|
|
ترامب ونتنياهو بين منطق الحرب ومنطق الصفقة
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8743 - 2026 / 6 / 21 - 00:52
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
21 حزيران يونيو 2026
كيف كشفت المواجهة مع إيران حدود التحالف الأمريكي الإسرائيلي؟
في مقاله المعنون «صفقة عادية» الذي نشره في 10 حزيران/يونيو 2026، يقدّم المؤرخ والكاتب الروسي فاليري بورت قراءة سياسية لافتة للتحولات التي طرأت على العلاقة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد أشهر من المواجهة مع إيران. فبعيداً عن الخطاب التقليدي الذي يصوّر واشنطن وتل أبيب كحليفين يتحركان وفق رؤية واحدة، يرى الكاتب أن الحرب الأخيرة كشفت تبايناً متزايداً في الأهداف والمصالح، وأن ما بدأ كمشروع مشترك لإضعاف إيران إنتهى إلى خلاف حول طبيعة النصر نفسه وحدود إستخدام القوة العسكرية.
من مشروع إسقاط النظام إلى سياسة الإحتواء
يرى فاليري بورت أن الولايات المتحدة وإسرائيل دخلتا المواجهة مع إيران وهما تتشاركان هدفاً طموحاً يتمثل في إضعاف النظام الإيراني بصورة جذرية، وربما دفعه نحو الإنهيار. غير أن مسار العمليات العسكرية وما رافقه من تعقيدات إقليمية ودولية دفع واشنطن إلى إعادة تقييم حساباتها.
فبينما إستنتج ترامب أن إسقاط النظام الإيراني هدف يتجاوز الإمكانات الواقعية ويهدد بتوسيع نطاق الحرب، إنتقل إلى تبني مقاربة أكثر براغماتية تقوم على منع إيران من إمتلاك السلاح النووي، وضمان أمن الملاحة الدولية، وفتح الباب أمام تسوية سياسية يمكن تقديمها للرأي العام الأمريكي بإعتبارها إنجازاً دبلوماسياً.
أما نتنياهو، وفقاً لتحليل الكاتب، فما زال يتحرك إنطلاقًا من أهداف الحرب الأصلية، ويعتقد أن إستمرار الضغط العسكري قد يحقق ما عجزت عنه الأشهر السابقة.
ومن هنا بدأ التباين الحقيقي بين الطرفين: واشنطن باتت تبحث عن مخرج سياسي، فيما لا تزال تل أبيب تراهن على أدوات القوة.
تصعيد حزب الله وبداية الخلاف العلني
يستعرض المقال مؤشرات عديدة على تصاعد التوتر بين ترامب ونتنياهو، أبرزها الغضب الذي أبداه الرئيس الأمريكي إثر تكثيف الضربات الإسرائيلية ضد حزب الله في لبنان، في وقت كانت فيه واشنطن تسعى إلى تهيئة الظروف للتوصل إلى تفاهمات مع إيران.
وتشير الروايات التي يستعرضها الكاتب إلى أن ترامب إعتبر التصعيد الإسرائيلي تهديداً مباشراً للمسار التفاوضي الذي يعمل عليه، وأن الإتصال الذي جرى بينه وبين نتنياهو إتسم بحدة غير مألوفة في العلاقات بين زعيمين لطالما قدّما نفسيهما بوصفهما حليفين مقربين.
ومنذ ذلك الحين بدأ الحديث يتزايد عن وجود فجوة آخذة في الإتساع بين الطرفين، ليس فقط بشأن الوسائل، وإنما أيضاً بشأن الغايات النهائية للحرب.
الضربات المتبادلة: رسائل أكثر منها حرباً
يتوقف الكاتب عند جولة التصعيد الأخيرة بين إيران وإسرائيل بوصفها نموذجاً على إدارة محسوبة للأزمة من الجانبين.
فبعد أن هددت طهران بالرد على إستمرار الضربات الإسرائيلية ضد حلفائها، أطلقت بالفعل صواريخ بإتجاه شمال إسرائيل. لكن الهجوم لم يسفر عن خسائر تذكر، ما دفع كثيرين إلى الإعتقاد بأن الهدف كان سياسياً ورمزياً أكثر منه عسكرياً.
وفي المقابل جاء الرد الإسرائيلي محدوداً هو الآخر، الأمر الذي أوحى بأن الطرفين يسعيان إلى الحفاظ على معادلة الردع دون الإنزلاق إلى مواجهة شاملة.
وفي هذا السياق ينقل الكاتب عن ترامب قوله: «كل طرف حصل على ما يريد. إسرائيل وجهت ضربتها، وإيران وجهت ضربتها. ولسنا بحاجة إلى المزيد.
وسواء كان هذا التصريح جزءاً من إدارة إعلامية للأزمة أو تعبيراً مباشراً عن موقف البيت الأبيض، فإنه يعكس بوضوح رغبة واشنطن في منع التصعيد وتحويل الإنجازات العسكرية المحدودة إلى فرصة للتفاوض.
تصريحات فانس: إعتراف نادر بتباين المصالح
ولعلّ التطور الأكثر أهمية في هذا السياق تمثل في التصريحات الأخيرة لنائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، والتي كشفت بصورة غير مسبوقة أن الخلاف بين واشنطن وتل أبيب يتجاوز الجوانب التكتيكية.
فعندما أكد فانس أن الولايات المتحدة وإسرائيل «لا تتطابق مصالحهما دائماً»، فإنه كسر إحدى أكثر المسلمات رسوخاً في الخطاب السياسي الأمريكي التقليدي، القائم على التأكيد الدائم لوحدة المصالح بين البلدين.
والأهم من ذلك أن تصريحاته رسمت حدوداً واضحة للأهداف الأمريكية. فواشنطن ترى أن الأولوية تتمثل في منع إيران من إمتلاك سلاح نووي وتجنب حرب إقليمية واسعة، بينما تنظر قطاعات واسعة من المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية إلى الصراع بوصفه فرصة لإعادة تشكيل البيئة الإستراتيجية المحيطة بإسرائيل عبر مواصلة الضغط على إيران وحلفائها.
ومن هذا المنظور، لا تبدو تصريحات فانس مجرد ملاحظات سياسية عابرة، بل أقرب إلى إعتراف رسمي بأن الخلاف الحالي يعكس إختلافًا متزايداً في تعريف كل طرف لمعنى «النصر» وحدود إستخدام القوة العسكرية لتحقيقه.
ترامب: الحليف الذي يرسل الفاتورة
أحد أكثر الجوانب إثارة في تحليل فاليري بورت يتمثل في تصويره لترامب بإعتباره رجل أعمال حتى في إدارته للتحالفات الدولية.
فبحسب الكاتب، قدّم الرئيس الأمريكي لإسرائيل دعماً سياسياً وعسكرياً واسعاً خلال المواجهة مع إيران، لكنه بعد إنتهاء المرحلة الأخطر من الصراع بدأ يطالب بمقابل سياسي يتناسب مع المصالح الأمريكية.
وهكذا لم يعد الدعم الأمريكي مفتوحاً أو غير مشروط كما تأمل بعض الأوساط الإسرائيلية، بل أصبح مرتبطاً بأهداف محددة تضعها واشنطن وفقاً لأولوياتها الخاصة.
وفي هذا السياق يكتسب معنى خاصاً ما نُقل عن ترامب من أنه أوصل رسالة واضحة إلى نتنياهو مفادها أن إستمرار التصعيد قد يترك إسرائيل في مواجهة منفردة مع خصومها الإقليميين.
وبغض النظر عن دقة الصياغات المتداولة، فإن مجرد تداول مثل هذه الرسائل يعكس تحولاً في طبيعة العلاقة بين الطرفين.
نتنياهو بين ضغوط الداخل وحدود الخارج
في المقابل، لا يواجه نتنياهو ضغوطاً خارجية فحسب، بل يجد نفسه أمام تحديات داخلية متزايدة.
فالمعارضة الإسرائيلية، إضافة إلى قوى سياسية وأمنية مؤثرة، تطالب بمواصلة الضغط العسكري على حزب الله وإيران وعدم الإكتفاء بالنتائج الحالية. كما أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يقترب من إستحقاقات إنتخابية مهمة في وقت لم يتمكن فيه من تقديم إنجاز إستراتيجي حاسم للرأي العام.
ولهذا تبدو خياراته شديدة التعقيد: فإذا إستجاب للمطالب الأمريكية اتُّهم بالتراجع، وإذا واصل التصعيد خاطر بالدخول في مواجهة مع الإدارة الأمريكية نفسها.
وهكذا يجد نتنياهو نفسه بين مطرقة الحسابات الداخلية وسندان القيود التي يفرضها الحليف الأمريكي.
هل إنتهى شهر العسل؟
لا يذهب المقال إلى حد الحديث عن إنهيار التحالف الأمريكي الإسرائيلي، لكنه يطرح بوضوح فكرة إنتهاء مرحلة الإنسجام الكامل بين الرجلين.
فالعلاقة التي بدت في بدايتها قائمة على توافق شبه مطلق، باتت اليوم محكومة بحسابات أكثر تعقيداً. وبدلاً من الحديث عن أهداف مشتركة بالكامل، أصبح النقاش يدور حول حدود الدعم الأمريكي وأولويات كل طرف والنتائج المقبولة لكل منهما.
وبهذا المعنى فإن الخلاف لم يعد شخصياً بين ترامب ونتنياهو، بل أصبح خلافاً بين رؤيتين إستراتيجيتين مختلفتين لمستقبل الشرق الأوسط.
عندما تصبح الصداقة عبئاً
وربما تستحضر هذه التطورات المقولة الشهيرة المنسوبة إلى وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر: «أن تكون عدواً للولايات المتحدة مأساة، وأن تكون صديقاً لها مأساة أكبر.»
ورغم الجدل المستمر حول مدى دقة نسبة هذه العبارة إليه، فإنها تلخص جانباً مهماً من طبيعة العلاقات الدولية. فالدول الكبرى لا تدير تحالفاتها على أساس العواطف أو الشعارات، بل وفقاً لموازين المصالح وتغير الأولويات.
ومن هذه الزاوية، تبدو إسرائيل اليوم أمام معضلة لم تعهدها بهذا الوضوح منذ سنوات. فهي لا تواجه خصومها الإقليميين فحسب، بل تواجه أيضاً حدود الدعم الأمريكي نفسه. فالحليف الذي وفر لها الغطاء السياسي والعسكري خلال الحرب، أصبح في الوقت ذاته يمارس ضغوطاً متزايدة لمنعها من الذهاب أبعد مما تسمح به المصالح الأمريكية.
خلاصة: الحرب التي كشفت حدود التحالف
تكمن أهمية تحليل فاليري بورت في أنه لا يركز على الضربات العسكرية بقدر ما يركز على ما كشفته تلك الضربات من حقائق سياسية أعمق.
فالحرب التي بدأت بوصفها مشروعاً مشتركاً لإضعاف إيران إنتهت إلى إظهار تباين متزايد بين واشنطن وتل أبيب حول الأهداف النهائية للصراع. وبينما بات ترامب يسعى إلى تحويل القوة العسكرية إلى إتفاق سياسي يعلن من خلاله نجاحاً دبلوماسياً، لا يزال نتنياهو يعتقد أن الضغط العسكري قادر على تحقيق مكاسب إضافية.
ومن هنا تبدو الأزمة الحالية أكثر من مجرد خلاف بين حليفين؛ إنها إختبار حقيقي لمستقبل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية وللقدرة على الحفاظ على تحالف إستراتيجي عندما تبدأ المصالح بالتباعد وتختلف تعريفات النصر بين الشركاء.
وفي هذا السياق، قد تكون تصريحات جي دي فانس الأخيرة أكثر دلالة من كثير من التطورات الميدانية، لأنها كشفت للمرة الأولى بصورة مباشرة ما كان يُناقش همساً في أروقة السياسة: الولايات المتحدة وإسرائيل ما زالتا حليفتين، لكنهما لم تعودا تنظران إلى الحرب نفسها بالعين ذاتها، ولم تعدا تتفقان بالكامل على شكل السلام الذي ينبغي أن يليها.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ألكسندر دوغين: الحرب تختبر صلابة الدولة
-
إيران بعد الحرب: بين «البعث الفارسي» و«فخ الإنتصار»
-
ألكسندر دوغين - كيف إنتصرت إيران في الحرب (برنامج إيسكالاتسي
...
-
التوازن الهش: شبكات الدعم الإسرائيلي في أميركا، المسيحيون ال
...
-
إيران وإعادة رسم قواعد الإشتباك في الشرق الأوسط
-
ألكسندر دوغين - الأمل لم ينطفئ بعد
-
إحذروا البعوض القاتل
-
ألكسندر دوغين - جرت العادة أن تُحمَّل الإنتلجنسيا الروسية مس
...
-
بين الحرب والدبلوماسية: جيفري ساكس يدعو ألمانيا إلى منع الإن
...
-
لماذا تتردد إسرائيل في إستخدام «الخيار الأخير» الذي وعدت به
...
-
ألكسندر دوغين - النهج الحضاري — الإطار المرجعي الوحيد الممكن
...
-
غزة بين الجغرافيا السياسية والإقتصاد المجهض
-
سباق القواعد الأمريكية في شرق أوروبا: الأمن القومي أم تأمين
...
-
من صفحات التاريخ - الأرستقراطية السوفياتية: كيف تحوّلت النخب
...
-
من هرمز إلى ملقا: كيف أصبحت المضائق ساحة الصراع الكبرى في ال
...
-
ألكسندر دوغين - منتدى سانت بطرسبورغ المفصلي والحرب مع أوروبا
...
-
بريكس على صفيح الشرق الأوسط الساخن: هل تكشف أزمة إيران والإم
...
-
إعادة تموضع التنين: الصين بين الشراكة مع روسيا والإنفتاح مع
...
-
أرمينيا بعد روسيا؟
-
الإمبراطورية التي تحمل الحرب معها
المزيد.....
-
-تُبت عن أي حاجة غريبة-.. أحمد سعد يقص ضفائره أمام الكاميرا
...
-
معاهدة صداقة -تاريخية- بين لندن وبرلين... طوي صفحة بريكست؟
-
عقد على بريكست: تقارب جديد بين برلين ولندن يبدد إرث الانفصال
...
-
روبيو: لا يحق لأي دولة فرض رسوم العبور في مضيق هرمز
-
مشاهد صادمة تثير غضب المصريين بعد الفوزعلى نيوزيلندا.. ماذا
...
-
أردوغان: تركيا وبولندا تؤيدان التوصل إلى تسوية سلمية عاجلة ف
...
-
-إفريقيا قارة المستقبل- – ناميبيا
-
الكشف عن هوية منفذ هجوم مكتبة كاليفورنيا -المأساوي والصادم-.
...
-
رحلة البشر لتخفيف الألم.. بين الإيبوبروفين والباراسيتامول
-
قرار دولي لمحاسبة مرتكبي الجرائم ضد قوات حفظ السلام الأممية
...
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|