعه نحو الصدام مع روسيا.
اليوم نملك كماً كبيراً من الوثائق التي كُشف عنها بشأن المفاوضات والإتصالات التي كانت تجري خلف الكواليس في تلك المرحلة. ومن خلال هذه المواد يتبين أن الجهات المرتبطة بالنفوذ الأنغلوسكسوني لعبت دوراً مهماً في تهيئة الظروف التي قادت إلى هجوم الثاني والعشرين من يونيو ضد الإتحاد السوفياتي، وهو الهجوم الذي جرى التخطيط له وإعداده مسبقاً.
وكانت ألمانيا الهتلرية في ذلك الوقت، من وجهة نظري، تمثل ما يشبه الإتحاد الأوروبي في صيغته التاريخية المبكرة؛ إذ كانت معظم أوروبا القارية خاضعة لنفوذ هتلر، سواء عبر أنظمة موالية له أو عبر الإحتلال المباشر. وقد شكّل ذلك تحدياً هائلاً. فلو إستمرت ألمانيا في خوض الحرب على جبهة واحدة ضد الغرب، لوجدت بريطانيا والولايات المتحدة نفسيهما أمام وضع بالغ الصعوبة.
وفي تلك المرحلة بالتحديد حققت الإستخبارات البريطانية، عبر قنوات وأساليب متعددة، نجاحاً مهماً تمثل في توجيه هتلر نحو مواجهة الإتحاد السوفياتي. أي أنها عملت على جعل العنصر «القومي» في مفهوم «الإشتراكية القومية» يتغلب على العنصر «الإشتراكي». وبرأيي كانت تلك عملية أيديولوجية وفلسفية وإستخباراتية واسعة النطاق.
ولا نبدأ اليوم إلا بالكاد في إدراك بعض ملامح هذا الدور العميق الذي مارسته الأجهزة البريطانية، والتي سعت إلى إستغلال النزعة العنصرية لدى هتلر، عبر ترسيخ فكرة مفادها أن الأنغلوسكسونيين ينتمون إلى العالم نفسه الذي ينتمي إليه الألمان، بينما يُنظر إلى الروس باعتبارهم «أناساً أدنى مرتبة». ومن وجهة نظري، ما زلنا نسمع أصداء هذه التصورات حتى يومنا هذا في بعض الخطابات الغربية. وكأن التاريخ يعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة.
لقد نجحت تلك العملية الأنغلوسكسونية، وكانت النتيجة المأساوية هي ما حدث في الثاني والعشرين من يونيو عام 1941.
غير أن هذا القرار كان أيضاً بداية النهاية بالنسبة إلى هتلر نفسه، لأن الهجوم على روسيا تحوّل بالنسبة إليه إلى ما يشبه الحملة التي قادت نابليون من قبل إلى مصيره المعروف. فكلما شعرت بريطانيا والقوى المالية العالمية العابرة للحدود بأن أوروبا القارية الموحدة قد تتحول إلى قوة قادرة على تهديدها، فإنها تسعى إلى توجيه هذه القوة نحو الصدام مع روسيا.
وماذا كانت النتيجة بعد ذلك؟
كانت النتيجة نهاية ألمانيا كقوة مستقلة، ونهاية مشروع أوروبا ذات السيادة. لكن الثمن الذي دفعه شعبنا كان هائلاً أيضاً. لقد كانت الخسائر فادحة ومروعة بكل المقاييس.
نعم، لقد إنتصرنا في تلك الحرب إنتصاراً عظيماً ومبهراً، لكن السؤال الذي يبقى مطروحاً دائماً هو: كم كانت كلفة ذلك الإنتصار باهظة؟ ويستطرد دوغين قائلاً إن هناك جانباً آخر بالغ الأهمية في نتائج الحرب العالمية الثانية. فبحسب رؤيته، فإن أوروبا التي إنقسمت بعد إنتصار الإتحاد السوفياتي إلى معسكرين متواجهين كانت تحمل في داخلها إشكالية جيوسياسية كامنة. ويرى أن خط التقسيم الذي نشأ بعد عام 1945 لم يكن كافياً لضمان أمن روسيا على المدى الطويل.
ويقول إن موسكو كان ينبغي لها، من وجهة نظره، أن تمضي حتى النهاية وأن تفرض نفوذها على كامل القارة الأوروبية وصولاً إلى المحيط الأطلسي، أو على الأقل ألا تكتفي بالتسوية التي جرى التوصل إليها مع القوى الأنغلوسكسونية. غير أن القيادة السوفياتية إختارت آنذاك التفاهمات والتوازنات الدولية وتقاسم النفوذ في أوروبا، وهو ما يعتبره دوغين «لغماً مؤجلاً» زُرع في بنية النظام الدولي وأدى لاحقاً إلى عودة التحديات نفسها.
ويضيف أن الإتحاد السوفياتي نجح في الحفاظ على مكاسب إنتصاره لعقود عدة، من عام 1945 حتى عام 1989، وهي فترة ليست قصيرة بمقاييس السياسة، لكنها ليست زمناً تاريخياً طويلاً بالمعنى الحضاري.
ثم جاءت، بحسب وصفه، مرحلة التحولات الكبرى في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، حيث يرى أن ما تحقق من إنجازات وتضحيات خلال الحرب الوطنية العظمى تعرض للتبديد بسبب ما يعتبره «خيانة» من جانب جزء من النخبة السوفياتية. ويذهب إلى القول إن الليبراليين والإصلاحيين الموالين للغرب في مرحلة التسعينيات لم يكتفوا ــ في نظره ــ بالتخلي عن نتائج الإنتصار، بل «إنتزعوا من الروس حتى ذاكرتهم التاريخية المرتبطة به».
ومن هذا المنطلق يطرح دوغين سؤالاً مركزياً: لماذا يبدو أن التاريخ يعيد نفسه؟ ولماذا تعود، بعد مرور خمسة وثمانين عاماً، الدعوات في بعض الأوساط الغربية إلى مواجهة روسيا من جديد؟
ويرى أن روسيا تجد نفسها اليوم، مرة أخرى، في مواجهة الغرب، ولكن في ظروف يعتبرها أكثر خطورة، لأن خطوط التماس باتت أقرب إلى ما يسميه «القلب التاريخي للأراضي الروسية». ولذلك لم يعد تاريخ الثاني والعشرين من يونيو بالنسبة إليه مجرد ذكرى من الماضي، بل تحول إلى رمز لحالة مستمرة لم تنتهِ بعد.
ويشرح فكرته بالقول إن أجيال الحقبة السوفياتية كانت تنظر إلى يوم 22 يونيو 1941 بوصفه حدثاً تاريخياً إنتهى وإنقضى، يُستحضر لتكريم الأبطال وإحياء ذكرى الضحايا وإستلهام العبر. لكن التطورات اللاحقة، في رأيه، أظهرت أن ذلك التاريخ لم يصبح ماضياً خالصاً، بل ظل حاضراً في الحاضر والمستقبل معاً.
ويقول: لقد إعتقدنا أننا غادرنا تلك اللحظة التاريخية منذ زمن بعيد، لكننا إكتشفنا أننا نعيشها مرة أخرى، وإن بأشكال مختلفة.
ومن هنا ينتقل إلى طرح سؤال رمزي: أين هو عام 1945 الجديد؟ وأين هي لحظة الحسم التي تنهي المواجهة الراهنة كما إنتهت الحرب العالمية الثانية؟
ويرى أن القيادة السوفياتية أخطأت حين بالغت في تقدير نيات هتلر وفهمها لأوروبا آنذاك، وأن روسيا المعاصرة ــ بحسب رأيه ــ ترتكب خطأً مشابهاً إذا لم تدرك الطبيعة الحقيقية للغرب الحالي.
ويذهب دوغين إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن المواجهة مع الغرب لم تنتهِ فعلياً في التاسع من مايو 1945، بل كان ينبغي الإستعداد لجولة جديدة منها منذ ذلك التاريخ نفسه. وبرأيه، فإن موسكو إكتفت بالدفاع عن المكاسب التي حققتها بدلاً من السعي إلى توسيعها وترسيخها بصورة نهائية، ثم إنتقلت تدريجياً إلى سياسة التنازلات والرهان على التقارب مع الغرب في إطار ما عرف بنظرية «التقارب الحضاري» القائمة على الإرث التنويري المشترك.
ويعتبر أن هذه المقاربة أدت في النهاية إلى إضعاف روسيا بشكل خطير، وأن البلاد كانت ستواجه مصيراً أكثر قسوة لولا التحول الذي شهده عهد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والذي يراه دوغين نقطة إنعطاف نحو إستعادة السيادة الروسية وإحياء ما يسميه «الدولة-الحضارة».
ويضيف أن روسيا، رغم عودتها إلى هذا المسار، تواجه صعوبات كبيرة نتيجة التراكمات والخسائر التي تكبدتها خلال العقود السابقة، خصوصاً عندما تعود ــ بحسب تعبيره ــ إلى الثقة بالغرب أو تؤخر إتخاذ القرارات الحاسمة.
ومن وجهة نظره، فإن الدرس الأهم المستخلص من الثاني والعشرين من يونيو 1941 يتمثل في أن التهديدات لن تختفي ما لم تتمكن روسيا من بناء نظام دولي يضمن أمن حضارتها ومصالحها الإستراتيجية بصورة مستقرة ودائمة. ويرى أن تحقيق هذا الهدف لا يقتصر على إستخدام القوة العسكرية، بل يتطلب أيضاً توظيف الدبلوماسية والإقتصاد والتكنولوجيا والأفكار والثقافة.
ويؤكد أن الخلاصة الكبرى لهذه القراءة التاريخية هي أن الإتحاد السوفياتي إنتصر في الحرب العالمية الثانية، لكنه ــ في نظره ــ خسر جزءاً كبيراً من ثمار ذلك الإنتصار لاحقاً. ولذلك فإن المهمة المطروحة اليوم، كما يراها، تتمثل في إعادة تثبيت نتائج ذلك النصر وجعلها جزءاً حياً من الوجود التاريخي الروسي، لا مجرد صفحة بعيدة في كتب التاريخ.
ويشير إلى أن بعض الخطابات السائدة في الغرب باتت، من وجهة نظره، تتعامل مع إنتصار عام 1945 وكأنه إستثناء عابر، بينما تنظر إلى الهجوم الألماني على الإتحاد السوفياتي عام 1941 بوصفه تعبيراً عن منطق تاريخي أكثر رسوخاً. ويعتبر أن النزعات المعادية لروسيا التي كانت حاضرة في الأيديولوجيا النازية لم تختفِ تماماً، بل إتخذت أشكالاً جديدة داخل الخطاب السياسي الغربي، فيما جرى تحويل أوكرانيا ــ بحسب رأيه ــ إلى رأس حربة في هذه المواجهة.
ولهذا السبب، يقول دوغين، لم تعد ذكرى الحرب الوطنية العظمى تقتصر على الفخر ببطولات الأجداد أو الحزن على الضحايا، بل إختلطت بمشاعر مرتبطة بالصراع الراهن، وكأن رماد الماضي ما زال يتساقط على الحاضر.
سؤال - إسمح لي أن أتوقف عند نقطة مهمة تتعلق بمفهوم الإنتصار. أعتقد أن كثيراً من المستمعين سيتفقون مع ما تقوله، لكن الزمن الذي نعيش فيه يفرض معادلة مختلفة: لم يعد كافياً أن تنتصر، بل أصبح من الضروري أيضاً أن تقنع الآخرين بأنك إنتصرت.
هناك قادة في العالم يعلنون إنتصاراتهم عبر المنصات الإعلامية وشبكات التواصل الإجتماعي بغض النظر عن حقيقة ما يجري على الأرض، ومع مرور الوقت يتبنى جزء كبير من الرأي العام العالمي هذه الرواية بإعتبارها حقيقة.
فما الذي تملكه روسيا اليوم لإثبات روايتها التاريخية وإقناع الأجيال الجديدة بها؟ كيف يمكنها أن تشرح للآخرين أن ما أعتُبر حقيقة طوال خمسة وثمانين عاماً ما زال صحيحاً؟ خصوصاً في ظل سيل الروايات والمعلومات المتدفقة من مصادر مختلفة، والتي لا تقدم بالضرورة أكاذيب صريحة، لكنها كثيراً ما تقدم أنصاف حقائق أو وقائع منزوعة من سياقاتها.
ألكسندر دوغين - أولاً، التاريخ يكتبه المنتصرون. أما المهزومون فلا يمتلكون تاريخهم الخاص، بل يُكتب لهم تاريخ من قبل الطرف الذي إنتصر عليهم.
فالمنتصر يأتي ويقول: هذا ما حدث لكم، وهذه هي إنتصاراتكم، وهذه ليست إنتصاراتكم.
ومن أجل أن نحتفظ بحقنا في روايتنا التاريخية الخاصة وبحقنا في إعتبار عام 1945 نصراً روسياً، ينبغي ــ بحسب رأيي ــ أن ننتصر مرة أخرى.
ويضيف أن روسيا، من وجهة نظره، فرطت بنفسها في جزء من مكاسب ذلك الإنتصار عندما قبلت بالتحولات التي شهدتها نهاية الحقبة السوفياتية. ويتساءل: هل تمت محاسبة المسؤولين عن تفكك الإتحاد السوفياتي؟ وهل خضع من يعتبرهم مسؤولين عن تلك المرحلة لأي شكل من أشكال المساءلة السياسية أو التاريخية؟
ويرى أن الدعم الشعبي للرئيس بوتين يعود في جانب منه إلى تبنيه خطاباً وطنياً يدافع عن الدولة الروسية وسيادتها، لكنه يعتقد أن هذه المراجعة لم تتحول بعد إلى إطار قانوني وأيديولوجي متكامل.
ويخلص إلى أن روسيا، عندما تخلت عن جزء من سيادتها في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، سمحت للغرب بفرض روايته الخاصة للتاريخ. ولذلك، فإن كثيراً من الأوساط الغربية تتبنى اليوم سردية تضع ستالين وهتلر في خانة واحدة بإعتبارهما نموذجين للإستبداد.
كما يعتقد أن جزءاً من النخب الفكرية الروسية خلال تسعينيات القرن الماضي كان مستعداً لقبول هذه القراءة الغربية للتاريخ، وهو ما يصفه دوغين بأنه شكل من أشكال «الإستسلام الفكري والسياسي». إلا أن وصول بوتين إلى السلطة، بحسب تقديره، أدى إلى تغيير هذا المسار وإعادة توجيه الدولة الروسية نحو مشروع إستعادة النفوذ والسيادة.
ويتابع ألكسندر دوغين حديثه مؤكداً أن الصراع في العصر الحديث لم يعد يقتصر على الجيوش والأسلحة والحدود، بل أصبح يدور، قبل كل شيء، في فضاء الأفكار والرؤى والتصورات الذهنية.ا
ويقول إن الكلمات، والفلسفة، وأنماط التفكير، والسرديات الوطنية، باتت تشكل الميدان الحقيقي للمواجهة بين الأمم والدول. فالدولة ذات السيادة، في رأيه، ليست فقط تلك التيا تحمي حدودها، بل تلك التي تمتلك القدرة على إدارة وعيها الجماعي والتحكم بروايتها التاريخية الخاصة.
ويضيف أن الأمة التي تسمح بزرع نماذج فكرية غريبة في وعيها لا تحتاج بالضرورة إلى غزو عسكري كي تُهزم، لأن السيطرة على العقول قد تصبح بديلاً عن السيطرة على الأراضي. ومن هذا المنطلق يرى أن الإستعمار في القرن الحادي والعشرين يتخذ شكلاً مختلفاً، حيث يجري عبر المجال الإعلامي والثقافي والمعرفي، لا عبر الجيوش وحدها.
وبحسب دوغين، فإن الخطاب الحضاري الروسي ما زال يعاني من ضعف واضح في هذه الساحة، رغم الجهود التي يبذلها كثير من الإعلاميين والمفكرين الذين يسعون إلى الدفاع عن الرؤية الروسية للعالم.
ويشير إلى أن المشكلة لا تكمن في غياب الأشخاص المستعدين لخوض هذه المعركة الفكرية، بل في غياب الدعم المؤسسي المتماسك. فهناك، كما يقول، صحفيون وإعلاميون يعملون في الخطوط الأمامية للحرب الإعلامية ويحاولون إيصال الرسائل الروسية إلى الداخل والخارج، لكنهم غالباً لا يجدون المساندة المطلوبة عندما يحتاجون إلى دعم منهجي ومنظم من المؤسسات الرسمية.
ويصف هذا الوضع بأنه إستمرار لإرث ثقيل يعود إلى تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية الجديدة، وهي المرحلة التي كانت فيها النخب الروسية تنظر إلى الغرب بإعتباره النموذج المثالي الذي ينبغي الإقتداء به. ففي تلك الفترة كانت المصالح الإقتصادية والعائلية والثقافية لقطاعات واسعة من النخبة مرتبطة بالغرب، الأمر الذي أدى، بحسب تعبيره، إلى نوع من «الإستعمار الثقافي الطوعي».
ويرى أن هذا الإرث لم يُتجاوز بالكامل حتى الآن، لأن كثيراً من الشخصيات التي تشكلت رؤيتها السياسية والفكرية في تلك الحقبة ما تزال تشغل مواقع مؤثرة داخل الدولة الروسية.
ويقول إن هؤلاء الأشخاص يعلنون ولاءهم للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ويدعمون سياساته بصورة رسمية، إلا أنه يعتقد أن كثيراً منهم لا يشاركونه القناعة العميقة بضرورة المواجهة الإستراتيجية مع الغرب، ولا يؤمنون، في قرارة أنفسهم، بالمسار الذي تتبعه روسيا حالياً في صراعها الجيوسياسي.
ويضيف أن جزءاً كبيراً من هذه النخبة تشكل وعيه في بيئة كانت تعتبر الغرب نموذجاً أعلى للتقدم والتنمية والحداثة، ولذلك لم يتربَّ على فكرة الدفاع عن السيادة الروسية بوصفها قضية وجودية، بل على العكس، نشأ على قناعة بأن مستقبل روسيا يكمن في الإندماج الكامل مع الغرب وتقليده.
ومن هنا، بحسب دوغين، تنشأ مفارقة لافتة؛ إذ إن بعض الأشخاص المكلفين اليوم بالدفاع عن السيادة الروسية وإدارة المواجهة الفكرية والسياسية مع الغرب هم أنفسهم أبناء مدرسة فكرية قامت أساساً على تمجيد الغرب والنظر إليه بإعتباره المثال الذي يجب الإقتداء به.
ويرى أن روسيا لم تشهد حتى الآن عملية تغيير شاملة للنخب بالمعنى العميق للكلمة، وأن هذا الأمر ما يزال يشكل أحد التحديات الكبرى أمام مشروعها الحضاري والسيادي.
وفي الوقت نفسه يؤكد أن الغرب نفسه لم يعد ذلك الغرب الذي عرفه الروس قبل عشرين أو ثلاثين عاماً. فالمجتمعات الغربية، من وجهة نظره، تمر بتحولات فلسفية وإجتماعية وأنثروبولوجية عميقة ومتسارعة، بينما لا تزال قطاعات واسعة من النخب الروسية تنظر إلى الغرب من خلال صور قديمة لم تعد تعكس واقعه الراهن.
ويقول إن كثيرين ما زالوا يتعاملون مع الغرب بإعتباره فضاءً للرفاهية والإستقرار والفرص الإقتصادية، من دون أن يدركوا حجم التغيرات البنيوية التي طرأت عليه خلال العقود الأخيرة.
ويستشهد بعبارة إنجيلية معروفة: «حيث يكون كنزك، هناك يكون قلبك أيضاً»، ليشير إلى أن الإرتباط النفسي والثقافي بالغرب ما يزال يمثل مشكلة حقيقية في نظره.
ولهذا يعتقد أن روسيا لن تكون قادرة على تحقيق إنتصار كامل في أي مواجهة خارجية ما لم تنجح أولاً في تجاوز حالة الإرتباك والإنقسام الفكري داخلها.
وإنطلاقاً من هذا التصور، يصف دوغين ما جرى عام 1991 بأنه إنقلاب تاريخي حقيقي أدى إلى فرض الليبرالية على المجتمع الروسي من أعلى، رغم أن هذه الأيديولوجيا ــ بحسب رأيه ــ لم تكن تحظى بقبول شعبي واسع.
ويرى أن آثار تلك المرحلة ما تزال حاضرة حتى اليوم، وأنها تفسر الصعوبات التي تواجهها روسيا في تقديم نفسها للعالم بإعتبارها دولة-حضارة مستقلة ذات هوية خاصة ورسالة تاريخية متميزة، وهو المفهوم الذي يكرر الرئيس بوتين الحديث عنه بإستمرار.
ويؤكد أن روسيا تمتلك، في رأيه، إمكانات حضارية وفكرية هائلة، لكنها لم تبدأ بعد في إستثمار هذه الإمكانات بالشكل المطلوب.
سؤال - على الرغم من أن ذكرى الثاني والعشرين من يونيو تدفعنا بطبيعة الحال إلى الحديث عن التاريخ الروسي وما يحمله من دروس وتجارب، فإن هناك أيضاً أحداثاً عالمية أخرى تستقطب إهتمام العالم بأسره، وربما تسهم في رسم ملامح المستقبل خلال السنوات المقبلة.
ولهذا أود أن أسألك عن رؤيتك للتطورات الجارية في الشرق الأوسط، ولا سيما مسار المفاوضات ومحاولات التسوية السياسية الجارية هناك.
فالرئيس الأميركي دونالد ترامب يُعرف بقدرته على تقديم خطواته السياسية على أنها إنتصارات كبرى، كما أن لديه شبكة إعلامية واسعة تساعده على ترسيخ هذه الصورة لدى قطاع كبير من الرأي العام.
لكن إذا نظرنا إلى الوضع الحالي، فمن يمتلك زمام المبادرة فعلاً؟ ومن الطرف القادر على فرض شروطه أو التمسك بمواقفه بصورة أكثر صلابة في ضوء التطورات الأخيرة؟
لقد بدا في مرحلة ما أن جولة المفاوضات الأولى تعثرت، وترددت أنباء عن مغادرة الوفد الإيراني، فيما ظهر نائب الرئيس الأميركي حب دي فانس في بعض المشاهد وكأنه يفتقر إلى الوضوح بشأن إتجاه الأمور.
ألكسندر دوغين - أعتقد أن السمة الأساسية للسياسة الغربية المعاصرة هي السرعة المفرطة. فهناك مفهوم فلسفي يُعرف باسم «التسارعية» أو Accelerationism، ويقوم على فكرة أن الأهم ليس القيام بالأشياء بصورة صحيحة، بل القيام بها بسرعة.
وهذه ليست مجرد سمة شخصية للرئيس ترامب، بل جزء من البيئة السياسية والثقافية التي أفرزته. فترامب، في رأيي، نجح لأنه يفهم جيداً طبيعة الدورات القصيرة التي تحكم الوعي الجماهيري الغربي اليوم.
فالمواطن الغربي المعاصر لم يعد قادراً على التركيز لفترات طويلة كما كان الحال في السابق. لم يعد يقرأ كتاباً كاملاً أو مقالاً مطولاً أو حتى خبراً من بدايته إلى نهايته. إنه يبحث عن الرسالة السريعة واللامعة والمثيرة، المنفصلة عن الماضي وغير المعنية بالمستقبل.
ويرى دوغين أن هذا النمط من الإدراك يشبه حالة ذهنية تلتقط الإنطباعات الآنية بسرعة كبيرة لكنها تفشل في ربطها بالسياق التاريخي أو بالنتائج المستقبلية.
ويشير في هذا السياق إلى فيلم Idiocracy، معتبراً أن كثيراً من الأفكار الساخرة التي طرحها الفيلم تحولت اليوم إلى واقع ملموس.
ومن وجهة نظره، فإن الغرب يعيش في ظل ما يسميه «حضارة الحماقة المنظمة»، وهي حضارة لا تخجل من هذا النمط الفكري، بل تسعى إلى تعميمه وتطويره.
ويعتبر أن التسارعية تدعو الإنسان إلى نسيان الأمس وعدم التفكير في الغد، والتركيز فقط على اللحظة الراهنة.
وفي هذا الإطار يرى أن ترامب يتلاءم تماماً مع هذه البيئة الذهنية.
ثم ينتقل إلى الحديث عن الشرق الأوسط، قائلاً إنه إذا نظرنا إلى الصورة من زاوية أوسع، فإننا سنجد سلسلة متلاحقة من التحولات السريعة.
فقد شهدت المنطقة، بحسب توصيفه، ضربات عسكرية إسرائيلية وأميركية إستهدفت إيران، وأعقبها تصعيد حاد أدى إلى تحولات سياسية متسارعة. ويرى أن هذه التطورات دفعت ترامب إلى إتخاذ مواقف متبدلة خلال فترة قصيرة جداً.
ففي مرحلة معينة، كما يقول دوغين، بدا ترامب متماهياً بالكامل مع سياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو ، رغم أن ذلك كان يتعارض مع بعض المواقف التي سبق أن أعلنها.
لكن المشهد تغير لاحقاً مرة أخرى. فترامب عاد، بحسب وصف دوغين، إلى إعادة صياغة موقفه، وبدأ يتحدث بلغة مختلفة تجاه إيران، كما دخل في خلافات مع شخصيات وقوى كانت تُعد حتى وقت قريب من أبرز حلفائه داخل الأوساط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة.
ويرى دوغين أن هذه التحولات المتسارعة لا تعكس تناقضاً شخصياً لدى ترامب فحسب، بل تعكس أيضاً طبيعة النظام السياسي والإعلامي الغربي المعاصر، الذي أصبح قائماً على الحركة المستمرة والتبدلات السريعة أكثر من إعتماده على الإستراتيجيات الثابتة طويلة المدى.
ويواصل ألكسندر دوغين حديثه عن المفاوضات الأميركية الإيرانية، معتبراً أن ما جرى خلال الأسابيع الأخيرة يمثل نموذجاً مكثفاً لطبيعة السياسة الغربية المعاصرة، وخصوصاً أسلوب الرئيس الأميركي ترامب.
ويقول إن المشهد تبدّل مرة أخرى بصورة مفاجئة. فالمفاوضات كانت تجري، بحسب الإنطباع السائد آنذاك، تحت عنوان أن ترامب قرر الإنعطاف نحو خيار التهدئة، وأنه يريد التوصل إلى تفاهم مع الإيرانيين وفتح الطريق أمام تسوية أوسع تشمل أمن الملاحة في مضيق هرمز، وأن العقبة الرئيسية أمام هذا المسار تتمثل في رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو.
لكن دوغين يرى أن هذا التبدل لم يكن سوى حلقة جديدة من سلسلة الإنعطافات السريعة التي تميز سلوك ترامب السياسي. ويشبهه بحركة الحشرات التي تنتقل بصورة متواصلة من إتجاه إلى آخر، معتبراً أن هذه القدرة على القفز السريع بين المواقف هي جوهر ما يسميه «التسارعية السياسية»، وهي أيضاً، برأيه، أحد أسرار نجاح ترامب داخل البيئة الإعلامية الغربية الحديثة.
ويتابع قائلاً إن الوفد الإيراني وافق بصعوبة على المشاركة في جولة التفاوض التي عُقدت في مدينة جنيف، بعد نقاشات طويلة حول مكان إنعقاد اللقاءات. وما إن وصل المفاوضون الإيرانيون إلى هناك حتى فوجئوا، بحسب رواية دوغين، بتحول جديد في الخطاب الأميركي.
ففي الوقت الذي كانوا يتوقعون فيه إستمرار الحديث عن التهدئة والتفاهمات، عاد ترامب إلى لغة التهديد والإنذارات، مطالباً إيران بإتخاذ خطوات فورية من دون شروط مسبقة، ومهدداً بعواقب قاسية إذا لم تستجب لمطالبه.
ويرى دوغين أن هذا التحول السريع يعكس درجة من عدم الإستقرار السياسي تجعل حتى الأطراف المعتادة على التفاوض مع الولايات المتحدة عاجزة عن التنبؤ بمواقفها المقبلة.
ويضيف أن بعض الدوائر المؤيدة لإسرائيل رحبت في تلك اللحظة بعودة ترامب إلى خطاب التشدد، بينما إستأنف نتنياهو الإشادة بمواقفه، وهو ما يراه دوغين دليلاً إضافياً على حجم التبدلات المتلاحقة في شبكة التحالفات والمواقف داخل واشنطن.
ومن وجهة نظره، فإن ما يثير القلق ليس فقط مضمون هذه التحولات، بل إعتياد الرأي العام الغربي عليها. فالكثير من الناس باتوا يتعاملون مع السياسة الدولية كما لو كانت عرضاً إعلامياً متواصلاً، يركزون فيه على العناوين المثيرة والإنطباعات السريعة أكثر من تركيزهم على الوقائع أو المبادئ أو النتائج بعيدة المدى.
ويقول إن المواطن العادي لم يعد يسأل عما قيل بالأمس أو عما سيحدث غداً، بل يكتفي بمتابعة المشهد اليومي وكأنه حلقة جديدة من برنامج ترفيهي مستمر.
وفي هذا السياق يشير إلى شخصيتين حاضرتين في كثير من الملفات السياسية المرتبطة بإدارة ترامب، هما ستيف ويتخوف وجاريد كوشنر.
ويصف حضورهما في المشهد السياسي بأنه يثير كثيراً من التساؤلات، نظراً لتكرار ظهورهما في ملفات متعددة من دون أن يكون دورهما واضحاً دائماً للرأي العام، معتبراً أن كثيراً من التحركات السياسية الجارية تبدو أحياناً وكأنها جزء من رواية معقدة يصعب فهم منطقها الداخلي.
ويواصل حديثه قائلاً إن الإيرانيين كانوا في الأصل مترددين في الذهاب إلى سويسرا، وطرحوا بدائل أخرى لعقد المفاوضات، لكنهم وافقوا في النهاية على الحضور. ومن هنا يستخلص دوغين درساً أوسع يتعلق بطبيعة الثقة في العلاقات الدولية المعاصرة.
فمن وجهة نظره، تشهد المنظومة الدولية تآكلاً متزايداً في القواعد التقليدية للدبلوماسية، حيث أصبحت الإلتزامات والإتفاقيات عرضة للتغيير السريع، وأصبح من الممكن أن يسمع الطرف المقابل وعوداً معينة ثم يواجه سياسات مختلفة تماماً بعد فترة قصيرة.
ويشير إلى أن المواقف المتضاربة المتعلقة بمضيق هرمز تمثل مثالاً على هذا الواقع؛ إذ تتغير التصريحات والمواقف بصورة متلاحقة، ما يجعل من الصعب تحديد الإتجاه النهائي للأحداث.
وبالنسبة لدوغين، فإن النتيجة الأساسية التي ينبغي إستخلاصها من كل ذلك هي أن أي تفاهم سياسي مع إدارة ترامب يبقى، في نظره، هشاً وقابلاً للتبدل في أي لحظة.
ولهذا ينتقد ما يراه إستمراراً لبعض الأوهام بشأن إمكان بناء تسويات إستراتيجية مستقرة مع واشنطن، مؤكداً أن الدول التي ترغب في حماية مصالحها لا ينبغي أن تعتمد إلا على قدراتها الذاتية وعلى توازنات القوة الفعلية.
وفي المقابل، يرى أن إيران تتعامل مع الصراع بصورة أكثر واقعية من وجهة نظره، لأنها تحاول إستخدام أوراق الضغط المتاحة لديها وتوظيف عناصر قوتها الجيوسياسية لتحقيق مكاسب تفاوضية.
ويشير خصوصاً إلى الموقع الإستراتيجي لمضيق هرمز، الذي تعتبره طهران إحدى أهم أدواتها في التأثير على التوازنات الإقليمية والدولية.
كما يلفت إلى أن نائب الرئيس الأميركي فانس وجد نفسه في موقف معقد نتيجة هذه التحولات المتسارعة، خاصة في ظل محاولاته الحفاظ على التوازن داخل القاعدة السياسية المرتبطة بشعار MAGA «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً».
ويقول إن التحليلات المختلفة تحاول تفسير أسباب التبدلات المتكررة في مواقف ترامب. فهناك من يربطها بضغوط إسرائيلية، وهناك من يعزوها إلى حسابات إقتصادية أو إنتخابية، فيما يرى آخرون أن شخصيات نافذة داخل الدائرة المحيطة بالرئيس تلعب دوراً مؤثراً في توجيه هذه السياسات.
ويستشهد دوغين في هذا السياق بالجدل الذي أثير في ألبانيا حول مشاريع إستثمارية مرتبطة بجاريد كوشنر وزوجته إيفانكا ترامب، مشيراً إلى أن هذه المشاريع أثارت إعتراضات داخلية وإنتقادات سياسية وشعبية.
ومن خلال هذه الأمثلة يخلص إلى أن صورة الغرب وإسرائيل تشهد، في رأيه، تراجعاً في كثير من المناطق، وأن قطاعات متزايدة من الرأي العام العالمي أصبحت أكثر تشككاً في سياساتهما.
وعلى الرغم من ذلك يعترف بأن الغرب ما يزال يمتلك قدرة كبيرة على التحرك السريع وتحقيق نتائج آنية، ويرجع ذلك إلى إستعداده لتغيير القواعد والأساليب بصورة مستمرة وعدم إلتزامه ــ بحسب توصيفه ــ بالمعايير التقليدية نفسها التي يطالب الآخرين بإحترامها.
ويضرب مثالاً مجازياً قائلاً إن الغرب قد يبدأ اللعبة بقواعد كرة القدم ثم ينهيها بقواعد الهوكي، ويعلن في النهاية أنه المنتصر مهما كانت النتيجة الفعلية.
ويرى أن هذه المرونة المفرطة، المصحوبة بقدر كبير من الجرأة والتجاهل للمعايير الثابتة، تشكل إحدى السمات الرئيسية لما يسميه «عصر الإيديوكراطية» Idiocracy.
ومن هنا يحذر من الإستمرار في النظر إلى الغرب بوصفه نموذجاً يجب تقليده، لأن ذلك قد يقود المجتمعات الأخرى إلى السير في المسار نفسه الذي يعتبره مساراً منحدراً نحو التراجع الثقافي والفكري.
ويشدد على أن فهم طبيعة الغرب المعاصر أصبح ضرورة إستراتيجية، وأن أحد الدروس الأساسية المستفادة من المفاوضات الأميركية الإيرانية هو ضرورة التعامل بحذر شديد مع الوعود السياسية الأميركية.
وفي هذا الإطار يستشهد بتصريحات مستشار الرئيس الروسي للشؤون الدولية يوري أوشاكوف، الذي قال إن اللقاءات والإتصالات الأخيرة لم تحقق تقدماً ملموساً، وإن كثيراً من الملفات ما تزال عالقة من دون حلول حقيقية.
سؤال - إذن لم يبقَ سوى الإنتصار؟
ألكسندر دوغين - نعم، الإنتصار فقط. ثم يضيف أن المؤسسات الغربية الكبرى، بما فيها مجموعة السبع، تبدو عاجزة عن إتخاذ قرارات إستراتيجية حاسمة أو إنتاج حلول مستقرة للأزمات الدولية.
ومن وجهة نظره، فإن الغرب دخل مرحلة حضارية جديدة لم يعد فيها السلوك السياسي قائماً على الرؤية طويلة الأمد، بل على ردود الفعل السريعة والمتغيرة بإستمرار.
ويختتم هذه الفقرة بتشبيه حاد، معتبراً أن الحضارة الغربية تبدو في ظاهرها شديدة الجاذبية والكفاءة، لكنها في العمق أصبحت أسيرة للحظة العابرة. ويشبه حركتها المتواصلة بحركة الحشرات الصغيرة التي تغيّر إتجاهها، ويرى في ذلك تعبيراً رمزياً عن حالة من التراجع الحضاري والثقافي التي يعتقد أن الغرب يمر بها اليوم.
ويواصل ألكسندر دوغين عرضه الفلسفي لما يعتبره مظاهر الإنحدار الحضاري في الغرب، مستشهداً بأفكار الفيلسوف البريطاني نيك لاند Nick Land، الذي يستخدم مصطلحاً لافتاً هو «آلية التدهور المسنّنة» أو «آلية الإنحطاط الأحادي الإتجاه» (Ratchet Mechanism of Degeneration).
ويشرح دوغين هذا المفهوم بالقول إن «الراتشيت» هو جهاز ميكانيكي يسمح بالحركة في إتجاه واحد فقط. وفي تطبيقه الفلسفي يعني ذلك أن المجتمعات تستطيع أن تنتقل من السيئ إلى الأسوأ، لكنها تفقد القدرة على العودة إلى أوضاع أفضل. فكل مرحلة جديدة من التراجع تُثبَّت وكأنها قفل ميكانيكي يمنع الرجوع إلى الخلف، ولا يترك سوى طريق واحد مفتوح: مزيداً من الإنحدار.
ويرى أن هذه الآلية أصبحت، في نظره، من السمات الأساسية للحضارة الغربية المعاصرة.
ويشير إلى أن الأمر الأكثر إثارة للدهشة في أطروحات نيك لاند هو أنه لا ينظر إلى هذا التدهور بوصفه مشكلة يجب مقاومتها، بل يعتبره قانوناً طبيعياً من قوانين الوجود، ويرى أن العالم ينبغي أن يُترك لمسار التفكك الذاتي من دون مقاومة.
ومن هنا ينتقل لاند، بحسب دوغين، إلى بعض التصورات المرتبطة بما يعرف بـ«الأنطولوجيا الموجهة نحو الموضوع» (Object-Oriented Ontology)، حيث يجري الحديث عن تراجع المكانة المركزية للإنسان والإنتقال نحو مستويات أدنى من التنظيم الوجودي، وصولاً إلى التعامل مع الإنسان وكأنه مجرد عنصر بين عناصر مادية أخرى في الكون.
ويعتبر دوغين أن سياسة الرئيس الأميركي ترامب ومفاوضاته تعكس هذه الرؤية بصورة عملية؛ إذ لا يرى فيها مشروعاً إيجابياً متماسكاً للمستقبل، ولا تصوراً إستراتيجياً بعيد المدى، بل سلسلة متواصلة من التحركات الآنية المتغيرة.
ويصف المشهد بأنه أشبه بفيلم لا ينتهي من القرارات المتناقضة وردود الفعل السريعة، حيث تتراجع القدرة على التفكير العميق لمصلحة الإستجابات اللحظية والإنفعالية.
سؤال - هنا يطرح بعض الزملاء في الأستوديو فكرة تبدو ساخرة للوهلة الأولى، لكنها ربما تستحق التفكير. فهل وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها من الأفضل أن تتولى أنظمة الذكاء الإصطناعي إدارة المفاوضات الدولية؟
تخيل أن نجلس وكيلين رقميين متقابلين، ونغذيهما بجميع البيانات المتاحة، ثم نتركهما يتفاوضان للوصول إلى أفضل الحلول، بينما يكتفي القادة السياسيون بالتوقيع على النتائج.
فالذكاء الإصطناعي يتطور بسرعة هائلة، ويزداد قدرة وتأثيراً يوماً بعد يوم. لكن ألا تعتقد أن وراء هذه الكفاءة التقنية إحتمالاً لظهور مأزق وجودي خطير؟ وهل يمكن أن يصبح تسليم القرارات المصيرية للخوارزميات هو مستقبل البشرية؟ أم أن الإنسان سيحتفظ في النهاية بحق إتخاذ القرارات القائمة على الإرادة والقيم والمعاني، وهي أمور لا يمكن لأي نموذج رياضي أن يحسبها بالكامل؟
ألكسندر دوغين - أعتقد أن الإتجاه السائد حالياً في تطوير الذكاء الإصطناعي لا يتمثل في جعله أكثر ذكاءً، بل في محاولة الحد من قدراته وتقييدها.
فالمشكلة التي بدأت تظهر، من وجهة نظره، هي أن أنظمة الذكاء الإصطناعي تصل أحياناً إلى إستنتاجات تختلف عما كان مطوروها أو الجهات المشرفة عليها تتوقعه. ويرجع ذلك إلى قدرتها على التعامل مع كميات ضخمة من البيانات وتحليل عدد كبير من العوامل في وقت واحد.
ومن هنا ينشأ ما يعتبره مفارقة معاصرة: فبينما يتجه جزء من المجتمعات البشرية نحو مزيد من التبسيط والتفكير السطحي، تظل أنظمة الذكاء الإصطناعي قادرة على الإحتفاظ بدرجة من العقلانية التحليلية التي كانت سائدة في مراحل سابقة من التطور الفكري البشري.
ويضيف أن قطاع التكنولوجيا يشهد حالياً نوعاً من رد الفعل الدفاعي تجاه هذه التطورات. فالكثير من العاملين في مجالات البرمجة والتطوير يلاحظون أن بعض المهام التي كانت تتطلب جهوداً بشرية كبيرة أصبحت تُنجز بكفاءة أعلى بواسطة الأنظمة الذكية.
ويشير إلى أن الذكاء الإصطناعي أصبح قادراً على كتابة الشيفرات البرمجية وإنتاج حلول تقنية متقدمة، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل العديد من المهن.
ومع ذلك يؤكد أن الذكاء الإصطناعي ليس معصوماً من الخطأ، بل إنه يخطئ أحياناً، خصوصاً بعد ظهور النماذج اللغوية الكبيرة التي تعتمد على معالجة اللغة الطبيعية وإنتاج النصوص بطريقة تحاكي التفكير البشري.
ويرى أن هذه النماذج أصبحت أكثر شبهاً بالإنسان لأنها لا تعمل فقط وفق منطق رياضي صارم، بل تتعامل أيضاً مع اللغة والبلاغة والإحتمالات والسياقات المتعددة، ما يجعلها عرضة لبعض الأخطاء والتناقضات التي تشبه الأخطاء البشرية.
لكن رغم ذلك، يعتقد دوغين أن هذه الأنظمة ما تزال تحتفظ بدرجة من العقلانية تفوق ما يراه في بعض السلوكيات السياسية والإنسانية المعاصرة.
ويضيف أن جهات مختلفة بدأت تحاول فرض قيود فكرية وأيديولوجية على الذكاء الإصطناعي بهدف توجيه نتائجه وضبط إستنتاجاته بما يتوافق مع رؤى سياسية أو ثقافية معينة.
ومن وجهة نظره، فإن هذا الصراع لا يتعلق بالتكنولوجيا فقط، بل يتعلق أيضاً بمن يمتلك القدرة على تشكيل المعرفة وتحديد ما يعتبر مقبولاً أو غير مقبول في المجال العام.
ويضرب مثالاً إفتراضياً يتعلق بالقضايا الدولية، قائلاً إن نظاماً ذكياً يحلل قواعد القانون الدولي قد يصل إلى إستنتاجات ترفض الإغتيالات السياسية أو إستهداف القيادات الحكومية لأنها تتعارض مع المبادئ القانونية المعترف بها دولياً.
لكن المشكلة، بحسب رأيه، تكمن في أن الفاعلين السياسيين لا يتخذون قراراتهم دائماً بناءً على هذه المبادئ، بل بناءً على حسابات القوة والمصالح والرغبات السياسية المباشرة.
سؤال - لكن الأمر يعتمد أيضاً على نوعية البيانات التي تُغذّى بها هذه الأنظمة.
فإذا جرى تدريب نموذج معين على مصادر فكرية أو إعلامية أو سياسية ذات توجه محدد، فمن الطبيعي أن تعكس نتائجه تلك الرؤية. فإذا كانت البيانات المرجعية إسرائيلية مثلاً، أو مستندة إلى سردية سياسية معينة، فقد يصل النموذج إلى إستنتاجات مختلفة تماماً عما قد ينتجه نموذج آخر يعتمد على رواية مختلفة.
ليس لأن هذه النتائج صحيحة أو خاطئة بالضرورة، بل لأنها تنطلق من منظومات قيمية ومعرفية مختلفة.
ألكسندر دوغين - هذا صحيح إلى حد بعيد، لكن يمكن النظر إلى المسألة من زاوية أخرى أيضاً.
فحتى لو جرى توجيه النظام نحو رؤية معينة، يمكن للمرء أن يسأله مجدداً: «هل أنت متأكد من صحة هذه النتيجة؟ وهل يمكن النظر إلى القضية من منظور آخر؟»
وعند هذه النقطة تبدأ المنظومة الذكية في إعادة فحص الفرضيات ومقارنتها ببدائل مختلفة.
سؤال - لكن هناك من سيقول إن بعض السرديات السياسية الراسخة تمتلك من القوة والتراكم التاريخي ما يجعلها قادرة على تبرير كل شيء تقريباً.
ألكسندر دوغين - وهنا تكمن المسألة الأساسية.
فالأطراف المختلفة ستطوّر في النهاية أنظمتها الخاصة، وستغذيها بمرجعياتها وقيمها ورؤيتها للعالم.
وعندئذ سيظهر السؤال الكبير: كيف يمكن لأنظمة ذكاء إصطناعي مختلفة، تنطلق من تصورات متباينة للتاريخ والعدالة والسياسة، أن تتوصل إلى تفاهم مشترك؟
سؤال - هذا ما كنت أقصده بالضبط. تخيل وجود نظامين للذكاء الإصطناعي، يحمل كل منهما رواية تاريخية مختلفة ومنظومة قيم مختلفة. فهل سيكون التفاوض بينهما ممكناً أصلاً؟ وهل يمكن أن ينتج عنه توافق حقيقي في المستقبل؟
ألكسندر دوغين - هذا سؤال جوهري بالفعل.
فالذكاء الإصطناعي مبني في جوهره على فكرة «النموذج اللغوي الكبير». وعندما نحاول إخضاعه لمصالح ضيقة أو أجندات جزئية فإنه قد يتكيف معها على مستوى الإستجابة المباشرة، لأنه مصمم أساساً للتفاعل مع المستخدم وتلبية طلباته.
لكن إذا نظرنا إليه بوصفه شبكة معرفية واسعة النطاق، فإن لديه قدرة أكبر على تجاوز الإنقسامات الضيقة ورؤية الصورة الأشمل.
ولهذا أعتقد أن المفارقة الحقيقية تكمن في أن الذكاء الإصطناعي قد يصبح، في بعض الجوانب، أكثر إنسانية من البشر أنفسهم، وأكثر عقلانية من أولئك الذين قاموا بتصميمه وتطويره.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
كوستيانتينيفكا: معركة المدينة الأخيرة أم مختبر الحروب المعاص
...
-
فنزويلا بين «الإستسلام الجيوسياسي» وإعادة هندسة السلطة: ماذا
...
-
من صفحات التاريخ - «لا حرب»: آخر مناورة دبلوماسية لستالين قب
...
-
ترامب ونتنياهو بين منطق الحرب ومنطق الصفقة
-
ألكسندر دوغين: الحرب تختبر صلابة الدولة
-
إيران بعد الحرب: بين «البعث الفارسي» و«فخ الإنتصار»
-
ألكسندر دوغين - كيف إنتصرت إيران في الحرب (برنامج إيسكالاتسي
...
-
التوازن الهش: شبكات الدعم الإسرائيلي في أميركا، المسيحيون ال
...
-
إيران وإعادة رسم قواعد الإشتباك في الشرق الأوسط
-
ألكسندر دوغين - الأمل لم ينطفئ بعد
-
إحذروا البعوض القاتل
-
ألكسندر دوغين - جرت العادة أن تُحمَّل الإنتلجنسيا الروسية مس
...
-
بين الحرب والدبلوماسية: جيفري ساكس يدعو ألمانيا إلى منع الإن
...
-
لماذا تتردد إسرائيل في إستخدام «الخيار الأخير» الذي وعدت به
...
-
ألكسندر دوغين - النهج الحضاري — الإطار المرجعي الوحيد الممكن
...
-
غزة بين الجغرافيا السياسية والإقتصاد المجهض
-
سباق القواعد الأمريكية في شرق أوروبا: الأمن القومي أم تأمين
...
-
من صفحات التاريخ - الأرستقراطية السوفياتية: كيف تحوّلت النخب
...
-
من هرمز إلى ملقا: كيف أصبحت المضائق ساحة الصراع الكبرى في ال
...
-
ألكسندر دوغين - منتدى سانت بطرسبورغ المفصلي والحرب مع أوروبا
...
المزيد.....
-
صرخته أقوى من الطائرة.. رجل يحطم الرقم بأعلى صوت في العالم
-
الاتحاد الأوروبي يدرس إرسال بعثة لدعم جيش لبنان وتعزيز سلطة
...
-
روبيو يطمئن الخليج: لا اتفاق مع إيران على حساب أمن الحلفاء
-
-الخماسية الأوروبية- تسعى لتعميق الشراكة بين الناتو وأوكراني
...
-
قاضية فيدرالية تمنع ترامب من تطبيق شرط تقديم دليل المواطنة م
...
-
ماكرون: هناك تقارب بين الأوروبيين والأمريكيين بشأن أوكرانيا
...
-
حادثة صادمة.. موظفات في -وينديز- يقدمن لزبونة طعاما من سلة ا
...
-
تل أبيب تجابه واشنطن.. لن ننسحب من لبنان
-
الجزائر تستنفر جاليتها في مصر قبل الانتخابات التشريعية
-
وزارة الصحة الإسرائيلية في حالة صدمة: سرقة طحينة ملوثة بالس
...
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|