حسين أحمد
كاتب
الحوار المتمدن-العدد: 8737 - 2026 / 6 / 15 - 19:48
المحور:
القضية الكردية
رأيت مقطعاً من بودكاست يستضيف إبراهيم الجبين، يسأله المقدم عن الكرد المجردين من الجنسية، فيجيب الجبين:
"هؤلاء عددهم قليل، وهم أصلاً من كان يرفض الجنسية السورية، كانوا من الحاصلين على الجنسية التركية، ولم يقدموا على الجنسية السورية خوفاً من سحب الجنسية التركية منهم وبالتالي حرمانهم من أراضيهم في تركيا حسب القانون الذي وضعه عصمت إنونو، بدليل أن محمد كرد علي وهو من السليمانية كان قد حصل على الجنسية السورية وأصبح وزيراً للمعارف".
بدايةً، أتمنى أن يكون النقل دقيقاً؛ لأنني أردت العودة إلى الفيديو، لكنني لم أجده. على كل حال، هذا كان فحوى كلامه.
لا أعلم إن كان كلام الأستاذ إبراهيم نابع عن عنصرية فطرية أو مكتسبة، أو عن جهلٍ بالقضية الكردية في سوريا، وفي الحالتين نحن أمام مصيبة تتمثل في أن أحد وجوه الثقافة والإعلام السوري يتحدث بهذه السطحية، ويخلط عباس بدباس.
لن أخوض في القضية الكردية في سوريا، أو في تاريخ مسألة المجردين من الجنسية، فقد أخذت هذه المسألة حيزاً كبيراً من البحث، لكن أريد تفنيد النقاط التي أوردها الأستاذ إبراهيم، لعله يراجع ضميره ومعلوماته قبل أن يتسلم حقيبة وزارة الثقافة المثقلة بالإرث القومي المتشدد.
نبدأ بما أسماه بقانون عصمت إنونو:
يشير الأستاذ إلى قانون «المقابلة بالمثل» التركي لتفسير منع السوريين من تملك العقارات في تركيا، ويظن أن القانون صدر أصلاً ضد السوريين أو أصدره عصمت إنونو. والحقيقة أن الأمر أكثر تعقيداً من ذلك. فقد صدر القانون رقم 1062 سنة 1927 في السنوات الأولى للجمهورية التركية، حين كان مصطفى كمال أتاتورك رئيساً للدولة، ولم تكن سوريا قد نالت استقلالها بعد، بل كانت خاضعة للانتداب الفرنسي. ولم يأتِ القانون آنذاك بوصفه إجراءً موجهاً ضد السوريين تحديداً، بل كأداة قانونية تخول الحكومة التركية اتخاذ تدابير مماثلة بحق رعايا أي دولة تتخذ إجراءات تمس أملاك المواطنين الأتراك أو حقوقهم.
غير أن القانون اكتسب ارتباطه الشهير بالسوريين في مرحلة لاحقة، مع تصاعد الخلاف حول لواء إسكندرون في أواخر الثلاثينيات. فبعد ضم اللواء إلى تركيا سنة 1939، برزت نزاعات معقدة حول الملكيات والأراضي الواقعة على جانبي الحدود الجديدة، وبدأت سلسلة من الإجراءات والتدابير المتبادلة بين البلدين. ومع مرور الوقت تحولت هذه التدابير إلى واقع قانوني وإداري جعل المواطن السوري من أكثر الفئات الأجنبية تعرضاً لقيود التملك في تركيا، ومع ذلك لم تجرد الدولة السورية مواطنيها القاطنين على ذلك الطرف!
ولم تتبلور هذه السياسة بصورة كاملة في عهد أتاتورك أو خلال فترة عصمت إنونو، بل ترسخت تدريجياً بعد استقلال سوريا، وبلغت أشد صورها خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين، أي في العشر سنوات التي كان فيها إنونو خارج السلطة.
أما بخصوص أن المجردين من الجنسية كانوا من الحاصلين على الجنسية التركية، فعلى الأستاذ معرفة أن كل السوريين كانوا من رعايا الدولة العثمانية يوماً.
فعند انهيار الدولة العثمانية وظهور الدول الحديثة في المشرق، لم يكن الانتقال إلى مفهوم “الجنسية” عملية بسيطة أو عادلة لكل الناس، خصوصاً لسكان المناطق الحدودية. فجميع السكان كانوا رعايا عثمانيين، يتنقلون بين المدن والقرى ضمن فضاء سياسي واحد، دون أن تكون الحدود الحالية قائمة. ومع تشكّل الجمهورية التركية من جهة، وقيام كيانات سياسية جديدة في سوريا وبلاد الشام تحت الانتداب الفرنسي من جهة أخرى، أصبح معيار تحديد الجنسية يعتمد بشكل أساسي على “مكان الإقامة” عند لحظة ترسيم الحدود وتطبيق الاتفاقات الدولية، وليس على الأصل أو الانتماء التاريخي أو الروابط العائلية الممتدة عبر الجغرافيا.
إلى جانب ذلك، فإن الحدود نفسها في تلك المرحلة لم تكن مرسّمة بدقة كما هي اليوم، بل كانت في كثير من المناطق الحدودية خطوطاً إدارية وسياسية وهمية وغير مستقرة أو واضحة تماماً على الأرض، تتبدل مع الاتفاقات الدولية والتحولات العسكرية والإدارية. وهذا الغموض زاد من صعوبة تحديد الانتماء القانوني للأفراد، وجعل كثيراً من القرى والعشائر تعيش واقعاً يتجاوز الحدود الرسمية أو لا تعترف به فعلياً.
هذا التحول أدى عملياً إلى حالة إنسانية معقدة في القرى والمدن الحدودية، حيث وجدت عائلات منقسمة بين دولتين، وأفراد من الأسرة الواحدة انتهى بهم الأمر في سجلات قانونية مختلفة تماماً. بعضهم اعتُبر مواطناً تركياً لأنه كان يقيم داخل الحدود الوهمية الجديدة، وآخرون اعتُبروا سوريين لأنهم وجدوا أنفسهم على الجانب الوهمي الآخر عند لحظة التحول. بل إن عدداً من الأشخاص وجدوا أنفسهم في منطقة رمادية بين النظامين، لا تثبت لهم جنسية واضحة أو يطلب منهم مراراً إثبات انتمائهم القانوني، ما أدى في حالات كثيرة إلى حرمان فعلي من الحقوق الأساسية أو تقييد الحركة والتملك. وهكذا تشكلت واحدة من أكثر النتائج قسوة لترسيم الحدود الحديثة، حيث تحول الانتماء الجغرافي اللحظي إلى معيار حاسم يفوق الروابط الاجتماعية والتاريخ المشترك بين سكان المنطقة.
على الرغم من ذلك، فإن إحصاء العام 1962 لم يستهدف هذه الفئة، فهذه الفئة لم تكن تمتلك قيوداً رسمية أصلاً، وتم وصفهم قانونياً بمكتومي القيد.
يمكن لنا أن نتناقش مطولاً حول هذه الفئة، وأسباب عدم حصولهم على الوئائق الرسمية، أو عن عدم وجود قيود لهم ضمن دوائر الأحوال المدنية، ويندرج تحت هذه الفئة الكثير من العوائل العربية كذلك.
تتعلق القضية أساساً بالذين تم تجريدهم من الجنسية نتيجة الإحصاء الاستثنائي في العام 1962، هؤلاء كانوا من الحاصلين على الجنسية بعد فصل سوريا عن الدولة العثمانية، بحكم أن قراهم أصبحت ضمن أراضي الدولة الوليدة، فهولاء لم يدخلوا أراضي الدولة السورية، بل دخلت الدولة السورية إلى أراضيهم وغيرت تبعيتها وتبعيتهم القانونية.
فبعد انهيار الدولة العثمانية، لم يكن انتقال السكان إلى أنظمة الجنسية الجديدة نتيجة اختيار شخصي أو انتقال فعلي، بل جاء كتحول قانوني فرضته الاتفاقات الدولية وترسيم الحدود الحديثة. فالناس في جوهرهم ظلّوا على أرضهم التي عاشوا فيها جيلاً بعد جيل، لكن الذي تغيّر هو الإطار السياسي الذي فُرض على هذه الأرض.
جاءت معاهدة لوزان عام 1923 لتُشكّل الأساس القانوني للدولة التركية الحديثة وترسم الحدود الدولية الجديدة في المنطقة، ومن خلالها بدأ تثبيت مفهوم “المواطنة” بدل الانتماء العثماني العام. لكن هذا التحول لم يترجم إلى قانون فردي واضح لكل إنسان، بل ترك لتشريعات الدول الناشئة التي قامت بتحديد مواطنيها وفق معايير إدارية وقانونية، أبرزها الإقامة الفعلية والتسجيل في سجلات الدولة الجديدة.
في الواقع، كان كثير من السكان في المناطق الحدودية يعيشون في قراهم وأراضيهم دون أن يدركوا أن الحدود السياسية قد تحولت فوقهم. ومع صدور القوانين اللاحقة في تركيا وسوريا تحت الانتداب الفرنسي، أصبح الانتماء القانوني يبنى على لحظة تاريخية محددة: أين كان الشخص مسجلاً ومقيماً عند لحظة تثبيت الحدود وتشكل الدول، وليس على ملكيته للأرض أو جذوره التاريخية فيها.
وهكذا وجد عدد كبير من الناس أنفسهم في وضع لم يختاروه، إذ بقيت بيوتهم وأراضيهم في المكان ذاته، بينما تغيرت صفة الدولة من حولهم. فصار بعضهم يسجل كمواطنين أتراك، وآخرون كسوريين، رغم أن الجميع عاشوا على الأرض نفسها قبل أن ترسم الحدود. وقد خلف هذا الواقع شعوراً عميقاً بالانقطاع القانوني عن التاريخ الجغرافي والاجتماعي المشترك، خصوصاً في المناطق التي لم تكن الحدود فيها مرسومة بوضوح كامل، حيث امتزجت الجغرافيا بالحياة اليومية أكثر من ارتباطها بخطوط سياسية ثابتة.
على الرغم من وجود قيود رسمية لهؤلاء منذ لحظة انفصال سوريا عن الدولة العثمانية، فقد تم سحب الجنسية منهم، وتم وضعهم قانونياً تحت فئة "الأجانب".
فالأجانب هم الذين كانوا مواطنين سوريين بحكم القانون، وتم تجريدهم من الجنسية لأسباب عنصرية بحتة.
أما مكتومو القيد، فهم الذين لم تكن لهم قيود في السجلات الرسمية، وهؤلاء أعدادهم قليلة مقارنة بعدد المجردين من الجنسية، وكما قلت، فإن من ضمنهم أعداد لا بأس بها من العرب.
أما بخصوص محمد كرد علي، فإنه مات في العام 1953، ولو عاش إلى زمن الإحصاء لسحبت منه الجنسية، مثلما حصل مع اللواء توفيق نظام الدين قائد الجيش السوري السابق، وشقيقه عبد الباقي نظام الدين، الذي انتخب نائباً في البرلمان السوري عام 1943، وانتخب مشرعاً في الجمعية التأسيسية المكلفة بوضع دستور جديد للبلاد يوم 15 تشرين الثاني 1949، بعدها تحولت الجمعية إلى مجلس للنواب فأصبح نائباً فيه وكان زعيم كتلة الجزيرة النيابية. ثم تولى مناصب وزارية عدة بين سنتي 1949 و1957، فكان وزيراً للزراعة في العام 1949، ثم وزيراً للعدل، ووزيراً للأشغال العامة والمواصلات في العام 1955، ثم وزيراً للصحة في العام 1956.
يحق لنا سؤال الأستاذ إبراهيم عن سببٍ، غير العنصرية، يدعو إلى تجريد عبد الباقي نظام الدين وتوفيق نظام الدين، وهما من مؤسسي الدولة السورية!
ونسأله: هل قائد الجيش السوري السابق وأخوه النائب عن الشعب والوزير لعدة وزارات، هما من رفضا الحصول على الجنسية!
أخيراً، يردد الكثير من العنصريين أن المجردين من الجنسية ومكتومو القيد ليسوا من سكان الجزيرة أصالة، بل من الذين هاجروا إلى سوريا بعد ثورة الشيخ سعيد بيران 1925، وهنا لا بد من توضيح أمرين يجهله هؤلاء العنصريون:
الأمر الأول: أن هذه المنطقة، هي بقعة جغرافية وديمغرافية واحدة، تم فصلها بقرار دولي رغماً عن إرادة سكانها، فانتقال عائلة من الشمال إلى الجنوب أو بالعكس، يشبه انتقال أحدهم من دوما إلى حرستا، أو من سراقب إلى معرة النعمان، أو من الموحسن إلى البوكمال.
الأمر الثاني: أن من جاؤوا إلى الجزيرة معروفون إلى اليوم، ويطلق عليهم اسم "المهاجرون/Mihacir" تمييزاً لهم عن بقية أبناء عشائر الجزيرة، والمفارقة أن المهاجرين كلهم يحملون الجنسية السورية، ولم يتم تجريد أحد منهم من الجنسية!
إذا كنت جاهلاً، فتعلم.
وإذا كنت عنصرياً، فتأدب أم جراح الناس ومظلمتهم التي لم يكن ذنبهم فيها إلا أنهم ولدوا على أرضهم التي أصبحت تابعة لدولة جديدة صنعتها الدول الاستعمارية.
#حسين_أحمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟